حكايه عبير الاخير
بصيت للتليفون ثواني وكأن الزمن وقف. عاطفة الأمومة كانت بتصرخ فيا إني أجري حافية في الشارع عشان ألحق بناتي، بس صوت العقل اللي اتعلم الدرس قالي: “اللي اتلدغ من الثعبان بيخاف من الحبل، ومختار ميتأمنلوش.”
بسرعة صحيت سعاد، وحكيتلها اللي حصل. سعاد قالتلي برعب: “ده فخ يا عبير، عايز يلبسك مصيبة في نص الليل!”
رديت عليها وعيني بتطق شرار: “عارفة.. وعشان كده مش هروح لوحدي.”
كلمت المحامي بتاعي فوراً، راجل خبرة وذكي، قالي: “ممتاز إنك متهورتيش.. إحنا هنبلغ المباحث فوراً إن في محاولة اختطاف أطفال وهروب بره البلاد، ومعانا الإقرار اللي بيثبت النزاع. أنا هجيب قوة من القسم ونحصلك على هناك، بس إياكي تدخلي الشقة لوحدك!”
المواجهة في قلب العتمة
وصلت تحت العمارة أنا وسعاد. الساعة كانت 3 الفجر، الشارع كحيل ومفيش صوت غير نبضات قلبي اللي كانت بتضرب في ضلوعي. لقيت عربية بوكس واقفة على أول الشارع، والمحامي بيشاورلي من بعيد. الظابط اللي كان متعاطف معايا في أول يوم كان هو اللي موجود، قالي بهمس:
“إحنا هنأمن السلم، اطلعي وإحنا في ضهرك، لو حسيتي بأي غدر، صرخي.”
طلعت السلم على طراطيف صوابعي.. وصلت قدام باب شقتي، بيتي اللي شقيت فيه، لقيته فعلاً موارب زي ما نجلاء قالت!
زقيت الباب بالراحة ودخلت. الشقة كانت ضلمة كحل، بس ريحة الخوف كانت مالية المكان. مشيت بخطوات بطيئة ناحية أوضة النوم، وفجأة سمعت صوت همس وتكسير.
فتحت باب الأوضة، ولقيت المشهد اللي عمري ما هنساه: نجلاء واقعة على الأرض، وشها مليان كدمات، ومختار واقف فوقيها ماسك حزام، وبيسحب شنطة سفر كبيرة بإيده التانية.
أول ما شافني، ملامحه اتغيرت من الصدمة للغضب، وصرخ:
“إنتي إيه اللي جابك هنا يا فقر؟ إزاي دخلتي؟!”
بصيتله بكل قوة، الخوف اللي كان جوايا اتبخر، وقولتله بصوت ثابت:
“جيت أخد حقي وحق بناتي يا مختار.. جيت أطردك من بيتي زي ما طردتني.”
ضحك ضحكة شيطانية كلها غل وقال:
“حقك؟ إنتي مجنونة! أنا حجزت التذاكر، والطيارة كمان ساعتين. هاخد البنات وأسافر، وخليكي إنتي هنا اشبعي بالحيطان اللي مش هتعرفي تثبتي إنك تملكي فيها طوبة.. والهانم دي (وشاور على نجلاء) هرميها في الشارع بكرة بصولات الأمانة اللي عليها!”
نجلاء صرخت وهي بتعيط: “الفلاشة يا عبير! الفلاشة على السرير!”
مختار لمح الفلاشة، وجري عشان ياخدها، بس أنا كنت أسرع منه. خطفتها من على السرير، فقام هاجم عليا ومسكني من رقبتي بكل وحشية وهو بيصرخ:
“هاتي الزفت ده! إنتي فاكرة نفسك هتعرفي تلوي دراعي؟ أنا مختار اللي ضحك عليكي سنين وخد شقاكي، هكسرك دلوقتي وأرميكي مكان ما جيتي!”
سقوط القناع ونهاية اللعبة
في اللحظة اللي كان مختار بيخنقني فيها ومفكر إنه انتصر، النور نور فجأة، وصوت رج العمارة كلها:
“مباحث! سيبها وارفع إيدك فوق!”
الظابط والقوة دخلوا الأوضة. مختار سابني وهو بيرتعش، وشه جاب ألوان، وبدأ يرجع لورا وهو بيقول بتهتهة:
“يا باشا دي شقتي.. ودي طليقتي متهجمة عليا في نص الليل!”
الظابط طلع الكلبشات وقال بكل حزم:
“شقتك إيه يا نصاب؟ المحامي بتاع المدام قدم الإقرار الرسمي اللي بيثبت حقها في كل قرش، ده غير بلاغ محاولة تهريب الأطفال.. ودلوقتي متلبس بالاعتداء.”
المحامي أخد مني الفلاشة، ولما شغلناها في القسم بعدين، اكتشفنا الكارثة: مختار مكنش بس بيسرقني، ده كان بيغسل أموال في شغل مشبوه، ومسجل مكالمات وفيديوهات بتدينه هو وعصابة كاملة، وكان بيستغل حساباتي البنكية القديمة في تحويلات سودا! الفلاشة دي مكنتش بس طوق نجاة ليا، دي كانت حبل المشنقة اللي اتلف حوالين رقبة مختار.
الفجر الجديد
في نفس الليلة، وقبل ما الشمس تطلع، كنت بدخل أوضة بناتي. كانوا نايمين وحاضنين بعض بخوف. قعدت على طرف السرير، ودموعي نزلت، بس المرة دي دموع فرح وانتصار.
لمست شعر ملك، ففتحت عينيها، ولما شافتني، صرخت بفرحة صحت ملاك:
“ماما! إنتي ماروحتيش! إنتي رجعتي بجد!”
أخدتهم في حضني وعصرتهم بين ضلوعي، كأني بعوض كل ليلة نمتها في الغربة بعيد عنهم. قولتهم وأنا بشم ريحتهم:
“عمري ما هسيبكم تاني.. الكابوس خلص، ومفيش أي حد هيقدر يبعدنا عن بعض.”
عدالة السماء
بعد شهور من المحاكمات:
مختار: اتحكم عليه بـ 15 سنة سجن مشدد بتهمة النصب، التبديد، وغسيل الأموال، وكل ممتلكاته اتحجز عليها. خسر حريته، عيلته، والفلوس الحرام اللي جشع عماه عشانها.
نجلاء: رغم إنها شاركته في البداية، لكن لأنها ساعدتني وأنقذت الموقف، اتنازلت عن شقي الجنائي ضدها في ضرب البنات، والمحكمة أنصفتها في بطلان وصولات الأمانة اللي مختار أجبرها تمضيها تحت التهديد. أخدت ابنها وبعدت عشان تبدأ حياة جديدة ونضيفة، بعد ما اتعلمت إن الطمع في حق غيرها كان هيدمر حياتها.
أنا (عبير): استرديت شقتي بالكامل بقوة القانون بفضل ورقة أبويا (الله يرحمه) اللي كان عنده بعد نظر. حضانة بناتي بقت معايا، رجعت لشغلي في بلدي وسط أهلي، وفتحت مشروع صغير بقرشين كنت شايلاهم على جنب.
الدرس اللي اتعلمته وعلمته لبناتي: الثقة العمياء سذاجة، والاحتفاظ بالحقوق في ورق رسمي مش عيب ولا خيانة، ده شرع ربنا وحماية للسند الحقيقي. الدنيا ممكن توقعنا وتكسرنا، بس الست القوية، والأم اللي بتدافع عن عيالها، ربنا بيقف معاها حتى لو وقفت لوحدها في وش العاصفة. الحق دايماً بيرجع لصاحبه، طالما وراه مُطالب مابييأسش.