شهاده زور

سلفتى اتهمتني فى شرفي وقالت إنها شافت راجل خارج من شقتي… مع إن الحقيقة كانت إنه خارج من شقتها هي. والأسوأ إن سلفتي التانية حلفت على المصحف وشهدت زور عشان تحميها.
جوزي صدقهم من غير ما يسمع مني كلمة، طلقني، وحرمني من عيالي، واتحولت في لحظة من زوجة وأم إلى متهمة في نظر الجميع.
لكن ربنا ما بيسيبش حق حد… وبعد فترة، خرجت الحقيقة من أكتر شخص شارك في ظلمي، واعتراف واحد قلب حياة العيلة كلها، وكشف الكدب اللي اتبنى عليه خراب بيتي.

أنا اسمي ندى، عندي واحد وتلاتين سنة، ومتجوزة أحمد من تمن سنين، وعندي منه طفلين، آدم وليان.
ساكنين في بيت عيلة كبير، كل واحد من إخوات جوزي ليه شقته في نفس العمارة، أما حماتي وحمايا فكانوا ساكنين في شقة الدور الأرضي.
حمايا كان تاجر، وأحمد وإخوته هم التلاتة كانوا شغالين معاه في نفس التجارة، وكل يوم كانوا ينزلوا من بدري قبل الساعة تمانية، وميرجعوش غير آخر النهار.
بعد ما الرجالة تنزل، البيت كله يهدى، وميفضلش غير الستات.
حماتي كانت ست طيبة، وكل يوم تقريبًا كانت تجمعنا في شقتها عشان نطبخ الغدا سوا، وكل واحدة تعمل حاجة، ولحد ما الرجالة ترجع يكون الأكل جاهز.
في اليوم ده، حماتي قالت قبل ما تنزل السوق:
“يا ندى… يا منى… أول ما تخلصوا شغل شققكم انزلوا على طول، هنجهز الغدا بدري النهارده.”
قلنالها: “حاضر يا ماما.”
طلعت كل واحدة على شقتها.
خلصت شغل بيتي بسرعة، وقفلت الباب، ووقفت قدام شقة منى مستنياها تخرج عشان ننزل سوا.
وفي اللحظة دي…
باب شقة عبير اتفتح بهدوء.
مكنتش عبير واخدة بالها إني واقفة.
وفجأة…
خرج راجل غريب من شقتها.
كان لابس كاب، ومطأطئ راسه، وبيتحرك بسرعة كأنه مش عايز حد يشوفه.
اتسمرت مكاني من الصدمة.
وفي نفس اللحظة، فتحت منى باب شقتها.
أول ما خرجت، شافت الراجل وهو بينزل السلم.
بصتلي…
وبصيتلها…
لكن ولا واحدة فينا نطقت بكلمة.
بدأنا ننزل السلم وراه في هدوء.
وقبل ما نوصل لباب العمارة بثواني…
دخلت حماتي من باب العمارة وهي شايلة أكياس السوق.
أول ما شافت الراجل واقف قدامها، وقفت وقالت باستغراب:
“إنت مين يا ابني؟… ونازل منين؟”
الراجل مردش…
عدى من جنبها بسرعة، وخرج من العمارة وهو بيجري.
فضلت حماتي تبص وراه لحد ما اختفى.
وبعدين رفعت عينيها علينا…
وكان أول سؤال خرج منها…
“مين الراجل ده؟
أنا ومنى بصينا لبعض في نفس اللحظة.
كل واحدة فينا كانت مستنية التانية تتكلم.
لكن محدش فينا نطق.
حماتي كررت السؤال وهي باصة في وشوشنا:
“مين الراجل ده؟ وإيه اللي كان بيعمله في العمارة؟”
منى بلعت ريقها، وأنا قلت بهدوء:
“معرفوش يا ماما.”
بصتلنا حماتي باستغراب وقالت:
“يعني شفتوه؟”
اترددنا ثواني…
وبعدين هزينا راسنا بالإيجاب.
قالت بعصبية:
“طالما شفتوه… يبقى أكيد عارفين خرج من عند مين.”
سكتنا.
مكنتش قادرة أنطق.
أنا عرفت إنه خرج من شقة عبير، لكن في نفس الوقت كنت بقول لنفسي: يمكن يكون قريبها… يمكن أخوها… يمكن حد جاي في موضوع مهم. مين أنا عشان أفضحها من غير ما أعرف الحقيقة؟
منى كانت واقفة مطأطية راسها، واضح إنها بتفكر نفس التفكير.
حماتي بدأت تشك أكتر.
وقالت وهي بتحط أكياس السوق على الترابيزة:
“سكوتكم ده مش مريحني.”
حاولت أغير الموضوع وقلت:
“يلا يا ماما… خلينا نجهز الغدا قبل الرجالة ما ترجع.”
لكنها فضلت سرحانة، وكل شوية تبص علينا.
قضينا اليوم كله بنطبخ، لكن ولا واحدة فينا كانت عارفة تركز.
أما عبير…
فنزلت بعد شوية كأن مفيش أي حاجة حصلت.
سلمت علينا، وقعدت تساعد في الطبخ، ووشها هادي جدًا.
بصيتلها أكتر من مرة.
كنت مستنية أشوف عليها أي ارتباك… أي خوف… أي نظرة.
لكن كانت بتتصرف بمنتهى الطبيعية.
لدرجة إني بدأت أشك في نفسي، وأقول يمكن الراجل فعلًا يبقى قريبها، وأنا كبرت الموضوع في دماغي.
قبل المغرب بشوية، بدأنا نحضر السفرة.
وفي الوقت ده، دخل حميا، وراه أحمد وإخوته، وكلهم رجعوا من الشغل.
أول ما قعدوا، حماتي قالت:
“استنوا… قبل ما حد ياكل، في حاجة لازم تعرفوها.”
أول ما حماتي قالت:
“استنوا… قبل ما حد ياكل، في حاجة لازم تعرفوها.”
الكل سكت، حتى صوت الملاعق اختفى.
حمايا بصلها باستغراب وقال:
“خير يا أم أحمد؟ حصل إيه؟”
قالت وهي لسه متوترة:
“النهارده وأنا راجعة من السوق، لقيت راجل غريب خارج من العمارة. وقفته وسألته: إنت مين؟ ونازل منين؟ لكنه مردش عليا، وجري واختفى.”
بص حمايا لأولاده وقال:
“راجل غريب دخل بيتنا؟!”
#حكايات_ندى‌‌‌‌_الجمل
ردت حماتي:
“الأغرب من كده… إني لما دخلت العمارة لقيت ندى ومنى نازلين على السلم، ولما سألتهم الراجل ده كان عند مين… الاتنين سكتوا.”
كل العيون اتوجهت ناحيتي أنا ومنى.
أحمد سألني باستغراب:
“ليه سكتي يا ندى؟”
قلت بهدوء:
“لأننا منعرفهوش… ومحبناش نظلم حد أو نتكلم من غير ما نبقى متأكدين.”
لسه هكمل كلامي…
وفجأة عبير قالت:
“أنا هتكلم.”
الكل بص لها.
قالت وهي عاملة نفسها مترددة:
“والله يا جماعة أنا كنت ناوية أفضل ساكتة، وقلت ربنا حليم ستار، ومينفعش أتكلم في أعراض الناس.”
حماتي قالت بعصبية:
“قولي اللي عندك يا عبير.”
تنهدت وقالت:
“الراجل ده مش أول مرة ييجي.”
حسيت قلبي وقع.
وكملت وهي بتبصلي:
“أنا شوفته أكتر من مرة وهو طالع عند ندى… وأنا ومنى كنا بنشوفه، لكن عمرنا ما اتكلمنا، وقلنا يمكن يكون في حاجة إحنا منعرفهاش، وربنا أمرنا بالستر.”
قمت من مكاني وأنا بصرخ:
“إنتِ بتكدبي… والله العظيم بتكدبي.”
قالت بمنتهى البرود:
“لو أنا بكذب… اسألوا منى.”
لفت العيلة كلها ناحية منى.
منى كان وشها أصفر، وإيديها بتترعش، وعينيها في الأرض.
حمايا قال بصوت حازم:
“اتقي الله يا بنتي… اللي عبير بتقوله صح ولا كذب؟”
فضلت منى ساكتة كام ثانية…
وبعدين رفعت راسها وقالت:
“أيوه… أنا شفته قبل كده.”
صرخت وأنا ببصلها:
“إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ كنتي واقفة جنبي النهارده وشوفتي الراجل خارج من شقة عبير… إزاي تعملي فيا كده؟!”
وقبل ما منى ترد…
عبير قالت بسرعة:
“شوفتم؟ أول ما اتفضحت بدأت ترمي التهمة عليا.”
حماتي حطت إيديها على صدرها من الصدمة، وحميا نزل راسه في الأرض.
أما أحمد…
فكان باصصلي بنظرة عمري ما شفتها في عينه…
نظرة كلها شك.
وفي اللحظة دي…
عرفت إن حياتي من النهارده… مش هترجع زي الأول أبدًا.

البارت الرابع
أحمد فضل يبصلي من غير ما ينطق.
كنت مستنية منه يقول كلمة واحدة… أي كلمة تدافع عني.
لكن سكوته كان أصعب عليا من أي اتهام.
حميا قطع الصمت وقال:
“يا ندى… اللي اتقال ده كبير، ومينفعش نعديه بسهولة.”
قلت وأنا دموعي نازلة:
“والله العظيم يا بابا أنا بريئة، وعمري ما دخل بيتي راجل غير جوزي وأبويا وإخواتي.”
حماتي قالت وهي باصة ليا:
“أمال ليه لما سألتك الراجل كان عند مين… سكتي؟”
رديت بسرعة:
“لأني مكنتش عايزة أتكلم في حد من غير دليل.”
أحمد سألني لأول مرة:
“يعني إنتِ عرفتي الراجل كان عند مين؟”
سكت…
لأن أي إجابة هقولها دلوقتي هتبان إني برد التهمة عن نفسي وأرميها على غيري.
قال بعصبية:
“ردي يا ندى.”
قلت وأنا ببكي:
“مش هتهم حد بحاجة أنا مش متأكدة منها.”
عبير ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:
“شفتم؟ مش عارفة ترد.”
صرخت فيها:
“أنا ساكتة عشان مش راضية أظلم حد… مش عشان مذنبة.”
لكن عبير قالت:
“والله يا أحمد إحنا استحملنا كتير وسكتنا… لكن بعد اللي حصل النهارده، مقدرناش نسكت أكتر من كده.”
حميا بص لمنى وقال:
“إنتِ مستعدة تحلفي إن كلامك ده حصل فعلًا؟”
منى اتوترت…
وبصت لعبير.
عبير هزت لها راسها في هدوء.
قالت منى بصوت مهزوز:
“أيوه… مستعدة.”
حماتي قامت جابت المصحف من النيش، وحطته قدامها على الترابيزة.
وقالت:
“احلفي على كتاب ربنا إنك شوفتي الراجل ده قبل كده داخل عند ندى.”
إيدي من الخوف كانت بتترعش.
قربت من منى وقلت لها وأنا بعيط:
“افتكري إن ده مصحف… ومتضيعيش آخرتك عشاني.”
منى كانت بتتنفس بسرعة، وباين عليها إنها خايفة.
لكن عبير قالت لها:
“احلفي… وإلا الناس هتفتكر إننا بنكدب.”
مدت منى إيديها…
وحطتها على المصحف.
وقالت:
“أقسم بالله العظيم… إني شفت الراجل ده قبل كده داخل شقة ندى.”
في اللحظة دي…
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
لأول مرة في حياتي أشوف حد يحلف على كتاب ربنا وهو عارف إنه بيكذب.
أحمد قام من مكانه، وشدني من دراعي بعنف وقال:
“من النهارده… خلاص. أنا استحالة أكمل مع واحدة الكل شهد عليها.”
فضلت أصرخ وأقول:
“أنا مظلومة… والله العظيم مظلومة.”
لكن ولا حد سمعني…
ولا حد صدقني.
كنت ببكي وأنا ماسكة في إيد أحمد.
قلت له وأنا بنهج من كتر العياط:
“بالله عليك… متظلمنيش. إنت عارفني بقالك تمن سنين، عمرك شفت مني حاجة وحشة؟”
نفض إيدي من عليه وقال ببرود:
“أنا كنت بثق فيكي… لكن بعد شهادة اتنين، واحدة منهم حلفت على المصحف… خلاص، مفيش كلام هغير رأيي.”
بصيت لحميا وقلت:
“بابا… إنت اللي ربيتني بعد جوازي، عمري قصرت معاكم في حاجة؟”
حميا نزل عينه في الأرض، ومردش.
أما حماتي فقالت وهي بتعيط:
“يا بنتي… والله كنت أتمنى يطلع الكلام ده كذب، لكن هنعمل إيه بعد اللي سمعناه؟”
صرخت وقلت:
“إنتوا صدقتوا شهادة ناس، ومصدقتوش عشرة تمن سنين؟!”
عبير كانت واقفة بعيد، وعاملة نفسها متأثرة، لكن أول ما بصيت لها، لمحت ابتسامة صغيرة استخبت بسرعة.
وقتها عرفت…
إن اللي بيحصل ده مش سوء تفاهم.
دي مؤامرة.
أحمد دخل الشقة، وبعد دقائق خرج بشنطة هدومي، وحطها قدام باب الشقة.
وقال:
“إلبسي هدومك… وروحي بيت أبوكي.”
اتجمدت في مكاني.
قلت له:
“هتمشيني من غير ما تسمعني؟”
قال:
“الكلام انتهى.”
دخلت الشقة وأنا مش شايفة قدامي من كتر الدموع.
حضنت آدم وليان.
آدم كان ماسك في رقبتي وهو بيقول:
“ماما… إنت رايحة فين؟”
أما ليان، فكانت بتعيط من غير ما تكون فاهمة إيه اللي بيحصل.
قلبي كان بيتقطع.
حضنتهم الاتنين، وبستهم، وأنا مش قادرة أقولهم الحقيقة.
خرجت من البيت وأنا سامعة صوت عياطهم بينادي:
“ماما… متسيبناش.”
لكن أحمد قفل الباب.
وقفل معاه باب بيتي… وحياتي كلها.
بعد أسبوع…
وصلني ورقة الطلاق.
وبعدها بدأت معركة جديدة…
لما أحمد رفض يسيبلي العيال، وقال إن واحدة اتهمت في شرفها، مينفعش تربي أولاده.
في يوم واحد…
خسرت جوزي…
وخسرت بيتي…
وخسرت ولادي…
وكل ده…
بسبب شهادة زور.
يتبع……
بقلم ندى الجمل
عدت الأيام…
لكن كل يوم كان أصعب من اللي قبله.
رجعت بيت أبويا، وأنا حاسة إن روحي اتسابت في بيت ولادي.
كل ليلة كنت أنام وأنا سامعة صوت آدم وهو بيقولي:
“ماما… متسيبنيش.”
وصوت ليان وهي بتعيط وهي متعلقة في هدومي.
كنت أقوم من النوم مفزوعة، وأكتشف إن كل ده بقى ذكرى.
أكتر حاجة كانت وجعاني…
إن أحمد ولا مرة كلمني.
ولا سأل نفسه سؤال واحد…
“لو ندى غلطت فعلًا… ليه أنكرت بالطريقة دي؟ وليه كانت مستعدة تتهم نفسها بالكذب ولا ترمي التهمة على حد؟”
لكن الشك كان أعمى.
أما في بيت العيلة…
فكانت عبير عايشة وكأنها انتصرت.
كل ما تشوف حماتي تقول:
“الحمد لله إن ربنا كشف الحقيقة قبل ما المصيبة تكبر.”
وحماتي كانت ترد:
“الحمد لله.”
أما منى…
فمن يوم اللي حلفت فيه على المصحف…
وهي مش هي.
بقت قليلة الكلام.
وشها أصفر.
مبتضحكش.
ولو حد كلمها، ترد بكلمتين وتسكت.
وفي كل مرة تشوفني وأنا جاية أشوف ولادي…
كانت تنزل عينها في الأرض، ومتعرفش تبصلي.
وفي ليلة…
صحيت من النوم وهي بتصرخ.
جوزها جري عليها وقال:
“مالك يا منى؟”
فضلت تعيط وهي بتقول:
“شوفت المصحف… شوفت نفسي وأنا بحلف عليه.”
قال لها:
“ده مجرد حلم.”
لكن الأحلام بقت تتكرر…
كل ليلة.
وفي كل مرة كانت تصحى مفزوعة، وهي حاسة إن كلمة “أقسم بالله العظيم” لسه بتتردد في ودنها.
بدأت تخاف.
وبقت كل شوية تقول لعبير:
“إحنا غلطنا… لازم نقول الحقيقة.”
لكن عبير كانت تقاطعها بعصبية:
“إوعي تتكلمي… لو اعترفتي هتخربي بيوت الكل، وهيقولوا إننا كنا بنكدب.”
منى قالت وهي بترتعش:
“بس أنا حلفت على كتاب ربنا.”
ردت عبير بحدة:
“استغفري ربنا وخلاص… وكل حاجة هتعدي.”
لكن منى كانت حاسة…
إن اللي عملته…
مش هيعدي أبدًا.
البارت السابع
من يومها… ومنى بقت إنسانة تانية.
لا بتخرج، ولا بتقعد مع حد، ولا حتى بقت تضحك زي الأول.
كل ما تشوفني وأنا جاية أشوف ولادي، كانت تستخبى أو تدخل شقتها وتقفل الباب.
كانت عينيها بتقول كل حاجة… إلا الحقيقة.
أما عبير، فكانت كل يوم تطمن نفسها إن الموضوع انتهى.
كل ما منى تفتح معاها الكلام، كانت تقول:
“نسيتي؟ ندى اتطلقت خلاص، والموضوع خلص. متفتحيش على نفسك باب.”
لكن منى كانت ترد وهي بتبكي:
“أنا مش عارفة أنام… كل يوم بحس إني واقفة قدام ربنا.”
عبير كانت تزعق فيها:
“بطلي أوهام… وربنا غفور رحيم.”
مرت الشهور…
وفي يوم، منى كانت راجعة من عند أمها، وهي معدية الشارع، عربية مسرعة خبطتها.
الناس جريت عليها، والإسعاف نقلها المستشفى.
الخبر وصل بيت العيلة، وكلنا جرينا عليها.
الدكتور خرج بعد ساعات وقال:
“الحمد لله… حالتها مستقرة، لكن محتاجة ترتاح وممنوع عنها أي ضغط نفسي.”
رجعت منى البيت بعد كام يوم.
لكنها كانت إنسانة مختلفة تمامًا.
كانت كل شوية تقول لجوزها:
“أنا لازم أقول الحقيقة.”
وجوزها كان مستغرب.
يسألها:
“حقيقة إيه؟”
فتسكت.
وفي ليلة…
صحيت وهي بتصرخ بأعلى صوتها.
العيلة كلها اتجمعت على صوتها.
لقوها قاعدة على السرير، بتعيط وبتقول:
“مش قادرة… والله مش قادرة.”
عبير جريت عليها، وحاولت تسكتها.
لكن منى زقتها لأول مرة.
وقالت وهي بتبكي:
“كفاية… أنا مش هستحمل أكتر من كده.”
عبير همست لها:
“اسكتي… الناس كلها بره.”
لكن منى ردت بصوت عالي:
“لأ… النهارده لازم الكل يعرف.”
وساعتها…
كل اللي كانوا واقفين بره الأوضة…
سمعوا الجملة دي.
واتجمدوا مكانهم
البارت الثامن
أول ما منى قالت:
“لأ… النهارده لازم الكل يعرف.”
سكت البيت كله.
حماتي دخلت الأوضة بسرعة، ووراها حميا، وأحمد، وإخوته، وحتى عبير كان وشها شاحب.
حميا قال بقلق:
“تعرف إيه يا بنتي؟”
منى كانت بتبكي بطريقة عمرنا ما شفناها قبل كده.
قالت وهي بتنهج:
“أنا تعبت… والله تعبت… مش قادرة أشيل الذنب ده أكتر من كده.”
عبير قربت منها بسرعة وقالت:
“منى… إنتِ مش في وعيك، اسكتي.”
لكن منى زعقت فيها لأول مرة وقالت:
“سيبيني… كفاية ظلم.”
بصتلها عبير بخوف، وحاولت تمسك إيدها، لكن منى سحبتها.
حميا قال بصوت حازم:
“قولي اللي عندك… ومحدش هيقاطعك.”
أخذت منى نفسًا طويلًا، وقالت وهي بتبكي:
“أنا… شهدت زور.”
اتجمد الكل.
حماتي قالت وهي مش مستوعبة:
“بتقولي إيه؟”
ردت منى:
“أنا كذبت… وحلفت على المصحف وأنا بكذب.”
حسيت إن البيت كله وقف.
أحمد بص لعبير، وعبير وشها اصفر.
منى كملت كلامها وهي بتبكي:
“الراجل… عمره ما دخل شقة ندى.”
حميا قال بصوت مهزوز:
“أمال كان عند مين؟”
سكتت منى لحظة…
وبعدين بصت لعبير مباشرة وقالت:
“كان خارج من شقة عبير.”
في اللحظة دي…
عبير صرخت وقالت:
“بتكدبي… إنتِ تعبانه ومش عارفة بتقولي إيه.”
لكن منى قالت وهي رافعة إيديها:
“لا… أنا بقول الحقيقة اللي دفنتها شهور.”
“أنا وندى كنا واقفين قدام شقتي، وشوفنا الراجل وهو خارج من شقة عبير.”
“ولما نزلنا السلم، حماتي كانت راجعة من السوق وشافته وهو خارج من العمارة.”
“ولما سألتنا كان خارج من عند مين… إحنا سكتنا، لأننا مكنّاش عايزين نفضح عبير.”
وبعدين بصت لعبير وهي بتعيط وقالت:
“لكن إنتِ… قلبتي التهمة على ندى، وأنا وافقتك… وشهدت زور… وضيعت بيتها.”
سكتت ثواني…
وقالت الجملة اللي هزت البيت كله:
“ندى بريئة… وأنا ظلمتها.”
البارت التاسع
بعد ما منى قالت:
“ندى بريئة… وأنا ظلمتها.”
ساد صمت مرعب في البيت.
ولا حد كان قادر ينطق.
كل واحد كان بيبص للتاني، وكأنهم مستنيين حد يقول إن اللي سمعوه ده مش حقيقي.
أول واحد اتكلم كان حميا.
بص لعبير وقال بصوت مليان غضب:
“الكلام اللي قالته منى… صحيح؟”
عبير هزت راسها بعصبية وقالت:
“لأ… هي بتخرف، من وقت الحادثة وهي مش طبيعية.”
منى صرخت من وسط دموعها:
“متكدبيش تاني… كفاية لحد كده.”
وبعدين بصت لحميا وقالت:
“لو أنا بكذب… يبقى ليه استنيت كل الشهور دي؟ وليه أفضح نفسي وأقول إني شهدت زور؟”
حماتي بدأت تبكي، وقالت وهي بتضرب على صدرها:
“يا نهار إسود… يعني ندى كانت بريئة؟”
منى هزت راسها وهي بتعيط:
“والله كانت بريئة… والله العظيم عمرها ما غلطت.”
حميا قرب من عبير وقال لها:
“آخر مرة هسألك… الراجل كان عندك؟”
عبير اتلجلجت.
ولأول مرة…
ملقتش كذبة تقولها.
حميا زعق بأعلى صوته:
“ردي.”
انهارت عبير وقعدت على الأرض وهي بتبكي.
وقالت بصوت متقطع:
“أيوه… كان عندي.”
حماتي حطت إيديها على وشها وهي بتصرخ:
“يا خراب بيتك… عملتي كل ده عشان تنجي نفسك؟”
عبير قالت وهي منهارة:
“خفت… لما ماما شافت الراجل، عرفت إن الموضوع هينكشف… فقولت لو اتهمت ندى محدش هيشك فيا.”
بص أحمد لعبير، ثم بص لمنى.
كان وشه كله ندم.
افتكر دموعي…
وافتكر توسلاتي…
وافتكر اليوم اللي وقفت قدامه أحلف إني بريئة وهو رفض يسمعني.
قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه.
وقال بصوت مكسور:
“أنا ظلمت مراتي…”
ولأول مرة…
بكى أحمد قدام كل العيلة.
لكن دموعه…
كانت متأخرة جدًا.
البارت العاشر والأخير
بعد اعتراف منى…
البيت كله اتقلب.
أخو أحمد الكبير، جوز عبير، وقف قدامها وقال:
“يعني دمرتي بيت أخويا… ورميتي واحدة شريفة في عرضها… وكل ده عشان تغطي على نفسك؟”
عبير فضلت تعيط وتحاول تبرر:
“أنا خفت… والله خفت.”
لكن جوزها قال بغضب:
“وأنا مستحيل أكمل مع واحدة كدابة، ولا أأمنها على بيتي ولا على عيالي.”
ساب البيت يومها، وبعد أيام طلقها.
أما منى…
فجوزها كان واقف ساكت من ساعة اعترافها.
ولما رجعوا شقتهم، قال لها:
“أنا كنت فاكرك أهون الناس على الكذب… طلعتِ تحلفي على كتاب ربنا شهادة زور.”
منى فضلت تبكي وتقول:
“أنا ندمانة… والله ندمانة.”
لكن جوزها رد:
“الندم ميصلحش اللي حصل.”
تاني يوم وصلها بيت أهلها، وقال لأبوها:
“بنتك محتاجة تراجع نفسها، وأنا مش هقدر أكمل معاها دلوقتي.”
وفي الناحية التانية…
أحمد كان كل يوم يصحى وهو فاكر آخر نظرة بصيتهالي وأنا بقول:
“أنا مظلومة.”
افتكر دموعي…
وافتكر إني كنت أقدر أنقذ نفسي لو اتهمت عبير، لكني فضلت أسكت عشان ما أظلمهاش.
وقتها بس…
عرف قيمة الست اللي ضيعها بإيده.
قرر يروح هو وأبوه لبيت أبويا.
أبويا استقبلهم، لكنه كان زعلان جدًا.
قال لهم:
“دلوقتي افتكرتوا إن ليها حق؟ بعد ما طلقتوها، وكسرتوا قلبها، وبعدتوا بينها وبين عيالها؟”
أحمد نزل على ركبته قدام أبويا وقال:
“أنا غلطت… واتسرعت… وجاي أطلب السماح.”
كنت سامعة كل الكلام من جوه الأوضة…
لكن مقدرتش أخرج.
القلب اللي اتكسر…
مش بيرجع زي الأول.
وساعتها قال أبويا الجملة اللي خلت أحمد يطأطئ راسه:
“الراجل الحقيقي كان المفروض يصدق مراته وعشرة السنين… مش يصدق شهادة زور.”
فضل أحمد واقف، مستني إني أخرج.
لكن…
أنا مخرجتش.
ولو كنتوا مكان ندى فى الحكايه … كنتوا هتسامحوا أحمد وترجعوا له؟ ولا في جروح عمرها ما بتتنساش؟
بقلم ندى الجمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *