حکایه لیان 1من حکایات نور محمد

رمتها أمها عند باب مستشفى حكومي مزدحم في قلب القاهرة، ولفّت جسمها الصغير ببطانية خفيفة كأنها بتحاول تخفف من قسوة القرار… وكانت الطفلة “ليان” تظن في البداية أن أمها دخلت بس عشان تجيب لها دواء، لكن لما شافت الباب الزجاجي بيقفل وراها من غير ما ترجع، فهمت إن أقرب إنسان لقلبها سابها… بإرادته.
كانت ليان لسه مكملتش تسع سنين، مريضة بضعف في القلب من يوم ما اتولدت، عاشت عمرها كله بين الأدوية والمواعيد، ومكنتش تعرف من الدنيا دي كلها غير حضن أمها وصوتها وهي دايماً بتطمنها وتقولها: “أنا جنبك يا ليان… مهما حصل”.
لكن “مهما حصل” دي جت أسرع بكتير من اللي تخيلته.
في الأيام الأخيرة، كانت بتسمع همس وكلام بيموت في السر بين أمها وجوز أمها، كلام عن “تكاليف العلاج”، “مستشفى خاص”، “عملية مستحيلة”، وعبارات تانية أقسى كانت بتعدي فوق راسها الصغير من غير ما تفهمها بالكامل… بس كانت حاسة بتقلها وبأنها همّ كبير عليهم.
الليلة دي بالذات، أمها منامتش… فضلت تمشي إيدها على شعرها وقت طويل، وكأنها بتطبع ملامحها في ذاكرتها وبتحفظها عن ظهر قلب.
وفي الصباح، خدتها معاها للمستشفى، وقعدتها على الكرسي الحديد البارد اللي جنب الطوارئ، وقالت لها بابتسامة تعبانة ومكسورة: “استنيني هنا يا حبيبتي… هروح أجيب لك الدكتور وأجي علطول”.
هزّت ليان راسها وهي مطمنة، وضمت لعبتها الصغيرة لصدرها… وقعدت تستنى.
عدت دقائق… بعدين ساعة… بعدين ساعتين.
الوشوش بدأت تتغير، والزحمة والدوشة بتزيد، والبرد بدأ يتسلل لعضمها، بس هي متحركتش من مكانها… كانت واثقة ومستنية إن أمها هترجع.
لكنها مرجعتش.
الخوف بدأ يزحف جواها بالتدريج، زي حمل تقيل كاتم على نفسها، قامت وبدأت تمشي بخطوات مهزوزة، بتبص في وش كل ست بتعدي من جنبها على أمل تكون هي… بس كل الوشوش كانت غريبة وباردة.
قعدت على الأرض في الآخر، ودموعها بتنزل في سكات، بتحاول تضحك على نفسها وتقول: “يمكن اتأخرت في الطابور بس… أكيد جاية”.
لكن كان فيه صوت جوة قلبها بيهمس بالحقيقة اللي مكنتش عايزة تصدقها:
“هي مش جاية”.
قربت منها ممرضة شابة، خدت بالها إنها قاعدة لوحدها بقالها كتير، فمخرطت ولطفت معاها وسألتها: “إنتي لوحدك يا حبيبتي؟ فين أهلك؟”
رفعت ليان عينيها الحمرا من كتر العياط وقالت بصوت مخنوق ومكسور: “ماما دخلت جوه… ولسه مجتش”.
ملامح الممرضة اتغيرت واتخطفت، بس حاولت متبيّنش حاجة، وخدتها معاها لجوّه، وقعدتها في أوضة صغيرة، وجابت لها كوباية مياه وحاجة تأكلها.
وهي ليان بتاكل ببطء ومن غير نفس، دخل دكتور في منتصف العمر، فضل باصص لها كتير وبتركيز، وبعدين بص للملف اللي الممرضة كانت بدأت تكتب فيه بيانات البنت.
سألها بهدوء: “اسمك إيه يا شطورة؟”
“ليان”.
“واسم مامتك الثلاثي إيه؟”
أول ما البنت قالت الاسم… الدكتور اتسمّر في مكانه وجسمه قشعر.
بص للممرضة نظرة سريعة وخاطفة، ورجع بص لليان، وعينيه فيها نظرة تانية خالص… مش مجرد شفقة على طفلة سابتها أمها، دي كانت صدمة وذهول.
خرج الدكتور من الأوضة بسرعة البرق، وكأنه افتكر حاجة خطيرة، وجري على أوضة الأرشيف القديم، وبدأ يدور وينبش في ملفات قديمة ومتبهدلة من سنين فاتوا.
وبعد كام دقيقة… لقى اللي بيصقّع عليه.
ملف قديم… مكتوب عليه نفس الاسم.
“ليان”.
فتح الملف بإيد بتترعش، وقرأ التفاصيل بسرعة وعينيه بتجري بين السطور، ولما وصل لصفحة معينة، وقف مذهول عند صورة صغيرة متدبسة فوق… لطفلة رضيعة.
كانت هي… نفس الملامح.
رجع الأوضة ووشه خاطف لونه زي الأموات، وبص لليان اللي كانت قاعدة في سكات، ومتبتة في لعبتها كأنها آخر حاجة فاضلالها في الدنيا.
قعد قدامها على ركبه ببطء، وتكلم بصوت واطي ومبحوح:
“ليان… إنتي اتولدتي هنا… في المستشفى دي بالذات من 9 سنين”.
رفعت راسها وبصت له باستغراب وعدم فهم.
الدكتور بلع ريقه وصوته اتهز وهو بيقول: “بس… فيه حاجة صدمة لازم تعرفيها”.
تردد ثواني، كأنه بيصارع نفسه مش عايز يكسر قلبها، بس في الآخر نطق وقال:
“مامتك… مش أول مرة تسيبك وتتخلى عنك النهاردة… هي عملت نفس الحركة دي وحاولت تسيبك وتهرب أول ما اتولدتي هنا في المستشفى!”
عيني ليان وسعوا على الآخر، وحست كأن الدنيا كلها اتهدت فوق دماغها في لحظة واحدة…
بس الصدمة الحقيقية ومصيبة العمر مكنتش في دي…
الصدمة كانت لما الدكتور قلب الصفحة الأخيرة في الملف القديم، وقرأ السطر اللي مكتوب بخط الإيد وصوته يكاد يكون مسموع من كتر الرعب:
> “التقرير الطبي الأخير: الطفلة تعاني من ضمور وتلف كامل في الصمام، ولن تعيش طويلاً إلا بنقل قلب بديل… وبسبب جينات الطفلة النادرة، المتبرع الوحيد المطابق بنسبة 100% اللي ينفع ينقذها ويموت مكانها… هو الأم!”
>
الدكتور رفع عينيه ببطء وهو مرعوب ونظر لليان، وقال لها بصوت هيموت من الخوف:
“ليان… مامتك لما رجعتلك من سنين وعيشتك معاها، مكنتش راجعالك عشان بتحبك… ولما سابتك النهاردة هنا بالذات، مكنتش بتهرب من مصاريف علاجك… مامتك كانت عارفة السر ده كويس.. والنهاردة الصبح، دخلت العمليات في السر باسم مزيف في المبنى التاني…!”
السكوت نزل على الأوضة زي الصاعقة، وليان مدمعتش المرة دي…
الدم نشف في عروقها وهي بتسمع باقي الحقيقة المرعبة اللي الدكتور اكتشفها في الملف، واللي خلت المستشفى كلها تقف على رجل واحدة…
الدكتور صوته كان بيترعش وهو بيبص للورقة اللي في إيده، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة مرعبة بين السطور، كأنه بيقرأ كتاب طلاسم.
ليان مكنتش فاهمة يعني إيه “دخلت العمليات باسم مزيف”، بس الجملة نزلت على قلبها الصغير زي الميّة المغلية. الممرضة الشابة واقفة حاطة إيدها على بُقها، والدموع جمدت في عينيها من الصدمة.
الدكتور قرب من ليان أكتر، ومسك إيديها الصغيرين اللي كانوا زي التلج، وقالها بصوت مخنوق:
> “ليان… أمك مجتش تسيبك وتمشي وتتخلى عنك زي المرة الأولى… أمك باعت بيتها وكل اللي حيلتها لجوزها عشان يوافق ييجيبها هنا… ودخلت العمليات الصبح من 4 ساعات تحت اسم (مريضة حادثة مجهولة الهوية)… عشان تديكي قلبها!”
>
الدنيا لفت بـ ليان. الأوضة بدأت تدور، وصوت ضربات قلبها الضعيف بقا عالي جداً في ودنها زي صوت الطبول.
الدكتور كمل والدموع نزلت من عينيه لأول مرة:
“الملف القديم بيقول إن فصيلة دمك والأجسام المضادة اللي في جسمك نادرة جداً، ومستحيل جسمك يقبل قلب أي حد تاني غيرها. هي مكنتش بتهرب من مصاريف علاجك يا ليان… هي لما سمعت جوزها بيقول إنك هتموتي هتموتي، قررت إنها تعيشك إنتي… وتموت هي. هي قعدتك هنا في الطوارئ بالذات عشان الدكاترة يلاقوا قلبك بيقف في نفس اللحظة اللي قلبها هيقف فيها… فينقلوهولك فوراً!”
في اللحظة دي بالذات… النور قطع في المستشفى كلها!
### لحظات الرعب في الممر المظلم
الهدوء اللي حل على المستشفى فجأة كان مرعب. ثواني معدودة، واشتغلت المولدات الكهربائية الإحتياطية، وبدأت لمبات الطوارئ الحمرا تنور الممرات بـ إضاءة كئيبة تخوف.
فجأة، انطلق صوت جهاز الإنذار في الممر الرئيسي… صوت “صفير” متواصل ومستمر، وده معناه حاجة واحدة بس في لغة المستشفيات: **(حالة توقف قلب مفاجئ في غرف العمليات).**
الدكتور اتنفض من مكانه، وبص للممرضة وزعق بعلو صوته: “كلمي الرعاية المركزة فوراً! اسأليهم حالة الوفاة اللي في أوضة عمليات رقم 3 دي مين؟! بسرعة!!”
الممرضة جريت على التليفون الداخلي وإيديها بتترعش، وطلب الرقم، وجسمها كله كان بيتنفض. وفي ثواني، وشها اتقلب للون أزرق، والتليفون وقع من إيدها على الأرض واتكسر مية حتة.
بصت للدكتور وقالت بصوت طالع بالعافية:
“دكتور… المريضة المجهولة اللي في أوضة 3… النبض عندها وقف تماماً من دقيقتين… والدكاترة أعلنوا الوفاة الإكلينيكية… وبيجهزوا الحالة لنقل الأعضاء لـ حالة طوارئ تانية واخدة أمر مباشر من وزارة الصحة!”
الدكتور صرخ: “أمر مباشر من الوزارة؟! لمين؟! البنت صاحبة الحق قاعدة قدامنا هنا!!”
الممرضة بكت بانهيار: “جوز أمها… جوز أمها مضى على ورق التبرع الصبح من وراها على أساس إن القلب يروح لمريض غني دافع ملايين عشان ياخد النسبة!! هو غفل الأم وخلاها تمضي على ورق تاني خالص!”
### اللعبة القذرة
ليان فجأة حست بـ نغزة قاتلة في صدرها… نغزة خلتها تقع من على الكرسي على الأرض، وهي بتصرخ وتتنفس بصعوبة. قلب الـ 9 سنين بدأ يرفرف زي عصفور بيموت.
الدكتور شالها بسرعة وسرير الطوارئ جه، ونيموها عليه. كان لازم يتحركوا فوراً لأوضة العمليات قبل ما قلب الأم يتنقل لشخص تاني، وقبل ما قلب ليان يقف للأبد.
وهما بيجروا بالسرير في الممر المظلم اللي منور بالأحمر، والتمريض حواليهم بيصرخوا عشان يفتحوا الطريق… ظهر من أخر الممر ضل راجل طويل، ملامحه شريرة وقاسية، وماشي بكل برود وثقة.
كان **”جوز أمها”.**
وقف في نص الممر وقفل طريق السرير، وبص للدكتور وبابتسامة صفرا مرعبة قال: “رايح فين بالبنت يا دكتور؟ البنت دي ملهاش عمليات هنا… أنا واصي عليها قانوناً بعد غياب أمها، وبقولك البنت دي هتخرج معايا حالاً!”
الدكتور زعق فيه: “أنت بني آدم إيه؟! أنت شيطان؟! أمها ضحت بحياتها عشانها، وأنت بايع قلبها بفلوس؟! ابعد عن السرير بدل ما أطلبلك الأمن!”
جوز الأم ضحك بصوت عالي ومستفز، وطلع من جيبه ورقة رسمية مختومة بختم النسر، ورفعها في وش الدكتور وقال:
“أنا معايا تفويض رسمي وولاة تعليمية وصحية على البنت دي… والقلب اللي جوه ده بقى ملك مستشفى استثماري تاني والوزارة ممضية على القرار. لو لمست البنت أو نقلت لها حاجة، هسجنك وهقفل المستشفى دي فوق دماغكم… البنت دي هتموت هنا، والقلب هيخرج من المستشفى دي في صندوق تلج حالاً!”
### المفاجأة الصادمة
في اللحظة دي، النور رجع بالكامل للمستشفى… وضهر ورا جوز الأم… **قوة من الشرطة ومعاهم مدير المستشفى!**
جوز الأم لف ليهم بثقة وقال للظابط: “سيادة الظابط، كويس إنكم جيتوا… الدكتور ده عايز يسرق أعضاء من مريضة متوفية ويديها للبنت دي من غير موافقتي!”
الظابط بصلة بنظرة حادة وباردة، وطلع الكلبشات من جيبه… وبكل قوة، مسك إيد جوز الأم وكلبشه!
جوز الأم صرخ بذهول: “أنت بتكلبشني أنا ليه؟! أنا معايا ورق رسمي!”
الظابط قاله بصوت هز الممر: “الورق الرسمي ده بله واشرب ميته… الأم ممتتش في أوضة العمليات يا روح أمك… الأم كانت عاملة حساب غدرك، ومسجلة فيديو لايف وموصلاه للنيابة قبل ما تدخل بأربع ساعات… والبوليس كان مراقبك من الصبح!”
الدكتور فرح وفال: “يعني الأم عايشة؟! نلغي العملية والقلب يرجع؟!”
مدير المستشفى بص للأرض بأسى ودموع، وقال للدكتور بصوت مرعوب:
“لأ يا دكتور… الأم فعلاً ممتتش في العمليات… ومفيش قلب هيتنقل لـ ليان من أمها…”
الدكتور وليان والظابط بصوا للمدير بذهول: “امال إيه اللي حصل جوه؟! وفين الأم؟!”
المدير بلع ريقه وبص لـ ليان اللي بتموت على السرير وقال الصدمة الكبرى اللي ملهاش حل:
> “الأم ممتتش على السرير… الأم هربت من أوضة العمليات من نص ساعة لما عرفت إن جوزها بيبيع قلبها… وهي دلوقتي واقفه فوق سطح المستشفى… وبتهدد إنها هترمي نفسها حالاً عشان قلبها يقف برة غرف العمليات ويسقط حق المستشفى الاستثماري فيه، ويموت معاها… لو بنتها مطلعتلهاش!”
> الکاتبه نور محمد
في نفس اللحظة… سمعوا من برة صوت صراخ رهيب من الناس اللي في الشارع، وصوت حاجة تقيلة جداً بتخبط في الأرض…!
**ياترى إيه الصوت اللي سمعوه في الشارع ده؟ هل الأم رمت نفسها فعلاً والقلب اتهرس وضاع الأمل؟ ولا فيه سر تاني مرعب مستني دكتور ليان برة؟**
*لو عايز تعرف باقي الأحداث المرعبة والصدمة الثالثة..فی الجزء الثانی”**!*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *