حكايه اختي الكبيره الاخير من حكايات نور محمد

التليفون كان لسه بيرن في إيدي.

هزة الموبايل كانت بتسمع في عضمي كله.

مريم كانت على الأرض، ماسكة في رجلي، وبتترجاني بعنيها اللي غرقانة دموع:

— “لا يا عمر.. أبوس إيدك لا.”

بس أنا كنت لازم أرد.

كنت لازم أفهم.

سحبت نفسي خطوتين لورا، ودوست على زرار الرد.

رفعت التليفون على ودني، ومفيش كلمة طلعت من حنجرتي.

السكوت كان سيد الموقف لثانيتين..

وبعدها، جالي صوته.

صوته الهادي، الواثق، اللي متعود أسمعه في اجتماعات الشغل، بس المرة دي كان فيه نبرة مختلفة تماماً.

— “ألو؟.. عمر؟”

مرديتش.

سمعته بيتنهد، وبعدين قال الجملة اللي شلت تفكيري:

— “أنا عارف إنك عرفت.. أنا كنت مستني اللحظة دي من يوم ما دخلت شركتي.”

الكلمات ضربت في دماغي زي المطارق.

— “أنت.. أنت كنت عارف أنا مين؟”

صوتي طلع مبحوح، كأنه طالع من بير غويط.

ضحك ضحكة خفيفة، ضحكة واحد ماسك كل خيوط اللعبة:

— “أنا عارف كل حاجة من زمان يا عمر. عارف إن مريم مهربتش للصعيد، وعارف إنها عاشت في إسكندرية. أنا اللي سيبتكم تعيشوا.. وأنا اللي خليتك تشتغل معايا لما كبرت وبقيت مهندس قد الدنيا. أنا اللي ربيتك من بعيد لبعيد.”

الدم غلي في عروقي.

— “ربيتني؟ أنت رمتني! أنت بعتني للموت أنا وأمي!”

— “أمك؟”

قالها بسخرية لاذعة.

— “تقصد القاتلة؟ مريم مجرمة يا عمر. حرقت أهلها كلهم. أنا صحتي مبقتش زي زمان، والدكاترة قالولي مفيش أمل. معنديش وريث غيرك. ثروتي، شركاتي، كل اللي بنيته ده بتاعك. بس بشرط واحد.”

سكت ثانية، وكمل بصوت عامل زي فحيح التعبان:

— “مريم تختفي من حياتك. تسيبها، وتيجي تعيش معايا في الفيلا كابن شرعي ليا. ولو رفضت.. ملف الحريقة القديم بتاع الصعيد هيتفتح الصبح. أنا معايا دليل يوديها حبل المشنقة. تختار إيه؟ أبوك ومستقبلك.. ولا مجرمة ضيعتلك حياتك؟”

المكالمة خلصت على سؤاله.

وطلب مني أرد عليه قبل الفجر.

نزلت التليفون من على ودني.

وبصيت لمريم.

كانت لسه قاعدة على الأرض وسط أكياس الأكل اللي وقعت منها.

وشها شاحب.

شعرها اللي نصه أبيض طالع من تحت الطرحة.

إيديها المجروحة من إبر الخياطة، وإيديها التانية اللي عليها أثر الحرق الطويل.. الحرق اللي خدته عشان تطلعني من وسط النار.

— “قالك إيه يا عمر؟”

قالتها بصوت بيرتعش، كأنها مستنية حكم الإعدام.

في اللحظة دي، شريط حياتي كله عدى قدام عيني.

افتكرت مين اللي سهر جنبي وأنا سخن.

مين اللي كانت بتنام من غير عشا عشان أكل أنا.

مين اللي كانت بتدفي إيدي في الشتا وهي إيديها متلجة.

وافتكرت “شاكر”.. الراجل اللي عايز يشتريني بفلوسه، واللي كان مستعد يقتلني وأنا حتة لحمة حمرا عشان خايف على صورته.

قربت من مريم.

ونزلت على ركبتي قدامها.

### الاختيار

مسكت إيديها اللي فيها الحرق، وبوستها.

عيطت.. عيطت بصوت عالي، وهي ضمتني لحضنها زي ما كانت بتعمل وأنا طفل صغير.

— “أنتِ مش مجرمة يا مريم.”

قولتها وأنا باصص في عنيها.

— “أنتِ أمي. الست اللي دخلت النار عشان تجيبني، مستحيل أسيبها للكلاب تنهش فيها.”

قامت مفزوعة:

— “هياذيك يا عمر.. شاكر مابيرحمش! روحله يا ابني، عيش حياتك، أنا كده كده عمري خلص.”

ابتسمت وسط دموعي.

طلعت التليفون، وطلعت الشريحة منه، وكسرتها نصين.

— “شاكر مفكر إن الفلوس بتشتري الدم.. ومفكر إن السر اللي معاه هيهددنا بيه. بس هو ميعرفش إني مهندس زيه، وإني طول السنتين اللي فاتوا في الشركة، كنت براجع حساباته ومناقصاته المشبوهة، ومعايا على الفلاشة دي بلاوي تدخله السجن بقية عمره قبل ما يفكر يفتح ملف اتقفل من 24 سنة.”

مريم بصتلي بذهول.

قومت وقفت، ورفعتها معايا.

مسحت دموعها بإيدي وقولتلها:

— “لمي هدومك يا أمي. إحنا هنسيب الشقة دي، وهنسيب إسكندرية كلها. هنسافر بره مصر. معايا فلوس تكفينا نبدأ من جديد في مكان محدش يعرفنا فيه. شاكر هيفضل يدور علينا لحد ما يموت بمرضه ووحدته، لأن اللي بيبني حياته على حرق غيره، بيموت بردان.”

### النهاية المفيدة

سافرنا.

بدأنا حياة جديدة.

مريم بطلت خياطة، وبقت ست بيت، وأخيراً ارتاحت.

في الأيام اللي عشناها بعد كده، اتعلمت أهم درس في حياتي:

**العيلة مش شوية حبر على ورق، ولا اسم في شهادة ميلاد.**

العيلة هي الأمان.

هي الإيد اللي بتتمدلك وقت ما الدنيا كلها تديك ضهرها.

الأبوة والأمومة مش مجرد علاقة بيولوجية.. دي **اختيار يومي**.

شاكر اختار إنه يكون جبان، وباع ابنه عشان شكله ومقامه.

ومريم اختارت إنها تكون بطلة، ودفعت روحها وعمرها عشان تحميني.

صح هي غلطت، وخطيتها كانت كبيرة، بس السما بتحاسب بالنيات، ونيتها كانت “الحب”.

لو في يوم حسيت إن دنيتك ضلمة، بص للي واقف جنبك في العتمة..

اللي مستعد يحترق عشان ينورلك طريقك، هو ده بس اللي يستحق تديله عمرك.

**وكلمة “أمي”.. مبتتقالش للي ولدت، دي بتتقال للي ربت، وبتتقال للي حبت، وبتتقال للي فدت.**

تمت لو عجبتك القصه ادعمها بلايك وكومنت وتابع معي كل جديد مع تحياتي الكاتبه نور محمد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *