رجعت البيت قبل معادي الكاتبه ليلى
رجعت البيت قبل معادي بيوم، وأنا متحمسة أشوف فرحة ابني لما يلاقيني قدامه فجأة، كنت متخيلة إنه هيجري عليّ ويحضني، ويقولي إنه اشتاقلي لكن اللي حصل..كان آخر حاجة ممكن أتوقعها.
وقف قدام باب أوضته، ووشه كله توتر، وقال بسرعة:
“ماما… بلاش تدخلي.”
اتجمدت في مكاني.
وقبل ما أسأله ليه…
بصلي بخوف وقال:
“لو دخلتي… هتزعلي أوي.”
وفي اللحظة دي…
وصلني صوت خافت جاي من جوه الأوضة.
كنت بقالـي أربع أيام بره البيت.
لما وافقت على رحلة الشغل، افتكرت إن أربع أيام مش مدة كبيرة.
قلت لنفسي إنها هتعدي بسرعة.
وده اللي كنت مقتنعة بيه وأنا بحضر شنطتي صباح يوم الاتنين.
لكن الحقيقة…
أربع أيام كانوا كفاية إني أوحش ابني بشكل يوجع القلب.
كفاية إني أفوّت عليه حكايات قبل النوم.
وأفوّت عادته اللطيفة…
كل ليلة، بعد ما أغطيه، يناديني ويقولي إنه عطشان وعايز كوباية مية كمان.
وكفاية إني أحس بالذنب…
كل مرة كان يكلمني فيها في التليفون ويسألني بصوته الصغير:
“هترجعي إمتى يا ماما؟”
ابني، ” آدم ” عنده سبع سنين.
ومن يوم ما بدأ شغلي يخليني أسافر من وقت للتاني…
وهو عمره ما اتعود على غيابي.
كان فاهم إن شغلي أوقات بيجبرني أسافر.
لكن الفهم…
ما كانش بيخفف إحساسه بالوحدة، ولا كان بيهون عليّا إني أسيبه لوحده.
في أول ليلة…
اتصل بيا وهو نايم في سريره.
قال بقلق:
“طنط “سارة” اتأكدت من البيت كويس؟”
ابتسمت وقلت له:
“أيوه يا حبيبي، لفت البيت كله مرتين.”
سألني بسرعة:
“طيب… اتأكدت من الشبابيك؟”
“أيوه.”
“كلهم؟”
ابتسمت من غير ما يشوفني.
وقلت:
“كلهم يا “آدم”… اطمن.”
سكت شوية…
وبعدين قال بصوته الصغير:
“تحكيلي حكاية التنين؟”
ابتسمت رغم إني كنت مرهقة.
ولسه لابسة هدوم الشغل، وقاعدة لوحدي في أوضة الفندق…
وبدأت أحكيله نفس الحكاية اللي ألفتها مخصوص عشانه من سنين.
حكاية تنين صغير…
كان بيخاف من الضلمة.
ولحد ما خلصت…
كان نام.
أما في الليلة التالتة…
كان صوته مليان ضيق.
قال وهو بيعد الأيام:
“إنتِ قولتي أربع نومات.”
ابتسمت بحزن وقلت:
“عارفة يا حبيبي.”
رد بسرعة:
“أنا نمت تلاتة خلاص.”
قلت وأنا بحاول أخفف عنه:
“يبقى فاضل نومة واحدة بس… وبعدها هتلاقيني قدامك.”
سكت شوية…
وبعدين سأل السؤال اللي كان بيوجع قلبي كل مرة:
“هترجعي إمتى يا ماما؟”
“بكرة بالليل.”
“وعد؟”
غمضت عيني، وقلت بثقة:
“وعد.”
في اليوم اللي بعده…
اجتماعات الشغل طولت أكتر من المتوقع.
قضيت معظم الوقت ببص في الساعة، وبحاول أمثل إني مركزة مع العرض اللي قدامي.
وفجأة…
مديري أعلن إن آخر اجتماع اتلغى.
من غير ما أضيع دقيقة…
غيرت معاد رحلة الطيران.
ولما الطيارة وصلت قبل الوقت اللي كنت محدداه…
قررت ما أقولش لحد.
لا لـ”آدم”…
ولا حتى لـ”سارة”.
كنت عايزة أشوف فرحة ابني بنفسى.
كنت متخيلة أول ما أفتح باب البيت…
هسمع صوت خطواته الصغيرة وهي بتجري ناحيتي.
وبيقول بأعلي صوت
ماما! ماما!
لابس الشراب بس، من غير حتى ما يلبس الشبشب…
وكالعادة هيخبط في أي كرسي أو ترابيزة في طريقه من كتر استعجاله.
وبعدين…
هيرمي نفسه في حضني بكل قوته، وكأنه بيعوض الأربع أيام اللي بعدت فيها عنه.
كنت متخيلة إن “سارة” هتبصلي بنظرة ملل، وتقلب عينيها كعادتها…
وأنا هضحك.
أما “آدم”، فكان هيحاول يطلع في حضني، رغم إنه كبر وبقى تقيل، وبقاش سهل أشيله زي زمان.
أول ما وصلت…
لقيت عربية “سارة” واقفة في المدخل، زي ما توقعت.
ستاير البيت كانت مفتوحة…
لكن ماكانش فيه أي حركة باينة من جوه.
نزلت شنطة السفر بهدوء، ومشيت على الممر وأنا مقررة أفتح الباب بالمفتاح من غير ما حد يحس.
كنت ناوية أدخل بالراحة…
وأستخبى شوية في الصالة…
وبعدين أنادي بأعلى صوتي:
“آدم!”
لكن…
ما لحقتش حتى أطلع المفتاح.
الباب اتفتح فجأة قبل ما ألمسه.
وفي ثانية…
حسيت بـ……
حسيت بإيد بتتسحب بسرعة وحضن دافي بيستقبلني عند الباب!
سارة كانت واقفة ورا الباب، ووشها اتخطف أول ما شافتني، عينيها اتسعت بذهول وقالت وهي بتلتقط أنفاسها:
ـ “إنتي جيتي إزاي دلوقتي؟! مش فاضل على معاد طيارتك أكتر من 5 ساعات؟!”
ابتسمت وأنا بحط شنطتي على الأرض وبقول بلهفة:
ـ “الاجتماع الأخير اتلغى، وما صدقت غيرت التذكرة وجريت.. فين آدم؟”
سارة بصلتلي بتوتر واضح، وحاولت تتكلم أو تخبي حاجة ورا ظهرها، لكن الشوق كان أسرع مني. سبتها وجريت بخطوات سريعة في الطرقة ناحية أوضة ابني.
وقبل ما أحط إيدي على أكرة الباب، الباب اتفتح بالراحة.. وخرج منه “آدم”.
وقف يسد الممر بجسمه الصغير، وشه كان أحمر، ودموعه محبوسة في عينيه الشغوفة، وقال بصوت مكتوم ويرتعش:
ـ “ماما… بلاش تدخلي. لو دخلتي… هتزعلي أوي.”
لحظة الكشف عن السر
قلبي اتعصر من الخوف. عقلي صورلي ألف سيناريو مرعب: هل كسّر حاجة غالية؟ هل اتعور؟ هل البيت فيه مصيبة؟
نزلت على ركبي قدامه، ومسكت إيديه الصغيرين الدافيين، وقلت بحنان وبنبرة هادية:
ـ “حبيبي يا آدم.. أنا ماما، ومفيش حاجة في الدنيا تقدر تزعلني منك. تعالي نفتح ونشوف فيه إيه سوا.”
زقيت الباب بالراحة.. والمنظر اللي شفته جوه، خلي الدموع تتجمع في عيني، وجسمي كله يقشعر من حجم المشاعر!
الأوضة مكنتش مقلوبة، ومكانش فيها أي حاجة تخوف.. الأوضة كانت متحولة لـ معرض حب كامل!
على الجدران كلها، كانت فيه لوحات ورقية ملونة متعلقة بشريط لاصق، وفي كل لوحة رسمة صغيرة وبجنبها خط آدم المائل البسيط:
اللوحة الأولى: رسمة لتنين صغير بيبكي، ومكتوب تحتها: “النومة الأولى.. توحشيني أوي يا ماما، بس أنا شجاع.”
اللوحة الثانية: رسمة لبيت صغير وورود، ومكتوب تحتها: “النومة الثانية.. خلصت كل واجبي عشان أول ما ترجعي نلعب سوا.”
اللوحة الثالثة: رسمة لقلب كبير أحمر، ومكتوب تحتها: “النومة الثالثة.. فاضل تكه وتيجي بطلتي!”
وفي نص الأوضة على الترابيزة.. كان فيه صندوق خشبي صغير صناعة يدوية، آدم وسارة قعدوا يشتغلوا عليه طول الأربع أيام، متزين بورد مجفف وخرز، وجواه صورنا سوا من أول ما اتولد لحد اليوم..
لكن السبب اللي خلي آدم يعيط ويقولي “هتزعلي”:
إنه وهو بيسمع صوت خطواتي بره من الاستعجال، إيده خبطت كباية العصير المفضل بتاعي اللي كان مجهزها عشان يقدمهالي بنفسه أول ما أدخل، فالعصير اتدلق على طرف اللوحة الرئيسية الكبيرة اللي مكتوب فيها بخط ذهبي: “أحلى وأجمل أم في العالم”.
آدم بص للأرض ودموعه نزلت بكسرة وقال:
ـ “أنا كنت عايزها تبقى مفاجأة كاملة ونظيفة زي اللي بنشوفها في الكارتون.. بس أنا بوظتها وبللت اللوحة اللي تعبت فيها 3 أيام!”
القيمة الحقيقية للحب
في اللحظة دي، حسيت إن الأربع أيام سفر والتعب والإرهاق يدوبوا في ثانية واحدة.
قربت منه، وشيلته بين إيديا بكل قوتي -ورغم إن جسمه كبر وتقيل- وضمتني ليه بقوة وهي بتعيط من الفرحة، وبست خدوده الصغيرين مية مرة!
قلت له بصوت مليان دموع وابتسامة من القلب:
ـ “دي مش لوحة مبلولة يا آدم.. دي أجمل وأعظم مفاجأة شفتها في حياتي كلها! العصير اللي اتدلق ده هو اللي أثبتلي إنك عملت كل ده بقلبك وبحماسك.. اللوحة دي هبرقعها وهعلقها في نص الصالة، عشان كل ما أبص لها أعرف إني أم لأشطل وأحن طفل في الدنيا.”
سارة وقفت عند الباب، وعينيها هي كمان مليانة دموع، وابتسمت وقالت:
ـ “كل ليلة بعد ما يخلص مكالمتك، كان يقعد ساعتين يلون ويرسم ويجهز للصندوق ده عشان يفاجئك.. حب ابنيك ليكي ملوش حدود يا مي.”
النتيجة والدرس المستفاد
قضينا بقية الليلة دي أجمل ليلة في حياتنا.
سارة شاركتنا الأكل، وآدم قعد على حجري وهو بيحكيلي تفاصيل كل لوحة رسمها، وكيف كان بيعد الساعات والدقائق عشان يوصل لليحظة الحضن دي.
تعلمت في اليوم ده درس عمره ما يترسخ من عقلي:
البيوت مش بتتبني بالمباني أو بالهدايا الغالية.. البيوت بتتبني بالمشاعر الصادقة، بالتفاصيل الصغيرة اللي بنسيبها في قلوب أولادنا، وبإننا نعرفهم إن الحب مش بالكمال.. الحب بالصدق والجهد اللي بنبذله عشان نفرح اللي بنحبهم.
ومن اليوم ده، بقى صندوق الذكريات ولوحة العصير المبلولة هي أغلى قطعة ديكور في بيتيا، فكرتني دايماً إن التعب والغياب بيهونوا أول ما بنرجع لحضن دافي يستاهل كل خطوة.
#الكاتبة_ليلى