خطه زوجی المحامی الجزء الاخیر من حکایات نور محمد

الجزء الاخیر

خطواته كانت بطيئة، واثقة، وكل خبطة من كعب حذائه على الأسفلت المكسر كانت بتدق في راسي زي أجراس الموت.

عقلي اشتغل بأقصى سرعة… التليفون أنا رميته! جابني هنا إزاي؟!

وفي لحظة، الإجابة ضربتني زي القلم على وشي… عربية الدكتور!

أكيد كان حاطط فيها جهاز تتبع (GPS) من زمان بحكم مراقبته لكل حاجة حواليا، أو قدر يوصلها بأي طريقة. أنا هربت من فخ، عشان أقع في فخ أكبر.

زقيت الست العجوزة لجوه الشقة، وسحبت سلمى ورايا، وقفلت الباب الخشب المتهالك بسرعة.

شديت الترباس الحديد المصدي، وسندت بضهري على الباب وأنا بنهج، وكأن روحي بتتسحب مني.

بره… الخطوات وقفت بالظبط قدام باب العمارة.

وبعدها بدأت تطلع السلم.

درجة… درجة.

الست العجوزة كانت قاعدة على الأرض بتترعش، بتبص لسلمى اللي ماسكة في رجلي وبتعيط بصمت، وبتهمس بذهول:

— “مستحيل… مستحيل… دي نسخة من رحمة وهي صغيرة… نفس العينين… نفس الشعر… إزاي؟ أنا دفنتها بإيدي!”

نزلت على ركبي قدامها، ومسكت كتافها وهزيتها بعنف عشان تفوق من الصدمة، وهمست بصوت مبحوح:

— “اسمعيني! الراجل اللي طالع السلم ده هو اللي لفق ق*ضية المخدرات لرحمة! وهو اللي جابلي البنت دي من خمس سنين. إيه اللي حصل يوم الحادثة؟! انطقي أرجوكي مفيش وقت!”

دموع العجوزة نزلت زي الشلال، وقالت بصوت متقطع بيترعش:

— “يوم الحادثة… جوز رحمة مات في ساعتها… ورحمة دخلت في غيبوبة… المستشفى سلمونا ج*ثة طفلة متفحمة ملامحها ضايعة تماماً… قالولنا دي سلمى والعربية ولعت بيها. ولما رحمة فاقت من الغيبوبة، كانت بتصرخ زي المجنونة وتقول (بنتي مماتتش… أنا شفت الممرضة بتاخدها من حضني قبل ما يغمى عليا!)… كلنا قلنا إن ده **جنون حنين** وصدمة أم فقدت ضناها… الدكاترة كذبوها… والمحامي بتاعها أكد إنها ماتت… المحامي اللي هو…”

— “جوزي.”

قلتها وأنا حاسة إن الكلمة طعمها دم في بوقي.

دلوقتي الصورة كملت.

عادل ما سرقش البنت بس… ده جاب ج*ثة طفلة تانية مجهولة الهوية حطها مكانها، واستغل نفوذه عشان يطلع تصاريح الدفن، وسجن الأم عشان يقفل القض*ية للأبد.

وفجأة…

صوت خبطة هادية على الباب ورايا.

خبطة رقيقة جداً… كأنه بيخبط على باب أوضة نومنا.

وصوته وصلني من ورا الخشب، هادي، لزج، ومليان ثقة مرعبة:

— “افتحي يا حبيبتي… الجو بره برد، والمنطقة دي مش أمان عليكي ولا على بنتنا.”

حطيت إيدي على بوق سلمى عشان ما تطلعش أي صوت.

جسمي كله كان بيتنفض.

كمل كلامه بنبرة بدأت تحدة شوية:

— “إنتي فاكرة إنك هتقدري تهربِ مني؟ فاكرة إنك هتعرفي تروضي وحش إنتي اللي خلقتيه لما صدقتي إني ملاك؟ افتحي الباب بهدوء، بدل ما أكسره على دماغ العجوزة اللي جوه دي، وأخلص منها هي كمان.”

الست العجوزة عينيها برقت فجأة. الخوف اللي كان ماليها اتحول لغضب أسود. غضب أم اكتشفت إن بنتها اتدمرت ظلم، وإن حفيدتها اللي بكت عليها سنين، لسه عايشة وبتاخد نفسها قدامها.

قامت وقفت على حيلها رغم عجزها، وشدتني من إيدي بسرعة وودتني على أوضة داخلية ضلمة ومكركبة.

كان فيها شباك خشب صغير بيطل على منور ضيق جداً (مسقط)، ومنه لحارة خلفية سد.

همستلي بقوة ماعرفش جابتها منين:

— “اطلعي من هنا… الشباك ده بينزل على سقف عشة فراخ في المنور، ومنها نطي على الحارة واجري في الضلمة… اهربي بالبنت! لو دي لحمي ودمي وبنت رحمة، فأمانتها في رقبتك ليوم الدين.”

قلتلها برعب:

— “بس هو هيكسر الباب وهيأذيكي!”

ابتسمت ابتسامة مخيفة، وطلعت من تحت مرتبة السرير القديم ساطور صدئ، وقالت:

— “أنا ميتة من خمس سنين يا بنتي… خليه يدخل يشوف الميت لما يقوم من قبره بيعمل إيه.”

صوت ضربة عنيفة رجت باب الشقة الخارجي… كأنه بيضربه بحديدة.

— “بلاش غباء! افتحي!”

شلت سلمى بسرعة، وطلعت من الشباك.

نزلت على سقف العشة الخشب الليزي، وسمعت صوت باب الشقة بيتكسر ويقع على الأرض جوا.

صوت عادل دخل الشقة زي الإعصار:

— “إنتي فين؟!”

نزلت في المنور الضلمة، ومنه على الحارة الضيقة اللي ريحتها طين ومجاري.

الدنيا كانت كحل، مفيش نور غير كشاف بعيد أوي في أول الشارع.

حضنت سلمى، وبدأت أجري حافية على الأرض الخشنة، رجلي بتتجرح في الإزاز والحجارة بس مش حاسة بأي وجع.

كل اللي هاممني إني أبعد. أبعد عن الصوت اللي كان مصدر أماني، وبقى مصدر رعبي.

سمعت صوت صريخ الست العجوزة جوا الشقة، وبعدها صوت تكسير عنيف… وبعدين سكون تام.

قلبي كان بيتقطع، بس ماوقفتش.

فضلت أجري في الحواري المتشابكة، لحد ما وصلت لشارع أوسع شوية، مفيش فيه غير عربيات مركونة وكلاب نايمة.

كنت بنهج، وسلمى بدأت تعيط بصوت مكتوم من الخوف والبرد.

وقفت ورا عربية نقل كبيرة عشان أخد نفسي، وأفكر هعمل إيه.

أنا لوحدي، في نص الليل، في منطقة ماعرفهاش، ومطلوب مني أحمي طفلة من راجل نفوذه بيطول كل حاجة.

طلعت راسي من ورا العربية عشان أتأكد إن الشارع أمان…

وفي اللحظة دي…

حسيت بإيد ضخمة، خشنة جداً، بتكتم بوقي من ورايا، وبتشدني بقوة مرعبة لورا في الضلمة.

حاولت أصرخ، أقاوم، أضرب برجلي… بس قبضته كانت زي الحديد.

وصوت خشن، غريب، همس في ودني:

— “لو عايزة تعيشي إنتي والبنت… ما تطلعيش صوت.”

الضلمة كانت خانقة، وريحة تبغ رخيص ممزوجة بعرق خشن ملت مناخيري.

فضلت أقاوم وأرفس برجلي، لحد ما الراجل اللي مكتفني سحبني لجوه باب خشب قديم، وقفل وراه بسرعة. زقني بالراحة ناحية الحيطة، وشال إيده من على بوقي وهو بيهمس بصوت أجش بس فيه رجفة غضب:

— “اكتمي صوتك خالص… الكلب ده لو لمح ضلكم في الشارع هيخلص عليكم وعليا.”

في نور الشارع الضعيف اللي بيتسرب من شقوق الباب، قدرت أميز ملامحه. راجل ضخم، ملامحه قاسية، لابس جلابية فلاحي ومتبهدل. بص لسلمى اللي كانت ماسكة في رجلي وبتترعش، وعينيه دمعت فجأة وقال بصوت مخنوق:

— “أنا الجبّالي… ابن عم رحمة. الراجل اللي طالع نازل يدور عليكم بره ده… أنا مانسيتش وشه من خمس سنين. هو اللي وقف في المحكمة وحلف إن بنت رحمة ماتت وإنه خلص تصاريح دفنها.”

قلبي دق بسرعة، الأمل بدأ يرجعلي. قلتله وإيدي بتترعش:

— “العجوزة اللي فوق… جدة سلمى…”

قاطعني بحزن:

— “عمتي بخير… أنا شفت عربيته من أول الشارع وعرفته، طلعت جري على السلم الخلفي، لقيتها واقعة على الأرض وهو بيقلب الشقة زي المجنون. شلتها ونزلتها عند جارتنا تحت، واستنيته لما نزل وراكي، ولمحتك وإنتي بتجري في الحارة.”

وفجأة…

سمعنا صوت خطوات عادل بره في الشارع.

وقفت ورا الباب الخشب، بكتم أنفاسي، وحاطة إيدي على ودان سلمى.

من الشق الصغير في الخشب، شفته.

قناع **الدنجوان** الأنيق، الزوج المثالي الهادي اللي كان بيلبسه قدام الناس، وقع تماماً. وشه كان مكشوف على حقيقته… وحش كاسر عروقه نافرة، عينيه بتطق شرار، وماسك في إيده م*سدس كاتم للصوت. فضل يبص يمين وشمال في الضلمة زي الذئب اللي ضاعت منه فريسته، وبعدين ركب عربيته وضرب فرامل بعنف، ومشي عشان يوسع دايرة التدوير.

أول ما صوت الموتور اختفى، الجبّالي سحبني من إيدي:

— “مفيش وقت… الراجل ده واصل وممكن يقلب المنطقة كلها عليكي. تعالي من الباب الخلفي، عربيتي النقل راكنة في الحارة التانية.”

ركبنا العربية، كابينة قديمة ومتهالكة. الجبّالي ساق بأقصى سرعة في طرق زراعية ضلمة عشان نتفادى الكاميرات واللجان.

— “هنروح فين؟ لو رحت أي قسم هياخدوا البنت مني ويسلموهالي… ده معاه ورق يثبت إنها بنته، وأنا معيش أي إثبات شخصية.”

الجبّالي بصلي في المراية وقال بثقة:

— “مش هنروح قسم عادي… هنروح مكتب النائب العام الصبح بدري. أنا أعرف مستشار هناك راجل حر مابينخافش منه. بس إنتي معاكي دليل؟”

ابتسمت وسط دموعي وأنا بفتكر.

— “معايا تليفونك يا جبّالي؟”

أخدت تليفونه، وفتحت الإيميل بتاعي. كل حاجة كانت هناك. صور الخزنة، التقرير الطبي المزور لرحمة، تقرير إجهاضي وتدمير رحمي أنا شخصياً، إيصالات الرشوة للدكتور بتاعي، وخطاب رحمة اللي بيفضحه. كل ورقة كانت كفيلة تلف حبل المشنقة حوالين رقبته.

**بعد مرور ٣ شهور…**

شمس الصبح كانت دافية، بتضرب في أسوار سجن النسا العالية.

كنت واقفة بره، لابسة أسود، ساندة ضهري على عربية الجبّالي، وماسكة إيد سلمى اللي كانت لابسة فستان أبيض جميل، وماسكة في إيدها التانية بوكيه ورد صغير.

عادل سقط.

الورق اللي قدمته كان بداية الخيط اللي كر وراه شبكة فساد كاملة. دكاترة، ضباط مرتشين، ومزورين. المحاكمة بتاعته كانت حديث البلد. اللحظة اللي وقف فيها في القفص، مكسور ومفضوح، وبصلي بنظرة كلها غل وحسرة، كانت اللحظة اللي اتأكدت فيها إني أخدت بتاري، وتار كل ست دمرها.

صوت البوابة الحديد الكبيرة وهي بتفتح قطع تفكيري.

خرجت منها.

رحمة.

كانت نحيفة جداً، وشها شاحب، وشعرها فيه خصلات بيضا رغم صغر سنها. كانت بتمشي بخطوات مهزوزة، كأنها مش مصدقة إنها بره العتمة دي. الجبّالي جرى عليها وخدها في حضنه وهو بيبكي زي الأطفال.

وبعدين… عينيها جت عليا… وعلى سلمى.

سلمى اللي كانت نسخة مصغرة منها.

رحمة سابت الجبّالي، ومشيت ناحيتنا ببطء… عينيها كانت متعلقة بالبنت كأنها بتشوف روحها اللي اتسرقت منها بتجسد قدامها من تاني. نزلت على ركبها في التراب قدامنا، ومدت إيديها اللي بتترعش لسلمى.

— “سلمى؟… بنتي؟” قالتها بصوت مبحوح طالع من الروح.

سلمى بصتلي بخوف…

قلبي كان بيتعصر. اللحظة دي هي أقسى لحظة في عمري. أنا بتنازل عن البنت اللي سهرت عليها، وربيتها، وحبيتها من كل قلبي. البنت اللي كانت النور الوحيد في حياتي المزيفة.

بس ده الحق.

نزلت لمستوى سلمى، ابتسمت بدموع، ومسحت على شعرها وهمست:

— “روحي يا حبيبتي… دي ماما… الملاك اللي كان بيجيلك في الحلم، طلعت بره الإزاز خلاص.”

سلمى مشيت خطوتين، وارتمت في حضن رحمة.

صرخة رحمة وهي بتحضن بنتها وتشم ريحتها وتعيط، زلزلت الأرض تحت رجلي. حضن عوّض خمس سنين من القهر والظلم والموت البطيء.

رحمة رفعت راسها من حضن بنتها، وبصتلي. عينيها كانت مليانة امتنان ودموع ما بتخلصش. مدت إيدها ومسكت إيدي، وباستها وهي بتقول بصوت بيقطع القلب:

— “أنا دعيت ربنا في كل سجدة في ضلمة الزنزانة إنه يبعتلي معجزة… بس ما تخيلتش إن المعجزة دي هتكون إنتي. إنتي ضحيتي ببيتك وبحياتك وحتى بقلبك عشان ترجعيلي بنتي… إنتي **وش السعد، بنت الأصول** اللي ربنا سخرها عشان ترد فينا الروح.”

سحبت إيدي بالراحة، ومسحت دموعها:

— “إنتي اللي بتعلميني يعني إيه أمومة يا رحمة. حافظي عليها… وعوضيها.”

لفيت ضهري، ومشيت في طريق طويل، فاضي.

خسرت جوزي…

وخسرت بنتي…

وخسرت حلمي في الخلفة للأبد.

لكن لأول مرة من سنين… قدرت أتنفس هوا نضيف.

لأول مرة… حسيت إني حرة.

تمت لو عجبتك القصه ادعمها بلایك وکومنت للاسمرار مع تحیاتی الکاتبه نور محمد متنساش متابعه صفحتی لکل جدید

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *