فخ زوجی وعمی 1 من حکایات نور محمد

 

​عشر سنين وأنا بلعب دور “الزوجة المضحية” اللي بتسند جوزها في كل أزمة.

​لما اتجوزنا، “طارق” كان موظف بسيط، مرتبه مابيكفيش لآخر الشهر.

وقفت جنبه، بعت دهبي، واشتغلت ورديتين عشان أساعده يفتح مشروعه الخاص.

كل الناس كانت بتقوله: “أنت محظوظ بيها”.

وهو كان دايماً يبوس راسي قدامهم ويقول: “دي وش السعد عليا”.

​لكن بمجرد ما المشروع كبر، وطارق بقى صاحب شركة ومعاه فلوس… كل حاجة اتغيرت.

نظراته ليا بقت كلها انتقاد.

“لبسك بقى قديم”… “طريقتك في الكلام مبقتش تناسب مقامي”… “إنتي كبرتي أوي وعجزتي”.

​كنت ببلع الإهانة وأسكت، وأقول لنفسي الفلوس والمسؤولية غيروه، وبكرة يرجع لعقله.

​لحد ما في يوم اكتشفت السر اللي كسرني.

طارق كان متجوز عليا في السر… والمصيبة مكنتش في الجواز نفسه.

المصيبة إنه كان متجوز “شيرين”… بنت عمي!

شيرين اللي كانت دايماً تيجي تزورني، وتسمع شكوتي منه، وتطبطب عليا وتقولي: “معلش يا حبيبتي، الرجالة كلهم كده، استحملي عشان بيتك”.

​طلعت هي اللي عايشة في العز اللي أنا بنيته بدمي وشقى عمري.

​يوم ما عرفت، حسيت إن روحي بتتسحب مني، بس قررت إني مش هعمل فضيحة.

كنت ناوية ألم هدومي، وأطلب الطلاق، وأمشي بكرامتي.

فتحت خزنته اللي في المكتب عشان آخد الباسبور بتاعي، وبعض الورق الخاص بيا… بس لقيت جوة الخزنة حاجة قلبت الموازين كلها.

​لقيت عقود بيع وتنازل عن أراضي وممتلكات تخص أبويا الله يرحمه.

الممتلكات دي اللي عمي (أبو شيرين) حلف على المصحف إن أبويا باعها قبل ما يموت وإنه مات مديون، وطارق وقتها أكدلي الكلام ده وخلاني أتنازل عن حقي في القضية!

​اكتشفت إن طارق وعمي كانوا متفقين عليا من سنين.

سرقوا ورثي، وطارق أخد نصيبه من الفلوس دي عشان يكبر شركته، والتمن كان إنه يتجوز بنت عمي في السر عشان الفلوس تفضل تحت عينيهم!

​الدنيا اسودت في عيني، بس قررت ألعب معاهم لآخر جولة.

​استنيت يوم الجمعة، يوم التجمع العائلي في بيت العيلة، واللي شيرين وعمي كانوا حاضرين فيه كالعادة، وطارق قاعد في وسطهم بيمثل دور الزوج والراجل المحترم.

​وقفت في وسط الصالة، ورميت كل العقود والورق على الترابيزة قدامهم.

​الكل سكت، وعينيهم اتبرقت.

قلت بصوت بيترعش من القهرة بس مليان قوة:

“طلعتوا عصابة متفقة عليا؟ جوزي… وبنت عمي… وعمي اللي في مقام أبويا؟!”

​طارق وشه جاب ألوان، وبدأ يتهته ومبقاش عارف ينطق.

وشيرين بدأت تعيط وتمثل البراءة كعادتها.

أما عمي، فوقف يزعق ويقول إني مجنونة والورق ده مزور وبتبلى عليهم.

​لكن طارق، في لحظة جبن وانهيار، بص لعمي وقاله بصوت عالي قدام العيلة كلها:

“أنا مليش دعوة! أنت اللي خططت لكل ده، وزورت إمضاء أخوك، وأجبرتني أتجوز بنتك عشان تضمن إني مش هفتح بوقي!”

​الكل شهق من الصدمة.

شيرين بصت لطارق بذهول وصرخت: “أنت بتبيعني أنا وأبويا عشان تنقذ نفسك؟!”

البيت كله اتقلب، وعمي مسك في طارق وكانوا هيضربوا بعض والفضايح بقت على المكشوف.

​لكن قبل ما حد فيهم يمد إيده على التاني…

صوت خبط عنيف جداً على باب الشقة سكتنا كلنا.

​ولما أخويا الصغير فتح الباب…

دخل شخص المستحيل حد فينا كان يتخيل إنه يظهر في اللحظة دي بالذات.

شخص خلى طارق يقع على ركبه من الرعب، وعمي وشه يزرق وكأنه هيموت من الصدمة…

 

​الشخص اللي دخل من الباب كان أشبه بعفريت طلع من القبر.

​”الأستاذ رفعت”… محامي العيلة القديم، وصديق أبويا الصدوق، وأكتر إنسان أبويا كان بيثق فيه.

الراجل اللي عمي أقسم لنا بكل الأيمانات بعد موت أبويا إنه سرق خزنة المكتب وهرب بره مصر، واللي بسببه أنا وأمي عشنا سنين في قهر وندب على حظنا وفلوسنا اللي ضاعت.

​رفعت دخل وهو ساند على عكاز، وشه كان مليان تجاعيد وعلامات حروق قديمة، بس عينيه كانت بتلمع بقسوة ووعيد.

​أول ما عتبة رجله لمست الصالة، عمي رجع خطوتين لورا وكأن صاعقة ضربته، إيده اترعشت ووشه جاب ألوان، وبدأ ينهج كأنه بيموت.

أما طارق… فمن هول الصدمة ركبه سابت ووقع على الأرض، فضل باصص لرفعت وعينيه مفتوحة على آخرها وكأنه شايف ملك الموت.

​الصمت كان مميت، محدش كان قادر يتنفس، لحد ما الأستاذ رفعت كسر السكوت ده بصوت أجش ومخيف وقال:

“إيه يا حاج؟ مالك شفت عفريت ولا إيه؟ فاكرني مت في حادثة الساحل اللي دبرتهالي من سبع سنين عشان تخرسني للأبد؟”

​الكلمة نزلت علينا زي القنبلة.

أنا وأمي بصينا لبعض بذهول. حادثة؟ تدبير؟

​رفعت قرب من الترابيزة اللي عليها الورق، وبص لطارق اللي كان لسة واقع على الأرض، وكمل كلامه باحتقار:

“لعبتوها صح يا طارق بيه… أنت وعمها. قطعتوا فرامل عربيتي عشان تاخدوا السر معاكم للقبر. بس ربنا أراد إني أعيش، حتى لو فضلت في غيبوبة سنين، وحتى لو عشت مشلول فترة طويلة… ربنا أحياني عشان أفضحكم في اليوم ده.”

​عمي حاول يجمع صوته اللي كان بيترعش وقال بتهتهة:

“أنت… أنت كداب! إنت جاي تتبلى علينا بعد ما سرقت فلوس أخويا!”

​ضحك رفعت بسخرية موجعة، ومد إيده في جيب البالطو بتاعه، وطلع ظرف جلد قديم ومتهالك، ورماه في وش عمي:

“دي النسخة الأصلية من وصية أخوك وعقود البيع الحقيقية اللي أنا كنت مخبيها قبل ما أعمل الحادثة بيوم! أخوك مكنش مديون، أخوك كان سايب ثروة تكفي بنته ومراته يعيشوا ملوك… بس أنت اتفقت مع جوز بنته المخلص، زورتم الإمضاءات، ونقلتوا الأملاك، وطارق خد نصيبه عشان يكبر شركته ويتجوز بنتك المصون.”

​هنا شيرين (بنت عمي) انهارت من العياط، وبدأت تمثل دور الضحية كالعادة، مسكت في دراع طارق وقالت بصوت عالي:

“أنا مليش دعوة! أنا مكنتش أعرف حاجة عن الورق ده! طارق هو اللي ضحك عليا وقالي إنه بيحبني وإن دي فلوسه!”

​بس قبل ما طارق يرد عليها، رفعت قاطعها بصوت زلزل البيت كله:

“اخرسي يا شيرين! بطلي تمثيل! أنتي أوسخ من أبوكي ومن جوزك!”

​الكل اتصدم، حتى عمي بص لبنته بذهول. رفعت كمل كلامه وهو بيشاور عليها:

“أنتي ناسية إنك أنتي اللي سرقتي ختم أبوها من خزنته وهو نايم في المستشفى بيموت؟ أنتي اللي سلمتي الختم لطارق عشان يبصم بيه على الورق المزور المضروب! طارق متجوزكيش عشان سواد عيونك، طارق اتجوزك عشان أنتي شريكته في الجريمة، وكان لازم يخليكي تحت عينه عشان تضمنوا إن السر ميتفضحش!”

​الصدمة ألجمتني. شيرين؟ بنت عمي اللي كانت بتبكي معايا على فراق أبويا؟ اللي كانت بتمسح دموعي وتواسيني؟!

​في اللحظة دي، طارق فقد آخر ذرة من عقله، زحف على الأرض لحد ما مسك في رجلي، وبدأ يبكي زي العيال الصغيرة:

“سامحيني! وحياة أغلى حاجة عندك سامحيني! أنا اضحك عليا! عمك هو اللي أغراني بالفلوس… أنا هطلقها دلوقتي حالا… هتنازلك عن الشركة… بس بلاش السجن!”

​بصيت له بقرف، وسحبت رجلي منه بقوة خليته يقع على وشه، وقولتله ببرود ونار قايدة في قلبي:

“السجن ده أقل حاجة هتشوفوها… أنا هخليكم تتمنوا الموت وماتطولوش.”

​رفعت هز راسه بتأكيد وقال:

“مباحث الأموال العامة واقفين تحت العمارة، ومعاهم أمر ضبط وإحضار لطارق بيه وللحاج… أنا قدمت كل الورق للنيابة من يومين، وكنت مستني التجمع ده عشان أضرب ضربتي.”

​بمجرد ما سمع كلمة “مباحث”، عمي مسك قلبه ووقع على الكرسي مش قادر يتنفس، وشيرين بدأت تلطم على وشها وتصرخ بهيستريا.

​لكن الكارثة الحقيقية… القنبلة اللي دمرت آخر حتة سليمة في روحي… حصلت لما البوليس دخل من الباب وبدأ يحط الكلبشات في إيد طارق.

​طارق لما لقى نفسه خلاص ضاع، ضحك ضحكة شيطانية كلها غل وسواد، وبص لي في عيني وقال:

“فاكرة نفسك انتصرتي؟ فاكرة إنك هتاخدي الفلوس والشركة وتعيشي في دور المنتقمة؟”

​بلعت ريقي بصعوبة وأنا شايفة نظرة الشر في عينيه.

​كمل وهو بيبتسم بخبث وبيبص ناحية الباب:

“طب قبل ما تحبسيني… اسألي أخوكي الصغير… حبيب قلبك وسندك اللي واقف وراكي ده… اسأليه يا هانم هو مضالي على إيه من شهرين، وخد مني كام مليون عشان يسدد ديون القمار بتاعته؟”

​الكلام نزل عليا زي مية مغلية.

لفيت وشي ببطء مرعب ناحية أخويا الصغير اللي كان واقف جنب الباب…

​لقيته بيرتعش، وشه أصفر زي الموتى، وعينيه مليانة دموع وهروب… وبمجرد ما عيني جت في عينه… نزل على ركبه في الأرض وبدأ يعيط بصوت مكتوم!! 😨🔥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *