حكايه اختي الكبيره 1من حكايات نور محمد
أختي اللي دخلت وسط النار عشان تنقذني من الحريق، وعاشت عمرها كله تدفع التمن.. اكتشفت بعد 24 سنة بالصدفة إنها مش أختي.. طلعت أمي. والأبشع من كده.. إنها هي اللي ولعت النار اللي موتت عيلتنا كلها.
اسمي “عمر”.
ومن يوم ما وعيت على الدنيا وأنا بعتبر نفسي محظوظ لسبب واحد بس:
“مريم”.
مريم مش أختي الكبيرة وبس.
مريم هي أمي، وأبويا، وعيلتي كلها.
الفرق بينا 16 سنة.
قصتنا اللي اتربيت عليها كانت بسيطة وموجعة:
أبويا وأمي ماتوا في حريق بيتنا القديم في الصعيد وأنا عمري 3 شهور.
مريم هي اللي دخلت وسط النار وطلعتني.
الحريق ساب حرق طويل على دراعها اليمين.. بس ساب أثر أكبر بكتير في حياتها.
رفضت تتجوز.
سابت مدرستها.
وهربت بيا على إسكندرية عشان نعيش بعيد عن وجع الذكريات.
اشتغلت في مشغل خياطة من النجمة للمغرب.
ريحة القماش، وصوت مكنة الخياطة هما الحاجتين اللي شكلوا طفولتي.
كانت دايماً إيديها مجروحة من الإبر، وعينيها دبلانة من السهر، بس أول ما تشوفني راجع من المدرسة، وشها بينور.
مكنتش بتعرف تطبخ أوي.
الرز كان بيعجن منها أحياناً.
بس كانت بتضحك وتقول:
— “كل يا باشمهندس.. ده رز بالحب، مش بالمية.”
وأكل. وأنا مصدق إن مفيش أكل في الدنيا أطعم من ده.
ولما كان حد من الجيران يسألها: “مش هتتجوزي وتعيشي سنك يا مريم؟”
كانت بتضمني لحضنها وتقول:
— “عمر ده ابني اللي مخلفتهوش.. هو سندي وعوضي.”
وكنت فعلاً سَندها.
ذاكرت، وكبرت، ودخلت هندسة زي ما كانت بتحلم.
مريم عمرها ما خبت عني حاجة.
أو ده اللي كنت فاكره.
لحد ما تميت 24 سنة.
اتخرجت، وقبضت أول مكافأة كبيرة من شغلي في شركة مقاولات.
كنت عايز أعملها مفاجأة مفيش زيها.
حجزتلها رحلة “عمرة”.. الحلم اللي كانت بتدعي بيه في كل سجدة.
عشان أكمل الورق، كنت محتاج الباسبور بتاعها القديم أو شهادة ميلادها.
مريم كانت في الشغل.
دخلت أوضتها، ريحتها كانت مسك وصابون نابلسي.
فتحت الدولاب، ودورت تحت هدموها الشتوية زي ما كانت دايماً بتشيل أوراقنا.
لقيت صندوق خشب صغير مقفول بقفل مصدي.
قلبي مقبوضش وقتها.
ابتسمت وقولت أكيد شايلة فيه دهبها القديم أو ذكريات من ريحة أهلنا.
كسرت القفل بمفك صغير عشان أطلع الورق، وكنت ناوي أصلحه بعدين.
فتحت الصندوق.
مفيش باسبور.
مفيش دهب.
كان فيه صورة قديمة بهتانة.
شهادة ميلاد متطبقة.
ودفتر مذكرات صغير لونه كحلي.
مسكت الصورة الأول.
كانت لمريم وهي صغيرة، تقريباً في سن الـ 17.. بس بطنها كانت عالية جداً.
**مريم كانت حامل.**
نفسي بدأ يضيق.
مسكت شهادة الميلاد.
اسم المولود: “عمر”.
اسم الأم: “مريم عبد الرحمن”.
خانة الأب: فارغة.
إيدي بدأت تترعش لدرجة إن الورقة وقعت مني على السرير.
أنا طول عمري بشيل اسم أبويا.. إزاي شهادة ميلادي الحقيقية كده؟ مين اللي غيرها؟ وليه؟
حسيت إن الأوضة بتلف بيا.
مديت إيدي للدفتر الكحلي.
فتحته على أول صفحة.
التاريخ كان قبل ولادتي بيومين بالظبط.
وبخط مريم اللي حافظه أكتر من خطي، قريت أول سطر..
السطر اللي مسح كل تاريخي، وخلاني أقع على ركبي في الأرض وأنا مش قادر أتنفس:
“أهلي طردوني في نص الليل.. قالولي لو الطفل ده عاش، هيبقوا هما اللي ماتوا من الفضيحة، وإني لازم أرميه أول ما يتولد.. بس أنا هحرقلهم البيت وههرب بيه، حتى لو عشت عمري كله أقوله إني أخته، المهم إنه يفضل في حضني.”
الكلمات كانت بتتحرك قدام عيني زي ما يكون فيها سم.
الدفتر الكحلي الصغير كان تقيل في إيدي كأنه حتة حديد.
نفسي كان بيخرج بصعوبة، كأن الأكسجين خلص من الأوضة.
“أمي؟”
مريم مش أختي؟
أنا ابن حرام؟
والحريقة اللي يتمتني… مريم هي اللي عملتها؟!
مديت إيدي المرتعشة وقلبت الصفحة.
كنت مرعوب من اللي هقراه، بس مقدرتش أوقف.
السطور اللي بعدها كانت مكتوبة بخط مهزوز، كأن الورق كان مبلول بدموعها:
> “قفلت عليهم باب الدار من بره بالجنزير.
> كانوا نايمين.
> أبويا اللي حلف يدبحك أول ما تتولد عشان يغسل عاره.
> وأخويا اللي جاب السكينة وكان بيسنها قدام عيني وهو بيضحك.
> شميت ريحة الجاز وهي بتغرق خشب الباب.
> ولعت عود الكبريت ورميته… وضميتك لصدري وسديت ودانك عشان متسمعش صريخهم.
> النار مسكت في كم الجلابية وحرقت دراعي، بس الوجع كان أهون من إني أشوفهم بياخدوك مني.
> أنا قتلتهم يا عمر.
> بقيت قاتلة عشان أنت تعيش.
> يا رب سامحني… أو دخلني النار، بس احمي ابني.”
>
قفلت الدفتر ورميته على الأرض كأنه جمرة نار.
حطيت إيدي على وشي وبدأت أعيط.
عيطت بصوت مكتوم.
عيطت على السنين اللي عشتها مخدوع.
وعلى مريم… الست اللي كنت بشوفها ملاك، طلعت أمي، وطلعت قاتلة.
كل حاجة في حياتي كانت كدبة.
هدومها اللي ريحتها مسك.
تعبها في المشغل.
حكاياتها عن أبويا وأمي اللي ماتوا قضاء وقدر.
فجأة…
سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة.
صوت الكالون اللي متعود أسمعه كل يوم الساعة 5 المغرب.
مريم رجعت.
مسحت دموعي بسرعة، بس جسمي كله كان بيتنفض.
سمعت صوتها من بره، صوتها الدافي اللي مليان تعب:
— “عمر؟ يا بشمهندس؟ أنا جبتلك سمك مشوي من اللي بتحبه، وريتهالك في السكة والراجل بيشويه!”
مردتش.
خطواتها قربت من الأوضة.
الباب كان مفتوح نص فتحة.
دخلت.
الأكياس في إيدها.
ابتسامتها على وشها.
وبعدين… عينيها نزلت على السرير.
شافت الصندوق الخشب المكسور.
شافت شهادة الميلاد المفروشة.
وشافت الدفتر الكحلي مرمي عند رجلي.
الأكياس وقعت من إيدها.
السمك، العيش، الطماطم… كله اتنطور على الأرض.
الابتسامة اختفت من على وشها كأن حد مسحها بأستيكة.
وشها جاب ألوان، وبقى أبيض زي الكفن.
السكوت كان مرعب.
كنت مستنيها تنكر.
تصرخ.
تألف كدبة جديدة.
لكنها نزلت على ركبها وسط الأكياس اللي وقعت، وحطت إيديها على وشها وانفجرت في عياط هستيري.
عياط طفل مش ست عندها أربعين سنة.
قالت بصوت متقطع، طالع من روحها:
— “سامحني… والله العظيم ما كان قدامي حل تاني… كانوا هيموتوك يا عمر… كانوا هيدبحوك قدام عيني!”
قربت منها، ووقفت فوقها، وصوتي كان غريب حتى على وداني:
— “كنتِ قوليلي! كنتِ قوليلي إنك أمي! ليه تخليني أعيش طول عمري فاكرك أختي؟ ليه تخليني أترحم على ناس كانوا عايزين يقتلوني، وأنتِ اللي حرقتيهم؟”
رفعت راسها، وعينيها حمرا وبتترعش:
— “خفت تكرهني! خفت لما تكبر وتعرف إني جبتك من الحرام تقرف مني! أنا عشت عمري كله خدامة تحت رجليك عشان أكفر عن ذنبي، وعشان أثبتلك إنك مش غلطة… أنت أحلى حاجة حصلتلي في دنيتي السودة دي!”
الكلمة ضربت في قلبي زي الرصاصة.
الحرام.
قلبي دق بسرعة، وسألتها السؤال اللي كان بيحرق زوري من لحظة ما فتحت الدفتر:
— “مين هو؟”
مريم بلعت ريقها، ورجعت لورا وهي قاعدة على الأرض كأنها شافت شيطان:
— “لا يا عمر… أبوس إيدك لا.”
— “بقولك مين هو؟ مين اللي عمل فيكي كده وسابك تواجهي الموت لوحدك؟”
زعقت بأعلى صوت عندي.
مريم فضلت تتهز وتقول:
— “لو عرفت هتموت… لو عرفت هيهد الدنيا فوق دماغنا… ده راجل ملوش قلب… أنا هربت بيك منه ومن أهلي!”
وطيت على الأرض، ومسكت الدفتر الكحلي.
قلبت في الصفحات الأخيرة بسرعة بجنون.
مريم صرخت وحاولت تشده من إيدي:
— “لا يا عمر عشان خاطري!”
لكن عيني كانت أسرع.
وقعت على سطر مكتوب بخط عريض، تحت عنوان “الراجل اللي دمر حياتي”:
> “المهندس/ شاكر رضوان.
> قالي إنه هيتجوزني في السر، ولما عرف إني حامل، رمالي فلوس وقالي نزليه، ولما رفضت، هو اللي راح بلغ أهلي عشان يغسلوا عارهم ويخلص مني ومن الفضيحة.”
>
الاسم خلاني أتسمر مكاني.
الكتاب وقع من إيدي للمرة التانية.
الدنيا كلها اسودت في عيني.
المهندس شاكر رضوان.
صاحب شركة المقاولات اللي أنا بشتغل فيها.
الراجل اللي اتبناني في الشغل من يوم ما اتخرجت.
الراجل اللي عطاني سلفة من شهرين عشان أجهز شقتي، وكان دايماً يطبطب على كتفي ويقولي: “أنت زي ابني اللي مخلفتهوش يا عمر”.
الراجل اللي كنت فاكر إن وقوفه جنبي صدفة وجدعنة!
هو عارف؟ ولا ميعرفش؟
كان بيقربني منه ليه؟!
وفي عز الصدمة، والسكوت اللي مالي الأوضة، ومريم بتعيط على الأرض…
تليفوني اللي في جيبي رن.
الصوت كان عالي جداً.
طلعت الموبايل وإيدي بتترعش كأني ماسك حتة جمر.
بصيت على الشاشة.
الاسم كان منور: **”المهندس شاكر”**.
بصيت لمريم…
مريم شافت الاسم على الشاشة، ملامحها اتشوهت من الرعب، كتمت بوقها بإيديها وقالت بهمس مرعب:
— “إوعى ترد… إوعى تخليه يحس إنك عرفت… ده باعتك ليا!”
صلي على حبيب الله
شوف النهايه في الجزء الاخير
