دواء جوزي الاخير حكايات زهره

ارتدّ صدى صوت أمي في ساحة الشركة كأنه صاعقة شقت الأرض تحت قدمي. الحراس ثبتوا “سامح” على الأرض وهو يصرخ ويتلوى، لكنني لم أكن أرى أو أسمع سوى هذا الهاتف الملقى على الرصيف، والصوت المتحشرج القادم منه.

​انحنيتُ بآلية، والدموع تجمدت في مآقيها من فرط الصدمة، رفعتُ الهاتف بـأصابع ميتة لا تكاد تشعر بشيء، وقربته من فمي.. وبصوت خرج كحشرجة الموت، قلت:

“أمي؟”

​ساد صمت مفاجئ على الخط، صمت مرعب أنبأني بأنها عرفت أن قناعها قد سقط إلى الأبد. سمعت أنفاسها المتسارعة، ثم تحولت نبرتها في ثوانٍ من حدة التآمر إلى برود مخيف، وقالت بجفاء لم أعهده فيها طوال حياتي:

“مروة؟ كنتِ فاكرة نفسك ذكية؟ لولا غباء جوزك والتيسير اللي حصل للبت صاحبتك، كان زمان كل حاجة انتهت في هدوء.”

​”ليه؟” صرختُ والمارة يتجمعون حولنا، “أنا بنتك! لحمك ودمك! إزاي تخططي تق*تليني؟ إزاي اتفقتي مع الراجل اللي ائتمنته على نفسي عشان تسمموني؟!”

​ضحكت ضحكة صفراء، ضحكة شريرة تفرس، وقالت:

“بنتي؟ مين قالك إنك بنتي يا مروة؟ أنا عمري ما خلفت، ولا طقتك في يوم! إنتي بنت الراجل اللي رماني وضيع عمري، بنت الراجل اللي كتبلك كل ثروته وأملاكه وحرمني من المليم اللي شقيت معاه عشان أعمله.. أبوكي ‘الشرعي’ اللي مات وسابلك ورث بالمليارات في حسابات مقفولة متتفتحش إلا لما تتمي سن السادسة والعشرين.. وأول الشهر الجاي إنتي هتتمي السن ده، والبنك كان هيخطرِك بكل حاجة! لو فتحتِ الصناديق وعرفتِ الحقيقة، كنتِ هتعرفي إن ‘أمي’ اللي شلتها فوق راسي ما هي إلا الشغالة اللي خطفتني من المستشفى وأنا حتة لحمة حمرا عشان تنتقم من أبويا!”

​أغلقت الخط في وجهي. سقطتُ على ركبتي، والأرض تدور بي. لم أكن أستوعب حجم المؤامرة.. طوال ستة وعشرين عاماً كنت أظن نفسي فتاة بسيطة تكافح من أجل لقمة العيش، وأموت رعباً من أكل مشطشط، بينما أنا ضحية لعملية اختطاف ممتدة، وتصفية حسابات قديمة، ومحاولة قت*ل بطيء للاستيلاء على إرث لم أكن أعلم عنه شيئاً!

​الحقيقة تشرق وسط الركام

​وصلت الشرطة وسيارات الإسعاف إلى مكان الحادث. تم نقل “ندى” إلى العناية المركزة لغسيل كبدها وتلقي الترياق، وتم اقتياد “سامح” بالكلبشات في سيارة الترحيلات، حيث انهار واعترف بكل شيء؛ اعترف أن “أمي” (التي اتضح أن اسمها الحقيقي ‘سعاد’) هي من حرضته ووعدته بنصف الثروة، وأعطته السم الكيميائي عديم الرائحة ليخلطه بالأكل الحار حتى لا أشعر بطعمه.

​تحركت قوة من المباحث فوراً إلى شقة أمي، لكنهم وجدوها قد جمعت ما غلا ثمنه وحاولت الهروب إلى المطار، وتم القبض عليها متلبسة بجواز سفر مزور.

​مرت الأيام كأنها كابوس طويل، لكنني رفضت أن أستسلم للكسر. تابعت حالة “ندى” يومياً، وأنفقت من مدخراتي البسيطة حتى استقرت حالتها وتجاوزت مرحلة الخطر بفضل الله ثم بفضل الفحص الطبي المبكر للشركة.

​المواجهة الأخيرة ونقطة التحول

​بعد أسبوعين، وقفتُ خلف الزجاج العازل في السجن، أنظر إلى المرأة التي ناديتها “أمي” طوال حياتي. كانت ترتدي الملابس البيضاء، ووجهها بدا ذابلاً ومظلماً بظلمة أفعالها.

​رفعتُ سماعة الهاتف، ونظرتُ في عينيها بثبات وقلت:

“أنا جيت هنا مش عشان أعاتبك.. أنا جيت عشان أقولك شكراً. شكراً لأن غلك وطمعك عرفوني حقيقتي. بكرة أول الشهر، وبكرة هروح البنك وأستلم ورث أبويا اللي حرمتيني منه وحرمتيه مني.”

​نظرت إليّ بغل وقالت: “هتعيشي طول عمرك خايفة.. الدم اللي في عروقك دم ناس ظلموني!”

​رددتُ عليها بمنتهى الهدوء والثقة:

“الدم مبيظلمش.. البني آدم هو اللي بيختار يكون ظالم أو عادل. إنتي اخترتِ الكره والسم، وأنا هختار الحياة والنور. الفلوس اللي كنتِ هتموتيني عشانها، هبني بيها أكبر مستشفى لعلاج الفشل الكبدي والتسمم بالمجان، وهيكون أول اسم مكتوب عليها هو اسم أبويا اللي حرمتيه من بنته.”

​وضعتُ السماعة، والتفتُّ عنها دون أن أنظر وراءي ولو لمرة واحدة.

​النهاية والمغزى

​خرجتُ إلى قاعة المحكمة في ليلة النطق بالحكم. نال “سامح” و”سعاد” حكماً رادعاً بالسجن المشدد لمدة 15 عاماً بتهمة الشروع في الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد والتزوير والاختطاف.

​بعد مرور عام كامل..

كنت أقف بجانب “ندى” التي تعافت تماماً وأصبحت شريكتي وإدارية في المستشفى الجديد الذي افتتحناه. نظرتُ إلى لافتة المستشفى الكبيرة وهي تلمع تحت أشعة الشمس.

​لقد خسرتُ عائلة مزيفة وزوجاً خائناً، لكنني كسبتُ نفسي، وعرفتُ أن الله لا يضيع حق المظلومين. الأكل المشطشط الذي كنت أهرب منه، كان هو السبب الذي ساقه القدر لينقذ حياتي ويكشف لي حقيقة العالم من حولي.

​النهاية المفيدة:

احذر من “الحب المبالغ فيه” الذي يغلف بالسيطرة، وثق دائماً بإحساسك وجسدك عندما يرفض شيئاً. الأقدار قد تأتينا في صورة أزمات خانقة، لكنها في الحقيقة تكون اليد الإلهية التي تنتشلنا من وسط الهلاك لتضعنا في مكاننا الصحيح. سبحان من يخرج الحي من الميت، ويخرج الحق من وسط غياهب الظلمات!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *