حكايه ياسين وليلى سر يوسف الجزء الاول للكاتبه سهر محمد
”لو حراسك قربوا مني خطوة كمان.. هرمي البتاعة دي في البحر، وساعتها سر أخوك هيندفن معاه للأبد!”
صوتها كان بيرتجف بس عينيها كانت بتلمع بتحدي مجنون وهي واقفة على حافة سور كوبري في إسكندرية، والمطر بيغرق هدومها وشعرها.
عربيات الحراسة السودا كانت قافلة الطريق، وفي النص، نزل “ياسين الدمردي 32 سنة، صاحب أكبر أسطول نقل بحري في الشرق الأوسط.
راجل قلبه مات من 7 سنين يوم ما يخت أخوه التوأم “يوسف” غرق وملاقوش جثته. ياسين كان لابس بالطو أسود طويل، ملامحه قاسية زي صخر، بس الكلمة اللي البنت قالتها خلّت الدم يهرب من وشه.
شاور لحراسه بإيده يرجعوا لورا، وتقدم هو بخطوات بطيئة، عينيه متثبتة على الحاجة اللي هي ماسكاها في إيدها.
قال بصوت أجش، هادي بس يخوف:
— “إنتي مين؟ وإيه اللي في إيدك ده؟”
البنت بلعت ريقها بالعافية، وقالت وهي بتنهج من البرد والخوف:
— “أنا ليلى.. واللي في إيدي دي ولاعة فضة، محفور عليها: ‘إلى يوسف، نصي التاني – ياسين’.. ولعتك اللي أديتهاله يوم عيد ميلادكم الـ 25، صح؟”
ياسين حس إن الأرض بتتهز تحته. الولاعة دي كانت في جيب يوسف يوم الحادثة! محدش يعرف السر ده غيره هو ويوسف.
قال وهو بيحاول يسيطر على أعصابه:
— “جبتيها منين؟ انطقي!”
ليلى رجعت خطوة لورا على السور وقالت:
— “لو عايز تعرف، تأمر كلاب الحراسة دول يمشوا.. وتاخدني مكان آمن، لأن في ناس بتطاردني من إمبارح وعايزين يقتلوني بسببها.. موافق ولا أرميها ونخلص؟”
ياسين بص لعينيها الواسعة المليانة رعب رغم شجاعتها المزيفة. ملامحها بريئة، لابسة جاكت صوف واسع عليها ومبلول، وباين عليها إنها بنت عادية جداً متورطة في حاجة أكبر منها بكتير.
فتح باب عربيته الخلفي بنفسه وقال بصرامة:
— “اركبي.”
في مكتب الدمردي – بعد ساعة
المكتب في الدور الأخير من مقر الشركة، واجهته كلها إزاز بيكشف بحر إسكندرية الغضبان.
ليلى كانت قاعدة على كرسي جلد ضخم، متكورة حوالين نفسها وماسكة كوباية شاي سخنة إيديها بتترعش بيها. ياسين كان واقف قدامها، ماسك الولاعة الفضة، بيمرر صوابعه على الحفر اللي عليها، وعينيه مليانة ذكريات ووجع بيحاول يخبيه.
ياسين قفل عينه ثانية، وبعدين بص لليلى:
— “احكي.. من غير ولا كدبة. لأن كدبة واحدة تمنها هيكون حياتك.”
ليلى أخدت نفس عميق وبدأت تتكلم بصوت مهزوز:
— “أنا بشتغل مُرممة تحف قديمة في محل صغير ورثته عن أبويا في العطارين. من يومين، اشتريت صندوق خشب قديم من مزاد خردة. وأنا بنضفه، اكتشفت إن له قاع سري.. لقيت فيه الولاعة دي، ومعاها فلاشة (USB) صغيرة.”
ياسين عقد حواجبه:
— “فلاشة؟ فين الفلاشة دي؟”
ليلى حطت إيدها في جيبها الداخلي، وطلعت فلاشة صغيرة جداً حطتها على المكتب، وكملت:
— “أنا معرفش إيه اللي عليها لأنها متشفّرة بباسورد. بس من ساعتها وحياتي اتقلبت. المحل بتاعي اتكسر إمبارح بالليل واتقلب كله، ولما هربت، لقيت عربية بتطاردني. دورت على اسم ‘يوسف الدمردي’ على النت، وعرفت القصة وعرفت إنت مين.. فجيتلك.”
ياسين مسك الفلاشة بسرعة، راح على اللاب توب بتاعه ووصلها. الشاشة طلبت (Password).
وقف ثواني يفكر.. إيه الكلمة اللي يوسف ممكن يستخدمها؟ كتب تاريخ ميلادهم.. غلط. كتب اسم والدتهم.. غلط.
وبعدين افتكر كلمة السر القديمة اللي كانوا بيستخدموها في خزانة ألعابهم وهما أطفال.
الشاشة فتحت.
ليلى وقفت من مكانها وقربت بخطوات بطيئة تبص معاه.
الفلاشة مكنش عليها غير ملف فيديو واحد.
ياسين شغل الفيديو، وإيده اللي عمرها ما اتهزت في أكبر صفقات، كانت بترتجف.
ظهرت الصورة مشوشة في الأول، وبعدين وضحت.
ظهر “يوسف”.. أخوه التوأم! بس شكله كان مختلف، شعره طويل، وشه شاحب، وفي جرح قديم على حاجبه. باين عليه إنه متصور في مكان مقفول زي قبو أو بدروم. الكاميرا كانت بتتهز كأنه بيصور نفسه في السر.
صوت يوسف طلع من السماعات، خافت ومبحوح:
— “ياسين.. لو الفيديو ده وصلك، يبقى أنا قدرت أهرب الولاعة دي برة السجن اللي أنا فيه. أنا مامتش يا ياسين.. اليخت مغرقش صدفة. أنا محبوس بقالي 7 سنين.”
ياسين سند بإيديه الاتنين على المكتب وكأن حد ضربه برصاصة في قلبه. عينيه وسعت ونفَسُه كأنه انقطع.
ليلى حطت إيدها على بقها تكتم شهقة صدمة.
يوسف في الفيديو كمل وهو بيبص للكاميرا برعب:
— “أنا مش عارف أنا فين، بس أنا سامع صوت القطر كل يوم الساعة 12 بالليل. والأهم من ده يا ياسين.. اللي عمل فيا كدة، واللي أمر بحرق اليخت، مش عدو من برة..”
يوسف بلع ريقه وقرب من الكاميرا وقال الجملة اللي قلبت الدنيا:
— “اللي حابسني يا ياسين، واللي بيبتزك السنين دي كلها.. هو عمك ‘رضوان الدمردي’.. إوعى تثق فيه، إوعى تثق في…”
فجأة، في الفيديو، الباب اتفتح ورا يوسف، والكاميرا وقعت على الأرض والشاشة ضلمت.
المكتب غرق في صمت مرعب. صوت أنفاس ياسين العالية كانت هي الحاجة الوحيدة اللي مسموعة.
عينيه اتحولت للون أحمر دموي، وعروق رقبته برزت. “عمه رضوان”؟ دراعه اليمين وأبوه الروحي بعد موت والده؟
لسة ياسين هيستوعب الصدمة، باب المكتب خبط، والسكرتير دخل بسرعة وقال بارتباك:
— “ياسين بيه.. أنا آسف على المقاطعة بس..”
قاطعه دخول شخص بكامل هيبته، لابس بدلة رمادي أنيقة، وبيبتسم ابتسامة هادية.
— “إيه يا بطل.. قافل على نفسك ليه والمكتب مقلوب برة؟”
كان رضوان الدمردي بشحمه ولحمه.
رضوان عينيه وقعت على “ليلى” اللي واقفة بترتعش، وبعدين لمحت الشاشة اللي ورا ياسين اللي لسة ثابتة على آخر فريم من الفيديو. ابتسامة رضوان اختفت بالبطيء، وإيده نزلت في جيب بدلته.
ياسين قفل شاشة اللاب توب بهدوء مخيف، ووقف قدام ليلى كأنه بيحميها بضله، وبص لعمه بنظرة عمرها ما طلعت منه قبل كدة.. نظرة وحش لقى فريسته.
— “مفيش يا عمي..” ياسين قالها بصوت هادي جداً، هدوء ما قبل العاصفة.. “كنا لسة.. بنفتح صندوق أسرار قديم.”
رضوان طلع حاجة معدنية بتلمع من جيبه وقفل باب المكتب وراه بالمفتاح…وفجأه حصل اللي محدش توقعه ابدا وو
.حصري للكاتبه #سهر_محمد
“كنت أتمنى متفتحش الصندوق ده يا ياسين.. يوسف كان غبي زيك، دايماً بيحب ينبش في الأسرار اللي المفروض تندفن.”
الصوت طلع من رضوان بارد، هادي، ومخيف. الإيد اللي طلعت من جيبه مكنتش فاضية، كان ماسك مسدس أسود بكاتم صوت، وموجهه مباشرة على قلب ياسين.
ياسين فضل واقف مكانه، ملامحه متجمدة بس عروق رقبته كانت بتنبض بغضب أعمى.
— “سبع سنين يا رضوان؟ سبع سنين بتبكي معايا على قبر فاضي إنت اللي حفرته؟ إنت اللي حرقت اليخت؟”
رضوان ضحك ضحكة خفيفة وهو بيتقدم خطوة:
— “اليخت كان المفروض يخلص عليكم إنتوا الاتنين. الإمبراطورية دي كلها كانت من حقي أنا بعد موت أبوكم، مش حتة عيلين لسه طالعين من البيضة يمشوا كلمتهم عليا! بس يوسف.. يوسف كان دايماً شكاك، شم خبر إن في تلاعب في حسابات الشركة وحط مناخيره في اللي ملوش فيه.. فكان لازم يختفي. ولما إنت نجيت من الحادثة، قولت لنفسي مش مشكلة.. أخليك تبني وتكبر الشركات، وفي الوقت المناسب.. أورثك.”
ليلى كانت واقفة ورا ياسين، جسمها كله بيتنفض. عينيها جات على كوباية الشاي السخنة اللي كانت لسه في إيدها.
رضوان رفع المسدس ناحية ليلى وقال باشمئزاز:
— “غلطتك يا ياسين إنك دخلت الحشرة دي مكتبك.. لو كانت رمته في البحر كانت وفرت علينا كلنا. ودلوقتي.. اقعد على ركبك إنت وهي.”
ياسين بص لليلى بطرف عينه، نظرة سريعة بس كانت كافية إنها تفهم إنه مستني أي فرصة.
وفي كسر من الثانية، ليلى صرخت بأعلى صوتها، وبكل قوتها حدفت كوباية الشاي المغلية في وش رضوان!
— “آآآآه!”
رضوان صرخ ورجع لورا وهو بيحط إيده على وشه. المسدس ضرب طلقة طايشة كسرت واجهة المكتب الإزاز بصوت مكتوم.
ياسين مضيعش لحظة. هجم على عمه زي النمر، ضربه برجله بكل قوة في صدره خلاه يخبط في المكتب ويقع على الأرض والمسدس يطير من إيده.
ياسين شد الفلاشة من اللاب توب، مسك إيد ليلى، وصرخ:
— “اجري!!”
رحلة الهروب والبحث
طلعوا يجروا في الممرات الفاضية. ياسين كان عارف إن حرس عمه أكيد منتشرين تحت. بدل ما يروح للأسانسير الرئيسي، سحب ليلى وراه من سلم الطوارئ لحد ما وصلوا للجراج السفلي. ركبوا عربية دفع رباعي سودا مخصصة للطوارئ، وياسين كسر بيها حاجز الجراج وطلعوا على طريق الكورنيش في وسط المطر اللي كان بيغسل إسكندرية بشراسة.
ليلى كانت بتنهج، حاطة إيدها على قلبها اللي هيقف من الخوف:
— “إحنا.. إحنا هنروح فين؟ هتبلغ البوليس؟”
ياسين كان ماسك الدركسيون بقوة لحد ما عقل أصابعه ابيضت، عينيه مركزة على الطريق زي الصقر:
— “البوليس ملوش لازمة دلوقتي.. رضوان ممكن يقتل يوسف في أي ثانية لو حس إننا هربنا. لازم ألاقيه الليلة.”
ليلى بلعت ريقها:
— “بس هنلاقيه فين؟ إسكندرية كبيرة!”
ياسين داس بنزين أكتر وعقله شغال بسرعة البرق:
— “يوسف في الفيديو قال جملتين مهمين.. ‘أنا سامع صوت القطر كل يوم الساعة 12 بالليل’.. وكلمة السر اللي حطها على الفلاشة كانت ‘Albatross’ (القطرس – طائر بحري).”
ياسين سكت ثواني وبعدين ضرب الدركسيون بإيده وصرخ كأنه لقى الحل:
— “مخازن المكس! مخازن الشحن القديمة اللي على شريط السكة الحديد في منطقة المكس! دي المنطقة الوحيدة اللي فيها قطر بضاعة بيعدي نص الليل.. وشركة الشحن اللي كانت بتدير المخازن دي زمان كان اسمها ‘القطرس’.. ورضوان اشتراها من 10 سنين وقفلها بحجة إنها بتخسر!”
لف بالعربية في يوتيرن مفاجئ خلى الكاوتش يصرخ على الأسفلت المبلول، وطار في اتجاه غرب إسكندرية.
مخازن المكس – الساعة 11:45 مساءً
المكان كان عبارة عن مقبرة حديد. كونترات صاج مصدية، ومخازن ضخمة مهجورة، وصوت أمواج البحر بيضرب في الصخور القريبة مع صوت الرعد.
ياسين نزل من العربية وطلع كشاف صغير ومسدس من درج التابلوه. بص لليلى بجدية:
— “خليكي في العربية. لو مرجعتش بعد نص ساعة، اطلعي بالعربية على مديرية الأمن وسلميهم الفلاشة.”
ليلى فتحت بابها ونزلت وراه بوش عنيد:
— “أنا اللي جبتلك الفلاشة، والمحل بتاعي اتدمر بسببه، ورجالته لو لقوني هيقتلوني. أنا جاية معاك، رجلي على رجلك.”
ياسين بصلها ثواني.. ملامحها الهادية مخبية وراها روح مقاتلة. هز راسه من غير كلام، ومشيوا في وسط المخازن الضلمة.
المطر كان بيغطي على صوت خطواتهم، لحد ما وصلوا لمخزن متطرف، بابه الحديد كان عليه قفل جديد بيلمع في الضلمة، عكس بقية الأبواب المصدية.
ياسين طلع أداة حديدية من عربيته، وبضربتين كسر القفل.
فتحوا الباب الصاج بصعوبة. ريحة العفن والرطوبة ضربت في وشهم. كشاف ياسين نور المكان.. كان فاضي تقريباً إلا من شوية كراكيب. بس عينه لمحت حاجة على الأرض.. آثار كوتشي جديدة في التراب متجهة لناحية زاوية معينة.
مشوا ورا الآثار، لحد ما لقوا باب حديدي في الأرض متداري تحت مشمع بلاستيك.
ياسين بص لليلى، رفع الباب الثقيل، وظهر سلم حجر بينزل لتحت في ضلمة تامة.
نزلوا السلم درجة درجة، وصوت أنفاسهم هو الوحيد المسموع، لحد ما وصلوا لبدروم واسع.
نور الكشاف ضرب في آخر الأوضة..
كان في كرسي في النص، ومربوط عليه شخص بهدوم مقطعة، راسه واقعة على صدره وشعره طويل مغطي وشه.
ياسين قلبه دق بعنف.. أرمي الكشاف على الأرض وطلع يجري زي المجنون ناحيته.
— “يوسف!! يوسف أنا هنا! أخوك هنا!”
ليلى وقفت ورا ياسين بتراقب الباب، بس فجأة حست ببرودة غريبة في المكان.
ياسين نزل على ركبه قدام الكرسي، ومسك وش الشخص ده ورفع راسه بسرعة ودموعه هتنزل..
لكن الصدمة خلته يتجمد مكانه. الدم هرب من عروقه.
ده مكنش يوسف!
ده كان “محمود”، سكرتير ياسين الشخصي، وشه كان مليان كدمات ودم، وعينيه مفتوحة بالعافية.
محمود كح دم، وبص لياسين برعب وهمس بصوت متقطع:
— “ياسين بيه… اهرب… ده.. فخ.. هما نقلوه من امبارح…”
قبل ما ياسين يستوعب الجملة، باب البدروم الحديد اللي فوق اتقفل ورزع بصوت زلزل المكان!
صوت القفل وهو بيتك من برة رن في ودانهم.
وفجأة.. شاشة تليفزيون قديمة متعلقة في زاوية السقف نورت.
ظهر عليها “رضوان”، قاعد في عربيته، بيمسح الدم من على وشه بمنديل، وبيبتسم ابتسامة شيطانية للكاميرا:
— “تؤ تؤ.. لسه متسرع وبتمشي ورا عواطفك يا ياسين. فكرك إني هسيب يوسف في مكان بالوضوح ده بعد ما اكتشفت إن الفلاشة اختفت؟ يوسف دلوقتي في مكان مش هتشوفه فيه غير في جهنم.. وإنت والآنسة اللي معاك، هتلحقوه كمان دقيقة بالظبط.”
رضوان داس على زرار في ريموت صغير في إيده.
الشاشة ضلمت.. وفي نفس اللحظة..
تيك.. تيك.. تيك..
صوت عداد إلكتروني بدأ يرن من تحت الكرسي اللي مربوط عليه محمود.
ليلى صرخت وهي بتبص على القنبلة المربوطة تحت الكرسي، الأرقام الحمرا كانت بتنزل بسرعة مجنونة:
00:59… 00:58… 00:57…
وفي عز الرعب ده، وصوت القطر اللي بدأ يقرب من برة ويزلزل الأرض تحتهم… ياسين بص لليلى، و..
يتبع… في الجزء الاخير من القصه للكاتبه سهر محمد