حكايه كيان وزين للكاتبه ميمو صلاح

“عارفة إيه أكتر حاجة كانت بتصبرني على ضلمة الزنزانة خمس سنين؟ تخيلي لليوم اللي هشوفك فيه مكسورة وبتترعشي قدامي.. بس متخيلتش إن القدر هيبدع وتدخلي عريني برجليكي وفي لبس خدامة!”
​صوت ارتطام الفنجان بالصينية اللي في إيدها كان الدليل الوحيد على الرعب اللي شل أوصالها. الصوت ده.. مستحيل تنساه. الرنة الخشنة اللي طالما حسستها بالأمان زمان، بقت دلوقتي بتنذر بخرابها. لفت ببطء وعينيها في الأرض، مش قادرة تواجه نظراته اللي متأكدة إنها بتطلع نار. هو.. زين السيوفي.. الحارس الشخصي بتاعها زمان، واللي بقى دلوقتي إمبراطور السوق، والراجل اللي كل الناس بتترعش من اسمه.
​زين قام من على كرسيه الوثير في مكتبه الفخم، قفل زرار بدلته الكحلي ببرود، وقرب منها بخطوات بطيئة، زي نمر بيحاصر فريسته.
“ارفعي عينك.. ولا خايفة تبصي في وش الراجل اللي دمرتي حياته بشهادة زور عشان ترضي أبوكي الباشا؟”
​كيان بلعت ريقها، ورفعت راسها ببطء، عينيها مليانة تحدي رغم الخوف اللي بينهش قلبها: “أنا مجيتش هنا عشان أسترجع ذكريات يا زين بيه. أنا مجرد عاملة تبع شركة النظافة، لو سمحت سيبني أشوف شغلي وأمشي.”
​ضحكته الرنانة زلزلت هدوء المكتب، ضحكة خالية من أي مرح. خبط بإيده على الحيطة وراها لدرجة إنها اتنفضت وحبست أنفاسها.
“تمشي؟ بعد ما أبوكي رماني في السجن بتهمة سرقة أنا معملتهاش عشان يداري على فضيحته، وانتي وقفتي في المحكمة وحلفتي كدب إني الجاني! ودلوقتي بكل بساطة عايزة تمشي؟”
​كيان صرخت بدموع مقدرتش تحبسها: “أنت متعرفش حاجة! أنا انغصبت على الشهادة دي، أبويا هددني يقتل..” سكتت فجأة وعضت شفايفها بقوة، رافضة تكمل.
​زين عيونه ضاقت، ومسك دراعها بحزم، همس قدام شفايفها بنبرة خلت روحها تنسحب:
“يهددك يقتل مين؟ انطقي!”
​لما لقاها ساكتة وعينيها بتتهرب منه، ابتسم بخبث وتراجع خطوة:
“مش مهم تنطقي دلوقتي.. المهم إنك وقعتي في القفص بتاعي برجليكي. انتي مش هتشتغلي عاملة نظافة يا كيان. انتي هتفضلي هنا، في القصر بتاعي.. مرات زين السيوفي على الورق، وخدامته في الحقيقة. هتدفعي تمن كل دقيقة قضيتها في الزنزانة بسببك.”
​كيان بصتله برعب وهزت راسها بالنفي: “مستحيل أوافق.. أفضل أعيش في الشارع ولا إني أكون تحت رحمتك.”
​زين مال على مكتبه، وطلع من الدرج صورة صغيرة رماها قدامها. عيون كيان اتسعت بصدمة، ووشها جاب ألوان، قلبها كان هيقف من الرعب.
“قدامك خيارين.. يا إما تمضي قسيمة الجواز اللي على المكتب دي وتدخلي سجني بمزاجك، يا إما البنت اللي في الصورة دي، واللي انتي مخبياها في ملجأ في إسكندرية بقالها أربع سنين.. أوعدك إنك مش هتشوفيها تاني للأبد.”
​كيان رفعت إيدها المرتعشة، عينيها بتتنقل بين صورة البنت وبين القلم اللي جنب القسيمة.. السر اللي ضحت بعمرها وبحريتها عشانه، بقى دلوقتي في إيد أكتر إنسان بيكرهها في الوجود.

انهارت كيان تماماً، سقط القلم من إيدها المرتعشة، ونزلت على ركبها قدام المكتب وهي بتبكي بانهيار، صوت شهقاتها المكتومة قطع الصمت المرعب اللي كان مالي المكان. رفعت وشها الغرقان في الدموع لزين اللي كان بيبصلها بجمود ظاهري، بس عضلات فكه كانت مشدودة لأقصى درجة.
​”الصورة دي لـ (ملك).. أختي الصغيرة من أبويا،” صوتها طلع متقطع ومخنوق بالدموع، “أبويا كان عايز يبيعها لراجل أعمال قده في السن عشان يسدد ديونه المتلتة ويغطي على اختلاساته. ولما وقفت في وشه، هددني إنه هيقتلها.. قالي بالحرف الواحد: يا تشهدي إن زين هو اللي سرق الخزنة، يا تقري الفاتحة على روح أختك.”
​زين اتسمر مكانه، ملامحه الحادة بدأت تتفكك وعينيه وسعت بصدمة وهو بيسمعها بتكمل كلامها المكسور: “أنت كنت حامينا الوحيد يا زين، ولما أبويا حس إنك كشفت ألاعيبه، كان لازم يخلص منك. أنا مشهدتش زور عشان أأذيك، أنا عملت كده عشان أنقذ طفلة ملهاش ذنب. وبمجرد ما اتحكم عليك، هربت بيها وخبيتها في الملجأ ده عشان إيد أبويا المتلوثة متوصلهاش.. عشت سنين بشتغل في النظافة وبنام في الشوارع عشان أوفرلها حق أكلها وعلاجها، وأنا بموت كل يوم من تأنيب الضمير على اللي عملته فيك.”
​ساد صمت تقيل في المكتب، صمت كان أبلغ من أي كلام. زين قعد على ركبه قدامها ببطء، مد إيده الخشنة ومسح دموعها اللي كانت بتحرق قلبه قبل ما تحرق خدها. النظرة اللي في عينيه اتغيرت تماماً؛ الغل والانتقام اللي عاش بيهم خمس سنين اتبخروا في ثانية، وحل مكانهم وجع أكبر على البنت اللي حبها في صمت، واللي طلعت ضحية أكتر منه.
​”ليه مقولتليش يا كيان؟ ليه شيلتي الحمل ده لوحدك؟” صوته طلع دافي، حنون، نفس الصوت اللي كانت بتستخبى فيه زمان من قسوة الدنيا.
​كيان بصتله بضعف: “كنت هقولك إزاي وأنت ورا القضبان بسببي؟ كنت عارفة إنك مش هتسامحني، وكنت مستعدة أدفع التمن.. بس أرجوك يا زين، اعمل فيا اللي أنت عايزه، بس متأذيش ملك، دي ملهاش غيري.”
​زين سحب قسيمة الجواز من على المكتب، وبصلها بابتسامة خفيفة فيها حزن ووعود كتير، وقال: “القسيمة دي مكنتش عشان أسجنك يا كيان.. أنا كنت عايزك قدام عيني عشان أعرف أحميكي. زين بتاع زمان اللي كان بيحرسك مات، بس اتولد مكانه راجل يقدر يهد الدنيا دي كلها لو حد فكر يمس شعرة منك أو من أختك.”
​قام زين وقف، وسحبها من إيدها وقفها قدامه: “امضي يا كيان.. بس المرة دي مش كخدامة وسجينة، امضي كزوجة زين السيوفي، سيدة القصر، والوحيدة اللي ملكت قلبه.”
​مضت كيان ويديها بترتعش، بس المرة دي مش من الخوف، بل من الإحساس بالأمان اللي افتقدته سنين.
​بعد مرور ستة أشهر..
​وقف زين في شرفة جناحه الفخم، بيبص على الحديقة الواسعة بابتسامة رضا. تحت، كانت كيان بتجري وتضحك مع “ملك”، اللي رجعت لحضن أختها بعد ما زين اتكفل بكل حاجة وخرجها من الملجأ.
​زين مكنش بس اكتفى إنه يرجع ملك، ده فتح ملفات والد كيان القديمة، وبنفوذه الجديد قدر يكشف كل قضايا الاختلاس والفساد اللي كان متورط فيها، وقدم الأدلة للنيابة اللي حطت والد كيان في السجن.. نفس السجن اللي رما فيه زين ظلم زمان، عشان العدالة تاخد مجراها وتثبت إن الظلم مهما طال، نهايته محتومة.
​حس زين بإيدين ناعمة بتحضنه من ضهره، لفت كيان راسها وسندت على كتفه، وهمست بحب: “سرحان في إيه يا سيوفي؟”
​لف زين وحاوطها بين دراعاته، وطبع قبلة طويلة على جبينها: “سرحان في حكمة ربنا.. إزاي المحنة اللي كنت فاكرها نهاية العالم في السجن، كانت هي البداية اللي خلتني أقوى عشان أقدر أحميكي. لو مكنتش دخلت السجن وبنيت نفسي من الصفر، مكنتش هقدر أقف في وش أبوكي وأرجعلك حقك.”
​كيان ابتسمت وعينيها بتلمع بالدموع، بس المرة دي دموع فرح: “أنت عوضي يا زين. علمتني إن الانتقام بيعمرش بيوت، وإن الحب الحقيقي والمغفرة هما السند الوحيد في الدنيا دي.”
​النهاية
​العبرة من القصة:
الظلم مهما كانت قوته، بيجي يوم وينهار على راس صاحبه. والتضحية من أجل العيلة هي أسمى معاني الحب، لكن الأهم إننا نتعلم إن التسامح والمغفرة هما اللي بيبنوا حياة حقيقية. الماضي ممكن يكون قاسي، بس لو ركزنا على الانتقام هنخسر المستقبل. الحب الحقيقي بيختبر في أصعب الظروف، واللي بيصمد هو اللي بيستحق نعيش عشانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *