حكايه عزيز وغاليه الجزء الاول للكاتبه سهر محمد
“هتنسي اسمك.. هتنسي عيلتك.. وهتنسي إنك (غالية) البنت البسيطة اللي بتشتغل في مطعم عشان تسدد ديون أبوها. من اللحظة دي، ولحد ما أقولك كفاية، إنتي (شيريهان عز الدين).. أختي.”
غالية برقت عينيها بصدمة، شفايفها كانت بترتعش وهي بتبص للراجل اللي قاعد قدامها ببرود مرعب، كأنه بيشتري حتة أرض مش بني آدمة.
“أختك؟ إنت أكيد مجنون! أنا معرفكش أصلاً، ولا أعرف مين شيريهان دي! أنا عايزة أمشي من هنا.”
قامت عشان تمشي، بس صوته الخشن وقفها زي الرصاصة: “الباب مفتوح.. تقدري تمشي. بس قبل ما تخرجي، افتكري إن أبوكي مهدد بالسجن بكرة الصبح بسبب الشيكات اللي عليه، وعملية القلب بتاعته محتاجة نص مليون جنيه. أنا هسدد ديونه، وهعمله العملية في أحسن مستشفى في سويسرا.. وفي المقابل، هتلعبي دور أختي التوأم لمدة ست شهور. صفقة بسيطة.”
غالية وقفت مكانها، دموعها اتجمعت في عينيها. هي فعلاً في زاوية مقفولة، الموت بيخطف أبوها كل يوم والديون بتاكل لحمهم. لفت وبصتله بكسرة: “ليه أنا؟ وليه أختك مش موجودة؟”
”عزيز عز الدين” قام من على كرسيه، طوله وهيبته كانوا كافيين يخلوا أي حد يترعب منه. قرب منها لحد ما بقوا وش لوش، وقال بصوت واطي حاد: “عشان إنتي نسخة منها.. نسخة لدرجة تخوف. شيريهان في غيبوبة في مستشفى سرية بره مصر بسبب حادثة.. وعشان أحمي نصيبها في الشركة من ولاد عمي اللي زي الديابة، لازم شيريهان تظهر قدامهم. موافقة ولا أسيبك ترجعي للشارع اللي جابوكي منه؟”
قفلت عينيها بقوة، ونزلت دمعة سخنة على خدها. الحل مر، بس البديل هو موت أبوها.
فتحت عينيها وقالت بصوت مبحوح: “موافقة.. بس توعدني أبويا يتعالج.”
عزيز طلع شيك من جيب الجاكيت ورماه على الترابيزة قدامها: “ده شيك بمليون جنيه يتصرف فوراً لتغطية كل مصاريف والدك. ومن الدقيقة دي.. مفيش عياط، مفيش ضعف. شيريهان عز الدين مبتبكيش، مابتوطيش راسها، وبتمشي تدوس على أي حد.”
في أقل من ساعة، كانت غالية قاعدة في عربية “رولز رويس” سودا، متجهة لقصر عيلة عز الدين. طول الطريق كانت بتبص من الشباك بخوف، حاسة إن روحها بتتسحب منها وبتدخل في جسم واحدة تانية.
عزيز كان قاعد جنبها، ماسك تابلت بيراجع عليه شغل، كأن مفيش واحدة مرعوبة قاعدة جنبه.
العربية وقفت قدام بوابة حديد ضخمة اتفتحت أوتوماتيك. القصر كان عامل زي قلاع الأساطير، إضاءة خافتة، حرس في كل مكان، ورهبة تقبض القلب.
أول ما دخلوا من الباب الرئيسي، كل الخدم وقفوا انتباه.
“دادة سعاد”، ست كبيرة ملامحها طيبة، جريت عليهم وعينيها مليانة دموع: “شيريهان هانم! حمدلله على سلامتك يا بنتي.. غيبتي عننا شهر بحاله!”
غالية قلبها دق بسرعة، مكنتش عارفة ترد، بس عزيز حط إيده على كتفها بتملك وقال بجمود: “شيريهان تعبانة من السفر يا دادة.. جهزي لها جناحها، ومش عايز أي حد يزعجها.”
طلعها عزيز على السلم العريض لحد ما وصلوا لجناح في آخر الممر. فتح الباب وزقها بالراحة لجوه وقفل الباب وراهم.
الجناح كان خيالي.. ألوانه ملكية، سرير ضخم، وتحف في كل ركن. بس غالية حست إنها دخلت سجن من دهب.
“بعد ساعتين..” قالها عزيز وهو بيبص في ساعته “فريق كامل هيدخل هنا. هيقصوا شعرك نفس قصة شيريهان، هيعلموكي تحطي الميكب بتاعها، وهتلبسي فستان من تصميمها. الليلة عندنا عشا عائلي، ولازم العيلة كلها تشوف إن شيريهان رجعت أقوى من الأول.”
غالية بلعت ريقها بخوف: “أنا خايفة أغلط.. خايفة حد يكشفني.”
عزيز قرب منها، مسك دقنها ورفع وشها ليه. عينيه الرمادية كانت بتبصلها بتركيز غريب خلّاها تتلخبط: “لو غلطتي، أبوكي هيدفع التمن. إنتي دلوقتي شيريهان.. اتصرفي بغرور، اتكلمي بتعالي. أنا هكون جنبك خطوة بخطوة.”
سابها ومشي، وسابها في دوامة من الرعب.
الساعة 8 بالليل.
الباب خبط ودخل عزيز. وقف مكانه متسمر. البنت المبهدلة اللي جابها من حارة شعبية اختفت. اللي واقفة قدامه دلوقتي هي أخته شيريهان بالظبط.. نفس الشعر القصير الكستنائي، نفس فستان السهرة الأحمر الناري، نفس الملامح.. لدرجة إن قلبه وجعه من الشبه.
غالية لفت وبصتله بتوتر، كانت حاسة إن الفستان غريب عليها، والكعب العالي مقيد حركتها.
“أنا.. أنا جاهزة.” قالتها بصوت مهزوز.
عزيز خد نفس عميق عشان يسترد ثباته، وقرب منها، قدم دراعه عشان تتسند عليه وقال بصوت غامض: “شكلك بيرفكت. بس في حاجة أخيرة لازم تعرفيها قبل ما ننزل على السفرة.”
”حاجة إيه؟” سألتها بخوف وهي بتمسك في دراعه.
عزيز وطى صوته كأنه بيفشي سر خطير: “الناس اللي قاعدين تحت دول مش بس ولاد عمنا… الحادثة اللي دخلت أختي في غيبوبة مكنتش قضاء وقدر. حد من اللي قاعدين تحت على ترابيزة العشا هو اللي قطع فرامل عربيتها وكان عايز يقتلها.”
غالية شهقت برعب ووشها جاب ألوان، وجسمها كله اتنفض: “إنت بتقول إيه؟! يعني أنا نازلة أقعد مع قاتل؟!”
عزيز ابتسم ابتسامة قاسية وباردة، وعينيه بتلمع بتحدي:
“بالظبط. ومهمتك النهاردة تبتسمي في وشه.. وتخليه يموت من الرعب لما يشوفك رجعتي من الموت. جاهزة يا.. شيريهان؟”
”إنت بتهزر؟ أبتسم في وش قاتل؟ ده ممكن يقتلني أنا كمان لو عرف إني مش هي!”
غالية قالتها وهي بتسحب دراعها من عزيز برعب، كأنها اتلسعت من نار.
عزيز شدها ليه تاني بقوة مفرطة، وقرب من ودنها لدرجة إنها حست بأنفاسه السخنة بتلسع بشرتها: “لو عرف إنك مش هي، أنا اللي هقتلك يا غالية.. مش هو. قولتلك مفيش تراجع. إفردي ضهرك، وارفعي راسك، إنتي دلوقتي شيريهان عز الدين، البنت اللي مابيهمهاش حد واللي مابتخافش من الموت. جاهزة؟”
غالية بلعت ريقها بصعوبة، وغمضت عينيها ثانية.. افتكرت وش أبوها وهو نايم على سرير المستشفى، الأجهزة اللي بتصفر حواليه، وريحة الموت اللي كانت محاوطاه. فتحت عينيها، وكانت النظرة اللي فيها اتغيرت.. الخوف لسه موجود، بس جواه حتة تحدي يائسة، تحدي بنت بتدافع عن روح أبوها.
“جاهزة.” قالتها بصوت أثبت من الأول.
ابتسم عزيز ابتسامة باردة مفيهاش أي مشاعر وقال: “يبقى ننزل.”
نزلوا على السلم الرخام العريض. طقة كعب غالية على السلالم كانت بتتردد في القصر كله. أول ما ظهروا، الصمت نزل على غرفة السفرة زي كفن. أصوات المعالق والشوك اللي بتخبط في الأطباق وقفت، والعيون كلها اتعلقت بيهم.
كانوا قاعدين حوالين ترابيزة سفرة ملكية.. “رؤوف بيه” عم عزيز، راجل في الستينات ملامحه قاسية ونظراته زي الصقر، و”طارق” ابنه، شاب في التلاتينات عيونه بتلمع بمكر وخبث، و”نيرمين” أخته، اللي أول ما شافت غالية، ابتسامة صفرا اترسمت على شفايفها.
نيرمين قامت بسرعة وقربت منهم، فتحت دراعاتها وهي بتمثل الفرحة: “شيري حبيبتي! مش مصدقة عيني.. إنتي رجعتي ووقفتي على رجلك بالسرعة دي؟ ده إحنا كنا مرعوبين عليكي!”
غالية اتصلبت، بس قبل ما تبين أي ارتباك، افتكرت كلام عزيز. رسمت ابتسامة باردة جداً، واتراجعت خطوة صغيرة عشان متحضنهاش أوي، وقالت بنبرة متعالية: “أنا دايماً برجع أقوى يا نيرمين.. إنتي أكتر واحدة المفروض تكوني عارفة ده.”
عزيز بصلها بطرف عينه بنظرة رضا خفية.
طارق قرب وهو بيحط إيده في جيوبه، وبيبص لغالية من فوق لتحت بتركيز مرعب: “نورتي بيتك يا شيريهان.. بس غريبة، الحادثة كانت مميتة، عربيتك اتعجنت.. ومسبتش أي أثر على وشك الجميل ده؟”
غالية حست إن الأكسجين انسحب من الأوضة. قلبها دق بسرعة كانت خايفة يسمعوها، بس عزيز اتدخل فوراً وهو بيسحب كرسي لغالية عشان تقعد: “أحسن دكاترة تجميل في سويسرا يا طارق.. ولا كنت عايزها ترجع متشوهة عشان ترتاح؟”
طارق ضحك ضحكة لزجة وهو بيقعد: “العفو يا عزيز.. دي شيري غالية علينا كلنا.”
بدأ العشا. الجو كان مشحون، كأنهم قاعدين على حقل ألغام. غالية كانت ماسكة الشوكة والسك..ينة وإيديها بتترعش رعشة خفيفة حاولت تخبيها. مكنتش عارفة تبدأ بإيه ولا تاكل إيه، الحاجات دي عمرها ما شافتها في بيتهم البسيط.
فجأة، حست بإيد عزيز بتتحط على ركبتها من تحت الترابيزة. ضغط على ركبتها بخفة كأنه بيديها إشارة، وبدأ هو يقطع الأكل بطريقة معينة، فبدأت تقلده بالظبط من غير ما تبصلُه.
رؤوف بيه مسح بقه بالمنديل وبص لغالية بجدية: “بما إنك رجعتي بالسلامة يا شيريهان، وفي كامل وعيك.. يبقى لازم بكرة الصبح تمضي على ورق التنازل عن نصيبك في صفقة الساحل زي ما اتفقنا قبل الحادثة بيومين. الشركة محتاجة سيولة.”
غالية اتجمدت. عزيز مقالهاش أي حاجة عن صفقة ولا تنازل! هترد تقول إيه؟ لو وافقت ممكن عزيز يقتلها لأنها بتضيع فلوس أخته، ولو رفضت هتقول إيه لعمها؟
بصت لعزيز، لقيته بيشرب من كاس الماية بتاعه ببرود، ومش بيبصلها.. كأنه بيرميلها الكورة عشان يختبرها.
غالية أخدت نفس عميق، وسابت الشوكة من إيدها، ورفعت دقنها بغرور مكنتش تعرف إنها تملكه:
“تنازل؟” ضحكت بسخرية خفيفة خلت الكل يبصلها بذهول. “حادثة زي دي بتغير تفكير الواحد يا عمي.. أنا راجعت حساباتي، ومش همضي على أي حاجة. الصفقة دي بتاعتي، واللي كان ينفع قبل الحادثة.. مبقاش ينفع بعدها.”
الصمت ضرب الترابيزة تاني. طارق الشوكة وقعت من إيده وخبطت في الطبق بصوت عالي. رؤوف بيه وشه احتقن وبان عليه الغضب. عزيز ورا كاس الماية، اترسمت على شفايفه ابتسامة انتصار خفية.
غالية حست إنها بتختنق. نظرات الكراهية اللي في عيونهم كانت هتحرقها. التوتر كان أكبر من قدرة بنت بسيطة زيها على التحمل.
وقفت فجأة وقالت بثبات مصطنع: “عن إذنكم.. محتاجة أظبط الميكب بتاعي.”
مشت بسرعة في الممر الطويل الضلمة اللي بيودي للحمامات. أول ما بعدت عن عيونهم، سندت ضهرها على الحيطة وغمضت عينيها وهي بتنهج كأنها كانت في سباق. حطت إيدها على قلبها اللي كان هيقف من الرعب.
“يا رب عديها على خير.. يا رب عشان خاطر أبويا أنا مش قادرة أستحمل الناس دي.” همست لنفسها ودمعة يتيمة هربت من عينيها.
فجأة.. وفي عز الضلمة، إيد قوية كتمت بوقها من ورا، وإيد تانية لفت حوالين وسطها وسحبتها بعنف لجوه أوضة ضلمة متفرعة من الممر.
غالية حاولت تصرخ وتضرب برجليها، بس المسكة كانت زي الحديد. ريحة برفان رجالي غالي مختلطة بريحة سجاير قوية ملت مناخيرها.
همس أجش وخشن ضرب في ودنها زي فحيح التعبان:
“لعبتي دور شيريهان ببراعة على السفرة… برافو. عزيز عرف يختار الممثلة صح. بس للأسف يا حلوة، إنتي نسيتي حاجة صغيرة أوي كشفتك…”
غالية عينيها وسعت في الضلمة برعب، والدم اتجمد في عروقها تماماً.
الشخص كمل بصوت مرعب بيقطر سم:
“شيريهان الحقيقية ماتت بين إيديا يوم الحادثة… عزيز بيلعب بيكي وهيلبسك إنتي الليلة… إنتي مين؟!”
…يتبع
للباقي شوف الجزء الثاني من الروايه