حماتي رمت هدومي 1
حماتــي رمــت هدومــي كلهـا مــن البلكونــة وقالــت إنـي مطلّقــة رسميـًا مـن ابنهـا… لكـن الورقـة اللـي كانـت معايـا فـي شنطتـي ساعتهـا خلّتهـا تقعـد علـى الأرض مـن الصدمـة…
اسمي مـروة…متجوزة من أحمد بقالي 7 سنين…وعندي بنت صغيرة اسمها ليلى…ومن أول يوم جواز، حماتي كانت رافضاني…مش عشان عملت حاجة…ولا عشان بيني وبينها مشكلة…بس لأنها كانت شايفة إن ابنها يستاهل واحدة “أغنى” و”أعلى مقام”.
وكنت دايمًا بسمع منها كلام يوجع.
“أحمد كان ممكن يتجوز أحسن منك.”
“إنتِ كسبتيه بالحظ.”
“احمد ضحى بنفسه عشانك.”
وكنت بسكت.
عشان بيتي.
وعشان بنتي.
لكن في آخر سنة، أحمد سافر الخليج عشان الشغل.
وبقيت أنا وبنتي عايشين في الشقة لوحدنا.
وكانت حماتي بتيجي كل يوم تقريبًا.
تراقب…وتفتش…وتدخل في كل تفصيلة.
لحد ما جه اليوم اللي قلب الدنيا.
رجعت من عند أمي بعد الضهر.
ولقيت العمارة كلها متجمعة تحت البلكونات.
ناس بتبص لفوق…وناس بتهمس…أول ما قربت…
حسيت رجلي بتتلخبط…لأن هدومي كلها كانت مرمية في الشارع ….هدومي….وهدوم بنتي…وشنطتي. وألعابـها.
كل حاجة…مرمية قدام الناس…رفعت راسي لفوق.
فلقيت حماتي واقفة في البلكونة…وأول ما شافتني صرخت بأعلى صوتها: ” ما تطلعيش يا مروة! إنتِ مطلقة رسمي! ”
اتجمدت مكاني.
“إيه؟!”
نزلت بسرعة…وفي إيديها ورقة.
ولوحت بيها قدام الناس…وقالت: ” ابني طلقها من شهر وبعتلي الورقة…”
الناس بدأت تبصلي….وتهمس…وبعضهم بدأ يتحرك يساعدني ألم هدومي….أما أنا…فكنت واقفة مش فاهمة.
أحمد ما كلمنيش.
ولا قالي حاجة.
ولا حتى لمح.
حماتي نزلت السلم وهي منتصرة…وقالت:
الشقة دي شقة ابني… ومفيش مطلقة هتقعد فيها.
وحاولت تاخد المفتاح من إيدي.لكن قبل ما تلمسني…
فتحت شنطتي…وطلعت ملف كنت شايله معايا من الصبح.
في الأول ضحكت بسخرية…وقالت:
“هتعملي إيه بالورق ده؟”
لكن أول ما شافت أول صفحة…اللون اختفى من وشها.
خطوة…وراها خطوة. لحد ما قعدت على الرصيف.
والناس كلها بقت تبص عليها.
مش عليا أنا.
لأن الورقة اللي في إيدي ما كانتش مجرد ورقة.
كانت مستند رسمي. مختوم. وموقع.
وبيثبت حاجة واحدة بس. إن الشقة دي أصلًا…ما كانتش ملك أحمد….ولا ملكها هي.
وكان في بند صغير جدًا محدش خد باله منه وقت الشراء.
بند واحد بس…لكنه كان كفيل يقلب حياتهم كلها في دقيقة.
حماتي بدأت تترعش…وقالت بصوت متقطع:
“إنتِ… عرفتي من إمتى؟”
قفلت الملف بهدوء…وقلت:
“من قبل ما أحمد يسافر.”
وفي اللحظة دي…رن تليفوني.
كان أحمد…وأول ما رديت…
سمعت صوته بيقول جملة خلت حماتي تحط إيديها على قلبها من الرعب: “يا مروة.. قولي لأمي إن اللعبة انتهت، وإن المحامي بكرة الصبح هيكون عند باب البيت.. ومعاه كل تفاصيل التزوير اللي عملته عشان تطلع ورقة طلاق مضروبة باسمي!”
وقفتُ وسط الشارع، والهدوء ساد المكان فجأة، حتى الناس اللي كانت بتلم هدومي وقفت مكانها، وكأن الزمان اتجمد. مسكت الموبايل بإيدي اللي كانت بتترعش، مش من الخوف، لكن من الوجع اللي كان واصلني من نبرة صوت أحمد.
“أحمد؟” قلتها بصوت مخنوق.
رد بسرعة ونبرته كانت مليانة غضب مكتوم: “مروة، أنا عارف كل حاجة عملتها. عارف إنها طردتك، وعارف إنها رمت هدومك، وعارف إنها استخدمت توكيل قديم كان معايا عشان تعمل المهزلة دي. اسمعيني كويس، الشقة اللي هي فاكرة إنها بتطردك منها، هي دي بالذات اللي هتكون نهايتها.”
حماتي كانت قاعدة على الأرض، وشها شاحب كأنه ورقة بيضاء، عينيها مثبتة على الملف اللي في إيدي. حاولت تقوم، تترنح، مسكت في طرف عبايتها وحاولت تصرخ بصوت مهزوز: “كذب.. ده كذب! ابني ما يقولش كدة! مروة بتلعب بدماغك يا أحمد!”
قفلت الخط مع أحمد، وبصيت لها ببرود. لأول مرة في السبع سنين دول، كنت أنا اللي ماسكة خيوط اللعبة. قربت منها، ووطيت لمستواها، والناس كانت واقفة دايرة حوالينا بتراقب المشهد في ذهول.
“يا طنط،” قلتها بصوت هادي كأنه سم، “الورقة دي مش بس بتثبت إن الشقة دي ملكي أنا وليلى، لأنها كانت مكتوبة باسمنا من أول يوم جواز كـ’مؤخر صداق’ و’هبة’ ضمن أوراق المحامي اللي أحمد أمّن عليها. الورقة دي فيها توقيع ابنك على تنازل كامل عن أي حق ليه في البيت ده، وكمان فيها تقرير مفصل عن الحسابات البنكية اللي كنتِ بتسحبي منها بأسمه وهو مش موجود.”
اتسعت عينيها من الصدمة: “حسابات إيه؟ أنا أمّه! ليا حق في ماله!”
“لا يا طنط،” رديت بابتسامة مريرة، “أحمد كان عارف من سنة إنك بتلعبي في فلوسه، وإنك كنتِ بتخططي تشتري شقة تانية باسمك وتبيعي دي عشان تطلعينا منها.. لكنه كان ساكت، كان بيستنى اللحظة اللي تظهري فيها حقيقتك قدام الناس كلها، وقدامي أنا عشان ينهي السيطرة دي للأبد.”
بدأت تترعش أكتر، وبدأت أصوات الهمس تزيد. جارتنا اللي ساكنة في الدور التالت، واللي كانت دييمًا بتسمع خناقاتها معايا، تقدمت خطوة وقالت بصوت مسموع: “يا حاجة فوزية، عيب اللي عملتيه ده! دي مراته وأم حفيدتك!”
الحاجة فوزية، حماتي، اللي كانت دايمًا بتدخل العمارة رافعة راسها، كانت دلوقتي بتبص للأرض مش عارفة تواجه حد. الناس بدأت تصور بالموبايلات. الموقف كان مهين، بس هو كان النتيجة الحتمية لكل “سم” رشتُه في حياتي سنين طويلة.
“قومي يا طنط،” قلتلها وأنا بقوم وبعدل هدومي اللي كانت لسه مرمية في الشارع، “قومي، لأن الفرجة اللي أنتِ عملتيها للناس دي هترجع عليكِ أنتِ. أحمد مش بس هيرجع، ده هيغير أقفال الشقة دي، وأول شخص مش هيدخلها تاني.. هو أنتِ.”
قامت بصعوبة، وشها كان بيدل على إنهيار تام، لا من طردي، ولا من كلامي، لكن من فكرة إنها فقدت السيطرة. حاولت تمشي وهي بتتوعد، لكن رجلها خذلتها، فوقعت تاني.
دخلت العمارة، والناس بدأت تساعدني ألم حاجتي. كنت بجمع الهدوم وأنا بفتكر كل لحظة إهانة. كنت حاسة إني بجمع كرامتي اللي هي رمتها في الشارع. دخلت شقتي، وقفلت الباب ورايا، وطلعت ليلى من أوضة نومها وهي خايفة بتعيط. ضميتها لحضني جامد، وشميت ريحتها اللي بتديني قوة.
مرت ساعات، والليل نزل. كنت قاعدة في الصالة، والبيت ساكت تمامًا. فجأة، سمعت خبط على الباب. قلبي دق بسرعة. هل هو أحمد؟ ولا هي حماتي جاية تترجاني؟
فتحت الباب، فلقيت المحامي بتاع أحمد واقف، وراه اتنين من رجال الأمن.
“مدام مروة،” قال المحامي وهو بينحني باحترام، “أستاذ أحمد بعتني عشان أؤمن المكان، وعشان أبلغك إن الخطوة الجاية أصعب بكتير.”
“إيه هي؟” سألته، وقلبي بيتحرك بحذر.
“أحمد اكتشف إن حماتك مش بس تلاعبت في أوراق الشقة، دي كانت بتخطط لتزوير توكيل رسمي عشان تبيع أملاك والده المتوفي، وتستولي على حصة أحمد في التركة.. والورق اللي معاكِ ده، هو المفتاح اللي هيحبسها لو قررت ترفع قضية تانية ضدك.”
حسيت ببرودة في جسمي. الموضوع كبر، وفاق تصوري. حماتي ما كانتش بس ست شريرة، دي كانت مجرمة.
في اللحظة دي، تليفوني رن تاني. كان أحمد. رديت بسرعة.
“مروة.. اسمعيني، الموضوع مش بس شقة. أمي باعتتلي رسالة بتقول إنها هتحرق الشقة لو ما تنازلتيش عن كل حاجة. أنا دلوقت في المطار، راجع مصر.. بس لازم تعرفي حقيقة واحدة بخصوص الورقة اللي في إيدك.. الحقيقة اللي أنا خبيتها عليكي سنين، واللي هي السبب الحقيقي اللي مخلي أمي مرعوبة.. الورقة دي مش بس ورقة ملكية، دي فيها إقرار…”
قاطع كلامه صوت خبط عنيف على باب الشقة، وصوت صريخ حماتي من ورا الباب وهي بتنادي بأعلى صوتها: “افتحي يا مروة! أنا عارفة إنك جوا! والله ما هسيبك تتهني بيها! البيت ده مالي.. والورقة دي هحرقها قدام عينك!”
أحمد صرخ من الموبايل: “مروة! ما تفتحيش الباب مهما حصل! الورقة دي فيها إثبات إنها مش…”
سكت أحمد فجأة، وسمعت صوت “طرق” عالي، وكأن الباب بيتكسر. حماتي ما كانتش لوحدها، كان معاها حد بيساعدها يكسر الباب. مسكت الموبايل بإيد، والورقة بالإيد التانية، ورجعت لورا لغاية ما خبطت في الحيطة.
“مروة؟ مروة! ردي عليا!” أحمد كان بيصرخ في التليفون.
بصيت للباب اللي بيتهز بقوة، وبصيت للورقة اللي كانت في إيدي، وفجأة، الشق اللي في الورقة وسع، ووقعت منها صورة قديمة جداً.. صورة هزت كياني لدرجة إني نسيت الباب ونسيت حماتي.. صورة لأحمد وهو صغير، ومعاه ست تانية خالص.. مش حماتي!
في اللحظة اللي الباب بدأ يتهد، عرفت إن اللعبة أكبر من شقة، وأكبر من طلاق.. عرفت إن حياتي كلها كانت كذبة كبيرة، وأن حماتي دي.. لم تكن حماتي أصلاً!
بصيت للصورة، وبصيت للباب اللي اتفتح، ووقفت مستنية المواجهة اللي هتعرفني مين أنا، ومين الناس اللي عشت معاهم 7 سنين.. ومن هي المرأة اللي واقفة قدامي دلوقتي وبتبص للصورة اللي في إيدي بعيون مليانة رعب وحقد يسبق العاصفة.
