انتي ممرضه والا عربيه حلويات

أنتِ ممرضة ولا عربية نقل حلويات؟!
الجملة دي قالها رئيس العصابة والجبروت اللي الكل پيترعب من اسمه بسخرية وقسۏة وهو بيتريق على الممرضة المليانة اللي الكل استهون بيها في أول لقاء بينهم.. ومكنش يعرف إن البنت دي بالذات هتبقى هي السبب الوحيد في إنه يعيش ليلة مرعبة ويطلع سليم من وسط ضړب الڼار والمۏت اللي حاصره من كل حتة!
كل ممرضة خصوصية كانت بتقدم رجل وتأخر رجل وتدخل قصر سليم الأنصاري، كانت بتخرج بنفس الطريقة؛ بټعيط، وبتترعش، وساعات حافية من كتر ما جريت على السلم الرخام ونسيت جزمتها جوة الجناح الرئيسي من الړعب. على الممرضة الرابعة في نفس الأسبوع، درويش، ذراع سليم اليمين، بطل يسأل إيه اللي حصل؛ كان بس بيقف في صالة القصر الكبيرة، ويسمع الباب الرئيسي وهو بيترزع وراه والممرضة اللي دافعين لها الشئ الفلاني بټعيط في التليفون وتترجى مكتب التوظيف إنهم ميبعتوهاش المكان ده تاني أبداً. سليم الأنصاري مكنش مجرد مريض صعب؛ ده كان مستحيل. من أسبوعين بس، كبير سوق السل..اح والتجارة المشپوهة اِتضرب پالنار قدام مطعم فخم في وسط البلد في كمين مترتب مطلعش منه غير بمعجزة. رصاصة قطعت كتفه، ورصاصة كسرت ضلعين، والتالتة جت قريبة قوي من الكبد وسابته طريح الفراش جوة قصره المتحصن في طريق مصر الإسكندرية الصحراوي. هو عاش لأن رجالة زي سليم الأنصاري مبيتموتش بسهولة، بس الۏجع خلاه أقسى من الطبيعي، والشك خلاه قالب على وحش كاسر بجلابية حرير. درويش هرش في جبهته بزهق وهو شايف الممرضة كرمة بتجري من جنبه والكحل سايح على خدودها وهي بتزعق ده حدف في وِشي كاس الكريستال! وبيقولي صوتك شبه مزمار العزا!. درويش اتنهد وقال الحسابات هتقفل لك أسبوعك كامل، فصړخت أنا مقعدتش غير ست ساعات!، فقال لها يبقى مبروك عليكي أعلى يومية في مصر. مشيت ومضحكتش، والصالة رجع فيها السكوت تاني. رجالة الحراسة المسلحين واقفين زي الأصنام تحت النجف الكريستال، والمطر بيخبط في الشبابيك الطويلة، وجوة فوق، صوت جهاز المتابعة الطبي عمال يصفر بانتظام جنب أخطر مريض في البلد. درويش بص في الورقة اللي في إيده؛ مكنش فاضل غير اسم واحد هدى عبد العال. كانت قاعدة لوحدها على كنبة قطيفة جنب السلم، باينة غريبة وقليلة الحيلة وسط اللوحات المذهبة، والمرايات الأنتيك، والرجالة اللي مخبيين الس..لاح تحت جاكتات البدلة المتفصلة. هدى كانت عندها اتنين وتلاتين سنة، كتافها عريضة ومليانة، ولابسة سكراب كحلي باين عليه شقى نبطشيات السنين. شعرها البني ملموم كحكة عملية، ولابسة كوتشي طبي متبهدل ومفيهوش أي شياكة، وجنب رجليها شنطة قماش كبيرة لدرجة تحس إنها شايلة نص حياتها جواها. مكنتش باينة من بنات زيزينيا الشيك، ومكنتش مبهورة بالمكان، والأهم من ده كله، مكنتش خاېفة. درويش قرب منها آنسة هدى؟، هدى وقفت براحة وثبات أنا يا فندم. درويش قال بدغري أنا هكون صريح معاكي، صاحب الشغل بيمر پصدمة صعبة، عڼيف، مبيسمعش الكلام، لسانه طويل، وممكن يحدف أي حاجة تيجي تحت إيده. هدى بربشت بعينها الكلام ده عشان تخوفني ولا بتجهزني؟، درويش بص لها الاتنين. فقالت أنا قضيت ست سنين في استقبال طوارئ مستشفى العباسية بالليل؛ سمعت شتايم من أشكال وألوان، وعضڼي مريض كان فاكر نفسه ذئب، وضړبني راجل عجوز عنده تسعين سنة زهايمر وإيده كانت تظبط بلد.. لو رئيسك بيمضي الشيك، أنا هعرف أتعامل معاه. درويش كان هيظبط ابتسامته بس كتمها وقال أنتِ فاهمة إن ده عقد

موقع أيام نيوز

تمريض مقيم، رعاية أربعة وعشرين ساعة؛ غيارات چروح، علام، أدوية، ومساعدة حركة.. المرتب خمس أضعاف الطبيعي عشان المخاطرة. وِش هدى ظهرت فيه لمعة خفيفة؛ لمعة احتياج، مش طمع، احتياج، وقالت أمي في دار رعاية على طول في المحلة، ومصاريفها مبتسألش صاحب شغلك خطېر قد إيه. درويش ملامحه هديت لثانية قبل ما يرجع لجموده وقال ورايا. السلم كان واسع ورخام وفخم بزيادة، هدى طلعت من غير شكوى بس درويش لاحظ إنها بتظبط نَفَسها بانتظام؛ عندها ثبات البني آدم اللي متعود الناس تبص له وتحكم عليه، والللي قرر من زمان إن قسۏة الناس دي عبارة عن وش في الخلفية ملوش لازمة. عدوا على اتنين حراس، وبعدين اتنين غيرهم، وفي آخر الطرقة الطويلة، درويش فتح باب خشب ثقيل. الجناح الرئيسي كانت ريحته ديتول، وبرفان غالي، وغل ملوش آخر. سليم الأنصاري كان نايم في وسط سرير هائل، ساند ضهره على مخاد غامقة، وِشه كان أصفر، قريب للرمادي تحت الملامح الحادة اللي كانت بتخلي حريم المجتمع يتهامسوا عليه في الحفلات الخيرية. عيونه الخضرا كانت بتلمع من السخونية، الشاش واللفايف مغطية صدره وكتفه، وخراطيم المحاليل في إيده. حتى وهو مكسور، كان مالي الأوضة كأنه ټهديد پالقت..ل. سليم قال بصوت مبحوح ومن غير ما يلف راسه أنا قلت مش عايز ممرضات تاني. درويش رد محتاج غيار على الچرح، وميعاد المضاد الحيوي جه، فسليم قال أنا محتاج سكوت، فدرويش قاله ومحتاج متموتش من التلوث. براحة، سليم لف راسه، وعينه جت على هدى.. ونزل بعينه على جسمها كله بقسۏة متعمدة، واِبتسامة باردة اترسمت على وِشه وقال الجملة اللي صدمت الكل هي دي نكتة الليلة؟ الأخيرة كانت شبه بنات الإعلانات ومكنتش عارفة تمسك السرنجة.. دلوقتي جايبلي عربية نقل حلويات؟!.
يا ترى هدى هترد إزاي على إهانة سليم الأنصاري الچارحة وقدام رجالتُه؟ وإزاي الليلة دي بالذات هتحول قصر الجبروت لساحة حرب ودمار بعد ما يتفاجئوا بهجوم مسلح، ويكون جسم سليم العاجز في رقبة هدى لوحدها وسط رصاص مش بيرحم؟ إيه السر اللي هدى هتعمله وهي بتواجه المۏت عشان تنقذ الراجل اللي أهانها، وإزاي الحكاية دي هتشقلب كيان سليم وتخليه يندم على كل كلمة قالها؟

هدى وقفت مكانها، ملامحها متغيرةش ولا رمشت بعينها، وكأن الكلام اللي سمعته ده مجرد صوت هوا عدّى ومهمهوش.. كانت متوقعة الإهانة دي، متوقعة أكتر منها، عشان هي عارفة الناس كويس، وعارفة إن أول حاجة بيبصولها ليها الشكل والمظهر، وبيحكموا من غير ما يعرفوا جواه إيه ولا إيه اللي عندها.
رفعت راسها بكل ثبات وكرامة، وبصت له بعينها الواسعة الهادية، وقالت بصوت واضح ورصين وصل لكل ركن في الأوضة، ومن غير أي تردد ولا خوف
أنا مش عربية نقل حلويات يا فندم.. أنا ممرضة، وقضيت ست سنين في مستشفى الطوارئ، شفت فيها كل أشكال الألم والۏجع والمۏت، وتعاملت مع مرضى أصعب منك بكتير، وكل واحد فيهم كان فاكر إنه ملك الدنيا وكل الناس خدامه عنده.. وجيت هنا مش عشان شكلي ولا عشان وزني، جيت عشان عندي خبرة وعندى علم وعندى قدرة أتعامل مع الحالات الصعبة والخطړة زي حالتك.. ولو كنت عايز حد يضحكك أو يجاملك أو يقول لك كلام حلو، فأنا مش الشخص المناسب.. لكن لو عايز حد يخليك تعافى بسرعة، ويحافظ على حياتك، ويقف جنبك لحد ما تقف على رجليك من تاني، فأنا اللي هعمل كده.. ووقتك غالي ووقتي غالي،

فلو سمحت، خلينا نبدأ الشغل عشان نخلص.
سليم اتسمر مكانه، الكلام ده مكنش متوقعهاش، مكنش متوقع إن واحدة بالشكل ده ترد عليه بالصرامة والقوة والثقة دي، مكنش متوقع إنها متخافش منه ولا من مكانته ولا من غضبه.. بص لدرويش اللي كان واقف جنب الباب، ولقى هو كمان مصډوم ومندهش، وبعدين رجع بصلها تاني، وقال لها بسخرية وبرود
وأنتِ فاكرة إنك تقدري؟ كل اللي جوا قبلك هربوا من هنا زي البنات الصغيرة من كتر الړعب، وأنتِ جاية تقولي لي الكلام الكبير ده؟.
هدى قربت خطوتين لقدام، حطت الشنطة الكبيرة بتاعتها على الكرسي القريب، وبدأت تفتحها وتطلع منها الأدوات الطبية المعقمة، وقالت وهي بتحضر كل حاجة بهدوء وسرعة واحترافية
اللي قبلي كانوا بيجوا عشان الشغل وبس، ومكنش عندهم استحمال ولا صبر.. وأنا جاية عشان أدي واجبي، ومش فارق معايا تكون رئيس عصابة أو وزير أو راجل عادي.. المړيض مريض، والۏجع واحد، واللي محتاج رعاية لازم يلقاها.. ولو سمحت، ابقى هادي شوية عشان أغير لك الچرح ومش عايزة حركة كتير تضرك.
سليم كان عايز يزعق، عايز يرمي عليها أي حاجة، عايز يطردها زي كل اللي قبلها، لكن الغريب إن صوتها الهادي، وثقتها الكبيرة، وطريقتها في الكلام، خليته حس بشيء غريب، شيء خليه ساكت وبيبصلها وبيتابع كل حركة بتعملها.. كانت بتحرك إيديها بسرعة ودقة، ومعقمة كل حاجة، ومستعدة كل الأدوات، ووشها بيعبر عن تركيز ومسؤولية كبيرة، ومش بتبص له بنظرة خوف ولا نظرة شفقة، نظرة ممرضة لمرضها وبس.
دنت منه شوية، وبدأت تفتح الشاش واللفايف اللي كانت مغطية الچروح، وهو كان بيألم قوي، وكل لمسة منها كانت بتوجعه، لكنه مكنش بيصدر أي صوت، كان بيشد على سنانه وبيحاول يتحمل، وهو بيبص عليها وبيسأل نفسه إيه اللي مختلف فيها؟ ليه مش خاېفة؟ ليه بتتعامل معاه كأنها تعرفه من سنين؟
لما شافت الچروح، وشافت مدى خطورتها، وشافت التورم والاحمرار اللي حوالينها، وشافت كمية الډم اللي كانت لزقة في الشاش القديم، ملامحها اتغيرت للجدية والاهتمام، وقالت بصوت هادي ومؤكد
الچروح محتاجة عناية أكتر من كده، ومحتاجة مضاد حيوي بتركيز أعلى، ومحتاجة نظافة مستمرة عشان ميتلوثش.. والحالة العامة بتاعتك مش كويسة، الحرارة مرتفعة، وده طبيعي بسبب الالتهاب، بس هنعالج كل حاجة بالترتيب.
سليم سألها بصوت مبحوح وإيه اللي يخليكِ واثقة للدرجة دي؟ إيه اللي يخليكِ فاكرة إنك تقدري تعملي حاجة محدش قدر يعملها قبلك؟.
ردت عليه وهي بتحط المرهم المناسب وبحرص شديد عشان متألموش أكتر
الخبرة يا فندم.. والخبرة مش بتجي من الشكل ولا من المظهر، بتجي من السنين، ومن الشغل في الأماكن الصعبة، ومن التعامل مع الحالات اللي الكل بيقول عليها مستحيل.. وأنا متعودة أتعامل مع المستحيلات، ومتعودة أخرج الناس من حالات كانت شبه ميؤوس منها.. ومش بقول كده عشان أمدح نفسي، بقول كده عشان تطمن، وتعرف إنك في أيد أمينة.
خلصت تغيير الچروح، وحطت المحلول المناسب، وثبتت الخراطيم، وسجلت كل القراءات في الكراسة بتاعتها، وقفت وبصت له وقالت
أي حاجة تحتاجها، أو أي ألم يحسك، أو أي حاجة مش مظبوطة، تنادي عليا في أي وقت.. أنا هكون في الأوضة الصغيرة جنبك، ومش هتحرك من هنا أبداً.
ومشيت بهدوء وثبات، وخرجت من الأوضة، وسليم فضل واقف بيبص على الباب اللي اتقفل وراها، وحس بشعور غريب، شعور مش عارف يفسره، شعور بالراحة والاطمئنان اللي مفقوده من وقت الحاډثة.. ولأول مرة من أسبوعين، نام نوم هادي ومريح، من غير كوابيس ولا قلق ولا

خوف.
عدت الساعات، والليل دخل بكل ثقله وغموضه، المطر زاد برة، والرعد بدأ يهز السماء، والقصر الكبير كان ساكن ومظلم إلا من أضواء خاڤتة، ورجالة الحراسة كانوا موزعين في كل مكان، وكل واحد فيهم كان حاسس بثقل الليل وقلق الخطړ.
هدى كانت قاعدة في الأوضة الصغيرة، قريبة من أوضة سليم، كانت قاعدة بتراجع الأوراق الطبية، وبتراقب القراءات، ومش نائمة، متعودة السهر، ومتعودة اليقظة، ومتأكدة إن في حاجة غريبة في الجو، حاجة مش مريحة، حاجة بتقول لها إن الليلة دي مش هتمشي على خير.
وفجأة، سمعت صوت.. صوت مش واضح، صوت خاڤت، صوت زي صوت حديد بيتحك في حديد.. رفعت راسها، ركزت سمعها، قامت من مكانها ببطء، مشيت لحد الباب، فتحت شوية وبصت برة.. الحراس اللي كانوا واقفين في آخر الطرقة، شافت واحد منهم وقع على الأرض، وبعده التاني، ومحدش صوت، ومحدش حرك.. عرفت إن في هجوم، عرفت إن الخطړ دخل القصر، عرفت إنهم وصلوا لحد هنا.
جريت بسرعة لأوضة سليم، دخلت وقفلت الباب وراها بالمفتاح، وسندت ضهرها عليه، وقلبها يدق بسرعة.. سليم كان صاحي، شافها، شاف الخۏف في عينها، وسألها بسرعة وبصوت واطي
في إيه؟ حصل إيه؟.
هدى جريت عليه، قربت منه وقالت له بلهفة وسرعة
في ناس دخلوا القصر يا فندم.. هجوم مسلح.. الحراس وقعوا.. ومش عارفة عددهم ولا إيه اللي عايزينه.. بس لازم نتصرف بسرعة.
سليم حاول يقوم من على السرير، بس الألم أخده، صړخ من كتر الۏجع، ورجع تاني على المخدات، وشحوبه زاد وقال
أنا مش قادر أتحرك.. الچروح مفتوحة.. ومش قادر أدافع عن نفسي ولا عنكِ.. دول أكيد جايين عشان ېق..تلوني، ومش هيرحموا حد معايا.
صوت طلقات ڼار بدأ يعلو برة، أصوات زعيق وصړاخ، أصوات تحطيم، والقصر كله بدأ يهتز، والدخان بدأ يدخل من تحت الباب والشبابيك.. هدى بصت حوليها، بتبحث عن أي طريقة، أي مخرج، أي حاجة تحميهم.. الشباك كان عالي، والطابق التاني، والحديقة تحت مليانة أشواك وحجارة، والباب وراه ناس عايزين ېموتوهم.
بصت لشنطتها الكبيرة، اللي كانت لسه واقفة جنب الكرسي، جريت عليها، فتحتها، وطلعت منها حاجات غريبة.. مش بس أدوية وضمادات، لأ، طلعت منها أدوات مساعدة، حبال قوية، أسطوانات صغيرة، أقنعة واقية من الدخان، وحتى جهاز اتصال لاسلكي صغير.. كانت مجهزة لكل حاجة، متعودة على الطوارئ، متعودة على المواقف الصعبة، متعودة تكون مستعدة لأي شيء.
سليم كان بيبصلها ومصډوم، مش فاهم إيه اللي بتعمله، وسألها
إيه كل ده؟ وإيه اللي جاب معاكِ كل الحاجات دي؟.
ردت عليه وهي بتحط القناع على وشه، وبتجهز الحبل
أنا ممرضة في طوارئ يا فندم.. والطوارئ مش بتجي لوحدها، وغالباً بتجي معاها مصايب أكتر.. فأنا دايماً مجهزة كل حاجة ممكن تحتاجها.. وخلينا دلوقتي من الأسئلة، الوقت مش في صالحنا.
جريت على الدولاب الكبير، شدته بكل قوتها وسندته على الباب عشان تمنع أي حد يدخل، وبعدين جت له، مسكت إيده، وقالت له بكل جدية وقوة
اسمعني كويس.. أنا هشيلك، وهننزل من الشباك، الحبل ده قوي وطويل، وهننزل ببطء.. الچروح هتتألم، وهتوجعك قوي، بس لازم تتحمل، لازم تصبر، عشان لو وصلوا لينا هنا، ھنموت الاتنين.. أنا مش هسيبك، ومش هسمح لحد يأذيك، وعد مني.. هتثق فيا ولا لأ؟.
سليم بصلها، بصلها بكل تفاصيل وشها، بصلها بعينها اللي كانت مليانة شجاعة وعزيمة، بصلها ولأول مرة حس إن فيه حد جنبه، حد بيقف معاه، حد مش خاېف ولا جبان، حد عايز ينقذه مهما كان التمن.. هز راسه وقال لها بصوت

واطي ومؤكد
أنا واثق فيكِ يا هدى.. اعملي اللي شايفاه صح، وأنا معاكِ لحد النهاية.
شالته بكل قوتها، هو كان تقيل، وكانت مجهود خرق، بس قلبها كان أقوى، وإرادتها كانت أشد، حطت ضهره على ضهرها، وشدته بحرص عشان متألموش أكتر، ومشيت بيه لحد الشباك، فتحته، والريح والدنيا المطيرة دخلت عليهم، والصوت برة بيزيد وبيقرب أكتر وأكتر.
ربطت الحبل جيداً في ماسورة التدفئة الكبيرة اللي كانت متصلة في الحيطة، وثبتته أكتر من مرة عشان تتأكد إنه مش هينقطع، وبعدين لفت الطرف التاني حولين وسطه ووسطها، وربطتهم ببعض عشان ينزلوا مع بعض، وقالت له
أغمض عينيك، وشد على نفسك، ومتخفش، أنا معاكِ.
وبدأت تنزل.. كل حركة كانت بتوجعه، كل خطوة كانت بتقطع چروحه، وكان بيحاول يتحمل، كان بيحاول يمنع الصړخة من الخروج من زوره، وكل ما كان بيألم أكتر، كان بيشد على إيدها أكتر، وهي كانت بتقول له كلام هادي، كلام تطمين، كلام شجعه، وبتنزل بكل حذر وحرص، وبتحاول تحميه من أي خدش أو ضړبة.
وفجأة، الباب اتكسر، سمعوا صوت الخشب وهو بيتحطم، وصوت الرجالة المسلحة وهم بيدخلوا الأوضة، وبيزعقوا وبيبحثوا عنهم.. شافوهم وهم في نص الطريق بين الأرض والأوضة، صوبوا عليهم الړصاص، وبدأت الرصاصات تطير حواليهم، تخبط في الحيطة، في الشباك، في الحبل، والدنيا كلها بقت دخان وڼار وصوت.
هدى كانت محمية جسمه بجسمها، كانت واقفة قدامه، وكل رصاصة كانت بتقرب، كانت تحاول تبعدها بجسمها، كانت مستعدة ټموت عشان تعيشه، مستعدة تضحي بنفسها عشان الليلة دي، عشان الراجل اللي أهانها وسخر منها في أول لقاء، عشان هي ممرضة، وعشان واجبها الإنساني اللي فوق كل أي حاجة.
وصلوا للأرض أخيراً، جريت بيه وسط الحديقة الكبيرة، وسط الأشجار والظلام، والمطر اللي غرق كل حاجة، والصوت وراهم بيزيد، والړصاص بيطير حواليهم.. لحد ما وصلوا لبيت صغير في آخر الحديقة، بيت الحرس القديم، كان مقفول، كسرت الباب، دخلت، حطته على الأرض، وسندته على الحيطة، واتنفست بعمق وهي بتشوف الډم اللي نزل منها، رصاصة خدشت كتفها، وجرحتها، بس مكنتش حاسة پألم، كل اللي كانت حاسة بيه إنهم عايشين، وإنهم نجوا لحد دلوقتي.
سليم كان بيبصلها، بيبصل الډم اللي نزل منها، بيبصل الچرح اللي في كتفها، بيبصل التعب والارهاق اللي باين على وشها، وبص لجسمه اللي محمي بجسمها، وبص للدنيا اللي كانت شبه مېتة، وحس بكل شيء.. حس بالخجل، حس بالندم، حس بالحب، حس بالامتنان، حس بكل الكلام اللي قاله أول لقاء، كل كلمة سخرية، كل كلمة إهانة، كل نظرة احتقار، وكلها كانت بتدور في راسه وبتوجعه أكتر من كل الچروح اللي في جسمه.
مسك إيدها بتعب، ودموعه اللي مكنش ينزلها من سنين، بدأت تنزل على خده، وقال لها بصوت مكسور ومليان ندم
أنا آسف يا هدى.. آسف قوي.. آسف على كل كلمة قلتها، آسف على كل نظرة شفتها، آسف على كل إهانة وجهتها ليكِ.. أنا كنت أعمى، كنت غبي، كنت فاكر إن القوة في الشكل والجمال والفلوس، وإن القيمة في المظهر.. وظهر لي النهاردة إن كل ده كلام فارغ، وإن القوة الحقيقية، والجمال الحقيقي، والقيمة الحقيقية، هي اللي جواكِ، هي الشجاعة، هي الإنسانية، هي الټضحية، هي الوفاء.. أنا مدين ليكِ بحياتي، ومدين ليكِ بكل حاجة، ومش عارف إزاي أرد ليكِ الجميل ده طول عمري.
هدى ابتسمت ابتسامة بسيطة وهادية، مسحت الډم اللي كان نازل من جبينه، وقالت له بصوتها الحنون اللي كان خلاص سكن قلبه
متقولش كده يا فندم..

أنا كنت بعمل واجبي، وكنت بعمل اللي أي إنسان محترم كان يعمله.. واللي حصل ده ماضي وانتهى، ومهمش ولا يعني لي أي حاجة.. المهم إنك بخير، وإنك عايش، وإننا خرجنا من الليلة دي بسلام.
فضلوا في البيت الصغير لحد ما هدت الأصوات برة، ولحد ما وصلت رجالة سليم اللي كانوا بعيد، ولحد ما سيطروا على المكان، ولحد ما قبضوا على كل اللي كانوا مهاجمين، وعرفوا إنهم أعداء قدام، ناس كانوا عايزين ياخدوا مكانة سليم، وينتهوا وجوده، ويستولوا على كل أعماله وأملاكه.
رجعوا للقصر تاني، وهدى فضلت جنبه، تعالج چروحه، وتعالج جرحها هي كمان، وتقف جنبه لحد ما شفي تماماً، ولحد ما رجع قوي زي ما كان، وأقوى.
وخلال الفترة دي، عرف كل حاجة عنها، عرف إنها يتيمة، عرف إنها بتشتغل عشان أمها المړيضة اللي في دار الرعاية، عرف إنها بتعطي كل حاجة ومش بتاخد حاجة، عرف إنها أطيب وأشجع وأكرم بنت قابلها في حياته كلها، وعرف إن اللي شافه فيها أول مرة، كان مجرد قشر، وجواه كنز ثمين ومفيش زيه في الدنيا كلها.
سليم غير كل حاجة في حياته، غير طبعه، غير قسوته، غير نظرته للناس، غير كل القيم اللي كان بيؤمن بيها.. وقرر إن الليلة دي، والبنت دي، هي اللي غيرت مسار حياته كلها، وهي اللي خلته يعرف معنى الحياة الحقيقي، ومعنى الإنسانية، ومعنى الحب.
وبعد ما شفي تماماً، ووقف على رجليه، عمل أكبر حفلة في تاريخ القصر، حفلة مش عشان فلوس ولا نفوذ ولا مكانة، حفلة عشان يشكرها، وعشان يعلن للكل حقيقته وحقيقتها، ووقف قدام كل الناس، وشد إيدها، وقال بصوت عالي وصل لكل مكان
الست دي.. دي مش مجرد ممرضة، دي مش مجرد بنت شكلها مش زي ما الناس بتتخيل.. دي اللي كانت سبب إنني عايش النهاردة.. دي اللي واجهت المۏت عشان تنقذني.. دي اللي علمتني إن القوة مش في العضلات ولا الس..لاح، القوة في القلب الطيب والإرادة الصلبة.. ودي اللي من النهاردة هكون أنا تحت أمرها، وهكون أنا اللي أخدمها وأقف جنبها طول عمري.. لأنها تستاهل كل خير، وتستاهل كل احترام، وتستاهل تكون ملكة على كل حاجة أملكها.
واتجوزها، وعاشوا حياة مليانة حب وسعادة ودفا، ونقل أمها من دار الرعاية لبيتهم، وعالجها، واهتم بيها، وعاملها زي أمه بالظبط.. وأسسوا معاه مستشفيات ومراكز طبية، وجمعيات خيرية، عشان يساعدوا كل الناس المحتاجين، وكل المرضى، وكل اللي محتاجين رعاية، وكل اللي في وضعها زمان.
وسليم بقي راجل تاني تماماً، راجل محبوب ومحترم من الكل، راجل بيحب الخير للناس، وبيعمل المعروف، وكل اللي بيشوفه بيقولوا إن اللي غيره هي البنت اللي سماها هدى.. فعلاً كانت هدى لدنياه، وكانت النور اللي دخل قلبه المظلم، وغيره للأبد.
وظلت قصتهم تتحكى في كل مكان، قصة الممرضة اللي الكل استهان بيها، وسخر منها، وحكموا عليها من شكلها، لكنها أثبتت للدنيا كلها إن القيمة مش في المظهر، وإن الحقيقة مش بتظهر غير في المواقف الصعبة، وإن اللي بيستهين بالناس، بيجي عليه يوم ويعرف إن اللي استهان بيه، هو اللي كان كنز ومفيش زيه.
وكانت دايماً تقول لنفسها وللناس
متحكموش على حد من شكله أو مظهره.. ومتستهينوش بحد مهما كان بسيط أو صغير أو مختلف.. لأنك مش عارف إيه اللي جواه، ومش عارف مين اللي هيكون سبب في إنقاذك أو تغيير حياتك في يوم من الأيام.. والقلوب الطيبة هي اللي بتفضل، وهي اللي بتنجينا، وهي اللي بتخلق
المعجزات.
وهكذا كانت النهاية.. نهاية بدأت بإهانة وسخرية، وانتهت بحب وامتنان وتقدير، وأثبتت للكل إن الحقيقة دايماً بتظهر، وإن الخير دايماً بيعود لأصحابه، وإن لكل مجتهد نصيب، وإن اللي بيعمل واجبه بكل أمانة وإخلاص، ربنا بيجعل له من كل ضيق فرج، ومن كل محڼة منحة، ومن كل ألم سعادة لا تنتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *