قصه انا حامل فی اواخر الشهر الخامس من حکایات نور محمد

أنا حامل في أواخر الشهر الخامس، ولسه بحاول أتعود على تقل الحمل وتعب المجهود اللي بيزيد كل يوم، وكل حاجة في الشقة بقت تمثل لي عبء. إمبارح الصبح جوزي صحى وقعد جنبي وقال لي بهدوء كده: إيه رأيك أعملك ركنة مريحة في الصالة تقعدي وتريحي عليها، وأجهزلك أكل يكفيكي الفترة الجاية عشان متدخليش المطبخ خالص ولا تتعبي نفسك؟ فبصيت له باستغراب وقلت له: ركنة إيه وتجهيز إيه؟ وبعدين أنا مش قادرة أقف دقيقة أساعدك ولا حتى أوجهك تعمل إيه، فقال لي ببساطة كأنه شايف الموضوع سهل: ما أنا هعمل كل حاجة، إنتي بس ارتاحي، فقلت له وأنا فعلًا حاسة بتعب وضهري واجعني: لا معلش أنا تعبانة النهارده ومش قادرة حتى أتناقش، فسكت شوية كده وبص لي وقال: عندك حق… ريحي إنتي، أنا كفيل بكل حاجة.
بعدها نزل شوية من البيت، وكنت فاكرة الموضوع خلص، لكنه رجع بعد شوية شايل أكياس كتير، لقيت فيها مخدات طبية مريحة جداً، وجهاز مساج صغير للرجلين، وأكياس تانية فيها خضار وفاكهة ولحوم، وكأنه بيجهز سبا ومطعم في نفس الوقت، وأنا واقفة أبص له ومش فاهمة هو بيعمل إيه بالظبط، وبعدها بالليل نزل تاني وجاب مرتبة صغيرة مريحة من عند واحد صاحبه، وكمان رن على أخته ولقيتها طالعة جايباله أطباق فويل وعلب تلاجة عشان يحفظ فيها الأكل، وكل ده بيجمعه بهدوء وكأنه مجهز خطة لوحده، والغريب إنه ما قال ليش كلمة واحدة ولا طلب مني أعمل حاجة، فقلت له وأنا مستغربة شوية: إنت كده بتحطني قدام أمر واقع؟ طيب حتى لو جبت كل ده أنا مش هعمل معاك حاجة ولا هروق وراك، فضحك كده وقال لي بهدوء: خليكي إنتي مرتاحة ومزاجك على جنب.
وبعدها بدأ يتحرك في الشقة رايح جاي، أسمع صوت تقطيع في المطبخ، وصوت حلل بتتحط على النار كأنه متعود يطبخ من زمان، وبعدها أسمع صوت ترتيب في الصالة وحاجات بتتحط جنب بعضها، وأنا قاعدة أبص عليه من بعيد ومش فاهمة هو ناوي يطلع إيه من الكركبة دي، ولا إزاي الموضوع كله ماشي كده لوحده، لكن سبت الموضوع وعدّى الليل وأنا قلت أكيد بكرا هيصحيني بدري عشان أقوله يبطل دوشة وألم الدنيا اللي قلبها دي.
لكن اللي حصل فاجأني، النهارده قبل الفجر بشوية صحي من النوم وصلى الفجر، وبعدها سمعت صوت حركة هادية في الصالة، وبعد شوية دخل عليا الأوضة وقال لي: هو زيت اللافندر اللي كنتي جايباه شيلتيه فين؟ فقمت وأنا نص نايمة وطلعت له الإزازة من التسريحة، وقلت له بهزار: والله ما هسيبك تحتاس وتدخل تتحايل عليا ألم معاك الخردة دي الصبح، وبعدها رجعت حطيت دماغي على المخدة ونمت تاني من التعب.
صحيت بعد كده حوالي الساعة حداشر ونص كده، وقمت وأنا متوقعة ألاقي الشقة يضرب يقلب، والمطبخ متبهدل من كتر الطبيخ، لكن لما خرجت من الأوضة ودخلت ناحية الصالة والمطبخ شفت منظر خلاني أقف مكاني مصدومة ومش مصدقة عيني…یتبع…
#الکاتبه_نور_محمد
شفت منظر خلاني أقف مكاني مصدومة ومش مصدقة عيني.. الصالة كانت بتلمع! مفيش كركبة، مفيش أي حاجة مش في مكانها، بالعكس، ريحة النضافة واللافندر كانت مالية المكان وبتهدي الأعصاب بطريقة غريبة.
في زاوية الصالة، لقيت الركنة اللي كان بيكلمني عنها معمولة بحب واهتمام مايتوصفش. حاطط المرتبة الصغيرة وعليها المخدات الطبية مرصوصة بطريقة تسند الضهر والقطنية عشان توفرلي أكبر قدر من الراحة، وفارش عليها دفاية ناعمة جداً. وجنب الركنة ترابيزة صغيرة عليها جهاز المساج، وكوباية عصير متغطية، وقزازة مية، وشاحن الموبايل، ونسخة من الكتاب اللي كنت لسه قايلة له من يومين إني نفسي أقرأه بس مكسلة أنزل أشتريه.
قلبي دق بسرعة ومشيت ناحية المطبخ بخطوات بطيئة، وأنا حاطة إيدي على بطني ومستنية أشوف الكارثة اللي أكيد سابها وراه بعد الطبخ.. بس فتحت باب المطبخ ولقيته بيبرق! الحوض فاضي ومغسول ومتنشف كمان، والرخامة بتلمع. فتحت التلاجة وهنا كانت الصدمة الحقيقية اللي خلت دموعي تنزل من غير ما أحس؛ الرفوف كلها مليانة علب تلاجة وأطباق فويل مرصوصة بنظام شديد، وكل علبة عليها ورقة صغيرة ملزوقة ومكتوب عليها بخطه: “شوربة خضار خفيفة عشان الغثيان”، “لحمة مسلوقة وحتة فرخة عشان الأنيميا”، “فواكه متقطعة لو جعتي بالليل والبيبي رفسك”، “عصير فريش من غير سكر عشان الضغط”.
قفلت باب التلاجة وأنا حاسة بكومة مشاعر متلخبطة.. فرحة، على إحساس بالذنب إني استهونت بتعبه، على حب كبير مالي قلبي. لفيت وشي ولقيته نايم على كرسي السفرة الصغير اللي في المطبخ، راسه ساندة على الترابيزة من كتر التعب والإرهاق، وإيده حاضنة كشكول صغير.
قربت منه براحة جداً عشان مشوفوش، وسحبت الكشكول من إيده بفضول. فتحته، ولقيته كاتب في الصفحة الأولى: “خطة طوارئ عشان راحة ست الكل وولي العهد”.
قلبت في الصفحات ولقيته مقسمها؛ صفحة كاتب فيها أرقام دكاترة الطوارئ والمستشفى، وصفحة تانية عامل فيها جدول لمواعيد أدوية الفيتامينات والحديد والكالسيوم بتاعتي بالدقيقة، والصفحة اللي بعدها كانت المفاجأة الأكبر.. لقيته كاتب معلومات طبية وصحية عن شهور الحمل جابها من على النت، ومسجل ملاحظات زي: “ممنوع تقف كتير عشان دوالي الحمل”، “مساج الرجلين بزيت اللافندر بيقلل التورم”، “الأكل يكون وجبات صغيرة عشان الحموضة”.
قعدت على الكرسي اللي قصاده وابتديت أعيط بصوت مكتوم عشان مايصحاش، بس من كتر الشحتفة حس بيا وفتح عينه مخضوض. قام وقف بسرعة وبصلي برعب وقال لي: “إيه؟! في حاجة بتوجعك؟ حاسة بطلق بدري ولا إيه؟ أكلم الدكتور؟”
ابتسمت وسط دموعي، وقمت وقفت ومسكت إيده وبستها وقولتله: “أنا كويسة، وأحسن واحدة في الدنيا طول ما إنت في ضهري.. أنا بس مش مصدقة إنك عملت كل ده لوحدك عشاني.”
اتنهد براحة ومسح دموعي وابتسم وقال لي: “يا عبيطة، إنتي شايلة حتة مني جواكي وتعبانة بيها ليل ونهار، لو أنا مشيلتكيش في عيني وقت ضعفك وتعبك.. أزمتي إيه في حياتك؟ أنا مش ضيف في البيت ده، أنا شريكك في كل حاجة، في التعب قبل الراحة.”
العبرة من القصة دي:
الجواز الحقيقي مش مجرد دبلة وفرح وصور حلوة بتنزل على السوشيال ميديا، الجواز بيبان معدنه في الأوقات اللي بنتعب فيها، في التغيرات اللي بتمر بيها أجسامنا ونفسيتنا. السند الحقيقي مش كلام رومانسي بيتقال في وقت الروقان، السند هو الأفعال.. هو إن الراجل يحس بوجع مراته ويشيل عنها من غير ما تطلب، من غير ما يحسسها إنها عبء أو مقصرة.
فترة الحمل دي من أصعب الفترات اللي بتمر بيها أي ست، بتحس فيها بضعف وتغيير في كل حاجة، ومحتاجة تطمن إنها مش لوحدها في المعركة دي. الراجل الواعي هو اللي بيفهم إن الحمل والبيت مسؤولية مشتركة، والست الأصيلة هي اللي بتشوف التعب ده وتقدره وتشيله فوق راسها. الرحلة دي بتكمل بالرحمة والمشاركة، عشان في النهاية يوصلوا لبر الأمان هما الاتنين، ويبنوا بيت أساسه الحنية اللي بتورث للأجيال اللي جاية.
لو عجبتك القصه ادعمها بلایك وکومنت ومتابعه لصفحتی للاسمرار مع تحیاتی الکاتبه نور محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *