جوزي دخل ياخد دش
جوزي كان لسه داخل ياخد دش، فجأة شاشة موبايله نورت برسالة بتقول:
“أنا حامل.”
معيطتش… بالعكس، رديت عليها بداله وكتبت:
“تعالي البيت. مراتي مش موجودة الليلة.”
ولما عيلته كلها وصلت، فتحت ملف… وشُفت وشه بيجيب ألوان في نفس اللحظة.
الاسم كان متسجل على موبايله: “كاميلا السكرتيرة”.
فضلت باصة للكلمتين تلات ثواني بالظبط.
وبعدين… ضحكت.
ضحكة من غير صوت. مجرد ابتسامة سخرية اترسمت على شفايفي.
مسكت موبايله. على شاشة القفل طلب البصمة. حطيت صباعي.
والجهاز فتح معايا.
كان دايماً يقولي:
— أنا مش بخبي عنك حاجة. تليفوني بتاعك، امسكيه في أي وقت.
ودلوقتي بفكر… دي كانت الجملة المثالية لأي راجل واثق إن مراته عمرها ما هتتجرأ وتفتش وراه.
فتحت الشات بينه وبين “كاميلا”.
وكتبت ببطء وبمزاج:
— تعالي البيت. مراتي مش هنا الليلة.
ودُست “إرسال”.
بعدها حطيت الموبايل على الترابيزة، كأني بحط قنبلة شديت فتيلها ومستنياها تفرقع.
مسكت تليفوني أنا وفتحت جروب عيلته على الواتساب: كان فيه أبوه وأمه، أخته، كام عمة من الحشريين، وحتى عمه اللي غاوي يدي مواعظ عمال على بطال.
كتبت:
— يا جماعة، تعالوا بيتنا دلوقتي حالاً. في خبر سعيد أوي عايزين نعلنه.
بعت الرسالة.
وقعدت.
في الحمام، صوت الماية كان لسه شغال بقوة، كأن العالم اللي بره ده مش موجود أصلاً.
قومت ودخلت أوضة النوم.
هدومي كانت متعلقة بنظام مترتب أوي. كل الحاجات اللي بتعجب “دييجو”: ألوان فاتحة، لبس مقفول، ستايل “الست المحترمة”.
على مدار خمس سنين جواز، اتعلمت أتحول للست اللي تريحه هو.
بس الليلة دي، أنا مش محتاجة أريّح حد.
طلعت فستان حرير أسود وضيق، من النوع اللي كنت بقيسه قدام المراية وارجعه الدولاب تاني.
ولبسته.
قعدت قدام المراية.
كونسيلر. رسمت حواجبي. كحل.
وفي الآخر، الروج.
اخترت أغمق درجة أحمر عندي: أحمر زي إشارة الخطر.
ده الروج اللي دييجو جابهولي قبل كده وبعدين اتريق عليه وقالي:
— لونه فاقع أوي ومش لايق عليكي، مخلي شكلك… شرسة.
بصيت في المراية وحطيته ببطء، خطوة خطوة.
في المراية شُفت ست كنت سيباها من زمان: “فاليريا” بتاعة قبل الجواز، الست اللي بتعرف تقول “لأ”، اللي بتعرف إزاي تبتسم باحتقار لما حد يقلل منها.
فجأة باب الحمام اتفتح.
وصوت خطوات حافية على الأرض.
دييجو خرج، مش لابس حاجة من فوق ولافف فوطة على وسطه، وشعره بينقط ماية.
نده عليا بصوته الكسلان العادي بتاع كل يوم:
— فاليريا، ناوليني الفوطة، نسيتها.
ماتحركتش.
لف وشه وشافني.
عينيه نزلت على الفستان الأسود ووقفت عند شفايفي الحمرا.
اتسمر في مكانه.
— إنتي… بتعملي إيه؟ وإيه المكياج التقيل ده… رايحة فين؟
بصتله في عينيه وقولتله:
— مش رايحة في حتة. أنا مستنية حد.
دييجو كشر حواجبه بضيق، وكأن البيت ده مملكته وأي حاجة تخرج عن سيطرته تبقى غلطتي أنا.
— مستنية مين؟ وليه أنا معرفش حاجة؟
قربت منه خطوة وحطيت ملف تخين على الترابيزة، جنب موبايله بالظبط.
“طَخ.”
صوت واطي، بس حاد بيخطف الودن.
رديت عليه بهدوء:
— هتعرف دلوقتي.
بص للملف وبعدين بصلي، كأنه بيحاول يخمن إيه “الدراما” الجديدة اللي أنا مألفاها.
في نظره أنا كنت الزوجة الطيبة العبيطة، الست “الفاشلة” اللي بقالها سنين بتحاول تحمل ومفيش فايدة.
مكنش يعرف إني شايلة معايا حاجة، فلوس الدنيا متقدرش تسكتها.
جرس الباب رن.
ترررن.
دييجو اتنفض، وملامحه اتخشبت.
— مين اللي جاي في الوقت ده؟ الوقت متأخر.
رديت من غير ما أبصله:
— أبوك وأمك. أنا اللي كلمتهم.
وشه جاب ألوان في لحظة، كأن جردل ماية متلجة اتدلق عليه.
— كلمتيهم ليه؟ إنتي اتجننتي؟
مشيت ناحية الباب من غير ما أرد.
الجرس رن تاني ورا بعض.
فتحت.
أهله كانوا على الباب، أبوه وأمه وأخته وعمته. دخلوا وكلهم فضول وحماس عشان يعرفوا إيه “الخبر السعيد”.
حماتي ابتسمت وقالت:
— في إيه يا بنتي؟ هل أخيراً…؟
ملحقتش تكمل جملتها.
سمعنا صوت كعب عالي في الطرقة بره.
تك.. تك.. تك..
لفيت وشي.
دخلت واحدة شابة، لابسة جاكيت خفيف، شعرها ويفي، وريحة برفانها المسكر ملت المكان.
عينيها جات على دييجو على طول. نظرتها كان فيها خوف مع أمل، كأنها راهنت بحياتها كلها على وعد منه.
اتكلمت بصوت بيترعش:
— دييجو… أنا جيت.
البيت كله سكت مرة واحدة.
دييجو اتسمر في مكانه، الفوطة يادوب ملفوفة على وسطه، ووشه بقى أبيض زي الشمع كأنه شاف عفريت.
حماتي بصت للبنت، وبعدين بصتلي، وبعدين بصتله.
— مين دي يا دييجو؟
ابتسمت. مسكت موبايل دييجو، وفتحت الرسالة اللي كانت لسه على الشاشة ورفعت الموبايل عشان الكل يشوفها.
— دي سكرتيرة ابنك.
— وده بقى يا ستي «الخبر السعيد الكبير».
لفيت لـ كاميلا، وبابتسامة هادية ترعب قولتلاها:
— مش برضه حامل؟ ألف مبروك.
كاميلا اتصدمت وتجمدت مكانها.
دييجو خطى لقدام فجأة وهو بيجز على سنانه وصوته طالع زي الفحيح:
— فاليريا! إيه لعب العيال ده؟
مبصتلوش.
قربت من الملف.
عيون الكل بقت متعلقة بيه.
حطيت إيدي على الغلاف، وابتسمت وقولت ببطء:
— أعصابك.
— التقيل… لسه مجاش.
فتحت الملف.
وسحبت أول ورقة منه.
وفي اللحظة اللي دييجو قرأ فيها العنوان المكتوب بالبنط العريض…
الدم هرب من وشه تماماً.
تمتم بصوت واطي:
— لأ… ده مستحيل…
عيلته مدت رقابيها عشان تشوف.
حماتي قالت بشهقة:
— إيه ده…؟
رفعت عيني وبصتله مباشرة، وهمست:
— تحب تشرحلهم إنت الأول يا دييجو…؟
— ولا تحب أقرأه أنا بصوت عالي قدام الكل؟
:
الضربة القاضية
الصمت في الأوضة كان تقيل لدرجة إنك تقدر تسمع صوت دقات قلب “كاميلا” اللي كانت واقفة بتترعش. “دييجو” كان بيبص للورقة وعينيه بتتحرك بسرعة بين السطور، كأنه بيدور على أي كلمة تنقذه، بس مفيش.
سحبت الورقة من إيده بالراحة، ورفعتها قدام عينين حماتي اللي كانت هتموت وتعرف إيه المكتوب، وقرأت بصوت واضح وثابت، يقطع أي شك:
— “تقرير طبي نهائي: حالة عقم كلي.. نسبة الحيوانات المنوية صفر، واستحالة الإنجاب بشكل طبيعي أو حتى بالتدخل الجراحي.”
الكلمات نزلت على راس الكل زي الصاعقة. حماتي رجعت خطوة لورا وحطت إيدها على بوقها وهي بتشهق:
— عقم؟! ابني أنا؟ مستحيل! أومال… أومال اللي في بطن البنت دي إيه؟!
هنا بقى، أنا لفيت وشي وبصيت لـ “كاميلا”. البنت اللي دخلت من شوية رافعة راسها كأنها ملكة متوجة، كانت دلوقتي بتكش في بعضها وعينيها بتدور في الأوضة زي الفار اللي بيدور على مخرج.
ابتسمت ببرود وقولتلها:
— ده بقى السؤال اللي إنتي محتاجة تجاوبيه يا كاميلا.. تفتكري حامل من مين؟ عشان بتقرير الدكاترة، دييجو مستحيل يكون أب.
”دييجو” اللي كان متسمر، فجأة الدم غلى في عروقه. سابني وراح هجم على “كاميلا” ومسكها من دراعها بعنف وهو بيزعق بصوت هز جدران البيت:
— حامل من مين يا فاجرة؟! بتضحكي عليا وعايزة تدبسيني في عيل مش بتاعي عشان فلوسي؟! انطقي!!
كاميلا بدأت تعيط وتصرخ وهي بتحاول تفلت منه:
— التقرير ده مزور! مراتك بتكدب عشان توقع بينا.. هي بتغير مني عشان أنا قدرت أديك اللي هي مقدرتش تديهولك!
ضحكت بصوت عالي المرة دي.. ضحكة طالعة من قلبي بجد.
— مزور؟ التقرير عليه ختم أكبر دكتور ذكورة وعقم في البلد، المستشفى اللي دييجو راح عمل فيها التحاليل من ست شهور من ورايا، بس المستشفى بعتتلي النتيجة بالصدفة على الإيميل المشترك بتاعنا.
بصيت لـ “دييجو”، اللي ساب كاميلا ووقف يبصلي بصدمة. وكملت كلامي، بس المرة دي بنبرة قاطعة مفهاش ذرة رحمة:
— خمس سنين يا دييجو.. خمس سنين بتعيرني وتلمح إني “فاشلة” وإني ست ناقصة عشان مش عارفة أحمل. كنت بشوف في عينيك نظرة الشفقة الممزوجة بالاحتقار، وأنا ساكتة. ولما عرفت الحقيقة من ست شهور، سكتّ برضه.. قولت أحافظ على كرامتك ورجولتك قدام نفسك وقدام أهلك، وكنت مستنياك تيجي تصارحني عشان نقف جنب بعض.. لكن إنت اخترت إيه؟
شاورت على كاميلا اللي كانت بتعيط في الكورنر:
— اخترت تثبت رجولتك المزيفة مع واحدة بتستغلك، وتخوني في سريري، وتكمل في المسرحية القذرة دي!
نهاية المسرحية
حمايا اللي كان ساكت طول الوقت، قرب من ابنه وضربه بالقلم على وشه.. قلم رن في الصالة كلها.
— إنت متستاهلش ضفر الست الأصيلة دي.. فضحتنا ونزلت راسنا في الطين.
حماتي قعدت على الكرسي وهي بتعيط وتندب حظ ابنها الفضيحة اللي اتكشفت قدام العيلة كلها.
أما أنا.. فكنت في قمة هدوئي. مديت إيدي في الملف، وطلعت الورقة التانية والأخيرة. حطيتها على الترابيزة قدام “دييجو” وقلم فوقها.
— دي ورقة الطلاق يا دييجو. أنا متنازلة عن كل حاجة، مش عايزة منك قرش واحد، لأن حريتي وكرامتي أغلى من كل فلوسك.
بصلي وعينيه مليانة دموع وندم، حاول يمسك إيدي وهو بيترجاني:
— فاليريا، أرجوكي.. اديني فرصة، أنا كنت غبي، أنا ضيعت كل حاجة.. أنا ماليش غيرك!
سحبت إيدي بقرف، ورفعت راسي بكبرياء:
— الفرصة خلصت يوم ما فتحت باب بيتي للرخص. امضي الورقة، ولمّ الفضيحة اللي إنت عملتها مع السكرتيرة بتاعتك.
أخدت شنطة هدومي اللي كنت مجهزاها من الصبح وحطاها ورا الباب. فتحت باب الشقة، ووقفت ثانية واحدة، بصيت ليهم كلهم، وقولت جملتي الأخيرة:
— البيت ده كان محتاج ست “محترمة” عشان تستر على عيوبكم.. بس أنا من الليلة دي، ست حرة.
قفلت الباب ورايا بهدوء، ونزلت السلالم وأنا حاسة إن في جبل انزاح من على صدري. طلعت في الشارع، الهوا كان بارد ومنعش، أخدت نفس عميق.. وابتسمت. دي مكنتش نهاية حياتي معاه.. دي كانت أول صفحة في حياتي أنا.