قصه ابني ادم
ابني آدم عنده سنة واحدة ومن حوالي شهر بدأ يعمل حاجة غريبة محدش في البيت قدر يلاقي لها تفسير. كل ساعة تقريبًا ، مهما كان بيعمل إيه ، يسيب اللعبة من إيده أو يوقف رضاعته فجأة ويبص ناحية ركن معين في الأوضة وبعدها يمشي ناحية الركن بخطوات هادية جدًا ويلزق وشه في الحيطة ويفضل واقف من غير حركة لا بيعيط ولا بينادي ولا حتى يلتفت لما أنادي عليه كأنه في اللحظة دي بيبقى شايف حاجة أنا مستحيل أشوفها.
في الأول ضحكت وقلت دي حركة أطفال وهتعدي ، يمكن ملمس الحيطة عاجبه ، أو مجرد مرحلة غريبة زي أي مرحلة نمو ، لكن الأيام عدت والحركة نفسها بقت بتتكرر بالدقيقة ، بنفس التوقيت تقريبًا وبنفس المكان ، لدرجة إني لو حطيته في آخر الشقة ، ألاقيه بعد شوية راجع لنفس الركن وكأن في حاجة هناك بتناديه باسمه.
حتى جوزي اللي عمره ما اقتنع بالخرافات ، بدأ يسكت كل مرة يشوفه واقف قدام الحيطة وبقى يراقبه من بعيد من غير ما يتكلم ، لأن اللي كان بيشوفه بعينه ، ملوش أي تفسير منطقي.
قلنا يمكن في ريحة يمكن في رطوبة ، يمكن صوت خارج من المواسير ، قلبنا الأوضة كلها ، حركنا السرير والدولاب ، دهنا الحيطة من جديد وحتى السجادة غيرناها لكن آدم ولا كأن أي حاجة اتغيرت ، كان بيرجع لنفس النقطة بالحرف ويلزق وشه فيها بنفس الطريقة اللي كانت بتخليني أحس إن قلبي هيقف.
الغريب إنه عمره ما عملها وهو نايم أو بينعس كانت بتحصل وهو صاحي وبكامل وعيه وكأن فيه موعد محدد محدش يعرفه غيره.
لحد الليلة اللي غيرت حياتنا كلها.
صحيت على الساعة اتنين ونص تقريبًا على صوت جهاز المراقبة ، افتكرته بيعيط لكن أول ما فتحت الكاميرا جسمي كله اتجمد.
آدم مكنش في سريره كان واقف في نفس الركن لزق وشه في الحيطة لكن المرة دي ، إيده الصغيرة كانت بتمشي على الحيطة
جريت عليه وأنا مرعوبة ، شلته في حضني ، لكن لأول مرة في حياته زقني بإيده الصغيرة بعنف وفضل يمد جسمه ناحية الحيطة ويصرخ صرخة عمري ما سمعتها من طفل عنده سنة ، صرخة فيها رعب خلت النوم يهرب من عيني لحد الفجر.
من اليوم ده بدأت ألف على الدكاترة كل واحد كان يطمني بكلمتين ويرجعني البيت.
واحد قال اضطراب سلوكي واحد قال فضول طبيعي واحد قال مرحلة وهتعدي.
لكن ولا واحد فيهم عرف يفسر ليه بيروح لنفس النقطة بالحرف ولا ليه كل ما أبعده عنها يفضل يعيط لحد ما أرجعه.
وبعد أسبوعين حصلت المعجزة اللي كنت مستنياها من يوم اتولد.
آدم نطق أول كلمة أنا وجوزي جرينا عليه فرحانين ، افتكرنا هيقول ماما أو بابا.
لكنه بص للحيطة ورفع صباعه الصغير ناحيته وقال بصوت واضح بشكل مستحيل على طفل في سنه الست هناك.
في اللحظة دي حسيت إن الدم اتسحب من وشي ، لكن جوزي حاول يضحك ويقنعني إنها مجرد كلمات ملهاش معنى.
أنا كمان حاولت أصدق.
لحد ما اكتشفنا بعد يومين إن كل مرة آدم كان يلزق وشه في الحيطة ، ماكنتش حركة عشوائية ولا عادة غريبة زي ما كل الناس قالت ، كان بيحاول يوصلنا رسالة عمره ما عرف ينطقها ولما فهمنا الرسالة أخيرًا اتمنيت من كل قلبي لو كنت صدقته من أول مرة ، لأن اللي عرفناه بعدها قلب حياتنا كلها
في اللحظة اللي آدم نطق فيها جملة “الست هناك”، حسيت إن الأكسجين انسحب من الأوضة كلها. بصيت لجوزي “طارق” ووشي أبيض زي الشمع، وهو كمان ابتسامته اختفت تماماً، بس حاول كالعادة يداري رعبه ورا قناع المنطق، وقال بصوت مهزوز:
“يا حبيبتي ده طفل! أكيد لقط الكلمة دي من التليفزيون ولا من أي فيديو على يوتيوب.. مفيش حاجة اسمها الست هناك، إنتِ بس أعصابك مشدودة.”
حاولت أصدقه، أخدت آدم في حضني وخرجنا من الأوضة، بس قلبي كان مقبوض. الإحساس اللي جوزي بيحاول يكدبه، غريزة الأمومة جوايا كانت مأكدة لي إنه حقيقي. ابني مكنش بيهلوس، ومكنش بيلعب.. ابني كان بيشاور على حاجة إحنا مش شايفينها.
في الليلة دي، نيمت آدم في حضني في أوضتنا، ومقدرتش أغمض عيني. فضلت أتقلب على السرير لحد ما الساعة جت تلاتة الفجر. قمت من مكاني بهدوء، مشيت على طراطيف صوابعي، ودخلت أوضة آدم.
وقفت قدام الركن إياه.. الركن اللي ابني بقاله شهر بيلزق وشه فيه.
قلت لنفسي: “لو فيه حاجة هنا، أنا لازم أعرفها.”
نزلت على ركبتي، في نفس المستوى اللي آدم بيكون واقف فيه، وقربت وشي من الحيطة زي ما كان بيعمل بالظبط. غمضت عيني، وكتمت أنفاسي تماماً عشان أركز في أي حاجة ممكن أحس بيها أو أسمعها.
في الأول، مكنش فيه غير الصمت.. بس بعد ثواني، ولما ودني لزقت في الحيطة، سمعت صوت خلاني أفتح عيني برعب!
صوت “زززززز” خفيف جداً.. أقرب لصوت ذبذبات كهربائية مكتومة، أو شوشرة جهاز إلكتروني شغال. الصوت مكنش طبيعي، ومكنش جاي من مواسير الماية زي ما كنا فاكرين!
فتحت كشاف موبايلي، وقربته من الحيطة جداً، وبدأت أمشي النور على كل سنتيمتر في الجزء اللي آدم كان بيلزق وشه فيه.. لحد ما عيني لمحتها!
ثقب صغير جداً.. أصغر من رأس الدبوس، مخفي ببراعة جوه رسمة من رسومات ورق الحائط اللي كنا مجلدين بيه الأوضة. ثقب مستحيل عين شخص بالغ تلمحه وهو واقف، لكن طفل بيحبي وبيلعب على الأرض، عينه هتيجي عليه بسهولة!
رجعت لورا وصرخت بأعلى صوتي: “طاااااارق! إلحقني يا طارق!”
جوزي دخل الأوضة مفزوع، ووشه مخطوف: “في إيه؟! آدم حصله حاجة؟!”
شديته من إيده ونزلته على الأرض، وقولتله وأنا بترعش: “حط ودنك هنا.. وبص على الخرم ده! الحيطة دي وراها حاجة!”
طارق ركز ثواني، وملامحه اتغيرت من الخوف للغضب. قام بسرعة زي المجنون، جاب شاكوش ومفك من علبة العدة، وبدأ يكسر في الجزء ده من الحيطة. الجبس كان بيقع، والفتحة بتوسع، لحد ما ظهرت المفاجأة اللي خلتنا إحنا الاتنين نكتم أنفاسنا من الصدمة.
وراء الحيطة، في تجويف صغير جداً، كان فيه جهاز أسود صغير متوصل بأسلاك دقيقة.. كاميرا مراقبة لاسلكية (IP Camera) مدمج فيها ميكروفون وسماعة صغيرة جداً!
الكاميرا كانت متوجهة مباشرة ناحية سرير آدم، وكان فيها لمبة حمراء صغيرة جداً بتنور وتطفي ببطء.. هو ده الضوء اللي كان بيشد انتباه ابني ويخليه يسيب اللعب ويروح يقف قدامه!
لكن الكارثة مكنتش في الكاميرا بس.. الكارثة كانت في الصوت اللي سمعناه طالع من السماعة الصغيرة بتاعتها في اللحظة دي.. صوت همس واطي جداً لدرجة الرعب، صوت امرأة بتقول: “آدم… روح نام يا آدم.”
صرخت من الفزع، وطارق بضربة واحدة من الشاكوش دمر الكاميرا والأسلاك، وفصلها تماماً.
الحقيقة الصادمة
في نفس الليلة، بلغنا الشرطة، والبيت اتقلب رأساً على عقب. المباحث أخدت الكاميرا وبقايا الجهاز وفحصوها، وخلال 48 ساعة كانت الحقيقة كلها واضحة، حقيقة أبشع من أي خرافة أو رعب خارق للطبيعة.
الكاميرا دي كانت مزروعة من وقت ما سكنا في الشقة دي من سنة. اللي زرعها كان البواب القديم اللي طردناه من شهور بسبب سلوكه، وكان بيبعث البث المباشر لزوجته المهووسة اللي فقدت ابنها في حادثة من سنين. الست دي كانت بتراقب آدم طول اليوم، ولما كنا بنسيبه لوحده، كانت بتفتح المايك وتتكلم معاه بصوت واطي جداً!
آدم مكنش بيشوف أشباح.. آدم كان بيسمع صوت “الست” اللي بتكلمه من جوه الحيطة، وكان بيشوف النور الأحمر الصغير بتاع الكاميرا، ولما نطق وقال “الست هناك”، كان بيوصف اللي بيسمعه بمنتهى البراءة!
النهاية وبداية جديدة
الشرطة قبضت على البواب وزوجته، واعترفوا بكل حاجة. رغم إن الست كانت مريضة نفسياً ومكانتش نيتها تأذي آدم جسدياً، إلا إن الج*ريمة كانت انتهاك مرعب لحياتنا وخصوصيتنا.
عزلنا من الشقة دي فوراً، واشترينا بيت جديد، بس المرة دي طارق جاب شركة متخصصة فحصت كل حيطة وكل فيشة كهربا في البيت قبل ما ننقل عفشنا.
الرسالة اللي اتعلمتها وعايزة أوصلها لكل أم وأب:
عمركم ما تتجاهلوا تصرفات ولادكم الغريبة. الأطفال مبيعرفوش يكدبوا، وحواسهم أقوى وأدق مننا بكتير. لو ابنك بيشاور على حاجة، أو بيخاف من مكان معين، صدقيه وافحصي المكان بنفسك.
الرعب الحقيقي في الدنيا دي مش بيجي من العفاريت والأشباح.. الرعب الحقيقي بيجي من البشر، ومن تهاوننا في حماية مساحتنا الشخصية.
تأكدوا دائماً من أمان بيوتكم، راقبوا أي تغيير في سلوك أطفالكم، وافتكروا دايماً إن التكنولوجيا اللي بتسهل حياتنا، ممكن تكون أكبر خطر بيهددنا لو مأخدناش حذرنا.
الحمد لله، آدم دلوقتي كبر وبقى طفل طبيعي جداً وسعيد، بس أنا عمري ما هنسى الدرس اللي اتعلمته في الليلة دي.. ليلة ما ابني أنقذنا بكلمتين: “الست هناك”.