حكايه عزيز وغاليه الجزء الثالث للكاتبه سهر محمد

“مفاجأة مش كده؟ بس تصدقي.. موتك تحت السرير هيوفر عليا مجهود كبير أوي، بدل ما أرميكي من البلكونة وأقول انتحرت من اكتئاب ما بعد الحادثة!”
​قالها المجهول بصوت فحيح مرعب، وهو بيمد إيده الضخمة تحت السرير وبيسحب غالية من شعرها بقسوة.
غالية صرخت صرخة مكتومة، الألم كان بيمزق فروة راسها، بس بنت الحتة الشعبية اللي اتربت على الشقا مابتستسلمش بسهولة. بدل ما تحاول تشد نفسها لورا، اندفعت لقدام بكل قوتها، وضربته براسها في وشه خبطة خلت مناخيره تنزف فوراً وتخليه يسيب شعرها وهو بيتألم.
​زحفت بسرعة البرق من تحت السرير، ومدت إيدها المرتعشة سحبت الموبايل اللي لسه بيرن من على الكومودينو، بس قبل ما تفتحه، الراجل هجم عليها تاني، مسكها من رقبتها ورزعها في الحيطة، ورفع السرنجة عشان يغرزها في رقبتها.
​”هتموتي يا شيريهان.. طارق بيه باعتلك السلام!”
​السرنجة كانت على بُعد سنتيمتر واحد من وريدها.. غالية غمضت عينيها واستشهدت، حست إن دي النهاية.
​طااااااخ!
​صوت كسر الباب كان زي الرعد. عزيز دخل الأوضة زي الإعصار، عينيه كانت بتطق شرار أعمى. في ثانية واحدة، كان ماسك الراجل من ياقة هدومه، وبضربه واحدة قوية بالبوكس في وشه، الراجل طار ووقع على الترابيزة الإزاز اللي في نص الأوضة، كسرها مية حتة.
​عزيز منزلش عينه من على الراجل، مسكه من رقبته ورفعه عن الأرض وهو بيضغط عليها بكل غل: “أنا حذرت طارق.. بس الظاهر إنه مستعجل على موته وموت كلابه!”
ضربه كمان ضربة أفقدته الوعي تماماً، ورماه على الأرض زي الج..ثة.
​غالية كانت ساندة على الحيطة، بتنهج وصدرها بيطلع وينزل بسرعة جنونية، بس فجأة افتكرت الموبايل اللي وقع منها على الأرض ولسه بيرن!
​نزلت على ركبها بلهفة، وفتحت الخط وإيديها بتترعش: “ألو.. ألو يا دكتور! أبويا ماله؟!”
​صوت الدكتور من الناحية التانية كان عملي وسريع: “أستاذة غالية، والدك جاله أزمة قلبية حادة والقلب وقف لمدة دقيقة.. إحنا أنعشناه، بس لازم يدخل عمليات فوراً، ومحتاجين موافقة حضرتك وتوقيعك حالا، المستشفى مش هتقدر تتحمل مسؤولية عملية بالخطورة دي من غير حد من أهله!”
​غالية حست إن الدنيا بتسود في عينيها. صرخت بانهيار والدموع بتغرق وشها:
“أبوس إيدك يا دكتور دخلوه العمليات! أنا مش هقدر أجي دلوقتي، أنا.. أنا في مصيبة! أرجوك أنقذه، أنا مليش غيره!”
​عزيز قرب منها، سحب الموبايل من إيدها بحزم بس بهدوء، وحطه على ودنه:
“دكتور.. أنا عزيز عز الدين. أعتقد اسمي لوحده كفيل يخلي المستشفى كلها تقف على رجل. والد غالية هيدخل العمليات حالا، وأي مسؤولية قانونية أو مادية أنا متحملها. لو الراجل ده حصله حاجة، أنا هقفلكم المستشفى دي. مفهوم؟”
​قفل السكة، وبص لغالية اللي كانت واقعة على الأرض، ضامة ركبها لصدرها وبتعيط بصوت يقطع القلب. الكسرة اللي فيها كانت كفيلة تهد جبل.
​عزيز وقف ثواني يبصلها، حس بنغزة غريبة في قلبه. هو متعود على القسوة، متعود على الناس اللي بتجري ورا الفلوس والسلطة، بس البنت دي بتصارع الموت عشان أبوها.
نزل على ركبة ونص قدامها، ومد إيده بتردد لحد ما لمس كتفها.
​”أبوكي هيكون كويس. أنا وعدتك، وعزيز عز الدين كلمته سيف.” قالها بصوت دافي، نبرة عمرها ما طلعت منه قبل كده.
​غالية رفعت راسها، عينيها الحمرا مليانة دموع ورعب: “كان هيموتني يا عزيز.. طارق كان هيموتني. أنا مش هقدر أكمل، أنا ضعيفة أوي على العالم المرعب بتاعكم ده. سيبني أمشي.. أرجوك.”
​عزيز مسح دمعة نزلت على خدها بإبهامه، وقال بصرامة مخلوطة بحنية غريبة:
“إنتي مش ضعيفة يا غالية. البنت اللي تضرب قاتل محترف وتفلت من إيده متبقاش ضعيفة. إنتي أقوى من شيريهان نفسها. شيريهان الحقيقية كانت هتقف تصرخ لحد ما يقتلوها. إنتي فيكي روح مقاتلة.”
​وقف، ومدلها إيده عشان تقوم: “عيطي وانهاري الليلة دي براحتك. بس بكرة الصبح.. إنتي هتدخلي عرين الأسد. بكرة في اجتماع مجلس إدارة في الشركة، وطارق وعمي هيحاولوا يسحبوا أسهم أختي. وإنتي اللي هتوقفيهم. بكرة، شيريهان عز الدين هترجع، ومش هترحم حد.”
​تاني يوم – الساعة 10 الصبح.
​أمام برج ضخم من أزاز بيحمل يافطة “مجموعة عز الدين”، وقفت عربية عزيز.
نزل الحرس فتحوا الباب، ونزلت منه غالية.
​كانت لابسة بدلة نسائية كلاسيكية لونها أسود، كعب عالي بيخبط على الرخام بثقة، شعرها متسرح بصرامة، ونضارة شمس سودا مدارية عينيها. كانت بتمشي جنب عزيز كأنها ملكة متوجة، الغرور بيشر من كل خطوة بتخطيها. كل الموظفين وقفوا احتراماً، الهمسات ملت المكان: “شيريهان هانم رجعت!”
​دخلوا قاعة الاجتماعات. طارق وعمي رؤوف كانوا قاعدين، ملامحهم اتسحبت لما شافوها داخلة بقوتها دي، خصوصاً طارق اللي كان متأكد إن رجالته خلصوا عليها امبارح بالليل! الصدمة كانت شالة لسانه.
​غالية قعدت على الكرسي الرئيسي قصادهم، قلعت النضارة، ورمتها على الترابيزة ببرود، وبصت لطارق وابتسمت ابتسامة شيطانية:
“إيه يا طارق؟ مال وشك أصفر كده؟ كأنك شفت عفريت.. أو كأنك كنت مستني خبر وفاتي مثلاً؟”
​طارق بلع ريقه وحاول يتماسك: “أبداً يا شيري.. منورة الشركة.”
​الاجتماع انتهى بانتصار ساحق لغالية وعزيز. رفضت كل التنازلات، وثبتت حصتها، وخلت عمها يخرج وهو بيغلي من الغضب.
​عزيز كان بيبصلها بفخر حقيقي. هي لعبت الدور بعبقرية، كأنها اتولدت عشان تكون شيريهان.
​خرجوا من قاعة الاجتماعات والموظفين بيوسعولهم الطريق. غالية كانت حاسة بنشوة الانتصار، حاسة إنها قادرة تحمي أبوها وتحمي نفسها.
​وهما ماشيين في الكوريدور الواسع، فجأة.. مهندس شاب لابس خوذة بيضا وماسك لوح هندسية، كان بيجري عشان يلحق الأسانسير، خبط في غالية غصب عنه. اللوح وقعت من إيده.
​المهندس نزل يلم حاجته وهو بيعتذر برعب: “أنا آسف جداً يا فندم، مخدتش بالي والله أنا..”
​رفع راسه عشان يبصلها، والكلمات وقفت في زوره. ملامحه اتجمدت، وعينيه وسعت على آخرها.
غالية قلبها وقع في رجليها، الدم هرب من وشها، وحست إنها هتموت في لحظتها.
ده “سيد”.. خطيبها القديم اللي سابها عشان فقرها وديون أبوها!
​سيد وقف على حيله، وبصلها بذهول وصدمة، ونسي هو فين ومين اللي واقفين حواليه، وقال بصوت عالي سمعه الكوريدور كله:
“غالية؟! إنتي بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللبس ده؟!”
​الصمت نزل على المكان زي الصاعقة. عزيز جسمه اتخشب، وغالية مقدرتش تاخد نفسها.
بس المصيبة الأكبر.. إن طارق كان خارج من قاعة الاجتماعات وراهم مباشرة، وسمع كل كلمة.
​طارق قرب بخطوات بطيئة، وعينيه بتلمع بانتصار وشر، وبص لسيد وبعدين لغالية وقال بصوت مرعب:
“غالية مين يا أستاذ؟ دي شيريهان هانم عز الدين… ولا إنت تعرفها باسم تاني؟”

شوف الجزء الاخير لمتابعه باقي الاحداث للكاتبه سهر محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *