صبحيه انتهت بطلاق الاخير حكايات انجي خطيب

رجعت بيت أبويا، دخلت الأوضة اللي اتربيت فيها، قفلت الباب عليا ووقعت على السرير. فضلت باصة للسقف ساعات، بفتكر تفاصيل اليوم اللي بدأ بفرحة “عروسة” وانتهى بقرار “طلاق”. محستش بضعف، بالعكس، كنت حاسة براحة غريبة، كأن حمل جبال انزاح من على قلبي. الصبح، صحيت على صوت خناقة بره، قمت فتحت الباب لقيت “محمود” واقف مع أبويا، كان باين عليه التعب، عينيه غايرة، وواقف مكسور زي ما سابني مكسورة.
​أبويا كان رافض يدخله، بس أنا اللي خرجت. وقفت قدامه بعبايتي اللي كانت لسه فيها أثر التراب، وبصيت له نظرة خلت كلامه يقف في زوره.
​”جاي ليه يا محمود؟” سألته بصوت هادي، هدوء اللي مبقاش فارق معاه حاجة.
​بص لي وبدأ يتكلم بصوت مهزوز: “أنا عارف إني غلطت، عارف إني مقدرتش أقف لأمي، بس.. بس غصب عني، أمي دي يا شيماء، وأخواتي.. حاولت أحلها بس الدنيا كبرت مني، ارجعي البيت، الناس بدأت تتكلم، ومصلحتنا…”
​ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلت أبويا وأخواتي يكتفوا بإيديهم ويستنوا ردي.
​”مصلحتنا؟” قطعت كلامه، “أنت بتتكلم عن مصلحتك أنت وأهلك، مش عني أنا. أنت نسيت إن دي كانت ‘صباحيتي’؟ نسيت إنك وقفت تتفرج وأنا بنضرب؟ البيت اللي بتطلب مني أرجعله ده، مش بيت زوجية، ده سجن، وأنا مش سجينة عندك ولا عند أهلك.”
​حاول يمسك إيدي، بس أنا رجعت لورا خطوة، كأني لمست حاجة بتلسعني. كملت بصرامة: “أنا مش راجعة، ومحامي أبويا هيبعتلك أوراق الطلاق. اعتبر اللي حصل ده درس، مش بس ليا، ليك أنت كمان. اتعلم إن الكلمة اللي بتبدأ بـ ‘أمي’ و’أخواتي’ قبل ‘مراتي’ و’حقها’، نهايتها بتكون خراب.”
​محمود بص لأبويا كأنه بيستنجد بيه، بس أبويا هز راسه بالرفض وقال بكلمة واحدة: “كلمة بنتي هي كلمتي يا ابن الناس، روح في طريقك، وورقة طلاقها هتجيلك لحد عندك.”
​بص لي محمود مرة أخيرة، نظرة ندم مكنتش كافية، ولا كانت هتغير اللي حصل في روحي. مشي وهو بيجر خيبته، وأنا دخلت تاني، قعدت مع أمي، لأول مرة من يومين آكل لقمة من غير غصة، وأشرب شاي من غير ما أحس إني متهانة.
​الأيام اللي بعدها عدت، والطلاق تم في هدوء “قانوني” بعد تدخلات كتير من أعيان البلد اللي عرفوا الحقيقة. ما بين يوم وليلة، تحولت من “عروسة هاربة” لـ “ست خدت حقها”. في البلد، الناس اتكلموا كتير، بس كلامهم مكنش يهمني، اللي يهمني إني رجعت لكرامتي، وإني اتعلمت إن الجواز مش بس دبلة ومهر، الجواز اختيار، لو كان غلط، فالرجوع منه هو قمة القوة، مش نهاية العالم.
​بعد شهر، كنت قاعدة في جنينة البيت، ماسكة كتاب، وببص للسما، حسيت بنسمة هوا باردة، كأنها بتمسح آخر أثر للوجع. مش ندمانة على اللي حصل، لأن الوجع ده هو اللي خلاني أشوف الدنيا على حقيقتها، وخلاني أعرف إن اللي بيكسرني في أول يوم، مش هيحميني في باقي العمر.
​أنا شيماء، العروسة اللي رجعت من قلب الجحيم، وبدأت حياتي من جديد، من غير ما أسمح لحد، مهما كان، إنه يدوس على كرامتي تاني. خلصت الحكاية، بس الدرس فضل محفور، إن “الصباحية” الحقيقية مش بالأكل والدهب، دي بتبدأ من اليوم اللي تلاقي فيه اللي يقدر قيمتك ويحطك في عينيه، قبل ما يحطك في بيته.
………
بعد مرور سنة على الحكاية دي، حياتي اتغيرت 180 درجة. الصدمة اللي عشتها في “الصباحية” مبقتش جرح بينزف، بقت درس بحطه قدامي كل ما أجي أخد خطوة جديدة. رجعت كملت تعليمي اللي كنت مأجلاه بسبب الجواز، وبدأت أشتغل في شغلانة بسيطة في المدينة القريبة من بلدنا، استقلاليتي دي كانت أول خطوة في طريقي للتعافي.
​في يوم، وأنا راجعة من شغلي، لقيت أمي مستنياني بابتسامة غريبة، وقالتلي: “يا شيماء، محمود اتجوز.” حسيت بلسعة خفيفة في قلبي، مش حب، ولا ندم، بس استغراب من سرعة الزمن. سألتها ببرود: “ومين سعيدة الحظ؟” قالتلي إنها بنت من قرية تانية، وإن أم محمود هي اللي اختارتها، وبنفس الطقوس ونفس الأسلوب.
​في اللحظة دي، جالي إحساس غريب، مش تشفي، لأ، كان إحساس بالشفقة على البنت دي. فكرت فيها، بتدخل بيت أمه هي اللي بتديره، ومحمود اللي مش بيعرف ياخد موقف، ونفس “المنور” اللي ممكن يكون مستني أي عروسة تانية ترفع صوتها.
​بعدها بشهر، سمعت خبطة على بابنا. كان حد من قرايب محمود، جاي يسلم على أبويا، بس الصدفة خلتني أسمعهم وهما بيتكلموا في الصالة. كان بيقول لأبويا: “محمود حاله اتبدل، مراته الجديدة مش ساكتة زي شيماء، وخدت موقف من أول أسبوع، والبيت مولع نار، ومحمود مش عارف يلمها ولا عارف يرضي أمه، والست الكبيرة حست إن السحر انقلب عليها.”
​دخلت الأوضة وقعدت على سريري، مسكت صور الفرح اللي كنت لسه ما قطعتهاش، وبصيت في وشي في المراية. شفت شيماء اللي كانت خايفة ومكسورة، وشفت شيماء اللي واقفة دلوقتي، القوية اللي اختارت كرامتها. عرفت إن “الصباحية” مش هي اللي بتحدد قيمة الست، لكن “موقفها” هو اللي بيحدد.
​مشيت من البيت ومن ذكرياته، ومن غير ما ألتفت ورايا. محمود وأهله بقوا مجرد صفحة في كتاب حياتي، صفحة فيها دروس قاسية، بس علمتني أقرأ اللي جاي صح. دلوقتي، لما حد بيجي يتقدم لي، أول حاجة بكون حطاها في اعتباري، قبل حتى ما أسأل عن شغله أو بيته، هي: “هتسمح لأهلك يكسروني؟ وهتقف في ضهري لو الدنيا مالت؟”
​أنا اتعلمت إن الجواز مش “بيت عيلة” تعيشي فيه جارية، الجواز بيت “شريكين” بيحموا بعض. النهاردة، أنا مش بس “عروسة مطلقة”، أنا ست عرفت يعني إيه “نفسي”، وعرفت إن اللي ما يحترمكيش في بيته، ما يستاهلش أصلاً إنك تدخليه حياتك من الباب.
………
ومع الوقت، بدأت الدنيا تفتح لي أبواب تانية ما كنتش أتخيلها. قصة “صباحيتي” بقت حديث الناس في البلد، مش عشان يقطعوا في فروتي، لا، لأنها بقت “عبرة”. بقيت بشوف بنات لسه مخطوبين بيوقفوني في الشارع، يسألوني: “يا شيماء، نعمل إيه عشان نضمن حقنا؟”، وكنت بقولهم بمنتهى القوة: “الحق مش بيتاخد بالصوت العالي، بيتاخد بالثبات، بأنك من أول يوم ترسمي خطوط حمراء محدش يتخطاها، ولو اتخطوها.. تكوني جاهزة تمشي بكرامتك”.
​في يوم، وأنا في شغلي، دخل عليا شاب، كان بيشوفني لأول مرة، بس كان عارف حكايتي من خلال قرايب لينا. قعدنا اتكلمنا، كان مختلف تماماً عن اللي شفته قبل كدة؛ كان بيسمع أكتر ما بيتكلم، وقبل ما يفتح موضوع “الخطوبة”، سألني سؤال خلاني أبتسم: “أنا عارف اللي مريتي بيه، وعارف إنك بقيتي بتخافي من فكرة ‘بيت العيلة’. أنا مستعد نبني حياتنا في شقة مستقلة، ونحط قواعد لحياتنا سوا من غير تدخل حد، إيه رأيك؟”.
​كلماته كانت زي البلسم، مش لأنه بيوعدني ببيت، بس لأنه بيوعدني بـ “احترام” لقراري ولشخصيتي. حسيت إن الدرس اللي اتعلمته في “صباحيتي” ما راحش هدر، وربنا بعتلي حد يقدّر القوة اللي وصلت لها بعد الانكسار.
​اتجوّزنا بعد فترة، وعشت في بيت بعيد عن “بيت العيلة” وقرفه. في أول يوم، كنت بفتكر الفريزر الفاضي، والتلاجة اللي اتسرقت، والمنور اللي اترمينا فيه.. كنت ببتسم وبقول لنفسي: “الحمد لله إن كل ده حصل”. لولا اللي حصل، كنت هفضل “شيماء” الضعيفة اللي بتسمح لأي حد يدوس على كرامتها عشان “نظرة الناس”.
​دلوقتي، لما حد من أهلي يسألني: “يا شيماء، مش بتفكري في اللي فات؟”، برد عليهم وأنا في قمة طمأنينتي: “اللي فات ده كان درس غالي، وأنا الحمد لله طلعت منه بشهادة نجاح في ‘مدرسة الكرامة'”.
​قصتي خلصت، بس كل ما أشوف عروسة جديدة، بتمنى إنها ما تضطرش تمر باللي مريت بيه، وبتمنى إن كل ست تعرف إن “صباحيتها” الحقيقية مش بأكل بياكلوه أو دهب بيلبسوه، دي بتبدأ باللحظة اللي تقرر فيها إن “نفسها” غالية، وما ينفعش ترخص لأي حد، مهما كان. أنا شيماء، قدرت أكتب نهايتي بإيدي، وبدأت بداية تليق بيا.. بداية كلها احترام، واستقلال، وحب حقيقي.
……..
مرت الأيام، وبقيت بلاحظ في نظرات اللي حواليا حاجة جديدة.. نظرة احترام وتقدير، مش بس كـ “بنت نجت من طلاق”، لأ، كـ “ست عرفت قيمة نفسها”. جوزي الجديد، “أحمد”، مكنش بس شريك حياة، كان السند اللي عوضني عن كل خذلان شوفته، كان بيحترمني لدرجة إنه بيستأذن يدخل المطبخ لو أنا مش فيه، بيحترم مساحتي الشخصية، وبيحترم أهلي كأنهم أهله بالظبط.
​في يوم، وأنا في السوق، لمحت “محمود” من بعيد. كان شكله ذابل، كأنه كبر عشر سنين في سنة واحدة. مكنتش عايزة أواجهه، مكنتش عايزة حتى أفتكر اللي فات، بس هو اللي لمحني وجالي. وقف قدامي وعيونه مكسورة، وبصوت واطي قال: “كنت غلطان يا شيماء.. البيت من غيرك بقى جحيم، وأمي وأخواتي.. خلاص مابقتش أعرف أسكتهم، حياتي بقت جحيم زي ما كنتي بتقولي.”
​بصيتله ببرود، مفيش أي عتاب، مفيش أي شجن، مفيش حتى كره. الكره محتاج اهتمام، وأنا مابقتش مهتمة. قولتله بصوت هادي وموزون: “يا محمود، البيت اللي كنت بتبنيه على كسر كرامتي، طبيعي يتهد على دماغ اللي فيه. دي مش شطارة، ده عدل ربنا. أتمنى تكون اتعلمت إن الست مش ‘قطعة عفش’ بتدخلها بيتك وبتقول لأهلك يشاركوك فيها. أتمنى تكون عرفت إن الرجولة حماية، مش سلطة.”
​مشيت من قدامه من غير ما أستنى رده، وسبته واقف مكانه، يمكن بيفكر في “الصباحية” اللي ضيعها، ويمكن بيفكر في اللي كان ممكن يكون لو كان “راجل” في الوقت الصح.
​رجعت لبيتي، لأحمد، اللي كان مستنيني بابتسامته الدافيّة، شميّت ريحة الغدا اللي كان بيحضره بنفسه، ابتسمت ودخلت أساعده. قفلت باب بيتي ورايا، وقفلت معاه كل صفحة من الماضي.
​أنا دلوقتي مش “ضحية” ولا “عروسة سابقة”، أنا ست اختارت طريقها بوعي. اتعلمت إن الجواز مش “تكملة عدد” ولا “ترضية لأهل”، الجواز ميثاق غليظ، لو الطرفين مش فاهمين يعني إيه “احترام”، يبقى مفيش داعي للجواز من أصله.
​قعدت مع أحمد بنتعشى، وشفت في عينيه بكرة اللي كنت بحلم بيه. مسكت إيده وقلت لنفسي: “الحمد لله.. كان لازم أمر بالجحيم عشان أعرف طريق الجنة فين”. الصباحية الحقيقية هي اللحظة اللي بتصحي فيها كل يوم، وانتي عارفة إنك في المكان الصح، مع الشخص الصح، ومعززة ومكرمة في بيتك.. وده هو النجاح اللي بجد.
​انتهت حكايتي، وبدأت حياتي.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *