حكايه ماهر وهند الجزء الاول
الجزء الأول
الكاتبة ملك إبراهيم
الفصل الأول:
صوت الكاسيت كان واطي، أغنية “سنة حلوة يا جميل” لسه بتتعاد للمرة التالتة. العربية ماشية على طريق مصر اسكندرية الصحراوي، الساعة داخلة على واحدة بعد نص الليل.
چودي نايمة في الكنبة اللي ورا، خدودها حمرا من اللعب، وندى ماسكة علبة بلاستيك صغيرة فيها بواقي التورتة بالشوكولاتة. ندى كانت لابسة فستان أصفر جديد، أول لبسة، وكانت بتلم شعر چودي الكيرلي بصوابعها وتبتسم.
ماهر سايق، إيده الشمال على الدريكسيون، وإيده اليمين ساندة على الفتيس. عينه بين الطريق وبين ندى.
ندى قالت وهي لسه بتلعب في شعر البنت:
“ماما كلمتني إمبارح.”
ماهر مردش، كان مركز في عربية نقل معدية جنبهم.
ندى كملت: “بتسألني هنخلف الولد إمتى. نفسها تشيل حفيد منك.”
ماهر ضحك نص ضحكة من غير ما يبصلها:
“طب ما تقوليلها تستنى لما جوزك يبطل يبات في الموقع للفجر. أبقى أفضى للعيال.”
وش ندى اتغير. سابت شعر چودي وسندت راسها على الإزاز:
“طول عمرك شايف شغلك أهم مننا. حتى يوم عيد ميلاد بنتك جيت متأخر ساعتين.”
ماهر اتغاظ. لف وشه يبصلها وهو بيتكلم:
“ندى أنا بشتغل عشانكم انتو. عشان تعيشوا في المستوى ده. هو أنا بحوش لنفسي؟”
الثانية اللي بص فيها كانت كفاية.
نور عالي ضرب في عينه. صوت كلاكس بيفرتك الودان. تريلا جاية في وشه عكسي.
ندى صرخت: “ماااااهر.”
الدريكسيون اتجمد في إيد ماهر من الخضة، بس كسر يمين بكل قوته. العربية لفت، الكاوتش صرخ، وبعدها الدنيا بقت سكوت وصوت صاج بيتطبق.
العربية اتقلبت تلات مرات قبل ما تتهبد على سقفها في الرملة اللي جنب الطريق.
آخر حاجة ماهر حس بيها كانت ريحة بنزين، وصوت إزاز بيتكسر، وطيف صوت چودي من الكنبة اللي ورا كأنه بينده: “بابا…” قبل ما الدنيا تضلم.
—
بعد 6 شهور
الجناح اللي في الدور التاني في فيلا الصرفي بقى مقبرة. الستاير السودا التقيلة متقفلة، ومفيش شعاع شمس بيدخل. ريحة الأدوية والسجاير القديمة مالية المكان.
ماهر قاعد على الأرض، ساند ضهره للحيطة، ولحيته واصلة لحد صدره. لابس تريننج أسود بقاله أسبوع. قدامه على الكومودينو صورة ندى بالفستان الأصفر، نفس الفستان بتاع يوم الحادثة. جنب الصورة علبة منوم نصها فاضي.
كان بيكلم الصورة بصوت ميت:
“كنت هرد عليكي ساعتها. كنت هقولك والله العظيم انتو أهم من الدنيا كلها. بس ملحقتش. ملحقتش يا ندى.”
الباب خبط خبطتين. صوت الحاجة صفية أمه، حازم بس فيه كسرة:
“يا ماهر يا ابني. افتح الباب.”
مردش.
“شريف تحت، ومعاه ورق الشركة. لازم تمضي. الشركة هتضيع منك يا ابني.”
برضه مفيش رد.
صفية فتحت الباب بالمفتاح اللي معاها. الريحة ضربت في وشها. عينيها وقعت على علبة المنوم. خطفتها من على الكومودينو وهي بتقول بفزع:
“يا ابني عايز تموت؟”
بصت لابنها القاعد في الأرض زي الميتين. قربت وقلبها بيتقطع:
“طب موت، بس بنتك ذنبها إيه تعيش يتيمة أب وأم؟”
ماهر رفع عينه لها ثانية، عينه حمرا وغرقانة. وبعدين رجع باصص للفراغ.
صفية سكتت. عارفة إن الكلام مش جايب نتيجة. مسحت دمعة نزلت غصب عنها وخبت علبة المنوم في عبايتها وطلعت راحت أوضة چودي.
—
أوضة چودي كانت عكس جناح أبوها. نور ربنا ماليها، والحيطان عليها رسومات فراشات وبحر. بس چودي نفسها كانت قاعدة في ركن، ضهرها للحيطة، وحاضنة دبدوب بني فروته مقطوعة من عند بطنه والقطن طالع منه.
قدامها دستة ورق، وكل الورق عليه شخابيط بالأسود. دواير كبيرة سوداء، خطوط متشابكة، ناس مرسومة من غير ملامح.
صفية دخلت وقعدت على الأرض جنبها. بوست راسها:
“يا قلب تيتة. النهاردة مش هترسمي شمس؟ مش بتحبي الشمس؟”
چودي باصتلها بعيون عسلية واسعة، بس ساكتة. بقالها 6 شهور بالتمام ما نطقتش حرف.
الدكتور قال لصفية: “ده اسمه خرس اختياري. نفسياً. عقلها رافض يتكلم لأن آخر كلمة قالتها كانت ‘بابا’ ومحدش لحقها. فقررت تسكت.”
صفية مسكت إيد چودي الصغيرة اللي بردت من القعدة على الأرض:
“بصي يا چودي. تيتة هتجيبلك واحدة صاحبته جديدة. هتلعب معاكي وتخليكي تضحكي زي زمان. اتفقنا؟”
چودي سحبت إيدها بالراحة وحضنت الدبدوب أكتر، ودمعة واحدة نزلت على خدها ومسحتها بسرعة.
—
في نفس الوقت، في الدور الـ 22 في برج “الصرفي للتطوير العقاري” في التجمع.
شريف، مدير أعمال ماهر ودراعه اليمين زمان، قاعد على كرسي ماهر الجلد، ورجله فوق المكتب. قدامه ملفات وعقود.
السكرتيرة خبطت ودخلت: “أستاذ شريف، الحاجة صفية بتتصل تاني، بتسأل على الباشمهندس ماهر.”
شريف عدل قعدته ومسح وشه بالجدية: “يا ستي قوليلها الباشمهندس واخد أجازة مفتوحة ومش بيقابل حد. أنا هنا شايل الشركة على كتافي لحد ما يقوم بالسلامة.”
السكرتيرة هزت راسها وخرجت.
أول ما الباب اتقفل، شريف ابتسم ابتسامة صفرا. مسك موبايله وبعت فويس نوت:
“يا عم وليد، اخلص في موضوع أرض الساحل. الراجل بتاعنا واقع، ومش هيفوق منها. دي فرصتنا نعمل قرشين حلوين قبل ما الورثة يصحوا.”
قام وقف جنب الإزاز البانوراما، بص على القاهرة من فوق وقال بصوت واطي: “قريب أوي اليافطة اللي تحت دي هتتغير. هتبقى ‘شريف جروب’.”
—
على سطح بيت قديم في شبرا. أوضة مبنية بالطوب الأحمر، سقفها واطي والحر فيها يهد جبال. مروحة سقف بتلف بالعافية.
هند قاعدة على مرتبة قديمة، قدامها لمبة صفرا مدلدلة من السقف، وبتخيط عباية سودا واسعة. إيديها متعودة على الإبرة من كتر ما خيطت لمرات خالها.
الباب اتفتح برزعة. مرات خالها، ست جسمها مليان وصوتها عالي، دخلت رمت رغيف عيش وحتة جبنة قريش على الطبلية.
“خدي افطري. عشان تعرفي تخلصيلي العباية دي النهاردة. لولاي كان زمانك نايمة على الرصيف.”
هند موقفتش خياطة، وقالت بصوت واطي: “تسلم إيدك يا مرات خالي.”
“إيدي؟ إيدي اللي بتأكلك وتشربك من يوم ما أبوكِ وأمك ماتوا وسابوكي ليا. جميلة دي.”
هند بلعت الكلمة زي ما بلعت ميت كلمة قبلها. عينها جت على جرنال قديم مفروشة تحت الطبلية. كان فيه إعلان متعلم عليه بدايرة حبر كبيرة.
“مطلوب مربية أطفال مؤهل عالي. تربية طفولة، خبرة في التعامل مع حالات الصدمات النفسية للأطفال. السن لا يزيد عن 30. مرتب مجزي جداً + إقامة كاملة. المقابلة في فيلا الصرفي، كومباوند الياسمين.”
مرات خالها لحظتها بتبص. ضحكت بسخرية: “إيه؟ عجبك الإعلان؟ فاكرة نفسك هتروحي تشتغلي عند الناس المليونيرات دول؟ دول عايزين بنات من مدارس أجنبية، مش واحدة فاكرة نفسها متعلمة بشهادة مرمية.”
هند ماردتش. بالليل، لما البيت كله نام، لمت حاجتها في شنطة قماش صغيرة. طرحتين، عباية تانية، صورة من شهادة التخرج بتاعتها، وصورة صغيرة لأمها وأبوها.
كتبت ورقة بخط مهزوز: “حقك عليا يا مرات خالي. تعبتك معايا السنين اللي فاتت. أنا رايحة أدور على أكل عيشي. متدوريش عليا.”
حطت الورقة على المخدة، وباست شباك الأوضة اللي كان كل دنيتها، ونزلت في الفجرية والشوارع لسه ضلمة.
—
الساعة 9 الصبح. بوابة فيلا الصرفي الحديد الضخمة اتفتحت.
هند واقفة قدامها، ماسكة شنطتها القماش في إيدها زي طوق نجاة. قلبها بيدق من الرهبة. ركبت تلات مواصلات وتاهت مرتين، بس وصلت. الجنينة واسعة ومنظمة، وفيها نافورة في النص. الفيلا نفسها تلات أدوار، وكلها إزاز ورخام.
الأمن شاور لها: “أنتِ المربية الجديدة؟”
هند هزت راسها بسرعة: “أيوه.”
“اتفضلي، الحاجة مستنياكي جوه.”
مشيت على الممر الرخام. حست إن خطوتها بتعمل صدى.
الباب الخشب الضخم اتفتح. الحاجة صفية واقفة. ست في أوائل الستينات، لبسها بسيط بس شيك، حجابها مظبوط، ووشها فيه هيبة وحزن.
عينيها مسحت هند من فوق لتحت. من الشنطة القماش، للجزمة القديمة، للوش الشاحب بس عينيه واسعين وفيهم كسرة مفهومة.
“أنتِ هند؟”
“أيوه يا حاجة. حضرتك الحاجة صفية؟”
“أيوه يا بنتي. ادخلي.”
الريسبشن كان برد. برد فلوس وفلل، وبرد حزن.
صفية ماضيعتش وقت: “بصي يا هند. أنا هكلمك بالبلدي. الشغلانة دي مش دلع. البنت اللي هتقعدي معاها بقالها 6 شهور ما نطقتش. شافت أمها بتموت قدام عينها. وأبوها… أبوها عايش ميت.”
هند بلعت ريقها. الكلام تقيل.
“وأنا… أنا هحاول يا حاجة. أنا دارسة ده، وفاهمة يعني إيه طفل موجوع.”
صفية بصت في عينيها كتير. شافت فيهم حاجة طمنتها. حاجة شبه اليتم اللي في عيون حفيدتها.
“طيب. تعالي.”
مشيت قداها في ممر طويل لحد ما وقفت قدام باب أوضة موف. فتحته بالراحة.
چودي كانت هناك، في نفس الركن، بنفس الدبدوب المقطوع، وبترسم نفس الشخابيط السوداء.
رفعت وشها ثانية لما الباب اتفتح. عينيها العسلية بصت لهند. كانت عيون واحدة عندها 60 سنة مش 5 سنين. وبعدين رجعت تبص للورقة تاني كأن مفيش حد دخل.
صفية وشوشت لهند: “هي دي چودي. بقالنا 6 شهور بنحاول نسمع صوتها. الدكاترة قالوا مفتاحها في الأمان.”
هند قلبها وجعها. سابت شنطتها على الأرض بالراحة، ومسحت إيديها في عبايتها. قربت خطوتين ونزلت على ركبها، عشان تبقى في نفس مستوى البنت.
مبصتش لچودي مباشرة عشان متخوفهاش. بصت للدبدوب المقطوع اللي في حضنها.
وقالت بصوت هادي، دافي، كأنها بتكلم نفسها:
“يااه… الدبدوب ده شكله كان بيحارب. بطنه مفتوحة وزعلان.”
سكتت ثانية، وسحبت إبرة وخيط من جيبها، كانت شايلاهم بالعادة.
“تفتكري لو خيطناه سوا، بطنه هتخف والوجع يروح؟”
القلم الأسود اللي في إيد چودي وقف. الخط الأسود اللي كانت بترسمه وقف في نص الورقة.
ولأول مرة من يوم الحادثة، چودي رفعت راسها، وبصت لهند. بصت في عينيها بجد. مش بصة عابرة. بصة واحدة تايهة لقت حد ممكن يفهم.
يتبع…
—
الفصل الثاني: أول ضوء
عدى أسبوع على دخول هند الفيلا. أسبوع كامل چودي مقالتش فيه حرف، بس هند برضه مقالتش كلمة “اتكلمي”.
كانت بتصحى الفجر، تصلي، وتدخل أوضة چودي بشويش. تلاقيها صاحية، قاعدة في ركنها، حضنها الدبدوب اللي لسه بطنه مفتوحة.
هند متجريش عليها. تفرش سجادة صلاة صغيرة جنبها، وتطلع ورقة وألوان.
“أنا هارسم وردة النهاردة.”
وتقعد ترسم. وردة حمرا، شمس صفرا، بيت صغير ليه شباكين.
كل يوم نفس الروتين. مفيش “يالا ارسمي”، مفيش “قولي ورايا”. بس صوت قلم هند على الورق، وصوتها الواطي وهي بتحكي:
“كان يا ما كان، كان فيه فراشة صغيرة جناحها اتكسر من الهوا الجامد. خافت تطير تاني. قعدت في ركن الوردة ومش عايزة تطلع. بس تعرفي؟ الوردة كل يوم كانت بتحكي لها حدوتة، لحد ما…”
وتسكت.
چودي ترفع عينيها ثانية، وبعدين ترجع تشخبط بالأسود.
—
في اليوم التامن، هند دخلت لقت چودي ماسكة ورقة فاضية. أول مرة متبقاش شخبطة.
هند ابتسمت من جواها، بس وشها فضل هادي. قعدت جنبها وطلعت كيس صغير كانت شايلاه في جيب عبايتها من يوم ما سابت شبرا.
“كنت شايلة دول معايا. قلت يمكن نحتاجهم.”
طلعت بذور صغيرة في إيدها.
“دي بذور ورد بلدي. تحبي نزرعها سوا في الجنينة؟ نسقيها كل يوم، ونتفرج عليها وهي بتكبر.”
چودي بصت للبذور، وبعدين بصت لإيد هند.
ممدتش إيدها، بس مهزتش راسها بالرفض.
هند فهمت الإشارة. “خلاص، هزرعها أنا، وإنتي لو عايزة تتفرجي تعالي.”
نزلت الجنينة وچودي وراها على بعد مترين. هند حفرت حفرة صغيرة بإيديها، حطت البذور، وغطتها.
“شايفة؟ دلوقتي هنسقيها. المية دي زي الحنية. لو كترت تخنق، ولو قلت تموت.”
چودي كانت واقفة بعيد، حاضنة الدبدوب، وعينيها على إيدين هند اللي فيها طين.
بالليل، هند كانت بتخيط زرار لعباية صفية. چودي دخلت الأوضة بشويش، وقفت ثواني، وبعدين مدت إيدها.
الدبدوب المقطوع.
حطته في حجر هند، وشاورت على بطنه المفتوحة، وبصت لها.
هند قلبها وقع. الدكتور كان قايل لصفية: “أول ما تتفاعل حتى بإشارة، يبقى ابتدينا نكسبها”.
مسكت الدبدوب وقالت بصوت مبحوح:
“عايزاني أعالجه؟”
چودي هزت راسها هزة صغيرة. أول تفاعل مباشر من 6 شهور.
هند حضنت الدبدوب: “حاضر يا چودي. هخيطه قدامك حالاً.”
طلعت الإبرة والخيط، وبدأت تلم الجرح القماش غرزة غرزة. چودي قعدت قدامها مربعة، وعينيها متابعاها كأنها بتعمل عملية جراحية.
لما خلصت، هند نفخت في بطن الدبدوب وابتسمت: “خف. بقى كويس. مش هيوجعه تاني.”
مدت الدبدوب لچودي. چودي خدته، ضمته، ولأول مرة دفنت وشها في فروته.
الليلة دي چودي نامت وهي حضناه، وبطنه مقفولة.
—
ماهر كان واقف فوق، في نهاية السلم، بيتفرج.
بقاله أسبوع بيسمع صوت واطي جاي من أوضة بنته. مش صوت عياط. صوت حدوتة.
كان بيكره الصوت ده في الأول. بيحس إن الست دي بتقتحم حزنه. بيته. وجع بنته اللي شايفه ملكه لوحده.
بس النهاردة الصوت كان جاي من تحت. نزل السلم بهدوء، كأنه حرامي في بيته.
فتح باب المطبخ بالراحة.
المنظر خلى الدم يغلي في عروقه.
چودي واقفة على كرسي جنب الرخامة، لابسة مريلة مطبخ صفرا كبيرة عليها، وإيديها كلها دقيق. هند واقفة جنبها، مسكاها من وسطها عشان متقعش، وبتعلمها تكسر بيضة في طبق. والبوتاجاز في آخر المطبخ شغال عليه نار هادية.
ماهر كان منبه على صفية من أول يوم: “البنت متدخلش المطبخ طول ما فيه نار”.
ودخل زي العاصفة: “إنتِ بتعملي إيه؟!”
هند اتخضت، وچودي جسمها اتنفض والبيضة وقعت من إيدها اتكسرت على الأرض.
ماهر شاور على البوتاجاز: “قلت ممنوع تقربيها من النار! إنتِ مجنونة؟ عايزة تحرقيها؟”
چودي سابت الكرسي وجريت استخبت ورا هند، مسكت في عبايتها ووشها في الأرض.
هند بصت لماهر، ماخافتش. صوتها كان أهدى من ملامحه المتوحشة:
“النار كانت في آخر المطبخ، وأنا مسكاها. يا باشمهندس.”
“قلت ممنوع!”
هند خدت نفس، وحطت إيدها على كتف چودي بتحميها:
“أنا بعلمها تعيش، مش بحبسها في قفص إزاز. حضرتك بتحميها من الحياة، وأنا عايزاها ترجع للحياة.”
الكلمة رشقت في صدر ماهر زي السكينة. “بتحميها من الحياة”.
قرب خطوة وعينه فيها شرر: “إنتِ مين أصلاً عشان تقوليلي أربي بنتي إزاي؟ إنتِ مجرد…”
سكت قبل ما يكمل “مربية”.
هند كملتها هي في سرها. رفعت راسها: “أنا مجرد واحدة سامعة سكوتها. وحضرتك مش سامع غير صوت ذنبك.”
ماهر اتسمر. كأن حد ضربه قلم.
بص لچودي اللي مستخبية وبتترعش. بص للدقيق اللي على إيديها. بص للبيضة المكسورة.
من غير كلمة، لف وخرج من المطبخ، وساب الباب يرزع وراه.
هند نزلت على ركبها قدام چودي، مسحت دمعة كانت هتنزل: “متخافيش. هو بس موجوع. حقك عليا أنا.”
چودي مكنتش بتعيط. كانت بتبص على البيضة المكسورة، وبعدين مدت صباعها الصغير ولعبت في صفار البيض اللي على الأرض. لأول مرة بتلمس حاجة بإيديها من غير خوف.
—
الحاجة صفية كانت واقفة في الطرقة، سمعت كل حاجة.
بالليل، طلعت لجناح ماهر، فتحت الباب من غير ما تخبط. لقيته واقف في البلكونة، ضهره لها.
“عاجبك كده؟”
ماهر مردش.
صفية دخلت وقفت جنبه: “أنا النهاردة شوفت چودي بتضحك.”
ماهر لف وشه بسرعة: “نعم؟”
“أيوه. ضحكة مكتومة وهي بتلعب بالمية مع البت هند. من إمتى بنتك مضحكتش يا ماهر؟”
ماهر بلع ريقه. صورة چودي وهي مستخبية ورا هند جت في باله.
صفية كملت بصوت حاسم: “بنتك بتقوم، وبتتعلم تمشي من جديد. وأنت لسه مدفون بالحيا. فوق يا ابني. الميت الله يرحمه، والحي من حقه يعيش. وأنت قتلت نفسك معاهم.”
سابته وخرجت، والكلمة بترن في ودانه: “الحي من حقه يعيش”.
—
تاني يوم العصر. ماهر رجع يقف نفس الوقفة في شباك جناحه، كوباية القهوة السودا في إيده.
بيراقب كل يوم، بس المرادي المشهد كان مختلف.
هند قاعدة في الجنينة، بتسقي الوردة اللي زرعتها. چودي قاعدة جنبها على النجيلة، بتلعب بالطين وبتعمل بيه كورة صغيرة.
شايف بنته. شايف الشمس جايه على شعرها الكيرلي. شايفها مبتسمتش، بس… عايشة. بتتحرك. مش تمثال زي ما كانت.
هند مسحت على شعر چودي وقالت: “تعرفي يا چودي؟ الوردة دي لو اتكلمنا معاها هتكبر أسرع. تحبي نقول لها إيه؟”
چودي وقفت لعب. بصت لهند، وبعدين بصت للوردة الصغيرة اللي يدوب مطلعة ورقتين خضرا.
فتحت بقها.
شفايفها اتحركت بصعوبة، كأنها ناسية الكلام.
وطلع منها صوت. صوت مبحوح، واطي، مكسر، بس واضح.
قالت: “هند.”
هند شهقت وحطت إيدها على بقها، ودموعها نزلت مرة واحدة.
“يا حبيبتي يا چودي! قولي تاني يا روحي.”
چودي بصتلها، وعينيها فيها دموع هي كمان، وقالت تاني أوضح شوية: “هند.”
ومدت إيديها حضنت هند.
ماهر فوق، الكوباية وقعت من إيده واتكسرت ميت حتة.
سمع الاسم. “هند”.
أول كلمة بنته تنطقها من 6 شهور و10 أيام.
ومكانتش “بابا”.
كانت اسم الست الغريبة اللي دخلت بيتهم من أسبوعين.
نزل على ركبه في الأرض، سند على الشباك، وقلبه بيتكسر وبيتولد من جديد في نفس اللحظة.
يتبع…
—
الفصل الثالث: الصفقة
زواج على الورق
شريف قاعد ورا مكتب ماهر، الكرسي الجلد بيلف بيه ببطء. قدامه راجل بدقن خفيفة وبدلة غالية.
شريف رمى القلم على العقد وقال: “يا حاج سليمان، الأرض دي سعرها لقطة عشان صاحبها مزنوق. نمضي النهاردة، وبكرة نبيعها بضعف التمن. والعمولة بالنص زي ما اتفقنا.”
الحاج سليمان ضحك وقال: “بس دي أرض مشاع، وورقها فيه مشاكل. لو ماهر بيه عرف…”
شريف قاطعه وصوته اتخن: “ماهر بيه؟ ماهر بيه بقى الله يرحمه. الراجل قافل على نفسه من سنة، وبياخد مهدئات. أنا اللي ممشي الشركة. تمضي ولا أشوف غيرك؟”
الحاج سليمان بلع ريقه ومضى.
شريف لم الورق وهو بيبتسم. فتح الدرج اللي تحت، فيه ملف مكتوب عليه “توكيل مؤقت لتسيير الأعمال – ماهر الصرفي”. التوكيل اللي مضاهوله ماهر وهو مش شايف قدامه في أول أيام الانهيار.
السكرتيرة خبطت ودخلت متوترة: “أستاذ شريف، الحاجة صفية هنا، ومصممة تدخل لحضرتك.”
وشه اتقلب وقال: “دخليها.”
الحاجة صفية دخلت، وقفت في نص المكتب، وعينيها بتاكل شريف.
“بقى بتقعد على كرسي ابني، وبتمضي باسمه يا شريف؟”
شريف قام يقف ويمثل الاحترام: “يا حاجة، أنا بحافظ على الشركة لحد ما الباشمهندس يقف على رجله.”
صفية رمت ملف على المكتب: “بتحافظ عليها؟ دي خسارة أرض العبور اللي مضيتها الأسبوع اللي فات. والصفقة دي؟ أرض مشاع! عايز تدخل ابني السجن؟”
شريف وشه جاب ألوان: “دي أسرار شغل يا حاجة، ومش من حقك…”
صفية قربت خطوة، شافت طرف ملف “التوكيل” طالع من الدرج المفتوح. شهقت وقالت: “يا نهار أسود… توكيل؟ أنت ممكن تبيع الشركة كلها بالورقة دي! لما ابني كان بيلمك من الشارع ويشغلك بواب في موقع، كنت أسرار شغل؟ أنا هروح لماهر، ولو مضطر، هجرجره من قفاه عشان يفوقلك. فاهم؟”
سابته وخرجت. أول ما الباب اتقفل، شريف ضرب بإيده على المكتب لدرجة إن الأقلام وقعت. مسح عرقه بمنديل وقال في سره: “العجوزة دي لازم تتشال من المشهد.”
صوت زعيق كان مالي الجنينة بتاعة الفيلا.
راجل خمسيني بعمة وجلابية، وجنبه ست تخينة بعباية ضيقة، واقفين بيخانقوا الأمن.
“بقولك افتح، دي بتنا، والبت دي بنت أختي، وأنا ولي أمرها!”
ده خال هند، ومراته.
الأمن كان محتار. في اللحظة دي هند كانت خارجة من المطبخ معاها عصير لچودي. أول ما سمعت الصوت، الكوباية اترعشت في إيدها.
مرات خالها لمحتها وصرخت: “أهي يا مصطفى! يا صايعه يا هربانة! تسيبي البيت وتجري على بيوت الناس؟”
خالها زق الأمن ودخل يجري على هند، مسكها من دراعها جامد: “تعالي معايا، حسابنا في البيت. بقى في حد يصرف عليكي ويعلمك، وتسيبيه؟”
هند كانت بتترعش وقالت: “يا خالي سبني. أنا بشتغل هنا.”
“تشتغلي؟ بتقبضي كام؟ هاتي الفلوس اللي قبضتيها كلها. ولقيتلك شغلانة أحسن عند الحاج فتحي، هتخدمي في فيلته، وهو هيديني المرتب. يالا.”
چودي كانت واقفة في شباك المطبخ، شايفة المنظر. جريت على هند ومسكت في رجلها وهي بتعيط من غير صوت، وشها كله رعب.
الزعيق صحى البيت كله. الحاجة صفية نزلت جري، وماهر نزل وراها وهو مربط وشه.
صفية زقت خال هند وقالت: ” البت عدت 21 سنة ومفيش ولاية عليها. واللي في إيدي ده عقد عمل موثق. يعني تتحبس فيها. إيه يا راجل إنت؟ داخل تبلطج في بيتي؟”
خال هند اتكتم. ماهر بص للمنظر. بنته ماسكة في رجل هند وبتترعش، وهند وشها أصفر وبتحاول تحمي البنت بجسمها.
صوت خالها وهو بيزعق فكره بصوت التريلا يوم الحادثة.
قال بصوت جهوري، خلّى الكل سكت: “الأمن. الشرطة. حالاً.”
بالليل، بعد ما الشرطة خدت خال هند ومراته بتعهد، وصفية هددتهم لو قربوا من الفيلا تاني هتحبسهم.
قعدت مع ماهر في مكتبه. لأول مرة من 6 شهور يفتح نور المكتب.
صفية حطت ملف الصفقات الفاشلة بتاعة شريف قدامه وقالت: “بص. بص وشوف شركتك بتروح فين وأنت قاعد.”
ماهر قلب في الورق ببرود. كأنه مش فارق معاه.
قال: “وإيه المطلوب؟”
صفية ضربت بإيدها على المكتب: “المطلوب تفوق! سمعتك في السوق بقت زي الزفت. بيقولوا ماهر الصرفي اتجنن بعد موت مراته. مين هيأمن لشركة صاحبها ضايع؟”
سكتت ثانية، وبعدين قالت: “الحل عندي.”
ماهر رفع حاجبه.
“تتجوز.”
ماهر قام وقف وقال: “نعم؟ اتجوز؟ أمي، إنتِ بتهزري؟”
“اسمعني للآخر. هتتجوز هند.”
ماهر ضحك ضحكة خالية من الفرح: “المربية؟”
صفية وقفت قصاده وقالت: “أيوه المربية….كملوها في الجزء الأخير