اب بيموت من القهره

أب بيموت من القهرة في عربيتة وهو شايف ضلوع بنته الصغيرة متكسرة من الضرب.. مكنش يعرف إن الوحش البشري اللي هددها هو نفسه مدير مدرستها اللي فاكر إن نفوذه هتحميه من حبل المشنقة!
رفعنا السوستة وبصينا على الكارثة اللي ورا ضهرها.. مكنش أعرف إن بنتي اللي كانت بتلعب في الملاهي مستخبية جوة لبسها من وحش بشري، ولا إن الاسم اللي همست بيه في الضلمة هيكون اسم مدير مدرستها اللي فاكر نفسه فوق القانون.. وبكرة الصبح الشرطة هتقلب الدنيا!
أنا فاكر اليوم ده كأنه حصل امبارح، ريحة الفشار وغزل البنات، صوت ضحك الأطفال، والأنوار الملونة في حفلة مدرسة المنار الابتدائية. كان المفروض يكون أسعد يوم في السنة ل فريدة بنتي، البنت اللي عندها تمن سنين وكانت مستنية تكسب الدبدوب الكبير من لعبة النشان.
لكن بعد ساعة واحدة بس من بداية الحفلة، لقيتها ماسكة في جاكيتي ووشها مخطوف وبتقولي بصوت مكسور
بابا.. ممكن نروح؟ أرجوك.
استغربت، لأن دي مش فريدة اللي أعرفها. بنتي اللي بتحكي كل تفصيلة وتفضل تلعب لآخر دقيقة كانت واقفة قدامي ساكتة، خايفة، وبتبص في الأرض.
سألتها
مالك يا حبيبتي؟ تعبانة؟
قالت
بطني بتوجعني.. بس نتكلم في العربية.
الجملة دي خوفتني أكتر من أي حاجة.
مشينا وسط صوت الأغاني والضحك، لكن فريدة كانت لازقة فيا كأنها مستخبية من حاجة. ركبت العربية وقعدنا ثواني في صمت، وقبل ما أشغل الموتور قالت بصوت بيرتعش
بابا.. عايزة أوريك حاجة، بس توعدني متزعقش.
طمنتها وقلت
أي حاجة حصلت هنحلها

سوا.
بإيد بتترعش رفعت السويت شيرت بتاعها.
واللحظة دي قسمت حياتي لنصين.
النور الخافت كشف علامات وكدمات على جسم بنتي الصغيرة، علامات مكنتش شبه خبطة لعب ولا وقعة عادية، كانت علامات وجع وخوف كانت مخبياهم عني.
حسيت الدم بيغلي في عروقي، ومسكت الدريكسيون بقوة وأنا بحاول أسيطر على نفسي عشانها.
سألتها بصوت مخنوق
مين اللي عمل كده يا فريدة؟
سكتت شوية، وبعدين همست
أستاذ مدحت.
في الأول مفهمتش، لحد ما عقلي وصل للاسم.
مدحت… مدير المدرسة.
حسيت الدنيا بتلف بيا، الراجل اللي كل يوم بيقف في الطابور ويقول للأطفال إنهم أمانة، هو نفس الشخص اللي بنتي خايفة تنطق اسمه.
سألتها
ليه مقلتليش من الأول؟
ردت وهي بتعيط
قالي محدش هيصدقني.. عشان هو المدير وأنا صغيرة.
الكلمة دي كسرتني أكتر من أي حاجة.
الغضب كان بيشدني إني أنزل وأواجهه في نفس اللحظة، كنت عارف مكتبه ومكانه، لكن لما بصيت في عين بنتي فهمت إنها مش محتاجة غضبي… كانت محتاجة أحميها وأرجع لها إحساسها بالأمان.
حضنتها ووعدتها إن اللي حصل مش هيتسكت عليه.
لكن اللي مكنتش أعرفه إن اسم مدحت كان بداية لخيط أكبر بكتير، وإن وراه أسرار محدش كان يتخيلها.
وإن الليلة دي مش هتنتهي عند باب المدرسة.
يا ترى حازم هيتصرف إزي وهيجيب حق بنته من المدير اللي فاكر نفسه مسنود ومحدش يقدر يلمسه؟ وإيه اللي هيحصل لما المستشفى تبلغ الشرطة بالليل والوزارة تترجاهم يسكتوا، وإيه اللي شاله حازم في الفلاشة ودخل بيه اجتماع مجلس الإدارة بعد تلات أسابيع؟ اللعبة هتكبر والمدير حسابه جاي!
طول الطريق للمستشفى كنت سايق وأنا حاسس إن كل ثانية بتعدي تقيلة زي سنة كاملة.
فريدة كانت نايمة من التعب على الكرسي اللي جنبي، وماسكة طرف جاكيتي بإيديها الصغيرة، كأنها خايفة لو سابته ترجع للحظة الرعب تاني.
كنت عايز أصرخ.
كنت عايز أرجع المدرسة وأواجه مدحت قدام الكل.
لكن كل مرة أبص لها أفتكر إن حقيقتها أهم من غضبي.
أول ما وصلنا المستشفى، الدكتورة كشفت عليها، وبعدها خرجت لي ووشها متغير.
قالت حضرتك عملت الصح إنك جيت هنا.
وبدأت الإجراءات.
تقارير، إثبات حالة، واتصال بالجهات المختصة.
ولأول مرة حسيت إن الموضوع خرج من مرحلة الكلام ودخل مرحلة الحساب.
تاني يوم، مدحت دخل المدرسة عادي.
بنفس البدلة المكوية.
بنفس الابتسامة اللي كان بيخدع بيها الناس.
لكن المرة دي كان فيه حاجة مختلفة.
كان فيه ناس مستنياه.
لما اتفتح التحقيق، حاول يستخدم نفس طريقته.
قال دي طفلة، يمكن فهمت غلط.
لكن اللي مكانش يعرفه…
إن فريدة مكنتش الوحيدة اللي قررت تتكلم.
بعد ما الموضوع اتفتح، أهالي تانيين بدأوا يراجعوا مواقف غريبة حصلت مع أولادهم.
الخوف اللي كان ساكت سنين بدأ يتكسر.
وواحدة ورا التانية، الحقيقة بدأت تظهر.
بعد أسبوعين، وصلتني مكالمة من موظف قديم في المدرسة.
قال لي يا أستاذ حازم… في حاجة لازم تشوفها.
قابلته، وإيده كانت بتترعش وهو بيديني فلاشة
صغيرة.
قال أنا حاولت أتكلم زمان… بس محدش صدقني.
الفلاشة كان فيها ملفات تثبت إن مدحت مش بس كان بيخوف الطلبة، ده كان بيستغل منصبه ويخفي شكاوى الأهالي بمساعدة ناس تانية عشان يحافظ على صورته.
في اللحظة دي فهمت إن القضية أكبر من بنتي.
دي كانت مسؤولية.
بعد تلات أسابيع، دخلت اجتماع مجلس الإدارة.
مدحت كان موجود.
أول ما شافني ابتسم بثقة وقال لسه بتحاول؟
محاولتش أرد.
حطيت الفلاشة على الترابيزة.
قلت أنا مش جاي أتكلم… أنا جاي أخلي الحقيقة تتكلم.
وبعد دقائق، كل الوجوه اتغيرت.
الناس اللي كانت بتدافع عنه بقت ساكتة.
والغرور اللي كان في عينه اختفى.
لأنه فهم إن النفوذ ممكن يخوف الناس فترة…
لكن ميقدرش يدفن الحقيقة للأبد.
الأيام عدت.
والتحقيقات خدت مجراها.
وكل شخص ساعد في إخفاء الحقيقة اتحاسب.
أما المدرسة، فاتغيرت إدارتها بالكامل، واتعمل نظام جديد يحمي الأطفال ويخلي صوتهم مسموع.
لكن أهم تغيير كان في فريدة.
في الأول كانت بتخاف من أي صوت عالي.
كانت بتمسك إيدي كل ما نعدي جنب مدرسة.
لكن مع الوقت، رجعت بنتي تاني.
رجعت تضحك.
رجعت تلعب.
وفي يوم كنت بوصلها مدرستها الجديدة، وقبل ما تنزل من العربية بصت لي وقالت
بابا…
قلت نعم يا قلب بابا؟
قالت أنا مبقتش خايفة.
الجملة دي كانت أغلى عندي من أي انتصار.
حضنتها وقلت وأنا فخور بيكي.
بعد شهور، لقيت رسالة صغيرة محطوطة على مكتبي.
كانت من فريدة.
كاتبة فيها
شكراً إنك صدقتني.
فضلت ماسك الورقة فترة طويلة.
لأن أكبر درس اتعلمته في حياتي كان من بنت عندها تمن سنين
إن الطفل لما يطلب النجدة، مش محتاج حد يشك فيه…
محتاج حد يسمعه.
ومن اليوم ده وعدت نفسي إن صوت فريدة، وصوت أي طفل محتاج مساعدة، عمره ما يرجع يتكتم تاني.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *