حكايه سالم وايمان الجزء الاول

الجزء الأول 

الكاتبة ملك إبراهيم 

ريحة المطار مكتومة. بن وكاوتش شنط وناس مستنية. برا الإزاز المطر نازل خبط، كأن السما زعلانة معاهم.

 

سالم الزيني واقف في أول الصف، بدلته السودا مبلولة من الكتف. من ربع ساعة كان واقف تحت المطرة في ساحة قرية البضائع وهو بيخلص تصاريح استلام التابوت. دقنه مرسومة بالمسطرة، ووشه حجر. بس إيده اللي ماسكة سبحة خشب باين عليها الرعشة. جنبه أمه سعاد هانم لابسة أسود من ساسها لراسها، وماسكة منديل بتضغط بيه على بوقها كل ما صوت المطار الداخلي يطلع يقول حاجة.

 

نهال واقفة وراه بخطوتين، حاطة نضارة شمس كبيرة رغم إن الدنيا مغيمة، وكل شوية تمسح تحت عينها وهي باصة للموبايل. خالد الأسيوطي ساند على عمود، بيلعب في دبلته وباصص في السقف كأنه زهقان من الوقفة.

 

صوت المطار الداخلي أعلن: “وصلت رحلة مصر للطيران رقم 777 القادمة من لندن. السادة المستقبلين، برجاء التوجه إلى صالة 3.”

 

سعاد هانم شهقت، وسالم شد ضهره أكتر. مفيش صوت غير خطوات العمال وهم بيجهزوا.

 

بعد ساعة انتظار في مكتب الحجر الصحي، موظف الجمارك شاور لهم. الباب الحديد اتفتح، ودخل تروللي عليه تابوت خشب غامق، عليه علم صغير. ريحة البرد والمطهر طلعت معاه. سالم بلع ريقه ومشي خطوتين لقدام، كأنه رايح يستلم أخوه بنفسه.

 

وفجأة عينه لقطت حاجة خلت قلبه يقف.

 

عند باب المكتب، كانت واقفة بنت رفيعة لابسة بالطو أسود طويل، وشعرها البني مربوط كحكة مهزوزة، وشها بهتان كأن الدم اتسحب منه. ماسكة بإيد طفل صغير شبه يوسف بالظبط، نفس الحواجب التقيلة ونفس الدقن الصغيرة. وعلى إيدها التانية بنوتة لابسة فستان أسود صغير، شعرها كيرلي ومربوط بفيونكة، وعينيها وسيعة ومرعوبة. في إيد البنت ظرف بلاستيك فيه جوازات سفر وشهادة وفاة دليلة، وموافقة موثقة من السفارة.

 

التوأم. مازن وليان. تلات سنين.

 

سالم حس الدنيا لفت بيه. ده يوسف وهو صغير، بس نسختين. 

 

قرب منهم بخطوة، صوته طالع خشن ومبحوح من قلة النوم: “هات الولاد.”

 

البنت رفعت وشها، عينيها حمرا من العياط بس فيها عِند يوقف قطر. حضنت مازن وليان أكتر، خطوة لورا، وقالت بصوت واطي بس ثابت: “دليلة موصياني عليهم. وعدتها مش هسيبهم لحد.”

 

سعاد هانم اتقدمت، ومسكت دراع سالم: “إنتِ مين يا بنتي؟ ودليلة مين اللي توصي؟ دول أحفادي أنا. لحمي ودمي.”

 

إيمان عينيها دمعت بس ماسبتهاش تنزل، وبصت لسعاد هانم: “أنا إيمان. أخت دليلة الصغيرة. وهي قبل ما تسافر قالتلي بالحرف: لو جرالي حاجة، إنتِ أمهم. أنا مش هخلف وعدي.”

 

نهال شالت النضارة وهمست لخالد: “شايف الغريبة دي؟ جاية من لندن تاخد الورث بالولاد.”

 

خالد رد بصوت واطي: “هتاخد إيه؟ ده سالم هياكلها.”

 

العياط بدأ. مازن فجأة ساب إيد إيمان وبص لسالم، وشهق وهو بيقول: “إنت زي بابا اللي في الصورة؟”

 

سالم حس ركبه سابت. وليان دفنت وشها في رجل إيمان وبتترعش. صوت العيال قطع قلب المكان.

 

سالم بص للولاد، وبعدين لإيمان، حاجبه اللي فوقه الندبة اتحرك. مد إيده تاني وقال بنبرة أمر: “أنا عمهم. وقدمنا طلب وصاية مستعجل. اديني الولاد ونتكلم بعدين.”

 

إيمان هزت راسها، وصوتها اتخنق: “وصاية؟ والوصاية دي كانت فين لما أختي اتصلت تستنجد بيكم ومحدش رد؟ هي سابتلي تسجيل قبل ما تموت بتوصيني على عيالها.”

 

سالم سكت. الكلمة وجعته. 

 

الموقف كله اتكهرب. موظف الجمارك بيبص، والعيلة اتلمت. سعاد هانم شدته من جاكتته: “سيبك منها يا سالم. نطلع على البيت ونتكلم مع المحامي. الفضايح دي مش لينا.”

 

إيمان نزلت على ركبها، خدت مازن وليان في حضنها، وهي بتهمس لهم: “بس يا حبايبي. خالتو إيمان هنا. مش هسيبكم.”

 

سالم قعد على كرسي وراه ومقدرش يرد.

 

—

 

بعد أسبوعين، مكتب عادل المنشاوي، الزمالك.

 

التكييف عالي، بس الجو سخن. سالم قاعد على طرف المكتب، قدامه دوسيه بني مليان ورق. طلب وصاية، شهادات ميلاد، شهادة وفاة يوسف. إيمان قاعدة الناحية التانية، لابسة بلوزة سودا بسيطة وبنطلون قماش، وفي حجرها شنطة صغيرة. وشها خاسس، وتحت عينيها أسود.

 

عادل المنشاوي قلع نضارته، مسحها بمنديل، وقال بهدوء: “يا جماعة، أنا عارف إن المصيبة كبيرة. سالم، إجراءات الوصاية لسه في النيابة الحسبية وقدامها شهور. وإيمان، التسجيل اللي معاكي من المرحومة دليلة للأسف مش وصية قانونية، القاضي مش هياخد بيه لوحده.”

 

شغل الموبايل، وصوت دليلة طلع مهزوز وبتكح: “إيمان… لو سمعتي ده يبقى أنا مش معاكم. خلي بالك من مازن وليان يا إيمان. إنتِ أمهم بعدي. أوعي تسيبيهم… أوعي…”

 

سالم غمض عينه، وسعاد هانم اللي قاعدة جنبه حطت المنديل على بوقها.

 

عادل كمل: “لو دخلنا في نزاع قضائي، الموضوع هياخد سنين. والولاد هيتقطعوا في النص وهيتحطوا في دار رعاية لحد ما المحكمة تحكم. الحل العملي الوحيد عشان الولاد يفضلوا في بيت واحد وتحت رعايتكم إنتو الاتنين لحد ما المحكمة تقول كلمتها… هو الزواج.”

 

إيمان قامت وقفت مرة واحدة: “إنت بتقول إيه؟ أتجوزه؟ ده أنا معرفوش! وده شايفني خطافة عيال.”

 

سالم خبط على المكتب: “وأنا مش هتجوز واحدة عشان عيال. أنا أقدر أربيهم لوحدي.”

 

سعاد هانم صرخت: “مستحيل ابني يتجوز البت دي. دي كانت عايشة في لندن الله أعلم بتعمل إيه.”

 

عادل رفع إيده: “اهدوا. ده مش حل قانوني للوصاية، ده حل إنساني مؤقت. النيابة الحسبية بتفضل إن القُصّر يبقوا في حضانة عيلة واحدة مستقرة. لو اتجوزتوا، هنقدم للقاضي إنكم بيت واحد، وده هيخلي الولاد في حضانتكم إنتو الاتنين لحد الفصل في الوصاية. فكروا فيها.”

 

—

 

نفس الليلة، مستشفى دار الفؤاد.

 

الجو بقى دافي والمطر وقف من يومين. تليفون سالم رن. صوت إيمان مرعوب: “الحقني… مازن سخن ونفسه بيروح. إحنا في الطوارئ.”

 

سالم رمى الموبايل ونزل جري. وصل لقى إيمان قاعدة في الطرقة، وليان نايمة على رجلها، ومازن جوه مع الدكاترة.

 

قعد جنبها من غير كلام. أول مرة يقعدوا جنب بعض من غير خناق. إيمان كانت بتفرك في إيديها، وبتقول: “فلوسي خلصت. كنت بشتغل بارت-تايم في لندن ودليلة هي اللي كانت بتصرف على البيت. كل اللي معايا راح على تذاكر الطيران وتصاريح نقل الجثمان. حتى الإيجار مش عارفة هدفعوا ازاي.”

 

سالم بص قدامه، وقال بصوت واطي: “والدكتور قال إن الولد محتاج متابعة… ونفسية… عشان الكوابيس.”

 

سكتوا. صوت جهاز القلب من جوه.

 

إيمان همست: “أنا مش هقدر عليه لوحدي. بس كمان مش هديهولك وأمشي.”

 

سالم خد نفس طويل، وطلع من جيبه سبحة أخوه يوسف اللي لسه مستلمها مع حاجته. قال: “ولا أنا هسيبه يضيع. يوسف كان هيقت*لني.”

 

بصوا لبعض. أول مرة يشوفوا في عين التاني نفس الوجع.

 

—

 

بعد 10 أيام، مكتب مأذون، محكمة الزنانيري، الساعة 9 الصبح.

 

لا زفة، لا معازيم، لا دبل. بعد ما خلصوا الفحص الطبي بالعافية. سالم ببدلة سودا، وإيمان بفستان أسود بسيط. مازن على إيدها نايم، وليان ماسكة في بنطلون سالم.

 

المأذون قال: “قبلت الزواج؟”

 

سالم بص الناحية التانية، وقال: “قبلت.”

 

إيمان بلعت ريقها، وبصت للشباك، وقالت: “قبلت.”

 

مضوا الورق. سالم خد القلم، وإيمان خدت نسختها، وكل واحد حط الورقة في جيبه كأنها تهمة.

 

خرجوا من الباب. مفيش حد بيبارك. مفيش زغاريد. الشمس طالعة بعد أسبوعين غيوم.

 

ليان رفعت وشها لسالم، وشدت كُم بدلته، وقالت بصوت نونو: “إحنا هنروح البيت دلوقتي؟”

 

سالم بص لها، ولأول مرة من ساعة ما يوسف مات، حجر قلبه اتهز. نزل على ركبه، وقال: “أيوه يا ليان. هنروح البيت.”

 

إيمان واقفة وراه، شايلة مازن، وبتبص لسالم وهو بيتكلم مع البنت. لأول مرة تحس إن يمكن… يمكن الولاد دول يبقوا أمان في رقبة الراجل ده.

 

بس كل واحد فيهم لسه باصص الناحية التانية.  

… يتبع

 

—

الفصل الثاني – 

قصر الزيني واقف على رجليه من أيام الملك، كبير، بارد، وحيطانه شايلة ريحة خشب قديم وبرفانات غالية. الخدم واخدين أجازة حداد بأمر سالم من ساعة الحادثة، والقصر شبه فاضي إلا من الدادة أم فتحي.

 

إيمان دخلت من البوابة شايلة شنطة هدوم واحدة، وماسكة ليان بإيد ومازن بإيدها التانية. شنطة سفرها الكبيرة كانت لسه مقفولة في أوضة الضيوف، مفتحتهاش من يوم ما وصلت مصر. شكلها غريب وسط الرخام والتحف.

 

الدادة أم فتحي استقبلتهم على الباب، ست في الخمسينات، وشها طيب بس عينيها بتوزن اللي قدامها. قالت وهي بتاخد ليان: “أوضتك جنب أوضة الولاد يا هانم، زي ما سالم بيه أمر. ارتاحي النهارده.”

 

سالم واقف آخر الطرقة، لابس قميص أسود ونص كم، ودراعاته باينة. من غير ما يبص لها قال بنبرة تقرير: “القواعد واضحة. أوضتي والمكتب خط أحمر. أي قرار يخص الولاد… هناقشه سوا الأول. بس كلمتي الأخيرة في البيت ده. مفهوم؟”

 

إيمان رفعت راسها، وصوتها ثابت رغم إن ركبها بتترعش: “وعقد الوصاية المشتركة اللي مضيناه عند المحامي؟ ده كان على الورق بس يا سالم بيه؟”

 

سالم بصلها لأول مرة، عينه باردة: “القانون على الورق. إنما أمان الولاد… ده مسؤوليتي أنا. وأنا مش هخاطر بيهم. مفهوم؟”

 

سعاد هانم واقفة فوق عند السلم، باصة من فوق لتحت، وقالت بصوت مسموع: “الحفيدين هيناموا في أوضتي الليلة دي. عشان يتعودوا على ريحة البيت.”

 

سابتها ومشيت. سعاد هانم نزلت السلالم وهي بتكلم أم فتحي: “طلعي الولاد أوضتي يا أم فتحي. البت دي محتاجة تستحمى وترتاح من السفر.”

 

—

 

تاني يوم الصبح. الحرب الباردة بدأت.

 

إيمان صحيت بدري، نزلت المطبخ، وطلعت موبايلها. فتحت أبليكيشن السوبرماركت اللي نزلته امبارح وطلبت كينوا وخضار فريش. أم فتحي اتفاجئت: “خير يا ست هانم؟”

 

إيمان وهي بتغسل إيديها: “فطار للولاد. دليلة كانت بتأكلهم كده في لندن. صحي ومفيد. الأوردر هيوصل كمان ساعة.”

 

بعد ساعة، مازن قاعد على السفرة بيبص للطبق بقرف: “إيه الأخضر ده؟ عايز مكرونة زي بتاعة تيتة.”

 

سالم نازل من على السلم، سامع الكلمة، بص للطبق وقال لأم فتحي من غير ما يبص لإيمان: “اعملي للولد مكرونة بالصلصة. اللي بيحبها.”

 

إيمان حطت الشوكة بعنف: “بس هو محتاج خضار. عنده نقص فيتامين د، والدكتور قال…”

 

سالم قعد مكانه، فرد الجورنال، وقاطعها: “الدكتور ده في لندن. هنا أنا اللي أقرر. ولما يبقى عندك عيال من بطنك ابقي أكليهم برسيم. دول ولاد يوسف.”

 

مازن ضحك، وليان اتكسفت. إيمان سكتت، بس عينيها بتطلع شرار.

 

الخناقة التانية كانت على الحضانة. 

 

إيمان حاطة بروشور على المكتب: “دي حضانة إنترناشونال في الزمالك. المنهج بتاعهم هايل، وفيها دكتورة نفسية عشان الكوابيس بتاعة مازن. أنا قدمت أونلاين امبارح.”

 

سالم بص للبروشور بثانية، ورماه في الدرج: “عندنا مجموعة مدارس الزيني. الحضانة بتاعتها لسه فاتحة جديد السنة دي. عيالي مش هيتربوا مع ولاد السفرا.”

 

إيمان اتعصبت: “عيالك؟ هم عيالي أنا كمان. وبعدين دي مش رفاهية، ده علاج. واتفاقنا عند المحامي كان إن القرار مشترك.”

 

سالم قام وقف، طوله غطى عليها: “كلمة كمان في الموضوع ده، وهخلي المحامي يقدملك إنذار طاعة وتشوفي الولاد في الرؤية بس. الولاد هيروحوا حضانة الزيني… نقطة.”

 

إيمان ضحكت بسخرية: “مش هتقدر. أنا مراتك رسمي، والعقد في جيبي. والإقامة بتاعتي طلعت. جرب.”

 

سالم سكت. أول مرة ترد عليه بالقانون. سابها وخرج من المكتب ورزع الباب.

 

—

 

العزومة الكبيرة، أول جمعة بعد كتب الكتاب.

 

السفرة بتلم العيلة كلها. سعاد هانم على راس الترابيزة، جنبها نهال. نهال لابسة فستان أحمر ضيق، قاصدة تستفز الكل. كانت مخطوبة ليوسف زمان قبل دليلة، ومش ناسية. كل شوية تعدل شعرها وهي بتبص لسالم.

 

خالد قاعد قصاد إيمان، وكل ما تقوم تجيب حاجة لمازن، يقول لها: “تعالي أقعدي جنبي يا إيمان هانم، بلاش تتعبي نفسك.” خالد طول عمره بيغير من سالم، وشايف إن الجوازة دي فرصة يحرقه.

 

سالم باصص له بصة كانت كفاية تخليه يبلع لسانه.

 

الأكل نزل. بط وحمام ومحاشي. إيمان حاطة طبق صغير لمازن فيه خضار جنب المكرونة، بتحاول بالراحة. نهال بصت للطبق وضحكت بصوت عالي: “إيه ده؟ هو الولد عامل دايت؟ ولا الخدامة الجديدة بتأكله أكل عصافير؟”

 

السفرة كلها سكتت. خالد ابتسم نص ابتسامة. 

 

إيمان وشها جاب ألوان. حطت الشوكة بالراحة، ولسه هترد، سالم رمى الشوكة من إيده على الطبق، الصوت رن في الصالة.

 

الكل بص له. قام وقف، عينه على نهال، وصوته طالع هادي بس يخوف: “إيمان الزيني مراتي. ست البيت ده. واللي مش عاجبه… الباب يفوت جمل.”

 

نهال وشها اتخطف. سعاد هانم شهقت وقامت من على الكرسي مرة واحدة. رزعت الفوطة على الترابيزة وقالت بصوت مبحوح: “أنا طالعة أوضتي. شبعت.” 

 

سابت السفرة وطلعت تخبط على السلم. الكل ساكت. 

 

سالم بص لأمه وهي طالعة، وبعدين قعد تاني، وكمل أكل كأن مفيش حاجة حصلت. إيمان باصة في طبقها، عينيها فيها دموع محبوسة. مازن وليان مش فاهمين، بس ليان مدت إيدها الصغيرة ومسكت إيد إيمان تحت الترابيزة.

 

—

 

بعد العشا، الجنينة.

 

الليل طرى، والمطرة اللي نزلت الصبح سابت ريحة تراب مبلول. إيمان قاعدة على كرسي خشب في آخر الجنينة، ضامة ركبها على صدرها وبتعيط من غير صوت. أول مرة تسمح لنفسها تنهار من ساعة الحادثة.

 

سمعت خطوات. نشفت دموعها بسرعة، بس متأخر. سالم واقف قصادها، وفي إيده منديل قماش متطبق. مدهولها من غير ما يتكلم، ولا باصص في وشها.

 

خدته، وهمست: “شكراً.”

 

كان هيمشي، بس وقف. قال وضهره ليها: “نهال كانت مخطوبة ليوسف زمان. طول عمرها لسانها سابقها. متخديش على كلامها.”

 

إيمان ضحكت ضحكة مقهورة: “المشكلة مش في نهال. المشكلة إني حاسة إني لوحدي… وسط ناس شايفاني حرامية خطفت عيالهم.”

 

سالم سكت ثانيتين، وقال بنبرة أهدى من العادي: “محدش هيقول كده تاني في البيت ده. ده وعد.”

 

ومشي. سابها والمنديل في إيدها، وريحته برفان رجالي تقيل لسه فيها.

 

—

 

الساعة تلاتة الفجر.

 

صرخة قطعت سكون القصر. مازن.

 

إيمان قامت مفزوعة من النوم، جريت على أوضة الولاد. لقيت أم فتحي خارجة من الأوضة شايلة ليان اللي صحيت مخضوضة، وقالت لها: “مازن جري على أوضة سالم بيه يا بنتي، بيقول بيشوف كوابيس. سيبيه، سالم بيه هيعرف يسكته.”

 

إيمان جريت على الطرقة. باب أوضة سالم كان موارب. 

 

فتحت الباب بالراحة. المشهد خلاها تتسمر.

 

مازن لابس بيجامة سبايدرمان، حاشر نفسه في حضن سالم اللي قاعد على طرف السرير، وبيترعش. سالم صاحي، لابس بنطلون بيجامة وتيشيرت، وحاضن الولد بإيد واحدة، والإيد التانية بتطبطب على ضهره.

 

مازن بيهمس وهو بيشهق: “النار… ماما كانت بتصرخ… خايف يا عمو.”

 

سالم اتخشب. كلمة “عمو” رنت في ودانه، بس وجعته أكتر من “عمو بابا”. بص للولد، وبعدين للباب، شاف إيمان واقفة.

 

عينيهم اتقابلت في الضلمة. هو متلخبط، ومش عارف يحضن الولد أكتر ولا يزقه عشان ميضعفش. وهي واقفة على الباب، قلبها بيدق، وحاسة إن الصخرة اللي اسمها سالم الزيني… بدأت تلين.

 

مازن نام تاني في حضن سالم. وليان جت من ورا إيمان، مسكت في جلابيتها، وهمست: “ماما إيمان، عايزة أقعد زي مازن.”

 

إيمان بلعت الغصة اللي في زورها، ودخلت شالت ليان، وقالت لسالم بصوت واطي: “خليه الليلة دي. محتاجلك.”

 

سالم هز راسه من غير كلام. 

 

قفلت الباب بالراحة، ووقفت ساندة ضهرها عليه. حطت إيدها على قلبها، وقالت لنفسها: “يا رب… إحنا هندخل في حيطه ولا في بعض؟”

 

جوه، سالم باصص لسقف الأوضة، ومازن نايم على صدره. أول مرة من سنين يحس إن فيه حد محتاجه… مش عشان فلوس ولا شركات. محتاجه عشان هو بس “عمو”.  

… يتبع

 

—

الفصل الثالث – 

مكتب سالم في الدور الأرضي من القصر، أوضة خشب غامق، ريحة سيجار قديم وورق. الباب مقفول بالمفتاح دايماً، ومحدش بيقرب منه غير عادل المنشاوي.

 

النهاردة الباب كان موارب. سالم نسيه مفتوح من بالليل وهو سهران على ملفات شركة الشحن. إيمان واقفة مترددة، وفي إيدها لاب توب. خبطت خبطتين.

 

سالم رافع حاجبه من فوق الملفات: “عايزة إيه؟ قولت المكتب ممنوع.”

 

إيمان دخلت خطوة، وحطت اللاب قدامه: “لقيت فايل الأرباح مرمي على ترابيزة الصالون امبارح وشدني. شركة الشحن بتاعتك بتخسر بقالها 6 شهور. قعدت أراجع الأرقام امبارح بعد ما الولاد ناموا. الخطأ في التسويق… كله ورقي وعقود قديمة. السوق دلوقتي ديجيتال، والتيك توك والإنستجرام بيجيبوا عملاء أكتر من 10 مناديب.”

 

سالم ضحك ضحكة قصيرة من غير نفس: “ما شاء الله. خريجة لندن جاية تعلمني البيزنس؟ روحي شوفي مازن غيري له البامبرز.”

 

إيمان سكتت، لمّت اللاب، وقالت وهي خارجة: “على العموم، الخطة كلها هنا. PPT وميزانية. لو فكرت فيها… ابقى قول لأم فتحي تعملي نسكافيه من غير سكر.”

 

سابته ومشيت. سالم بص للاب ثانية، وبعدين رماه في الدرج وقفله. بس آخر الليل، بعد ما القصر نام، طلعه تاني. فتحه، وفضل يقرا للفجر. قبل ما ينام بعت الخطة كلها من إيميله لمدير التسويق، وكتب سطر واحد: “نفذ من بكرة. ومحدش يعرف إنها فكرتي.”

 

—

 

بعد 3 أسابيع، في اجتماع مجلس الإدارة.

 

مدير المبيعات واقف مبهور: “سالم بيه، فرع الشحن حقق 30% زيادة الشهر ده. حملة السوشيال ميديا اللي حضرتك بعتها قلبت الدنيا، والتعاقدات الجديدة كلها شباب.”

 

كل اللي قاعدين بصوا لسالم بانبهار. هو هز راسه، وساكت. بس وهو مروح، عدى من قدام أوضة الولاد، لقى إيمان قاعدة على الأرض بتلون مع ليان. 

 

وقف عند الباب ثانية، وقال من غير ما يبص لها: “النسكافيه بتاعك… بيبقى في المطبخ. من غير سكر.”

 

ومشي. إيمان ابتسمت غصب عنها. أول مرة يعترف إنها صح.

 

—

 

بعد أسبوع كمان، نص الليل، أوضة الولاد.

 

أم فتحي كانت عند بنتها في المستشفى، وإيمان قالت لها تبات هناك. صوت عياط مكتوم. سالم صحي على صوت مازن، لقى الولد عاملها على نفسه. أول مرة يغير لطفل في حياته. واقف متلخبط، البامبرز في إيد، والوايبس في الإيد التانية.

 

إيمان دخلت لقته متسمر، ضحكت وقالت: “بالراحة… ارفع رجله شوية. أيوه كده. شاطر يا سالم بيه.”

 

اتعلم. وبعدها بأسبوع، كان قاعد في نص السرير الكبير، مازن على رجله الشمال، وليان على اليمين، وبيحكي لهم حدوتة “الأسد اللي كان بيخاف يقرب من حد”.

 

ليان سرحت شعره بإيديها الصغيرة، وفجأة باست خده وقالت: “بحبك يا عمو سالم.”

 

سالم اتجمد. الحدوتة وقفت في زوره. 

 

إيمان كانت واقفة عند الباب، ماسكة الموبايل وبتصور اللحظة. دمعة نزلت منها غصب عنها، ومسحتها بسرعة قبل ما ياخد باله.

 

—

 

تاني يوم الضهر، بوكيه ورد أحمر قد الشوال داخل القصر.

 

البواب دخل بيه مخصوص، والكارت مكتوب بخط عريض: “لأجمل بنت في القاهرة… خالد الأسيوطي.”

 

أم فتحي حطته في الصالة، وإيمان نازلة من على السلم شافته. وشها اتخطف. لسه هتتكلم، سالم نزل من مكتبه، شاف الورد، مد إيده خد الكارت وقراه بصوت عالي قاصد يسمّع البيت كله: “لأجمل بنت في القاهرة… خالد الأسيوطي.”

 

عينه راحت على إيمان. من غير كلمة، مسك الكارت وقطعه نصين، ورماه في الزبالة. بعدين طلع موبايله واتصل. الكل سمعه: “خالد… لو اسم مراتي جه على لسانك تاني، هخليك عبرة للقاهرة كلها. وردك خليه لفرحك.”

 

قفل السكة. بص لإيمان اللي واقفة مصدومة، وقال بصوت واطي بس كل كلمة سكينة: “إيه الدراما دي؟ إنتي على ذمتي!”

 

إيمان اتفاجئت من رد فعله، ردت بصوت واطي عشان الخدم: “على ذمتك على الورق بس! أنا مش مراتك بجد عشان…”

 

قرب منها خطوة، وقاطعها: “طول ما اسمك إيمان الزيني، مفيش راجل يبعتلك ورد. واللي هيحاول… هيندم. مفهوم؟”

 

سابها وطلع مكتبه، وقفل الباب بالرزعة. إيمان واقفة قلبها بيدق، ومش عارفة ده غضب ولا غيرة ولا إيه بالظبط. بس لأول مرة تحس إنه شايفها.

 

—

 

بعد المغرب، مصيبة.

 

صوت سعاد هانم جايب آخر القصر: “بقولك العقد كان في درج دليلة! والبنت دي آخر واحدة دخلت أوضتها قبل ما ننقل الحاجة!”

 

إيمان واقفة في نص أوضتها، وسعاد هانم بتفتح في الدواليب وبترمي الهدوم على الأرض. نهال واقفة على الباب بتمثل الصدمة: “يا طنط، حرام… يمكن إيمان متعرفش قيمته. ده ألماظ حر.”

 

إيمان عينيها فيها دموع بس رافعة راسها: “أنا مش حرامية. أنا مش محتاجة ألماظ.”

 

سعاد هانم مسكتها من دراعها: “أومال محتاجة إيه؟ جاية تاخدي جوز بنتي وفلوسها وعيالها؟”

 

الباب اتفتح بعنف. سالم واقف، وشه أحمر من الغضب. بص للمشهد… أمه بتهين مراته، ونهال بتبتسم من تحت لتحت.

 

زعق بصوت هز القصر: “إنتو بتعملوا إيه؟!”

 

سعاد هانم: “بندور على عقد دليلة الألماظ. والهانم مراتك هي الوحيدة اللي…”

 

سالم قطع كلامها، ولأول مرة يعلي صوته على أمه: “كفاية! أنا اللي دخلتها البيت ده. وكرامتها من كرامتي. اللي يهينها كأنه بيشتمني أنا. سامعة يا أمي؟”

 

سعاد هانم شهقت وحطت إيدها على قلبها: “بتزعق لأمك عشانها؟ بتفضل الغريبة عليا؟”…كملوها في الجزء الأخير 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *