اجوزته وانا مش طايقاه

​اتجوزته وأنا مش طايقاه، ورفضت إنه يلمسني من أول ليلة، بس هو فضل مستحملني وساكت.. لحد ما أمي باتت عندنا واكتشفت سر “الكيس الأسود” اللي كان بينزل بيه كل يوم الفجر!
​أنا اسمي نور، عروسة جديدة ما عداش على جوازي غير كام شهر. اتجوزت جواز صالونات من دكتور سنان اسمه سليم، ورغم كده قلبي كان مقفول من ناحيته من البداية. أمي كانت شايفة فيه العريس اللقطة؛ راجل محترم، هادي، ومرتاح مادياً، وكانت دايماً تقولي إن البنت اللي مالهاش أب لازم تدور على الأمان قبل الحب.
​بس أنا كنت حاسة إن الخطوبة دي حكم مفروض عليا.. لا كنت بديله فرصة يتكلم ولا بفتحله باب يقرب مني، رغم إنه كان بيحاول بكل ذوق وأدب. كان بيجبلي هدايا وورد، ويتكلم معايا بهدوء، ويفضل مبتسم حتى وأنا بصده، بس من جوايا كنت حالفة إني مش عايزاه.
​جه يوم الفرح وأنا حاسة إني مخنوقة، دخلت بيته وأنا بعدّ الدقايق كأني مسجونة مش عروسة. وفي ليلة الدخلة، دخل الأوضة بكل هدوء، فقلت له قبل ما يقرب خطوة: “أنا مش عايزاك تلمسني ولا تقرب مني”.
​كنت متوقعة يزعق أو يقلب الدنيا، بس لقيته بيسألني بهدوء: “ليه؟”.. قلت له إني مش جاهزة. سكت شوية وبعدين قال: “اللي يريحك.. تعالي كلي الأول عشان إنتِ ما أكلتيش حاجة من الصبح”.
​رفضت آكل، فخرج ورجع بصينية أكل حطها قدامي، واداني مفتاح الأوضة وقال لي: “كلي، وغيري هدومك، واقفي على نفسك الأوضة.. أنا هنام في أوضة الأطفال عشان ما تخافيش”. في اللحظة دي حسيت بحاجة غريبة، إحساس بالأمان ما كنتش عايزة أعترف بيه لنفسي.
​الأيام عدت على نفس الحال؛ بيطلب الأكل ويسيبلي منابي، وبينام في أوضة تانية، وبيتعامل معايا باحترام ملوش حدود، عكس كل الأفكار اللي كانت مخوفاني منه. لحد ما في يوم طلب يتكلم معايا. قعدت قدامه وأنا متخيلة إنه خلاص جاب آخره وهيطالب بحقه الشرعي. بس لقيته بيبصلي وعينيه مليانة حزن وبيقول: “لو إنتِ فعلاً مش عايزاني، وأهلك غصبوكي عليا، أنا عندي حل يخرجك من الحوار ده كله من غير أي فضيحة”.
​سألته إيه هو الحل ده؟ قالي بصوت مكسور إنه مستعد يقول للناس إنه مابخلفش، وإنك لسه بنت بنوت، وهيديكي دهبك ومؤخرك ومهرك بالكامل عشان تقدري تبدأي حياتك من جديد. ضحكت من الصدمة، وبعدين سكتت.. لأن دي أول مرة في حياتي أشوف راجل مستعد يشوه سمعته ويقلل من نفسه قدام الناس بس عشان ما يسيبنيش متعلقة في عيشة أنا مش عايزاها.
​بعدها بيومين، حصلت مشكلة بين أمي وجوز أختي، ومابقاش حد طايق قعدتها عنده. اتصلت بسليم وقلت له إني هجيب أمي تقعد معانا. ما سألش كتير، قالي بس: “جهزي لها الأوضة وأنا هروح أجيبها”.
​أمي جت، وسليم شالها فوق راسه كأنها أمه؛ يجهزلها الفطار، يشتريلها كل اللي بتحبه، ويسألها عن مواعيد دواها، لدرجة إني بقيت مكسوفة من نفسي ومن قسوتي معاه. كنا بنضطر ننام في نفس الأوضة قدام أمي.. أنا على السرير وهو على الأرض، وعمره ما حاول يستغل وجودها أو يحرجني.
​بس أمي لاحظت حاجة غريبة.. كل يوم الفجر وهو نازل يصلي، كان بياخد معاه كيس أسود مليان، ويرجع بيه فاضي. الموضوع اتكرر كذا يوم، لحد ما أمي سألته في مرة الصبح: “يا ابني، إيه حكاية الكيس الأسود اللي بتنزل بيه كل يوم ده؟”
​سليم اتلخبط لأول مرة، وقرب منها وقال بصوت واطي: “هقولك يا أمي.. بس أمانة عليكي ما تجيبيش سيرة لنور دلوقتي”. أمي سكتت قدامه، بس الفضول أكلها، وفتحت باب هيغير كل حاجة في حياتي.
​تاني يوم، أمي عملت نفسها نايمة، ومشت وراه من بعيد. شافته واقف قدام مستشفى حكومي صغير، وبيدي الكيس لراجل عجوز مستنيه على الباب. الكيس ما كانش فيه أكل وبس.. كان فيه علب لبن أطفال، بامبرز، وهدوم صغيرة لحديثي الولادة.
​لما أمي واجهته، ما هربش، وقالها إنه بقاله سنين متكفل بأطفال أهلهم سابوهم في الحضّانات، وإنه بيوديلهم حاجتهم كل يوم الفجر عشان محدش يحس بيه. أمي سألته: “ومخبي ليه؟”.. نزل عينه في الأرض وقالها: “عشان نور لو عرفت إني متعلق بالأطفال بالشكل ده، هتفتكر إني بضغط عليها عشان تبقى مراتي بجد غصب عنها”.
​أمي رجعت البيت وهي بتعيط، بس ما قالتليش على طول.. فضلت تراقبه بحزن وحنية. وفي ليلة، سمعتها بتتكلم معاه في المطبخ وبتقوله: “إنت مش بتقول إنك ما بتخلفش عشان تطلقها براحتها.. إنت بتكدب عشان تحميها من كلام الناس!”
​اتسمرت ورا الباب، لأن الجملة دي كشفتلي إن سليم لا كان عاجز ولا ضعيف، ده كان مستعد يضحي برجولته قدام الناس كلها عشاني أنا!
​بس الصدمة الكبيرة بجد كانت لما أمي دخلت عليا الأوضة وهي ماسكة ملف قديم لقته جوه الكيس الأسود، وقالتلي وصوتها بيترعش:
“يا نور.. سليم مش غريب عننا زي ما إنتِ فاكرة.. أبوكي قبل ما يموت كان سايبله أمانة تخصك”.
​مسكت الملف وإيدي بتترعش.. لقيته جواه صورة قديمة لأبويا وهو شايل عيل صغير واقف جنب سليم، وتحت الصورة ورقة مكتوب فيها:
“لو نور رفضت تتجوزك في يوم من الأيام، ما تغصبوهاش.. بس قولو لها إنك كنت السبب في إنقاذ حياتها وهي طفلة رضيعة”.
​وقبل ما أسأل أمي إزاي وإيه اللي حصل، لقيت سليم واقف على باب الأوضة ووشه مخطوف، وقال:
“كنت أتمنى تعرفي كل حاجة مني أنا.. مش من الكيس الأسود”.
​

​سليم فضل واقف على باب الأوضة، وشه كان شاحب ومخطوف كأنه طفل اتمسك وهو بيعمل حاجة غلط، رغم إنه كان بيعمل أعظم حاجة في الدنيا. عيونه كانت بتتنقل بيني وبين أمي، وبين الملف اللي في إيدي اللي كان بيترعش زي ورقة شجر في يوم عاصف.
​قالها بصوت هادي، بس مليان وجع وعتاب مبطن: “كنت أتمنى تعرفي كل حاجة مني أنا.. مش من الكيس الأسود يا نور، ولا بالصدفة دي.”
​أمي، اللي كانت دايماً قوية وصوتها عالي، انهارت على الكرسي وبدأت تعيط بصوت مكتوم، وقالت له: “ليه يا بني؟ ليه تشيل كل ده لوحدك؟ ليه تطلع نفسك وحش وعاجز قدام الناس، وتتحمل قسوة بنتي، وإنت اللي شايلنا وشايل همنا من قبل حتى ما تتجوزها؟ إنت من طينة إيه يا سليم؟”
​سليم دخل الأوضة، وقفل الباب وراه بهدوء كعادته، سحب كرسي التسريحة وقعد قدامي أنا وأمي. لأول مرة أشوف سليم من غير القناع اللي كان لابسه طول الشهور اللي فاتت؛ قناع الزوج الهادي اللي مفيش حاجة بتأثر فيه. لأول مرة أشوف في عينه تعب سنين، وإرهاق راجل شال مسؤولية أكبر من سنه.
​الحكاية من البداية: سر الورقة القديمة
​بصلي وقال وعينيه مليانة دموع محبوسة:
“أنا أكبر منك بـ ١٢ سنة يا نور.. يمكن إنتِ ما تفتكريش، بس أنا وعيلتي كنا جيرانكم في البيت القديم اللي في السيدة زينب قبل ما ننقل. أبوكي، عم محمود الله يرحمه، ماكانش مجرد جار بالنسبة لي، ده كان بمثابة أبويا الروحي بعد ما أبويا أنا اتوفى وأنا لسه في ثانوي. عم محمود هو اللي وقف جنبي، هو اللي كان بيدفعلي مصاريف دروسي لما أمي ضاقت بيها الحال، وهو اللي شجعني أدخل طب أسنان.”
​سكت شوية، أخد نفس عميق، وكمل:
“لما إنتِ اتولدتي، كنتي طفلة مبتسرة، نزلتي في الشهر السابع، وحالتك كانت متأخرة جداً. الرئتين مكنوش مكتملين، وعندك مشكلة نادرة في فصيلة الدم. المستشفى الحكومي وقتها طلبت نقل دم فوري بفصيلة نادرة جداً، وأبوكي كان هيموت من الرعب واليأس لأنه مش لاقي متبرع، والمستشفيات الخاصة كانت محتاجة مبالغ خيالية عم محمود مكنش يملك ربعها. بالصدفة البحتة، فصيلتي كانت نفس فصيلتك.. متطابقة تماماً.”
​سليم بص للأرض وكأنه بيسترجع شريط ذكريات قاسي، وقال:
“نقلتلك دم.. مش مرة ولا اتنين. كنت بروح المستشفى كل يومين أتبرع، لحد ما الدكاترة حذروني إن ده خطر على حياتي أنا شخصياً، بس أنا مكنتش قادر أشوف عم محمود، الراجل اللي لحم كتافي من خيره، بيموت من القهر على بنته الوحيدة وأقف أتفرج. فضلت وراكي لحد ما عديتي مرحلة الخطر، وطلعتي من الحضّانة، وبقيتي حتة اللحمة الحمرا اللي بتتنفس وتعيش بسبب دم بيجري في عروقها.. دمي أنا.”
​كنت بسمعه وأنا حاسة إن في حجر تقيل نزل على صدري. أنا طول الفترة دي بعامل الراجل ده كأنه عدوي، كأنه دخيل على حياتي، وهو في الحقيقة.. هو الحياة نفسها اللي اتكتبتلي!
​سليم كمل وهو بيبص في عيني مباشرة:
“لما أبوكي تعب في أيامه الأخيرة، وعرف إن مرضه ملوش علاج، كلمني. كان خايف عليكي من الدنيا، ومن طمع عمامك في الشقة والقرشين اللي سابهملكم. قالي بالحرف: ‘يا سليم، أنا مأمنك على حتة مني.. نور أمانتك في رقبتك ليوم الدين. أنا مش هغصبها تتجوزك، بس أنا بطلب منك تحميها حتى لو من بعيد’.”
​لماذا الكذب؟ ولماذا التضحية؟
​صوتي طلع بالعافية، كأنه طالع من بير عميق، وسألته:
“ولما هو قالك ما تغصبهاش.. ليه جيت واتقدمتلي وأنا مكنتش عايزاك؟ وليه لما رفضتك، استحملت إهاناتي وقسوتي؟ وليه.. ليه كنت مستعد تطلع للناس تقول إنك مبتخلفش وعاجز عشان تطلقني من غير ما تجرحني؟ ليه التضحية دي كلها؟”
​سليم ابتسم ابتسامة حزينة جداً، وقال:
“عشان أنا حبيتك يا نور.. حبيتك من وإنتِ طفلة بتمشي على رجليها في الشارع وأنا راجع من الكلية، وحبيتك وإنتِ بتكبري قدام عيني وتبقي عروسة زي القمر. لما اتقدمتلك، كنت طمعان إنك تشوفيني زي ما بشوفك، بس اكتشفت إنك شايفاني مجرد جوازة صالونات مفروضة عليكي.. عريس أمك جابته عشان يسندكم.
​ولما لقيتك رافضاني يوم الفرح، مقدرتش أمد إيدي عليكي. إزاي ألمس واحدة دمي بيجري في عروقها، وأنا حاسس إنها مرعوبة مني أو كارهة قربي؟ إزاي أكسر أمانة عم محمود وأخلي بنته تعيش مكسورة الجناح؟”
​أما عن حكاية إني أقول للناس إني مبتخلفش.. فده كان أسهل حل. مجتمعنا يا نور قاسي، مابيرحمش الست. لو اتطلقنا بعد كام شهر، الناس هتاكل وشك، هيقولوا ‘فيها عيب’، ‘مش بنت’، ‘أكيد عملت مصيبة’. لكن لو العيب مني أنا.. المجتمع هيطبطب عليكي، هيقولوا ‘يا عيني دي ضحت واستحملت’، وهتفضلي في نظرهم ست الستات، وهتقدري تتجوزي وتعيشي حياتك مع إنسان قلبك يختاره وتحبيه بجد، وأنا.. أنا راجل، والراجل مبيعيبوش حاجة، وحتى لو عابوني، أنا راضي ومسامح، المهم إنتِ تعيشي رافعة راسك.”
​انهيار الجليد
​في اللحظة دي، مقدرتش أصلب طولي أكتر من كده. رميت الملف من إيدي، ونزلت على ركبي قدامه على الأرض، وبدأت أعيط.. عياط هستيري، عياط طالعة معاه كل لحظة غباء، كل نظرة قسوة، كل كلمة جافة رميتها في وشه وهو بيبتسملي.
​كنت بضرب على صدري وأقوله: “أنا آسفة.. أنا غبية، أنا عامية ما بشوفش. أنا إزاي كنت بالقسوة دي؟ إزاي كنت بنام على السرير المرتاح وإنت بتنام على الأرض في البرد؟ إزاي كنت برفض أكلك، وأرفض كلامك، وأقفل بابي في وشك، وإنت اللي فتحتلي باب الحياة؟ سامحني يا سليم.. أبوس إيدك سامحني!”
​سليم نزل على ركبه قصادي في ثانية، مسك إيديا الاتنين، ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا، أحس بلمسة إيده. كانت إيد خشنة شوية، بس دافية ومليانة حنية الدنيا كلها.
​رفع راسي بصباعه، ومسح دموعي وقال بصوت بيترعش:
“هششش.. إياكي تعملي كده تاني. إياكي تنزلي على الأرض طول ما أنا عايش على وش الدنيا. إنتِ غالية أوي يا نور، ومفيش حاجة تستاهل تعتذري عليها. إنتِ مكنتيش تعرفي، ومشاعر الناس مش بتيجي بالغصب. أنا عمري ما زعلت منك، أنا كنت بزعل عليكي.. على الحزن اللي كنت بشوفه في عينيكي وأنا مش قادر أطمنك.”
​أمي كانت واقفة بتمسح دموعها، قربت مننا، وباست راس سليم، وقالتله:
“ربنا يرضى عليك يا بني، ويجبر بخاطرك زي ما جبرت بخاطرنا، ويجعلك سندها في الدنيا والآخرة.” وسابتنا وطلعت برة الأوضة وقربت الباب وراها.
​سر الكيس الأسود.. ورسالة الرحمة
​قعدت على السرير، وهو قعد جنبي، المسافة اللي بينا اللي كانت أميال، بقت فجأة سنتيمترات. سألته بصوت هادي، وأنا لسه بشهق من البكا:
“والكيس الأسود يا سليم؟ إيه حكاية الأطفال اللي بتوديلهم الحاجة الفجر؟”
​اتنهد وبص للسقف كأنه بيفتكر، وقال:
“لما إنتِ خفيتي زمان وطلعتي من الحضّانة، أنا حسيت بإحساس عظيم أوي.. إحساس إن ربنا استخدمني عشان أكون سبب في حياة روح بريئة. ومن يومها، عاهدت ربنا إني كل قرش أطلعه زيادة عن حاجتي، هيروح للأطفال المبتسرين اللي أهلهم غلابة، أو الأطفال اللي اتسابوا في المستشفيات ومحدش بيسأل عليهم. علب اللبن، البامبرز، الهدوم.. دي أقل حاجة أقدر أقدمها.
​كنت بنزل الفجر عشان محدش يشوفني، وعشان كنت خايف لو عرفتي، تفتكري إني بعمل كده عشان أبان قدامك الملاك المنقذ، أو أضغط عليكي عاطفياً عشان تقبليني. كنت عايز علاقتنا—لو كُتب ليها تعيش—تتبني على اختيارك إنتِ، مش على شعورك بالذنب أو الإحسان.”
​الليلة الحقيقية.. بداية حياة جديدة
​بصيت لعينيه اللي كانت بتلمع تحت نور الأوضة الخافت. سليم مكنش مجرد دكتور سنان، ولا جواز صالونات عادي.. سليم كان راجل بكل ما تحمله الكلمة من معاني. الراجل مش بالصوت العالي، ولا بفرض السيطرة، ولا بأخد الحقوق الشرعية بالعافية تحت مسمى “أنا جوزك”. الراجل هو الأمان، هو السكن، هو اللي يستر، هو اللي يضحي بصورته عشان يحمي صورة أهل بيته.
​مسكت إيده للمرة التانية، بس المرة دي أنا اللي بادرت. بصيتله وقلتله من قلبي، وبكل ذرة صدق جوايا:
“أنا مش عايزة أطلق يا سليم.. أنا مش عايزة أي حد في الدنيا دي غيرك. أنا كنت تايهة، وكنت خايفة، بس دلوقتي أنا لاقية نفسي وعارفة أنا فين. أنا دمي هو دمك، وروحي من روحك. إنت مش بس جوزي، إنت أبويا وأخويا وصاحبي، وإنت سندي.”
​سليم وشه نور، عينيه وسعت كأنه مش مصدق اللي بيسمعه، همس وقال:
“إنتِ متأكدة يا نور؟ إنتِ بتقولي كده عشان حاسة بالذنب؟ لو ده شفقة، أرجوكي بلاش.”
​حطيت إيدي على خده، وابتسمت وأنا بعيط، وقولتله:
“شفقة إيه لراجل سيد الرجالة؟ أنا بحبك يا سليم.. يمكن الكلمة دي اتأخرت شهور، بس هي حقيقية دلوقتي أكتر من أي وقت فات. النهارده بس، أنا مستعدة أكون مراتك، وشريكة حياتك، وأم ولادك.”
​في اللحظة دي، سليم سحبني لحضنه. كان حضن طويل أوي، حضن عيطنا فيه إحنا الاتنين. حضنه كان فيه ريحة الأمان، ريحة الأب اللي افتقدته، وريحة الزوج اللي اكتشفته متأخر. الليلة دي مكنتش بس ليلة دخلتنا الحقيقية، دي كانت ليلة ميلادي من جديد.
​بعد مرور ثلاث سنوات
​الأيام عدت، وبدل ما كنا اتنين أغراب في بيت واحد، بقينا روح واحدة في جسدين. اكتشفت في سليم تفاصيل مفيش ست في الدنيا متتمناهاش. حنيته، خفة دمه اللي كان مخبيها ورا كسوفه مني، احترامه لأمي اللي فضل شايلها فوق راسه لحد ما ربنا استرد أمانتها وهي راضية عنه وعني.
​دلوقتي، الساعة ٥ الفجر.
أنا وسليم واقفين قدام باب العمارة، الجو برد شوية، بس قلوبنا دافية. في إيد سليم “كيس أسود” مليان علب لبن وحفاضات للأطفال.. وفي إيدي أنا “كيس أسود” تاني مليان هدوم صغيرة، بطاطين، ولعب أطفال أنا اللي نولت شرف إني أشتريها وأجهزها.
​ركبنا العربية، وسليم بيبصلي وبيبتسم، حط إيده على بطني اللي كبرت وأنا في شهري التامن، وقال:
“يا ترى ‘محمود’ الصغير لما ييجي، هينزل معانا الفجر يوزع الأكياس دي، ولا هيطلع زنان وكسول زي أمه؟”
​ضحكت بصوت عالي وضربته على كتفه بخفة: “أنا زنانة يا سليم؟ طيب الحساب في البيت.”
​ضحك من قلبه، ومسك إيدي باسها، وقال: “إنتِ ست البنات، وست البيت، ونور عيني اللي بشوف بيها.”
​بصيت من الشباك على شوارع القاهرة الفاضية وقت الفجر، وابتسمت من جوايا وأنا بحمد ربنا على النعمة اللي كانت متغلفة في شكل محنة.
​أحياناً العوض بيجيلنا في شكل إنسان إحنا رافضينه، وأحياناً الخير كله بيكون مستخبي ورا “جوازة صالونات” أو ورا تفاصيل صغيرة ما بنشوفهاش غير لما ربنا يريد يفتح بصيرتنا. سليم علمني إن الحب مش بس كلام رومانسي وأغاني ومفاجآت؛ الحب الحقيقي هو تضحية، صبر، ستر، ومواقف بتثبت معدن الراجل وقت الشدة. وعلمني إن “الكيس الأسود” اللي كنت فاكراه سر مخيف، كان في الحقيقة أبيض من قلوب ناس كتير، وكان هو الباب اللي دخلت منه لحياة مليانة رحمة، وبركة، وسعادة ماكنتش أحلم بيها في يوم من الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *