قصه رضاعه ابنی حکایات زهره
مراتي كل ما ترضع ابني تشهق شهقة عالية وتغيب عن الوعي بالساعات.. كنت فاكر إن عندها ضعف أو أنيميا، بس الحقيقة طلعت كارثة عمري ما اتخيلتها ولا مرت عليا حتى في اسوء كوابيسي !!!!
أنا اسمي كريم، شاب زي آلاف الشباب، شغال مندوب مبيعات في شركة شحن، بطلع من النجمة وبرجع بليل هلكان عشان لقمة العيش وعشان أكفي بيتي ومستقبلي. اتجوزت “رنا” بعد قصة حب دامت سنتين، كانت هي كل دنيتي، بنت رقيقة وطيبة وملامحها هادية.
بس مالحقناش نفرح بيومين عسل، بعد الجواز بشهر واحد بالظبط، رنا تعبت وروحنا للدكتور، وهناك كانت المفاجأة.. المدام حامل!
أنا من الفرحة كنت عايز أطير في الجو، بس لما بصيت لوش رنا، اتصدمت.. وشها اتقلب أصفر زي الليمونة، وعينيها اتملت دموع، وبدل ما تفرح لقيتها دخلت في حالة رعب وانهيار وبكاء هستيري جوة عيادة الدكتور!
لما روحنا البيت، رمت نفسها في وقالت لي بصوت مخنوق من العياط:
“أنا خايفة يا كريم.. خايفة أوي! أنا لسه صغيرة مش هقدر أشيل مسؤولية طفل.. مش هعرف أكون أم، وإحنا حالنا على قدنا ومش هنقدر على مصاريفه، اللبن الحفاضات والدكاترة.. إحنا بنكفي نفسنا بالعافية!”.
كنت باخدها، أطبطب على ضهرها وأحاول أهدي ضربات قلبها السريعة، وأقولها بكلام كله يقين: “يا ستي استهدي بالله بس، ربنا مش بيسيب حد، ورزق اتنين يكفي تلاتة، والطفل ده بييجي ورزقه في رجليه.. متشيليش هم”. لكن كلامي مكنش بيهدي الرعب اللي في عينيها!
الشهور مرت صعبة، ورنا كان حملها تقيل، لحد ما جه يوم الولادة. اليوم ده كان قطعة من الجحيم! مش بس عشان كنت هموت من القلق على مراتي اللي بتصرخ جوة غرف العمليات، لأ.. ده لأن أمي وحماتي قرروا يصفوا حسابات السنين كلها في الممر بتاع المستشفى!
أمي وحماتي أصلاً مش بيطيقوا بعض من أيام الخطوبة، وكل واحدة شاحنة من التانية. في وسط قلقي وخوفي، قامت بينهم خناقة شوارع لدرجة إن الممرضات والأمن جندلوا عشان يسلكوهم! الخناقة بدأت على سبب تافه جداً؛ مين اللي يدخل الأوضة الأول مع رنا بعد ما تطلع، ومين اللي ليه الحق يشيل البيبي ويأذن في ودنه!
الصوت علي والردح اشتغل، وأنا واقف في النص دماغي بتلف، حاسس بالخزي والعجز، ودموعي قريبة.. كل همي في الدنيا كان حاجة واحدة بس: إن مراتي تقوم بالسلامة والباب ده يتفتح والدكتور يطمني.
وأخيراً الدكتور طلع وطمنا، ورجعنا البيت بالسلامة والبيبي منور وسطينا، وسميناه “يوسف”. قولت الحمد لله، الغمة انزاحت وهنبدأ نعيش حياتنا. لكن الفرحة مكملتش 24 ساعة!
في أول ليلة لينا في الشقة، البيبي بدأ يعيط عياط متواصل من الجوع. رنا قعدت على السرير، ساندة ضهرها بالمخدات،، وبدأت ترضعه. أنا كنت واقف ببتسم وببص للمشهد الجميل ده.. وفجأة، المشهد ده اتحول لكابوس!
بمجرد ما الطفل بدأ يرتضع، جسم رنا كله اتشنج! عينيها برقت لفووووق لدرجة إن البياض بس هو اللي كان باين، وفتحت بؤها وشبكت صوابعها في السرير، وشهقت شهقة عالية ومرعبة.. شهقة طويلة كأن روحها بتتسحب ! ووقعت لورا وغابت عن الوعي تماماً!
الواد كان هيقع من إيديها لحقتة في آخر ثانية وأنا بنده عليها: “رنا! رنا ردي عليا!”. فضلت غايبة عن الوعي بالساعات.. جبنا بصل، برفان، فوقناها بالعافية. لما فاقت كانت مهدودة ومش فاكرة أي حاجة. الموضوع بقى يتكرر بالحرف مع كل رضعة! الرعب سكن البيت، وبقينا مرعوبين من لحظة جوع الواد. من كتر الخوف، قولت لها: “بلاش طبيعي يا رنا.. إحنا هنمشيها صناعي وأمري لله”.
رجعنا البيت وأنا شايل هموم الدنيا. رنا بصت للواد وهو دبلان وأصفر، وقالت بدموع: “هارضعه يا كريم.. مش هسيب ابني يموت”. وقعدت ورضعته، ورجعت من تاني! الشهقة المرعبة اللي بتزلزل جدران الأوضة، التشنج، والغياب عن الوعي بالساعات.
بدأت رحلة العذاب على الدكاترة.. لفيت بيها على دكاترة مخ وأعصاب، دكاترة باطنة، ودكاترة نفسيين. عملنا رسم مخ، وأشعة رنين مغناطيسي، وتحاليل دم كاملة.. وكل ما دكتور يشوف التحاليل يقولي نفس الجملة المستفزة: “المدام سليمة تماماً يا أستاذ كريم.. مفيهاش أي مرض عضوي، ممكن يكون شوية إرهاق ما بعد الولادة، خلوها تاخد المكملات الغذائية والفيتامينات دي وتهتم بأكلها!”.
مكملات إيه وفيتامينات إيه واللي بيحصل ده مش طبيعي! البيت بقى عامل زي المقبرة، رعب وغم وطفل بيصرخ وأم بتغيب عن الوعي بشهقة تخوف الموت نفسه!
لحد ما في ليله كانت الدنيا شتا، والجو برة هوا وساقعة تلطش الوش. قمت من النوم على الساعة 3 الفجر . مديت إيدي على السرير عشان أطمن على رنا.. ملقتهاش! السرير كان بارد، وده معناه إنها قايمة من فترة.
قمت اتسحبت براحة عشان مأصحيش يوسف اللي كان نايم في سريره الصغير. قولت في نفسي: “يمكن قامت تشرب، أو رايحة المطبخ تعمل رضعة أعشاب للواد”. دخلت المطبخ.. ضلمة وكحل. دخلت الحمام.. فاضي. دورت في الصالة، ! قلبي بدأ يدق بسرعة، والخوف بدأ يتسرب لعروقي.
طلعت البلكونة قولت يمكن واقفة تشم هوا ، بصيت يمين وشمال مكنتش موجودة. لسه هدخل، لمحت خيال في الشارع اللي تحت البيت..
ركزت عيني أوي وسط الضلمة، وتحت ضوء عمود النور البعيد… شوفتها!
كانت رنا.. واقفة بقميص النوم الأبيض في الشارع ؟؟
.. واللي شافته عيني خلى دمي نشف في عروقي، وقلبي كان هيقف من الصدمة! !!!!…….
اللي شافته عيني في اللحظة دي خلى دمي نشف في عروقي، وقلبي كان هيقف من الصدمة والرعب! رنا مكنتش واقفة بتشم هوا، ولا كانت ماشية بتتمشى وهي نايمة زي ما بيحصل مع بعض الناس.. رنا كانت واقفة في الضلمة الكحل، تحت عمود النور اللي بيرعش، وماسكة في إيدها مقص حديد كبير من بتوع المطبخ، ونازلة بيه دبح وتقطيع في فرخة ميتة كانت مرمية جمب صندوق الزبالة!
منظرها كان يجنن العاقل.. قميص نومها الأبيض متبهدل دم وطين، وشعرها منكوش، ووشها.. وشها مكنش وش رنا حبيبتي الرقيقة أبداً! كانت بتدبح في الفرخة الميتة وهي بتضحك ضحكات مكتومة ومرعبة، وعينيها مبرقة لفوق بنفس الطريقة اللي بتبرق بيها وهي بتشهق وقت الرضاعة!
أنا ركبي خبطت في بعضها، وحسيت إن الشارع بيلف بيا.. “أنا في علم ولا في حلم؟ هي مراتي ممسوسة؟ ولا اتجننت؟ ولا إيه اللي بيحصل ده؟”. من كتر الرعب، رجعت خطوة لورا وخبطت في كرسي البلكونة، عمل صوت. في ثانية، رنا رفعت راسها وبصت لفوق.. بصت في عيني بالظبط!
الضحكة اختفت من على وشها، وحلت مكانها نظرة غضب وغل عمري ما شوفتهم في بشر.. نظرة خلت جسمي كله يقشعر. وقبل ما أستوعب، لقيتها رمت المقص وطلعت تجري ودخلت من باب العمارة تحت!
أنا اتسمرت مكاني من الخوف، ثواني وسمعت صوت باب الشقة بيتفتح بالراحة.. قفلت البلكونة وفضلت واقف ورا الستارة، مستني أشوف هتعمل إيه. دخلت الصالة بخطوات بطيئة، مسمعتش ليها صوت كأنها خيال، ودخلت على الحمام عل طول. سمعت صوت المية وهي بتفتحها.. استجمعت كل ذرة شجاعة فيا، وقربت من باب الحمام وفتحت الباب فجأة!
اتصدمت تاني…..
رنا كانت واقفة تحت الدش بهدومها المبلولة، وبتغسل إيديها ووشها بهستيريا وتعيط بصوت مكتوم. أول ما شافتني، اترمت في الأرض وجت تحت رجلي وفضلت تصرخ وتقول: “الحقني يا كريم.. الحقني يا حبيبي أنا بضيع.. في حاجة جوايا مش بتاعتي، في حاجة بتجبرني أعمل حاجات غصب عني!”.
منظري وأنا شايفها مكسورة بالمنظر ده خلاني أنسى خوفي.. أخدتها في حضني وفضلت أطبطب عليها وهي بتترعش زي العصفور المبلول، هدومها المدممة لمست جسمي، بس مكنش هاممني.. كل اللي كان هاممني إني أفهم. غيرتلها هدومها ونشفت شعرها، وقعدتها على السرير بعد ما اطمنت إن يوسف لسه نايم.
قعدت قدامها على الركبتين، ومسكت إيدها اللي كانت بتترعش، وقولتلها بصوت حنين وحازم في نفس الوقت: “رنا.. بصي في عيني. إيه اللي حصل تحت ده؟ وإيه علاقة اللي حصل ده بشهقة الرضاعة؟ اتكلمي يا رنا وإلا والله العظيم هنتهي أنا وأنتي والواد”.
رنا بلعت ريقها بصعوبة، وعينيها بدأت تروح وتيجي، وقالت بصوت مكسور:
“أنا هقولك على كل حاجة يا كريم.. بس أرجوك متمشيش وتسيبني، ومتقولش عليا مجنونة. الحكاية بدأت من يوم ما عرفت إني حامل..”.
بدأت رنا تحكي، وكل كلمة كانت بتنزل على ودني زي مية النار. قالت لي إنها من صغرها كانت بتشوف حاجات غريبة في بيت أهلها، بس الموضوع زاد جداً من أول شهر في الجواز. قالت إن البيت هنا مكنش مريح، وكانت دايماً بتسمع صوت حد بيتنفس جمب ودنها وهي طبخة في المطبخ، أو حد بينادي عليها باسمها بصوت شبه صوت أمها أو صوتي أنا!
”ولما عرفت إني حامل يا كريم.. الرعب الحقيقي بدأ. أنا مكنتش خايفة من المصاريف زي ما قولتلك في عيادة الدكتور.. أنا كنت بكدب عليك عشان خايفة أقولك الحقيقة تفتكرني اتهبلت! أنا يومها بالليل، جالي في المنام راجل طويل جداً وضخم، ملامحه مش باينة، ووشه عبارة عن ضلمة كحل.. وقف فوق راسي وقالي بصوت يزلزل الأرض: (الواد ده بتاعي أنا.. مش هسيبهولك، ولو فكرتي ترضعيه من لبنك، هاخد روحك مع كل بقة بيرضعه!)”.
أنا سكت والذهول ألجم لساني.. “كلام إيه ده يا رنا؟ أنتي بتقولي إيه؟”.
كملت وهي بتعيط وبتشهق: “والله العظيم ده اللي حصل! أنا مكنتش بصدق، وكنت بقول ده من التوتر والخوف.. لحد يوم الولادة. لما دخلت العمليات، وقبل ما البنج يشتغل، شوفت الخيال ده واقف ورا الدكتور، وكان بيضحك! ولما رجعنا هنا، وأول ما يوسف حط بؤه على صدري عشان يرتضع.. حسيت كأن في نار بتتسحب من نخاعي! حسيت بإن روحي بتتشد لبرة، وجسمي كله بيتخشب، والشهقة دي مكنتش بإرادتي.. دي كانت شهقة الموت! الخيال ده كان بيقف قدامي وياخد طاقة حياتي كلها، ويغيبني عن الوعي عشان يمنعني أرضع ابني!”.
سألتها برعب: “طب والنزول في الشارع؟ والفرخة الميتة والمقص؟ إيه ده؟!”.
بكت بحرقة وقالت: “هو اللي بيخليني أنزل.. بيسيطر على جسمي وأنا مش حاسة، ويجبرني أعمل كدة كقربان ليه عشان يسيبني عايشة وميموتنيش! أنا بصحى ألاقي نفسي في الشارع أو في المطبخ بعمل حاجات مرعبة، وبفوق وأنا مش فاكرة غير طشاش.. أنا تعبانة يا كريم.. تعبانة وهتفضح والناس هتقول عليا مجنونة!”.
في اللحظة دي، الغموض كله اتمسح من قدام عيني.. وعرفت إننا مش قدام مرض عضوي ولا نفسي، إحنا قدام حاجة تانية خالص.. “عمل” أو “مس” أو “سحر”. افتكرت على طول خناقة أمي وحماتي في المستشفى، وافتكرت إن أمي من زمان بتؤمن بالحاجات دي، وحماتي كمان كانت دايماً تروح لدجالين ومشاcontextيخ بحجة “فك العمل” و”الرقية”.
قولت لنفسي: “مش يمكن حد فيهم هو اللي عمل كدة؟ مش يمكن الغل والحقد اللي بينهم وصل لدرجة إنهم يدمروا بيتي ويسلطوا على مراتي وابني الأذى ده؟”.
تاني يوم الصبح، مكنش ينفع أسكت. رنا كانت دبلانة والواد عياطه مبيسكتش من الجوع والصفرا بتزيد. أخدت إجازة من الشغل، وكلمت صاحبي “مصطفى”، وهو شاب متدين جداً وبيفهم في أمور الرقية الشرعية والقرآن. حكيتله كل حاجة في التليفون من طقاطق للسلام عليكم. مصطفى سكت شوية وقالي بصوت قلقان: “يا كريم، اللي أنت بتحكيه ده مش مس عادي
اللي أنت بتحكيه ده مش مس عادي.. ده إما سحر أسود مرشوش أو مدفون، أو رصد متسلط عليها عشان يدمر حياتها ويموت ابنها.. أنا جيلك حالاً ومعايا شيخ ثقة بيعالج بالقرآن بس، ملوش في الدجل والكلام الفاضي”.
ساعتين وكان مصطفى ومعاه “الشيخ عبد الرحمن”، راجل وقور، وشه منور بالصلاة والتقوى، ولحيته بيضا خفيفة. أول ما الشيخ دخل الشقة، وقف في الصالة وبص حواليه، ولقيته غمض عينيه وفضل يستغفر ويبسمل.
دخلنا غرفه النوم، رنا كانت قاعدة وضامة يوسف وبتترعش. أول ما شافت الشيخ عبد الرحمن، وشها اتقلب فجأة! ملامحها الرقيقة اختفت، وظهرت عليها علامات الغضب والغل، وصوتها اتغير تماماً وبقى غليظ وحاد وقالت: “مش هتلحقوها.. دي بتاعتي، والواد ده هيموت.. هيموت!”.
أنا ركبي سابت، ومصطفى مسكني. الشيخ عبد الرحمن محتزش ولا خاف، بالعكس.. قعد على كرسي قبال رنا، وطلع مصحف صغير من جيبه، وقال بصوت قوي ومزلزل: “أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم.. بسم الله الرحمن الرحيم”. وبدأ يقرأ آيات أبطال السحر، وسورة البقرة، وآية الكرسي ويفضل يكررها: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}.
مع كل آية كان الشيخ بيقرأها، رنا كانت بتصرخ صراخ يقطع القلب.. صراخ مكنش طالع من حنجرة ست أبدًا! كانت بتتلوى على السرير وجسمها يتشنج، وعينيها تبرق وتطلع لفوق والشهقة المرعبة دي بدأت تتكرر ورا بعض كأنها بتموت!
الشيخ عبد الرحمن كان صوته بيعلى بالقرآن أكتر وأكتر، ويزعق ويسأل: “من أنت؟ وما الذي أتى بك إلى هنا؟!”.
صوت غريب وطالع من جوة رنا رد وهو بيضحك بامتزاج مع بكاء وغل: “أنا الخادم.. أنا الرصد.. معمول ليها عمل بالمرض والموت من أقرب الناس ليها.. مدفون في مكان مش هتوصلوله! هتموت.. هتموت وهي بترضعه، لازم تموت!”.
الشيخ عبد الرحمن زعق فيه وقرأ: {قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}، وفضل يكرر “إن الله سيبطله.. إن الله سيبطله” ويجيب مية ويقرأ عليها ويرش على وش رنا.
فجأة، رنا اتنفضت نفضة جامدة جداً، وخرجت منها شهقة عالية وطويلة سدت ودانا كلنا، وبعدها وقعت على السرير جثة خامدة، مغمى عليها تماماً.. بس المرة دي، وشها كان هادي، ومكنش متشنج.
الشيخ عبد الرحمن مسح عرق جبينه وبصلي وقال بنبرة حزينة: “يا بني، مراتك معمول لها سحر أسود وسفلي شديد جداً.. السحر ده معمول بغرض المرض، وإنها متفرحش بضناها، ويموت ابنها من الجوع أو تموت هي وهي بترضعه. السحر ده معمول على أثر من لبسها، ومدفون أو محطوط في مكان قريب منها جداً.. من ريحة كلام الجني، السحر ده حد من أهلها أو أهلك هو اللي عمله!”.
الدنيا اسودت في عيني.. “أمي؟ ولا حماتي؟!”. افتكرت الخناقة والردح والغل اللي شوفته في عيونهم يوم الولادة. مشيت في الشقة زي المجنون.. “السحر فين يا شيخنا؟ أدور فين؟”.
الشيخ قال: “دور في الحاجات اللي جاتلك هدايا بعد الولادة، أو في لبسها القديم، أو في عتبة البيت.. افتح كل حاجة وجدد نيتك بالله”.
فضلت أنا ومصطفى نقلب الشقة حتة حتة.. فتشنا الدولاب، المطبخ، المراتب، السجاد.. ملقيناش حاجة. لحد ما مصطفى قالي: “كريم.. في شنطة هدايا كبيرة اهي في الصالة، بتاعة السبوع والزيارات اللي جاتلكوا، فتشتها؟”.
قولتله: “لأ.. دي هدايا من أمي وحماتي وقرايبنا لسه مفتحنهاش من يوم ما رجعنا”.
جريت على الشنطة وفتحتها.. كان فيها طقم سرير، وهدوم للبيبي، وعلبة حلاوة مغلفة. بدأت أطلع الحاجات.. لحد ما مسكت علبة الحلاوة الكبيرة. العلبة كانت مقفولة بلصق شفاف، بس لما هزيتها، حسيت إن في حاجة تقيلة جوة بتتحرك مش حركة حلاوة.
فتحت اللصق بسرعة وفتحت العلبة.. وشوفت الكارثة!
تحت قالب الحلاوة، كان في كيس أسود صغير ملفوف بلصق كتير. قطعت اللصق بإيدي وبقيت بترعش.. وطلعت اللي جوة الكيس.

أنا لما قريت الاسم.. صرخت صرخة هزت الشقة. العلبة دي بالذات.. أنا فاكر كويس مين اللي جابها! دي العلبة اللي حماتي دخلت بيها الشقة أول يوم، وقالت لمراتي: “خدي يا رنا يا بنتي، دي حلاوة عشان تغذي صدرك وتجيب لبن للواد!”.
حماتي! أم مراتي! هي اللي عملت في بنتها وفي حفبيدها كدة؟ عشان إيه؟ عشان الغل؟ عشان تنتقم من أمي وتحرق قلبي وقلب بنتها؟ ولا عشان تكره بنتها في الجواز والخلفة وترجع وتعيش معاها؟ دماغي كانت هتنفجر من البشاعة.. الأم تعمل في بنتها وضناها كدة؟!
الشيخ عبد الرحمن أول ما شاف العروسة والقفل، قال: “الله أكبر.. ظهر الحق وزهق الباطل. جيبلي إناء فيه مية وملح ورش عليه رقبة العروسة والقفل”.
الشيخ بدأ يقرأ المعوذتين وآيات فك السحر، وبدأ يفك الدبابيس دبوس دبوس وهو بيسمي الله، وكل ما يشيل دبوس، كنا بنسمع صوت تكة غريبة في الأوضة كأن في قيود بتتفك. ولما جاب المفتاح وفتح القفل الحديدي ورماه في المية بملح.. سمعنا صوت صرخة بعيدة جاية من برة الشقة، صرخة خفتت لحد ما تلاشت تماماً.
في نفس اللحظة.. رنا فتحت عينيها في الأوضة!
بس المرة دي، عينيها كانت طبيعية تماماً.. رقيقة، هادية، مليانة دموع حقيقية مش دموع رعب. بصت حواليها وقالت بصوت ضعيف بس صافي: “كريم.. أنا جعانة.. ويوسف فين؟ يوسف بيعيط؟”.
جريت عليها وأنا بدمع، أخدتها وفضلت أعيط زي العيل الصغير.. “أنتي كويسة يا رنا؟ حاسة بإيه؟”.
قالت لي وهي بتبتسم وبتتنفس براحة أول مرة أشوفها من شهور: “أنا حاسة إن في جبل انزاح من على صدري يا كريم.. حاسة إني خفيفة، والضلمة اللي كانت في عيني راحت.. هجيب يوسف أرضعه؟”.
الشيخ عبد الرحمن ابتسم وقالي: “توكل على الله يا بني.. السحر اتفك، واللعنة انتهت، وربنا يحفظكم”.
رنا أخدت يوسف .. البيبي كان دبلان والصفرا مأثرة عليه. قعدت على السرير، وحطت بؤه الصغير على صدرها.. أنا كنت واقف وحاطط إيدي على قلبي، ومصطفى والشيخ واقفين بيدعوا.
الواد بدأ يرتضع.. وبدأت رنا تتنفس.. ثانية.. دقيقتين.. خمس دقايق.. والواد بيرضع بنهم، ورنا بتبص له بحنان والابتسامة على وشها، وعينيها منورة.. ومفيش تشنج.. ومفيش شهقة.. ومفيش غياب عن الوعي!
رنا رضعته لحد ما الواد شبع ونام، ووشه بدأ يورد، وهي كمان وشها رجعت له الروح وبقت زي الوردة.
بعد ما الشيخ عبد الرحمن ومصطفى مشيوا، وأنا شكرتهم ودعيت لهم من كل قلبي، قعدت جمب مراتي. مكنتش قادر أقولها إن أمها هي اللي عملت كدة.. مكنتش عايز أكسر قلبها أكتر ما هو مكسور. قولت لها إننا لقينا عمل معمول من حد حاقد ومجهول وفكيناه والحمد لله.
بس أنا مكنش ينفع أسكت.. نزلت وروحت لبيت حماتي. أول ما فتحت الباب وشافتني، وشها اتقلب واصفر، ولقيتها بتبص ورايا بخوف كأنها مستنية تشوف بنتها ميتة أو متبهدلة.
وقفت قدامها وبصيت لها بكل قرف واشمئزاز، وطلعت الكيس اللي فيه العروسة المتدمرة والقفل المفتوح ورميته تحت رجليها!
قولتلها بصوت فحيح زي الأفعى: “السحر اتمسح واتفك يا حماتي.. وبنتك خفت ورضعت ابنها، والرصد اللي كنتي مسلطاه عليها اتقلب عليكي.. وأنا مش هبلغ عنك الشرطة عشان خاطر بنتك وعشان مشوفش دموعها.. بس رجلك مش هتعتب بيتي تاني، وبنتك هتعرف حقيقتك في الوقت المناسب.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، يا شيخة ده الشيطان يتعلم منك!”.
سبتها واقفة بتترعش وتصرخ من الخوف والفضائح، ومشيت وسيبتها لربنا ينتقم منها.
الحمد لله.. الشهور مرت، ويوسف كبر وبقى زي الفل، والصفرا راحت تماماً.. ورنا بقت أم عظيمة، حنينة، وضحكتها مابتفارقش البيت. الشهقة المرعبة دي مبقتش اسمعها.. بقيت بسمع مكانها ضحكة ابني وصوت مراتي وهي بتغني له عشان ينام. عرفت إن الرزق مش بس فلوس، الرزق هو السكينة والأمان، وإن ربنا دايماً أقوى من أي سحر ومن أي شر.. والحمد لله رب العالمين.