ابن بنتي المريض باتوحد 1

بنت بنتي سابتلي ابنها “حسن” -عنده 5 سنين ومريض توحد- قاعد على سجادة الصالة بيرص العربيات الصغيرة بتاعته في صف واحد زي عادته، ومشيت وهي بتحلف إنها راجعة بعد يومين تلاتة بالكتير. بعد يومين بالظبط، رنت عليا وقالتلي كلمتين هما اللي قلبوا حياتي جحيم:

“خليه عندك يا ماما.. أنا خلاص مبقتش قادرة أستحمل.”

قفلت السكة في وشي قبل ما ألحق أنطق بكلمة واحدة.

وحسن؟ لا هز راسه ولا التفت حتى. كان مكمل رص العربيات جنب بعض بنفس الدقة المعتادة، كأنه ميعرفش إن أمه لسه رامياه للزمن.

فضلت ماسكة الموبايل في إيدي فترة طويلة، معرفش قد إيه.. اللي أعرفه إن حفيدي كان عنده 5 سنين، لا بينطق، لا بيبص في عين حد، ولو سمع صوت عربية نقل معدية في الشارع يغطي ودانه ويصرخ.

وأمه؟ سابته وراها كأنه “كراكيب” مكنتش محتاجاها.

الكلام ده كان من 11 سنة. وصدقوني.. دي مش أكتر حاجة حرقت دمي.

أنا مدرسة متقاعدة، قضيت عمري كله بربي عيال الناس، بس حسن كان حالة تانية خالص. اضطريت أعيد تربية نفسي من الأول.. مشاوير الدكاترة، جلسات التخاطب، المراكز اللي كنت بصرف عليها معاشي كله عشان أقدر أجاريه. اتعلمت إني مش ممكن أحرك طبقه من مكانه، ولا أغير روتين يومه، لأن أي تغيير بسيط كان بيقلب كيانه ويهد الدنيا.

قعد 3 سنين كاملين عشان ينطق أول كلمة واضحة.. كانت: “مية”.

يومها عيطت من الفرحة أكتر منه. كان معاه كوباية بلاستيك صفراء قديمة ومشرخة، هي دي الكوباية الوحيدة اللي يشرب فيها، لو غيرتها يرفض يشرب تمامًا. 11 سنة لسه محتفظ بنفس الكوباية.

بس الوجع الحقيقي مكنش في اللي أمه عملته.. الوجع إن حسن مَسألش عنها ولا مرة. 11 سنة، ولا مرة قال “فين ماما؟”. كأنها مكنتش موجودة أصلاً. بس جسمه كان فاكر اللي لسانه مش عارف يقوله.. كل سنة في نفس الشهر اللي سابته فيه، حالته كانت بتدهور.. مبيعرفش ينام، مبيأكلش، وأحياناً كان بيخبط دماغه في الحيط. الدكاترة مكانوش فاهمين، لحد ما أنا فهمت.. جسمه كان فاكر الوجع، حتى لو عقله مش قادر يعبر.

حسن كبر، ولما وصل 12 سنة بدأ يتعلم برمجة لوحده. أنا مكنتش فاهمة يعني إيه “برمجة”، بس موهبته كانت مش طبيعية. ولما بقى عنده 16 سنة، عمل برنامج أمن سيبراني، وشركات تقيلة اشترته بملايين. المواقع اتكلمت عن “عبقري صغير” من غير ما يذكروا اسمه، بس أشاروا لسنه وإنجازه.

وبعد أسبوعين.. خبط الباب.

فتحت، لقيت “سارة” واقفة. بعد 11 سنة غياب، مفيش تليفون، مفيش زيارة، مفيش حتى “أزيك”. وواقف وراها محامي شايل شنطة مليانة ورق.

قال ببرود: “إحنا جايين بخصوص الولاية القانونية على القاصر.”

حسيت الدنيا بتلف بيا. الأوراق اللي معاهم بتقول إنها كانت بتبعت مصاريف، وبتزوره، وبتسأل عليه.. أختام وإمضاءات وإيصالات، كل حاجة شكلها حقيقي، بس أنا عارفة إنها كدب في كدب.

والصدمة الأكبر؟ إني عمري ما عملت ولاية قانونية رسمية على حسن. وفي نظر القانون، هي لسه أمه وليها الحق فيه.

بصيت في عينها وسألتها: “جاية دلوقتي ليه يا سارة؟”

ابتسمت ببرود وقالت: “جاية عشان ابني.. ده حقي.”

قولتلها: “ابنك ميعرفكيش أصلاً.”

ردت بهدوء مستفز: “يتعود.. وبعدين الفلوس اللي باسمه دي لازم حد كبير يديرها.”

الفلوس. قالتها بمنتهى البجاحة، كأن حفيدي مجرد “خزنة بنك”.

بالليل دخلت عليه أوضته، كان قاعد قدام اللابتوب. مقلتلوش حاجة، بس هو شال السماعة من ودنه وبصلي وقال: “يا تيتا.. متخافيش.”

كلمات بسيطة، بس بالنسبة لحسن كانت حصن. استعنت بمحامية شاطرة اسمها “هدى”، قعدت تراجع الورق وقالتلي: “دي أوراق مضروبة، المعركة دي إحنا كسبانينها.”

يوم الجلسة، حسن أصر يروح معايا رغم كرهه للزحمة. طول الطريق كان ماسك إيدي جامد.

في المحكمة، سارة قعدت تعيط قدام القاضي وتدعي إني حارماها من ابنها، ومثلت دور الأم المقهورة ببراعة لحد ما أنا نفسي صدقتها!

هدى همستلي: “لو مأثبتناش إن الورق ده مضروب، هنضيع.”

القاضي كان هيصدر حكمه.. وفجأة، حسن قام.

الولد اللي بيخاف من خياله، شال اللابتوب بتاعه، وطلع قدام القاضي، وطلب يوصل الجهاز بشاشة العرض.

لف وشه لسارة، ولأول مرة من 11 سنة بص في عينها مباشرة، وقال:

الصمت نزل على قاعة المحكمة كأنه حجر تقيل. القاضي، المحامين، وأنا.. كله كتم نفسه. حسن، اللي طول عمره بيترعب من لفت الانتباه وتغيير الروتين، كان واقف بثبات غريب، عينيه في عين أمه اللي كانت بتمثل البكاء والانهيار من ثواني.

​بصوت هادي جداً، خالي من أي انفعال أو مشاعر، قالها: “إنتي مش جاية عشاني… إنتي جاية عشان ده.”

​داس على زرار في اللابتوب بتاعه، والشاشة الكبيرة اللي وراه نورت. مكنش فيها مذكرات قانونية ولا كلام إنشا. كانت عبارة عن أرقام، تواريخ، وصور بتتحرك بسرعة. أول حاجة ظهرت كانت “سجل البحث” بتاع سارة على جوجل. الشاشة عرضت بالأدلة القاطعة إنها لمدة 11 سنة متواصلة، مكتبتش اسم “حسن” ولا مرة واحدة. أول مرة تبحث عن اسمه كانت من ستاشر يوم بالظبط.. في نفس اليوم اللي المواقع الإخبارية نزلت فيه خبر “العبقري الصغير اللي باع برنامجه بملايين”.

​المحامي بتاعها قام وقف يزعق وهو بيخبط على الترابيزة: “سيادة القاضي! ده اختراق للخصوصية وتلاعب رقمي، أطالب برفض الأدلة دي فوراً!”

​لكن حسن مدالوش فرصة يكمل. داس على زرار تاني، واشتغل تسجيل صوتي في القاعة. صوت سارة.. واضح، ونقي، كأنها واقفة تتكلم في الميكروفون. التسجيل كان لمكالمة بينها وبين المحامي بتاعها من أسبوع واحد بس.

سمعناها كلنا وهي بتقول بمنتهى القسوة:

“اسمع، الورق والإيصالات تتظبط بأي تمن. المهم نثبت للمحكمة إنه غير مؤهل نفسياً ومجنون عشان يتحط تحت وصايتي. الفلوس دي لو راحت لحد غيري هتبقى كارثة.. وبعد ما أستلم الملايين، نبقى نرميه في أي مصحة رخيصة، العبيط مش هيعرف يشتكي ولا يفتح بقه.”

​القاعة كلها شهقت. سارة وشها جاب ألوان، ودموع التماثيل بتاعتها نشفت في لحظة وبدأت ترتعش. القاضي خبط بالمطرقة بتاعته بعنف وهو بيبصلها باحتقار، وأمر الحرس فوراً بالتحفظ عليها وعلى المحامي بتاعها بتهمة التزوير، الشروع في النصب، وتضليل العدالة.

​اللحظة اللي الكلبشات اتقفلت فيها على إيدها، كانت لحظة غريبة. قلبي كان واجعني، بس عقلي كان بيسجد شكر لله إن حفيدي في أمان وإن الكابوس ده انتهى. حسن قفل اللابتوب بهدوء، نزل من على المنصة، رجع مسك إيدي جامد، وقال بصوته المعتاد: “يلا يا تيتا.. ميعاد الغداء جه.”

​رجعنا البيت. كنت حاسة إن جبل وانزاح من على صدري. دخلت المطبخ عملتله المكرونة اللي بيحبها، وحطيتله المية في كوبايته البلاستيك الصفرا القديمة المشرخة. اليوم مشي طبيعي جداً، قعد يرص عربياته كالعادة، كأننا مكناش في معركة حياة أو موت الصبح.

​بالليل متأخر، دخلت أوضته عشان أطمن عليه قبل ما أنام. كان قاعد في الضلمة، نور اللابتوب بس هو اللي ضارب في وشه، بس المرة دي.. ملامحه مكنتش هادية.

كان بيترعش.

حسن، اللي مبيهزش شعرة من مكانه، إيديه كانت بتترعش وهو بيكتب أكواد على الكيبورد بسرعة رهيبة، وعرق بارد نازل على جبهته.

​قربت منه بخوف وحطيت إيدي على كتفه: “حسن؟ في إيه يا حبيبي؟ إنت كويس؟”

​مردش عليا، بس لف الشاشة ناحيتي. مكنتش أرقام المرة دي. كانت كاميرا مراقبة جايبة بث مباشر من شقة سارة. الشقة كانت مقلوبة رأساً على عقب، كأن إعصار ضربها، وفي تلات رجالة ضخام لابسين أسود بيدوروا في كل حتة بجنون وبيكسروا العفش.

​حسن بصلي، ولأول مرة من يوم ما اتولد، شفت في عينه رعب حقيقي، وقاللي بصوت بيتقطع:

“سارة مكنتش جاية تاخدني عشان الفلوس يا تيتا… سارة كانت جاية تاخدني عشان تحميني منهم.”

​حسيت إن رجلي مش شيلاني، سألته برعب: “منهم مين يا حسن؟ مين دول؟!”

​بلع ريقه وقال:

“البرنامج اللي أنا بعته مكنش لشركة أمن سيبراني عادية.. أنا اخترقت سيرفراتهم واكتشفت إني بعت الكود لأخطر مافيا تجارة بيانات وتسليح في العالم. وهما اكتشفوا الثغرة اللي أنا سايبها في البرنامج عشان أراقبهم… سارة كانت متورطة معاهم، وحاولت تاخدني عشان تهرب بيا قبل ما يوصلولي.”

​قبل ما أستوعب الكارثة اللي نطقها، الشاشة فجأة سِودت تماماً.

ثواني، وظهرت عليها رسالة واحدة باللون الأحمر، اخترقت جهاز حسن، ومكتوبة لينا إحنا:

“والدتك كانت مجرد تشتيت… افتحوا الباب.”

​وفي نفس الثانية… أكره صوت ممكن أسمعه في حياتي رن في ودني.

صوت كالون باب شقتنا الخارجي… وهو بيتفتح ببطء بمفتاح من بره!

للباقي شوف اخر جزء من القصه بسرعه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *