في ليله فرحي صرخت بسبب
في ليلة فرحي، صرخت بأعلى صوتي لدرجة إن حمايا وحماتي اضطروا يكسروا باب الأوضة الخشب التقيل. كنت متكومة في ركن الأوضة، بترعش جوه فستان فرحي اللي اتقطع ومابقاش نافع تحتي.
حمايا زعق بعصبية:
“إنت عملت فيها إيه؟!”
أما جوزي، اللي متجوزاه بقالي يادوب اتناشر ساعة، اكتفى إنه يعدل كم قميصه بهدوء مستفز، وبصلي بعينين كلها كره وغل، وهمس:
“كان لازم تدفع التمن.”
بس اللي ماكانش يعرفه، إن الوحش الحقيقي كان بيراقبنا كلنا…
”يا طنط إليانور… أنا مستحيل أكون زوجة للراجل ده.”
قلتها وأنا محبوسة في ركن الأوضة، باخد نفسي بالعافية، وفستان فرحي الغالي المليان دانتيل متكرمش ومتبهدل تحتي، وعينيا مليانة رعب.. رعب حماتي عمرها ما شافته في عين أي عروسة يوم فرحها.
قبل ساعة واحدة بس، كانت جنينة القصر ريحتها كلها فل وياسمين، وتورتة الفرح، والأنوار اللي متعلقة على الشجر كأنها نجوم نزلت عالأرض. قرايبهم الأغنيا كانوا بيضحكوا ويهزروا، وآخر المعازيم مشيوا وهم بيهنوا العيلة على “الفرح الأسطوري”.
”إليانور” كانت مستنية اليوم ده بقالها سنين.
”جوليان” ده يبقى ابنها الوحيد، فخرها وسندها. مهندس ناجح، جد، مجتهد ومحترم.
ولما جابني البيت عندهم من سنتين، حست أخيرًا إن ربنا رزقها بالبنت اللي ماخلفتهاش.
أما أنا بقى، فكنت بنت غلبانة.
دخلت بيتهم ببلوزة بسيطة، وشايلة فوق كتافي هموم وديون عيلتي اللي مخبياها عن الكل، بس كنت ببتسم بكسوف، ومستعدة أساعد في أي حاجة.
وفي الوقت اللي عماته الأغنيا كانوا بيتوشوشوا ويتريقوا عليا، شمرت كمامي وبدأت أغسل المواعين من غير ما حد يطلب مني.
ومن اليوم ده، “إليانور” اتعودت تخبيلي حتت الشيكولاتة والحلويات الغالية، وبقت بتناديني: “يا بنتي”.
لكن وسط معازيم الفرح الليلة، كان مستخبي شبح من الماضي…
شخص شيطان وقفلي في طريقي وسط الزحمة، وهمس في ودني بتهديد دمر أعصابي.
قالي إني لو نطقت بكلمة واحدة الليلة دي، عيلتي هتخسر كل اللي باقيلها.
وعشان كده…
لما “إليانور” سمعت صرختي، قالت بعدين إن قلبها كان هيقف.
دي ماكانتش صرخة عروسة بتعيط.
دي كانت صرخة روح بتطلع، صرخة حد محبوس ومخنوق والهوا بيتسحب من صدره.
جوزها “ريتشارد” قام مفزوع من على سريره وقال:
“إنتي سمعتي؟”
بس إليانور كانت طارت على الباب وهي بتقول:
“دي مايا!”
جريت حافية في الطرقة، وخبطت على باب أوضتنا بكل قوتها.
”جوليان! مايا! افتحوا الباب!”
بس جوليان ماردش.
كان بس بيبصلي بعينين ميتة ومخيفة.
خبطت إليانور بعنف أكتر.
”يا بني… افتح الباب!”
ريتشارد زقها بالراحة، وضرب الباب الخشب التقيل بكتفه بكل قوته لحد ما الكالون اتكسر والباب اتفتح.
واللي شافوه جوه عمره ما كان منظر ليلة دخلة أبدًا.
السرير لسه مترتب زي ما هو.
الورد ماتلمسش.
وكوبايات العصير لسه مليانة.
أما أنا…
فكنت متكومة في ركن الأوضة، ضامة نفسي وبترعش من الرعب.
الراجل الحنين المحترم اللي اتجوزته من كام ساعة اختفى تمامًا.
وظهر مكانه واحد غريب، بارد، قفل الباب علينا وقطع الوهم اللي عشت فيه طول السنتين اللي فاتوا، وكشف عن سواد وخطة كان بيرتبلها في الخفاء.
إليانور نزلت على ركبها جنبي وهي بتعيط.
”يا بنتي… إيه اللي حصل؟ قوليلي.”
بس أنا بعدت عنها.
كنت عارفة إن كلمة واحدة مني ممكن تدمر عيلتي كلها مع طلوع شمس الصبح.
همست وأنا بعيط:
”طنط إليانور… أنا مقدرش أكون مرات الراجل ده… ده بيكرهني.”
سكتوا كلهم.
وريتشارد لف لابنه وزعق:
”إنت عملت فيها إيه؟”
بس جوليان مابنش عليه أي ذرة ندم.
بالعكس، عدل كمام قميصه بهدوء وقال:
”أنا مش مضطر أشرح أي حاجة الليلة دي.”
إليانور حست إن الدم هرب من وشها.
وأنا كنت بعيط وعاجزة عن الكلام، كأن في مسدس مخفي متصوب على راسي.
ريتشارد ساعدني أقف، وخرجت من الأوضة من غير ما أبص ورايا، وديل فستان فرحي المتقطع كان بيتجرجر ورايا على الأرض الخشب.
إليانور وقفت قدام ابنها وقالت بصوت بيترعش:
”جوليان… فهمني إيه الجنان ده؟!”
بص للباب اللي مراته خرجت منه من شوية، وقال ببرود يخوف:
”كان لازم تدفع التمن.”
إليانور جسمها اتنفض.
”تمن إيه؟”
رد وعينيه كلها غل وانتقام:
”تمن الحياه اللي هي دمرتها.”
وفي اللحظة دي…
إليانور فهمت إن الفرح ده ماكانش تتويج لقصة حب زي ما هي فاكرة.
ده كان فخ، فخ نفسي ملعوب صح، ابنها خباه ورا الورد والمزيكا الرومانسية وسنتين بحالهم من الحب المزيف.
وفي صباح اليوم التاني…
كان ناوي يحاكمني ويفضحني قدام العيلة كلها، وهو مش دريان إن الوحش الحقيقي موجود معانا جوه البيت، بيراقب كل حاجة في صمت…
وإن الأسوأ لسه مابدأش.
الليل كان طويل وتقيل كأنه جبل جاثم على صدري. طنط إليانور أخدتني أوضة الضيوف، فضلت قاعدة جنبي على السرير، بتمسح على شعري وإيديها بتترعش. ماكانتش بتسألني إيه اللي حصل تاني، لأنها شافت في عينيا رعب يخرس أي أسئلة.
كنت باصة للفراغ، بس عقلي ماكانش فاضي أبداً.. كان شريط الفرح بيتعاد قدامي مشهد ورا مشهد، لحد ما وقفت عند اللحظة اللي قلبت حياتي جحيم.
قبل الفرح بساعتين، كنت واقفة في الجنينة بصلح الميك أب بتاعي، بعيد عن الزحمة.. فجأة لقيت ضل ضخم بيغطي عليا. لفيت بابتسامة فاكرة إنه حد من المعازيم جاي يبارك، بس الابتسامة دي اتجمدت على وشي لما شفت “فيكتور”، عم جوليان.
فيكتور ده كان دايماً بيبصلي بنظرات غريبة، نظرات كلها احتقار متداري ورا ابتسامة صفرا. قرب مني لدرجة إني شميت ريحة السيجار الكوبي بتاعه اللي بتخنقني، ومال على ودني وهمس بصوت فحيح زي التعبان:
“فرحانة بالفستان الأبيض يا عروسة؟.. اسمعيني كويس عشان أنا مابحبش أعيد كلامي مرتين. لو فتحتي بوقك بكلمة واحدة عن اللي تعرفيه، أو لو فكرتي تلعبي دور الضحية الليلة.. أبوكي المريض ده مش هيطلع عليه الصبح، وأخوكي الصغير هيتلفقله قضية تخليه يعفن في السجن. انتي عارفة إني أقدر أعملها.. صح؟”
وقتها، الدم هرب من عروقي. أنا ماكنتش فاهمة هو يقصد إيه بـ “اللي تعرفيه”! أنا مأعرفش حاجة! أنا مجرد بنت بسيطة حبت مهندس غني وصدقت إنه بيحبها. حاولت أنطق، أقوله إني مش فاهمة، بس هو سابني ومشي بخطوات واثقة وسط المعازيم، كأنه لسه قايل لي نكتة.
ولما دخلت الأوضة مع جوليان، ولقيت وشه الحنين اتحول لوش شيطان، وبيقولي ببرود “كان لازم تدفعي التمن”.. فهمت إنهم بيلعبوا بيا لعبة قذرة، لعبة أنا الضحية الوحيدة فيها، ومتكتفة بتهديد فيكتور لعيلتي.
صباح اليوم التالي: المحاكمة
الشمس طلعت، بس النور ما دخلش قلبي. قمت من على السرير، غسلت وشي بمية ساقعة عشان أفوق. لبست فستان بسيط جداً من هدومي القديمة، كأني بتجرد من كل الكدب والزيف اللي عشته في القصر ده السنتين اللي فاتوا.
نزلت السلالم بخطوات تقيلة. القصر كان هادي هدوء يخوف، هدوء ما قبل العاصفة. دخلت الصالون الكبير، ولقيتهم كلهم متجمعين.
جوليان كان قاعد على كرسي في صدر المكان، لابس بدلة سودا كأنه رايح عزا مش عريس في الصباحية. وشه كان حجر، مافيهوش ذرة رحمة.
طنط إليانور كانت قاعدة بتعيط في صمت، وعمو ريتشارد واقف مربع إيده، ملامحه مليانة غضب وحيرة.
وفي الركن.. كان قاعد “فيكتور”، حاطط رجل على رجل، وبيشرب قهوته ببرود مستفز، وبصلي بنظرة كلها وعيد وتهديد.
أول ما دخلت، جوليان قام وقف، ورمى ملف كبير على الترابيزة اللي في النص وقال بصوت جمهوري رن في القصر كله:
“أخيراً شرفتي يا عروسة.. أظن جه الوقت عشان العيلة كلها تعرف حقيقتك، وحقيقة العيلة الواطية اللي إنتي جاية منها.”
إليانور صرخت فيه: “جوليان! احترم نفسك وإنت بتتكلم معاها، دي مراتك!”
رد عليها بضحكة سخرية قاسية: “مراتي؟ دي مجرد أداة.. دي بنت الراجل اللي دمر حياة أختي، اللي دمر عيلتنا من تلات سنين!”
الكلمة نزلت على راسي زي الصاعقة. أخته؟ جوليان ماعندوش إخوات! هو قالي إنه وحيد.
كمل جوليان وعينيه بتطق شرار:
“أنا ماكنتش وحيد يا أمي.. إنتي وبابا عارفين إني كان ليا أخت صغيرة، ‘سيلين’.. سيلين اللي ماتت مقهورة ومنتحرة من تلات سنين، والسبب؟ السبب كان أبو البنت دي!”
شاور عليا بإصبعه كأنه بيضربني بالرصاص. قلبي كان بيدق بسرعة لدرجة حسيت إنه هيقف. أبويا؟ أبويا أنا؟ الراجل الطيب الغلبان اللي شغال محاسب بسيط طول عمره؟
جوليان فتح الملف وطلع ورق وبدأ يرميه على الترابيزة:
“أبوها كان المحاسب المالي في شركة عمي فيكتور. الراجل ده سرق ملايين من الشركة، ولما سيلين بالصدفة بحكم شغلها في الحسابات اكتشفت ده.. هددها، ولفقلها تهمة اختلاس، وشوه سمعتها قدام الموظفين وفي السوق كله. سيلين ماستحملتش الفضيحة.. سيلين رمت نفسها من البلكونة بسببه!”
الدموع كانت بتغرق وشي. كنت بهز راسي بهستيريا. “لا.. لا.. أبويا عمره ما يعمل كده! أبويا أشرف إنسان في الدنيا، إحنا كنا عايشين على الكفاف، ملايين إيه اللي سرقها؟!”
جوليان زعق فيا: “اخرسي! أنا قعدت سنتين برسم الخطة دي. قربت منك، مثلت إني بحبك، دخلتك بيتنا، عشان أخليكي تعيشي في الجنة، وفي ليلة فرحك.. ليلة ما تفتكري إنك ملكتي الدنيا، أكسرك وأرميكي في الشارع وأفضح أبوكي وأسلمه للبوليس بالورق ده! ده تمن دم سيلين!”
بصيت للورق اللي على الترابيزة، وبصيت لجوليان اللي عماه الانتقام، وبعدين عيني جات على “فيكتور”..
فيكتور كان بيبتسملي ابتسامة مرعبة، نظرة بتقولي: لو اتكلمتي.. عيلتك هتموت.
هنا.. أجزاء البازل كلها اتركبت في دماغي.
أبويا ساب الشغل فجأة من تلات سنين، وجاله انهيار عصبي، ورفض يتكلم مع أي حد. فيكتور كان مديره.. سيلين اكتشفت الاختلاس.. فيكتور هو اللي كان بيسرق! هو اللي سرق، وهو اللي قتل سيلين أو دفعها للانتحار عشان يسكتها، وهو اللي لبس التهمة للمحاسب الغلبان (أبويا) عشان يخرج منها زي الشعرة من العجين.
ولما جوليان قرر ينتقم، فيكتور سابه يلعب اللعبة دي عشان يبعد الشبهة عن نفسه تماماً، والنهاردة، فيكتور بيهددني عشان أسكت وأشيل أنا وأبويا الليلة.
نقطة التحول: كسر حاجز الخوف
الخوف كان بياكل في عضمي. لو سكت، هخسر كرامتي وأبويا هيتسجن وممكن يموت فيها. لو اتكلمت، فيكتور ممكن ينفذ تهديده ويأذي عيلتي.
بصيت لطنط إليانور، لقيتها بتبصلي بنظرة رجاء، نظرة أم مصدقة إن بنتها بريئة.
في اللحظة دي.. افتكرت تعب أبويا، افتكرت أمي اللي بتصلي وتدعيلي، افتكرت إني طول عمري بمشي جنب الحيط.. بس الحيط ده طلع مهدود وهياخدني معاه لو ماتحركتش.
غمضت عيني، خدت نفس عميق سحب كل الأكسجين اللي في الأوضة، ولما فتحتهم.. الخوف كان مات جوايا.
مافيش وحش بيخوف أكتر من إنك تشوف أهلك بيتظلموا قدام عينك وتسكت.
قلت بصوت واطي بس حاد زي السكينة: “كفاية.”
جوليان ضحك باستهزاء: “كفاية إيه؟ إنتي لسه شفتي حاجة؟”
رفعت راسي، وبصيت في عينه مباشرة، نظرة خليته يرجع خطوة لورا من المفاجأة:
“أنا قلت كفاية يا جوليان! كفاية غباء، كفاية عمى! إنت قعدت سنتين تخطط وتلعب دور العاشق الولهان عشان تنتقم من بنت غلبانة، وتنتقم من راجل مريض قاعد في بيته مش لاقي تمن العلاج؟ طب فكرت تسأل نفسك لو أبويا سرق الملايين دي.. إحنا عايشين في فقر ليه؟ ليه أنا كنت بشتغل شفتين عشان أسد ديوننا؟”
رد وهو بيحاول يتماسك: “عشان خايفين تصرفوا الفلوس وتتفضحوا!”
ضربت بإيدي على الترابيزة بقوة خضتهم كلهم: “لا! عشان أبويا اتنصب عليه واتهدد! أبويا كان كبش فدا للوحش الحقيقي اللي قاعد وسطكم دلوقتي وبيشرب قهوته ولا كأنه عمل حاجة!”
كل العيون لفت ناحية “فيكتور”.
فيكتور وشه جاب ألوان، قام وقف بسرعة وحط الفنجان بعصبية وقال: “البنت دي اتجننت! ريتشارد، إنت إزاي تسمح لحتة بت زي دي تتهمني في بيتك؟ جوليان، ارميها بره وسيب البوليس يتصرف مع أبوها.”
بس أنا ما سكتش، قربت من الترابيزة، ومسكت الملف اللي جوليان راميه، وبدأت أقلب في الورق اللي عمري ما شفته قبل كده. عنيا كانت بتدور على أي ثغرة، أي حاجة تثبت كلامي.
وفجأة.. لقيتها.
رفعت ورقة من التحويلات البنكية المكتوبة بخط الإيد وعليها توقيع أبويا، ورميتها في وش جوليان:
“بص في الورقة دي كويس يا باشمهندس يا ذكي! بص على التاريخ! التاريخ ده يوم 15 نوفمبر من تلات سنين. اليوم ده أبويا كان بيعمل عملية قلب مفتوح في مستشفى حكومي، وكان بين الحياة والموت، وأنا وأمي كنا نايمين على الرصيف بره المستشفى! إزاي هيروح الشركة ويمضي على تحويلات بملايين في نفس اليوم؟!”
جوليان مسك الورقة، عينيه بتتحرك عليها بسرعة، وشه بدأ يبهت.. النظرة اللي في عينيه بدأت تتحول من ثقة لشك مرعب.
عمو ريتشارد قرب بسرعة، خطف الورقة من ابنه، وبص فيها، وبعدين بص لأخوه فيكتور.
فيكتور بدأ يعرق، صوته علي وبيحاول يداري توتره: “دي أكيد كانت توقيعات مسبقة.. الراجل ده حرامي محترف!”
قلتله بأعلى صوتي: “الحرامي هو إنت! إنت اللي هددتني إمبارح في الفرح وسط المعازيم! إنت اللي جيت قلتلي لو فتحتي بوقك هقتل أبوكي وأخوكي وأمك المريضة! ليه بتهددني لو إنت بريء؟ خايف من إيه يا فيكتور بيه؟”
إليانور شهقت وحطت إيدها على بوقها.
جوليان بص لعمّه، صوته كان بيترعش وهو بيسأل: “إنت هددتها إمبارح؟ الكلام ده بجد يا عمي؟”
فيكتور انفجر: “إنت هتصدق حتة شحاتة زي دي وتكدب عمك؟ دي بتلعب بيك عشان تخرج منها! أنا اللي مربيك، أنا اللي كبرت ثروة العيلة دي!”
هنا اتكلم عمو ريتشارد، بصوته الهادي اللي بيسبق العاصفة:
“بس أنا راجعت كاميرات المراقبة بتاعت الجنينة إمبارح بالليل يا فيكتور.. لأن طقم الحراسة بلغني إن في تحركات غريبة.. وشفتك وإنت محاصر مايا في الركن وبتهددها، بس ماكنتش فاهم بتقولها إيه لحد دلوقتي.”
الكلمة دي كانت رصاصة الرحمة على خطة فيكتور.
القناع وقع تماماً. الوحش ظهر على حقيقته.
فيكتور عينيه وسعت، بص يمين وشمال كأنه حيوان محبوس، وفجأة زق الكرسي اللي قدامه بكل قوته وطلع مسدس صغير كان مخبيه في الجاكت بتاعه، ووجهه ناحيتي.
”انتي اللي جبتيه لنفسك يا حشرة!” زعق فيكتور وصوته كله غل وجنون، “أيوة أنا اللي أخدت الفلوس! فلوسي أنا! أنا اللي كبرت الشركة دي وريتشارد كان بياخد كل الأرباح! وسيلين الغبية.. حشرت مناخيرها في اللي مالهاش فيه.. كان لازم تسكت.. كان لازم تموت!”
الاعتراف طلع من بوقه زي السم.
جوليان في اللحظة دي حسيته مات وهو واقف. الراجل اللي وثق فيه، عمه، بيعترف قدامه إنه هو اللي قتل أخته، مش بس كده، ده استغل حزنه وغضبه ووجههم ناحية ناس بريئة عشان يحمي نفسه.
قبل ما فيكتور يضغط على الزناد، ريتشارد كان أسرع منه. هجم على أخوه بكل قوته، الاتنين وقعوا على الأرض. المسدس ضرب طلقة طايشة كسرت فازة أثرية في الصالون. طنط إليانور صرخت وشدتني لحضنها.
الحرس دخلوا بسرعة على صوت الرصاصة، وكتفوا فيكتور اللي كان بيشتم ويزعق بهستيريا، وأخدوا منه المسدس.
ريتشارد قام من على الأرض، بينهج، وبص لأخوه بنظرة كلها كسرة وخيبة أمل:
“بلغوا البوليس فوراً.. وسلمولهم الملفات دي وكاميرات المراقبة.”
النهاية: الرماد لا يشتعل
بعد ساعة، البوليس كان أخد فيكتور. البيت اللي كان المفروض يكون عش الزوجية، اتحول لمسرح جريمة كئيب.
الهدوء رجع، بس هدوء ميت.
جوليان كان واقع على الأرض، ساند ضهره على الحيطة، حاطط وشه بين إيديه وبيعيط. بيعيط بصوت عالي، صوت راجل اكتشف إنه عاش السنتين اللي فاتوا في كدبة هو اللي صنعها، وإنه دمر البنت الوحيدة اللي حبته بجد.
طنط إليانور كانت قاعدة جنبي على الكنبة، ماسكة إيدي وبتبوسها ودموعها مش بتقف:
“سامحينا يا بنتي.. حقك عليا أنا.. إحنا ظلمناكي، أنا مش عارفة هبص في وشك إزاي بعد كده.”
ابتسمتلها ابتسامة باهتة، ومسحت دموعها:
“انتي مالكيش ذنب يا طنط.. انتي الوحيدة اللي عاملتيني كأني بنتك بجد، وعمري ما هنسالك ده.”
وقفت على حيلي، وسحبت شنطة صغيرة كنت مجمعاها قبل ما أنزل من الأوضة.
جوليان رفع راسه لما شافني واقفة. عينيه كانت حمرا، ملامحه مكسورة ومذلولة. زحف على ركبه لحد ما وصل تحت رجلي، مسك ديل فستاني البسيط وقال بصوت مخنوق بالدموع:
“مايا.. أبوس إيدك سامحيني.. أنا كنت أعمى! الحزن على سيلين كان عاميني، هو اللي زرع الفكرة دي في راسي لحد ما صدقتها. أنا حبيتك.. والله العظيم حبيتك في السنتين دول، كل ضحكة ضحكتها معاكي كانت حقيقية، أنا بس كنت بكدب نفسي! اديني فرصة واحدة أصلح اللي عملته، هعوضك إنتي وأهلك عن كل لحظة وجع، هعيش خدام تحت رجليكي طول عمري!”
بصيتله من فوق لتحت. مشاعري كانت متلخبطة. قلبي كان بيتقطع عشانه وعشان حالته، بس كرامتي اللي انداست إمبارح، والرعب اللي عيشتهولي وأنا بفستان الفرح.. كانوا أقوى من أي حب.
سحبت فستاني من إيده بالراحة، ووطيت لمست كتفه وقلتله بهدوء، هدوء أقوى من أي زعيق:
“الحب اللي بيتبني على كدبة وخداع يا جوليان، عامل زي القصر اللي مبني على رمل.. أول موجة بتطيره. إنت قعدت سنتين بتمثل، بتضحك في وشي وإنت من جواك بتسن السكينة عشان تدبحني بيها. لو كنت واجهتني من أول يوم، لو كنت واجهت أبويا، كنا عرفنا الحقيقة من زمان، وكانت سيلين ارتاحت في قبرها من بدري.”
مسحت دمعة هربت من عيني وكملت:
“إنت بتقول إنك حبيتني؟ اللي بيحب حد بجد مابيشوفوش عدو أبداً. أنا مسمحاك يا جوليان على الوجع اللي سببتهولي.. بس أنا عمري ما هقدر أكمل حياتي مع راجل نمت جنبه ليلة، وكان مستعد يصحى الصبح يرميني للكلاب.”
لفيت ضهري ومشيت.
ريتشارد كان واقف عند الباب، فتحلي الباب بنفسه، ووطى راسه باحترام واعتذار من غير ما ينطق كلمة.
خرجت من باب القصر. الشمس كانت في كبد السما، بتدفي وشي بعد ليلة من أبرد ليالي عمري.
مشيت في الجنينة اللي كانت امبارح مليانة أنوار ومزيكا وكدب، ودلوقتي فاضية وهادية.
أخدت نفس عميق، وطلعت تليفوني، رنيت على أبويا.
“ألو.. أيوه يا بابا.. أنا جاية في الطريق.. وحشتني أوي يا حبيبي.. لا متقلقش، أنا كويسة.. كويسة جداً.. في خبر حلو هقولك عليه لما أوصل.. الكابوس انتهى يا بابا.. الكابوس انتهى للأبد.”
قفلت الخط، وطلعت بره بوابة الحديد الكبيرة، وأنا عارفة إن ظهري مفرود، وراسي مرفوعة، وإن دي مش نهاية حياتي.. دي البداية الحقيقية لبنت قوية، نجت من عش الدبابير، وطلعت منه أقوى من الأول.