بعد ماجوزی سابنی فی محطه

حصري لصفحة روايات رولا
بعد ما جوزي سابني في موقف الأتوبيس من غير مليم عشان “يربيني”، ست كبيرة كفيفة قالتلي: “مثلي إنك حفيدتي. سواقي في الطريق.. وجوزك هيندم أشد الندم إنه سابك هنا… أنا أغنى ست في البلد دي.”
​جوزي سابني في موقف الأتوبيس تحت المطر من غير شنطة، من غير موبايل، والدم كان لسة بيجف على شفتي. وبعدها نزل شباك عربيته المارسيدس السودا وابتسم بقلة أدب وكأن القسوة دي نكتة خاصة بيه.
​”روحي بيتك مشي يا علا،” – طارق قالها – “يمكن على الصبح تتعلمي ازاي تحمدي ربنا وتعرفي قيمتي.”
​أمه، نادية، كانت قاعدة جنبه ولابسة لولي، وبتضحك بصوت واطي. وفي الكنبة اللي ورا، سكرتيرته، ميارة، مالت لقدام ووهي بتلعب ببوكيه فلوسي بين صوابعها المتظبطة.
​”أنتِ مش محتاجة فلوس،” ميارة قالتلي. “أنتِ محتاجة تتربي.”
​العربية اختفت في وسط العاصفة وتراب المطر.
​لمدة دقيقة كاملة، وقفت تحت نور المظلة بتاع الأتوبيس اللي بيرهش، وبصيت على خيالي وهو بيلعش في بركة المية. ركبي كانت بتترعش، بس مش من الخوف.. من كتمة الغيظ والمسكة في النفس.
​طارق كان فاكر إني لسة الزوجة الهادية اللي دربها تتأسف على عصبيته، وعلى ديونه، وعلى نزواته، وعلى إهانات أمه ليا في عزومات العشا. كان فاكر إن عشان بطلت أجادل، يبقى بطلت أفكر.
​بس كان غلطان.
​من ثلاث شهور، كنت لقيت أول عقود قروض مزورة جوة الخزنة بتاع مكتبه. وبعدها الشركات الوهمية، وبعدها التحويلات البنكية من ورث أبا الله يرحمه لحساب شركته المقاولات اللي بتفلس. كنت صورت كل حاجة، وبعت ملفات متقفلة للمحامي بتاعي، واستنيت.
​أنا مشيت معاه الليلة دي بس عشان كان مواعدني بنتعشى مع مستثمرين. وبدال ده، ساق بيا أربعين دقيقة برة القاهرة، واتهمني إني “بجسس عليه”، وضربني بالألم لما طلبت موبايلي، ورماني زي الزبالة.
​أتوبيس عدى وصوته بيسفر من غير ما يقف.
​وفجأة سمعت صوت ست من ورايا.
​”يا بنتي،” قالت بهدوء زي دقات الجرس، “هو الراجل اللي رماكي ده، هو نفسه طارق عز الدين اللي مديون لنص البلد؟”
​لفيت.
​ست كبيرة كانت قاعدة على الدكة، ملفوفة في كاب صوف أوف وايت، وشعرها الفضي متظبط بالمليم. نظارة سودة مغطية عينيها، وعكاز أبيض ممدود على حجرها.
​”أنا أسفة،” هدمت بصوتي. “ما شوفتكيش.”
​”عارفة،” قالت. “معظم الناس مش بيشوفوني.”
​رفعت وشها ناحية الشارع اللي اختفى فيه طارق.
​”مثلي إنك حفيدتي،” قالت. “سواقي جاي في السكة. وجوزك هيندم أشد الندم إنه سابك هنا.”
​برقت فيها.
​بؤها ابتسم ابتسامة صغيرة، بس تخوف.
​”أنا إلهام الألفي،” قالت. “وأنا أغنى ست في البلد دي.”…
​قبل ما ألحق أرد، عربيتين جيب أسود كبار لفوا ودخلوا الشارع الفاضي.
​وقفوا جنب مظلة الأتوبيس تقريبًا في نفس اللحظة.
​تلات رجالة بلبس بدال سودة نزلوا، وواحد منهم جري بسرعة ناحية الحاجة إلهام ومسك شمسية فوق دماغها.
​”يا إلهام هانم.. إحنا قلبنا عليكِ الدنيا وبندور عليكِ في كل حته.”
​الحاجة إلهام مدّت إيدها بهدوء ومسكت إيدي: “دي علا حفيدتي.. طالعة معايا.”
​السواق تردد لحظة.. بس ثانية واحدة وما نطقش.
​جوة العربية، الحاجة إلهام مدت إيدها وادتني موبايل: “كلمي المحامي بتاعك.”
​بطني اتعصرت من الصدمة: “حضرتك عرفتي منين إن عندي محامي؟”
​ابتسمت وقالت: “عشان الستات الخايفة مش بتصور الأوراق المالية والسرية في السر.. اللي بيعمل كده الستات اللي بتجهز لنار الحرب.”
​اتسمرت مكاني وما عرفتش أرد.
​وبعدها الحاجة إلهام قالت كلمة أصعب وأصعب:
​”طارق مستولاش بس على فلوس ورث أباكي الله يرحمه.”
​طلعت ظرف مقفول بختم من شنطتها.
​”ده كمان زور إمضتي أنا كمان.. في تمانية وأربعين مليون دولار.”
​وقبل ما ألحق أنطق كلمة، السواق بص في المراية وقال: “يا إلهام هانم.. فيه عربية ماشية ورايا بتراقبنا.”
​نور كشافات عربية ظهر وراينا في الضلمة.
​الحاجة إلهام ضغطت على إيدي وقالت: “تمام أوي.. خليه ييجي. جوزك ده ما يعرفش مين اللي مستنيه ولا يعرف هو بيلعب مع مين.”
نور الكشافات فضل ماشي وراينا لحد ما وصلنا لبرج الألفي.
​وفجأة عربية طارق المارسيدس السودا فرملت بصوت عالي ووقفت ورا عربياتنا الجيب.
​طارق نزل منها زي المجنون والشرار بيطير من عينه، ووراه أمه نادية وميارة السكرتيرة ماشيين في ديله.
​”علا!” زعق بأعلى صوته. “اركبي العربية حالاً!”
​كنت هفرقع من الضخك.
​الحاجة إلهام نزلت من العربية، وضربت بعكازها الأبيض على أسفلت الرصيف.
​وش طارق اتغير في ثانية وألوانه اتخطفت.
​”إلهام هانم الألفي؟”
​”كويس إنك لسة فاكرني وعارفني،” الحاجة إلهام قالتها بثبات.
​نادية أمه ضحكتها اختفت فجأة والابتسامة اترسمت مكانها صدمة.
​طارق جري علينا وقال بسرعة: “أي حاجة علا قالتها لحضرتك دي كذب وتأليف!”
​الحاجة إلهام مالت براسها وقالت: “غريبة.. مع إنها لسة ما حكتليش ولا كلمة.”
​وفجأة، طلع ست محامين ببدلهم من ورا الأبواب الإزاز بتاع البرج.
​واحد منهم كان ماسك الأوراق والملفات اللي كنت بعتها للمحامي بتاعي في السر من تلات أسابيع.
​والتاني كان ماسك العقود اللي طارق زور فيها إمضاء الحاجة إلهام.
​بس الأخير كان ماسك حاجة في إيده خلت وش طارق يتخطف ويصفر زي الميت.
​صورة.
​حط الصورة في إيدي.. وأول ما بصيت فيها عرفت أبويا الله يرحمه واقف جنب الحاجة إلهام.
​وعلى ضهر الصورة، بابا كان كاتب بخط إيده: “لو جرى لي أي حاجة، احمي علا ابنتي من طارق عز الدين.”
إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الصورة.. دموعي نزلت مغرقة وشي، بس المرادي مش دموع قهر، دي دموع حق راجع بياخد تار سنين.
​طارق بص للصورة ورجع خطوة لورا، وشفايفه بتهتز: “ده.. ده كلام فاضي! الكلام ده ملوش أي أساس من الصحة!”
​الحاجة إلهام ضحكت ضحكة هادية بس يرعب منها أجدعها راجل: “أبو علا كان أخي وصديق عمري يا طارق.. وأنا اللي أشرت عليه يكتب الوصية دي ويحط شرط إن لو جرى له حاجة، كل أملاكه تروح لحساب مغلق تحت إشرافي الشخصي.. إنت كنت فاكر إنك بتسرق بنت يتيمة ملهاش ضهر، أليس كذلك؟”
​نادية أمه وشها اصفر وبقت تفرك في إيدها، والمجوهرات واللولي اللي لابساهم بقوا يترجوا من الرعب. قربت من طارق وهمست بصوت مسموع: “طارق.. يتصرف! قول حاجة! الشركة هتضيع!”
​ميارة السكرتيرة أول ما شافت ست محامين والشرطة البوليسية قربت توصل، رمت بوكيه الفلوس والشنطة على الأرض ورجعت لورا: “أنا ماليش دعوة! هو اللي ألمح لي أعمل العقود دي! أنا كنت بنفذ الأوامر بس!”
​طارق بصلها بغل وسخط: “اسكتي يا خاينة!”
​في اللحظة دي، صوت سرينة عربيات البوليس رنت في الشارع كله، وتلات عربيات شرطة وقفت وحاصرت المكان. نزل منهم ضابط ومعاه القوة.
​الضابط قرب ورَفَع كارت النيابة: “طارق عز الدين؟ مقبوض عليك بتهمة التزوير في أوراق رسمية، والنصب والإحتيال، والاعتداء بالضرب، والاستيلاء على أموال القصر والتركات.”
​طارق بصلي بعيون مليانة ترجي، ولأول مرة في حياتي أشوفه بينزل لرجليه: “علا.. سامحيني! أنا عملت كل ده عشان نسدد الديون ونبدأ من جديد! أرجوكي قولي لهم إنها مشكلة عائلية!”
​قربت منه بكل ثقة، وبصيت في عينيه بثبات وابتسمت نفس الابتسامة اللي ابتسامهالي في المطر: “امشي بيتك مشي يا طارق.. يمكن على ما توصل التخشيبة تتعلم ازاي تحترم الستات وتعرف قيمة النعمة اللي كانت في إيدك.”
​الظابط كلبش إيديه وإيد ميارة، ونادية أمه وقعت على الأرض بتصرخ وتولول من الفضيحة وسط الناس والمصورين اللي بدأوا يتجمعوا.
​الحاجة إلهام حطت إيدها على كتفي وطبطبت عليا بحنية: “يلا يا حفيدتي.. حقك رجع وزيادة، ودلوقتي جه الوقت اللي تبدأي فيه حياتك بجد وأنتِ مرفوعة الراس.”
​مشيت معاها وأنا باصة للسما، المطر كان بدأ يهدى، وعرفتي إن الشمس أخيرًا هشتشرق في حياتي من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *