انا مخطوبه حكايات روماني مكرم
أنا مخطوبة بقالي سنة وفرحى الشهر الجاى
و خطيبي طلب مني أجيب شهادة عذرية قبل عقد القران. حصل مشاكل كتير بسبب الموضوع، لكن في النهاية قررت أعمل اللي هو طلبه علشان أقفل باب الخلاف.
رحت للدكتورة، وعملت الكشف وجبت الشهادة. بعد كده كلمته وقلتله تعالى انهارده علشان تاخد الشهاده
واول ما جه اكلته وشربته وقولتله الشهاده اهى قالى دى صوره قولتله اه الاصل موجود مش عاوز تطمن اهو اطمن
وخليت ابويا واخويا طلعو له الهدايا اللي كان جايبهالي قبل كده واديتهاله، ولسه هطرده لقيت أبويا اتكلم وقال له: “خلاص، طالما وصلت لمرحلة إنك محتاج شهادة علشان تطمن، يبقى تاخد حاجتك ومش اشوف وشك هنا تانى
انا خليتها بس تعمل الشهاده علشان تحطها فى عينك
وانا بنتى خطبتها الاسبوع الجاى على ابن اخويا المهندس عمار حسني وهتعيش احله عيشه
اتفاجئ جدًا واتصدم، ومشى ومن ساعتها وهو بيتصل وبيحاول يكلمني.
لما رديت قال “إنتِى ظلمتيني، وأنا مش مسامح.
الحكاية مكنتش مجرد شهادة، الحكاية كانت كرامة تملي العين، وكسرة نفس حاول يداريها ورا كلمة “حق شرعي”.
بقالنا سنة مخطوبين، سنة كاملة وأنا شايفة فيه الراجل اللي هكمل معاه عمري. جهزنا الشقة، فرشنا الأوض، وفرحنا مبقاش فاضل عليه غير شهر واحد. الشهر اللي المفروض العروسة تطير فيه من الفرحة، أنا قضيته في بكا ونكد مبيخلصش. كل ده ليه؟ عشان الباشا قبل كتب الكتاب بأسبوعين، جالي ووشه متغير، وفضل يلف ويدور لحد ما رما الكلمة اللي نزلت عليا زي مية النار: *”أنا عاوزك تجيبيلى شهادة عذرية يا ندى، عشان أدخل وأنا مطمن.”*
الدنيا لفت بيا، حَسيت إن الحيطان بتهد فوق دماغي. مشاكل وخناقات ودموع، وأبويا الزناتي راجل على قد حاله بس يوزن بلد بأخلاقه، كان هيموته في إيده لما عرف. بس أنا، بغبائي وقلة حيلتي، وعشان كنت عاوزة المركب تسير وأقفل باب الخلاف اللي هيروح فيه اسمي وسمعتي في الحتة، قولت لأبويا: *”يا بابا أنا هعملها، هعملها عشان أكسر عينه وميبقاش ليه حجة.”*
حكايات رومانى مكرم
روحت للدكتورة، الكشف كان كأنه سكين بتدبح في كرامتي، بس أخدت الورقة. الورقة اللي بتثبت شرفي لواحد المفروض إنه شريك عمري. كلمته في التليفون وصوتي مكنش فيه أي رعشة: *”تعالى النهاردة يا مصطفى، الشاي بتاعك جاهز، والشهادة اللي هتروق بالك مستنياك.”*
جه مصطفى، وشه كان مخطوف وعينيه بتدور في الصالة يمين وشمال. قعد، قدمتله الأكل والشرب، ضيفته كأنه أغرب الغُربا. أول ما خلص، طلعت الورقة من جيبى ورميتهالو على الترابيزة:
* *ندي:* “الشهادة أهي يا مصطفى.”
* *مصطفى (بيمسك الورقة وبيتفحصها):* “بس دي صورة يا ندى.. فين الأصل؟”
* *ندى (بضحكة برود تحرق):* “الأصل متشال في حتة تانية.. مش أنت كنت عاوز تطمن؟ أهو اتطمنت وشوفت المكتوب.. مبروك عليك الأمان.”
قبل ما ينطق بكلمة، خبطت على الباب. دخل أبويا والحاج أحمد أخويا الكبير، وشايلين في إيديهم تلات كرتونات كبار. كرتونات الذهب، والهدايا، واللبس، وكل قشاية دخل بيها بيتنا في سنة الخطوبة.
وقفت وربعت إيدي وقولتله: *”والحاجة دي كمان تلزمك، يلا برة!”*
### الصدمة المدوية
مصطفى وقف مذهول، الكرتونات اتنطرت قدامه على الأرض، وبص لأبويا وهو مش فاهم حاجة. هنا بقى، “الحاج زناتي” اتكلم، وصوته هز حيطان البيت:
> “خلاص يا ابن الناس.. طالما وصلت لمرحلة إنك محتاج حتة ورقة عشان تطمن لبت الحسب والنسب، يبقى تاخد حاجتك وملمحش وشك هنا تاني! أنا خليتها تعمل الشهادة دي مخصوص وتاخد الكشف ده، مش عشان نثبتلك حاجة، لأ.. عشان نحطها في عينك وعين أي حد يفكر يرمي بنتي بكلمة. بنتي غالية، وميلزمهاش راجل عينه تزوغ من الشك.”
>
مصطفى لسلانه اتمسح، وبدأ يأتأ: *”يا حاج.. أنا بس كنت..”*
قاطعه أبويا بضحكة سخرية هزت الصالة: *”كنت إيه؟ خلاص، قفلنا الدفتر ده. وبنتي خطوبتها الأسبوع الجاي على ابن أخويا، المهندس عمار حسني، راجل ابن راجل وهتعيش معاه أحلى عيشة، يرجعها ست الستات في بيتها مش متهمة في شرفها.. يلا، الباب يفوت جمل!”*
### المكالمة المسمومة
خرج مصطفى وهو مش شايل الأرض، الصدمة كانت لجمت عقله. نزل بالكرتونات كأنه واحد سارق مش واحد جاي ياخد حقه.
من أول ما نزل من باب العمارة والتليفون مفرش رن. مية مكالمة، رسايل ورا رسايل. وأنا قاعدة في أوضتي، باصة للسقف، دموعي مش قادرة تنزل من كتر الوجع، بس قلبي كان حاسس بنصرة غريبة.
أخيراً، بعد إلحاح، رديت.
* *مصطفى (صوته مخنوق وبيعلو بالتدريج):* “أنتِ بتعملي فيا أنا كده يا ندى؟ بعد كل ده تبيعيني في لحظة؟ وتتخطبي لغيري؟ أنتِ ظلمتيني.. ظلمتيني وأنا مش مسامحك ليوم الدين!”
#الكاتب_رومانى_مكرم
قفل السكة في وشي، وسابني وسط دوامة مابتنتهيش.. أنا مش مظلومة، بس الكلام اللي أبويا قاله عن “عمار” ابن عمي مكنش مجرد كلام لكسر العين.. عمار كان واقف تحت البيت وسامع كل حاجة، والترتيبات فعلًا بدأت!
لم تكد سماعة الهاتف تستقر في مكاني بعد كلمات مصطفى المسمومة، حتى شعرت بجدران الغرفة تضيق عليّ. كلمات “أنتِ ظلمتيني” كانت تتردد في أذني كصدى باهت ومضحك في آن واحد؛ كيف لمَن طعن كرامتي في مقتل وصمّ أذنيه عن بكائي طوال أسبوعين أن يتحدث اليوم عن الظلم؟
خرجت إلى الصالة بخطوات مثقلة، فوجدت أبي “الحاج زناتي” يجلس على مقعده الخشبي المعتاد، ممسكاً بمسبحته، ووجهه يحمل علامات نصرة ممزوجة بجدية صارمة لم أعهدها من قبل. بجواره كان أخي أحمد يتحدث في الهاتف بصوت منخفض، وبمجرد أن رآني أغلق الخط.
* **ندى (بصوت متحشرج):** “يا بابا.. الكلام اللي حضرتك قلته لمصطفى عن عمار.. أنت كنت بتقوله بس عشان تكسر عينه وتمشيه والدموع في عينيه، صح؟”
* **الحاج زناتي (يرفع رأسه وينظر إليّ بعينين حانيتين لكن حاسمتين):** “لا يا بنتي. أنا زناتي، وكلمتي متطلعش من بوقي اتنين. الراجل اللي يشك في عرضك قبل ما يدخل بيتك، ملوش أمان، واليوم اللي وافقتك فيه تروحي للدكتورة كان عشان أقطع لسانه ولسان أهله لأخر العمر. أما عمار.. فعمار شاريكي بقاله سنين، ولما عرف باللي حصل، قال أنا أولى بابنة عمي أصون عرضها وأشيلها فوق راسي.”
سقطت الكلمات عليّ كالصاعقة. التفتُّ لأخي أحمد وكأنني أستنجد به لينفي الأمر، لكنه هز رأسه مؤكداً:
* **أحمد:** “عمار كان واقف تحت البيت يا ندى. هو اللي ساعدنا ننزل الكراتين لمصطفى في عربيتها ورماله حاجته. عمار مش غريب، وده ابن عمك المهندس اللي ألف مين تتمناه، وشال سرك وسرنا ومستني الكلمة منك.”
في تلك الليلة، لم تذق عيني النوم. الهاتف لم يتوقف عن الاهتزاز؛ رسائل مصطفى تحولت من العتاب المظلوم إلى التهديد تارة، ثم الاستعطاف تارة أخرى.
> “أنا عملت كده من حبي ليكي يا ندى.. الشيطان دخل بينا.. متضيعيش سنة من عمرنا عشان ساعة غضب.. مين عمار ده اللي يتجوزك بعد أسبوع؟!”
>
أغلقت الهاتف تماماً وشعرت بغثيان يجتاح صدري. هل أنا مجرد جائزة يتم تداولها بين عناد مصطفى وإنقاذ الموقف من أبي؟ أم أنني بالفعل نجوت من سفاح كان سيذبح كرامتي كل ليلة؟
### المواجهة الأولى مع عمار
مرت ثلاثة أيام كأنها دهر. وجاء المساء الموعود، طرقات على الباب أعلنت وصول عمي وابنه عمار. دخل عمار ببدلته الأنيقة، ملامحه الصعيدية الجادة تخفي وراءها طيبة وهيبة ملحوظة. جلس في الصالة، وحين ناداني أبي لأقدم القهوة، كانت يداي ترتجفان.
نظر إليّ عمار، وطلب من أبي وأخي أن يتركونا لدقائق. ساد الصمت لبرهة، قبل أن يقطعه بصوته الرخيم الهادئ:
* **عمار:** “عارف إنك حاسة بوجع يا ندى، وعارف إن الموضوع جه بسرعة وشدة.. بس أنا عايزك تعرفي حاجة واحدة.. أنا مطلبتش إيدك من عمي عشان أستر عليكي، لأنك شريفة وغالية ومفيش عيب فيكي عشان نستره. أنا طلبت إيدك لأني كنت مستني اللحظة اللي الراجل اللي ميعرفش قيمتك يسيبك فيها.”
* **ندى (والدموع تترقرق في عينيها):** “بس أنا مش قادرة أفكر يا عمار.. الفرح كان فاضل عليه شهر.. شقتي وفرشي وكل حاجة كانت معاه.. حاسة إني مكسورة.”
* **عمار (يقف ويقترب بخطوات واثقة):** “الشقة اللي جهزتيها تتقفل والفرع اللي اتعمل يتمسح. أنا شقتي جاهزة في أرقى مكان، والشبكة اللي عوزاها تجيلك بكرة. أنا مش هداوي كسر، أنا هبني معاكي بيت جديد.. بس أنا مش هجبرك، فكري وقولي الكلمة اللي تريحك.”
### المفاجأة المدوية عند بيت مصطفى
في اليوم التالي، وبينما كانت العائلة تستعد لإعلان الخطوبة رسمياً في الحتة، حدث ما لم يكن في الحسبان.
اتصلت جارتنا “أم محمد” بوالدتي وهي تصرخ: *”الحقوا يا أم أحمد! مصطفى وأمه وخالاته واقفين في أول الشارع وجايبين معاهم ناس وكبارات من الحتة، ومعاهم ميكروفون، وبيقولوا مش هيمشوا من هنا إلا لما ندى ترجع والأصل بتاع الشهادة يطلع للناس كلها عشان يبرأ نفسه!”*
وقفت في وسط الصالة، تملكتني رعدة غريبة، لكن هذه المرة لم تكن رعدة خوف، بل كانت بداية ثورة جديدة لكرامتي التي دُفنت لعام كامل. نظرت لأبي الذي سحب عصاه الغليظة من وراء الباب، وعمار الذي تغيرت ملامحه تماماً وتحولت عيناه إلى جمر من نار.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
لم تكن كلمات “أم محمد” عبر الهاتف مجرد تنبيه، بل كانت بمثابة إعلان حرب على كرامتنا في وسط المنطقة. تجمهر الناس في الحتة، وصوت والدة مصطفى كان يلعلع في الشارع وهي تصيح: *”يا ناس يا هوه.. إحنا ملحقناش نفرح، والناس هنا بتلعب ببناتها وتتبلى على ابني بعد ما جهز وشال!”* أما مصطفى، فكان واقفاً بوجه شاحب وعينين زائغتين، يمسك بيده صورة الشهادة الطبية ويحاول تبرير موقفه لكبار المنطقة الذين جمعهم معه ليكونوا واسطة خير وقوة ضغط في آن واحد.
داخل شقتنا، تحول الهدوء إلى عاصفة صامتة. سحب أبي “الحاج زناتي” جلبابه وعصاه، والتفت إلى أخي أحمد وعمار وقال بصوت حازم:
* **الحاج زناتي:** “النسوان تلم بعضها جوة. والرجالة تنزل معايا. مفيش كلب يعلي صوته على بيت الزناتي والناس تتفرج.”
كنت واقفة وراء ضلفة النافذة، أرتجف ليس خوفاً من مصطفى، بل من الفضيحة التي طالما هربت منها فلحقتني إلى عقر داري. نظرت إلى عمار، رأيت في عينيه تحولاً مخيفاً؛ برود المهندس الأنيق اختفى تماماً، وحل محله غضب صعيدي مكتوم. وضع هاتفه في جيبه وتحرك خلف أبي دون أن ينطق بكلمة واحدة.
### المواجهة في عرض الشارع
نزلت رجالة بيتنا، وانشق صف الناس في الشارع ليمر الحاج زناتي بهيبته المعروفة. وقف مصطفى ومعه خاله وأحد كبار المنطقة المدعو “الحاج عاشور”.
* **الحاج عاشور (مهدئاً الأجواء):** “جرى إيه يا حاج زناتي؟ إحنا كبار والبيوت أسرار، وميصحش كراتين حاجت الولد تنزل في الشارع والناس تتفرج، والكلب يحوم حوالين الفرش والفرح فاضل عليه شهر! الولد غلطان في أسلوبه، بس جاي يعتذر وشاري.”
* **الحاج زناتي (يضرب بعصاه الأرض بقوة):** “البيوت أسرار لما يكون اللي داخلها راجل يصونها يا حاج عاشور! اللي يطلب شهادة تبرئ عرض بنتي قبل ما يكتب الكتاب بأسبوعين، يبقى رماني في شرفي ونقّص من تربيتي ليها. وبنتي غالية، والورقة اللي في إيده دي أنا اللي خليتها تعملها عشان أحطها في عينه وعين أهله، مش عشان نثبتله حاجة!”
هنا تدخلت والدة مصطفى بصوت جهوري:
* **والدة مصطفى:** “ومن امتى البنات بتتشرط وتطرد عرسانها يا حاج؟ وابن عمها عمار ده طلع منين فجأة عشان يتخطب لها الأسبوع الجاي؟ الناس هتقول إيه علينا وعلى بنتك؟”
قبل أن ينطق أبي أو أخي بكلمة، تقدم عمار بخطوات واسعة حتى وقف وجهاً لوجه أمام مصطفى. غيّر عمار مسار المواجهة تماماً برزانة قاتلة:
* **عمار (بصوت جهوري هادئ هز الشارع):** “ابن عمها طلع لما لقى ابن الأصول ساب الأصول ورا ظهره ومسك في الشك. الناس مش هتقول على بنت الزناتي غير إنها ست الستات، والنهاردة أنا بقدم شبكتها ومهرها قدام الحتة كلها، واللي عنده كلمة يلمها في بوقه. أما أنت يا مصطفى.. الورقة اللي في إيدك دي لو لمحتها مع حد تاني، أو سمعت حسك في الحتة دي، حسابك معايا أنا مش مع عمي.”
### نقطة التحول والشرخ القديم
انكمش مصطفى أمام نظرات عمار الواثقة، وبدأ يتراجع خطوة للخلف وسط همسات الجيران الذين بدأت تتضح لهم الحقيقة؛ فالأمر لم يكن عناداً من ندى، بل كان طعناً في الشرف لم يقبله أهلها. سحب خاله الورقة من يده وضغط على كتفه قائلاً: *”امشي يا ابن أختي.. مالناش عيش هنا، اللي يشك في مراته قبل ما يدخل عليها ملوش مكان وسط الرجالة.”*
انسحب مصطفى وأهله يجرون أذيال الخيبة والفضائح التي أرادوا إشعالها لنا فارتدت عليهم.
### القرار الصعب
في المساء، عاد الهدوء إلى البيت، لكن قلبي كان مثل أرض المعركة بعد انتهاء الحرب. دخلت أمي وأخي وأبي، وجلس عمار في الصالة هادئاً كأن شيئاً لم يكن.
دخلت ووقفت أمامهم، نظرت إلى عمار طويلاً، ثم وجهت كلامي لأبي:
* **ندى (بصوت متهدج ولكن ثابت):** “يا بابا.. أنا بشكر عمار إنه وقف وقفة رجالة ورد غيبتي قدام الحتة كلها. وعارفة إن عمار راجل وألف مين بتمناه.. بس أنا مش هقدر أكون معاه والناس تقول إني اتخطبتله عشان أداري على خيبتي مع مصطفى، أو إني وافقت عليه لمجرد العناد.”
التفتُّ إلى عمار وتابعت والدموع تنهمر من عيني:
* **ندى:** “أنا مش عاوزة أظلمك معايا يا عمار.. أنت تستاهل واحدة قلبها مفيش فيه جرح لسه بينزف، وأنا لسه مكملتش كام يوم من صدمة عمري.”
وقع الصمت على الصالة، ونظر أبي لعمار ليرى ردة فعله. ابتسم عمار ابتسامة غامضة، وقف وعدّل من هندام بدتله، ثم نظر إليّ بتمعن شديد وقال كلمة واحدة زلزلت كياني وأعادت ترتيب كل الحسابات في عقلي..
حكايات رومانى مكرم
وقع الصمت على الصالة، ونظر أبي لعمار ليرى ردة فعله بعد كلماتي التي ظننت أنها ستنهي الأمر وتغلق الباب. ابتسم عمار ابتسامة غامضة تحمل وثوقاً غريباً، وقف وعدّل من هندام بدلته، ثم نظر إليّ بتمعن شديد وقال بصوت رخيم وثابت:
* **عمار:** “أنا مش استبن يا ندى، ولا أنا الراجل اللي يتدخل في النص عشان يداري على خيبة حد أو عشان يعاند عيل ميسواش. أنا عمار حسني.. ولما دخلت البيت ده ودخلت الشارع ده النهاردة، دخلته وأنا عارف أنا بعمل إيه كويس.”
التفت إلى أبي وأخي أحمد وتابع كلامه:
* **عمار:** “يا عمي زناتي، أنا هسيب ندى على راحتها تماماً. الخطوبة اللي أعلنتها قدام الحتة هتم وتثبت قدام الناس كلها عشان نقفل بوق أي حد يفكر يرمي كلمة، والشبكة هتوصل لغاية هنا بكرة. لكن بيني وبين ندى.. مفيش فرح ولا كتب كتاب هيتعمل إلا لما هي تيجي بنفسها وتقولي يا عمار أنا نسيت اللي فات، وعاوزة أكمل عمري معاك بكامل إرادتي. أنا مش مستعجل، ومعاكي بدل الشهر.. سنة.”
نظر إليّ نظرة أخيرة كانت كفيلة بأن تجعل قلبي ينبض بطريقة لم أعهدها من قبل، ثم استأذن وخرج ومعه عمي، تاركاً خلفه هدوءاً غريباً يلف أركان المنزل.
### عودة الشبح
مرت الأيام، وأوفى عمار بوعده؛ وصلت الشبكة وكانت تفوق ما قدمه مصطفى بمراحل، وتم إعلان الخطوبة رسمياً وسط مباركات الجيران الذين رأوا في عمار الفارس الذي رد لبيت الزناتي اعتباره. كان عمار يتعامل بذكاء شديد؛ لا يضغط عليّ، لا يتصل بكثرة، وإذا جاء لزيارتنا يجلس مع أبي وأخي، ويوجه لي كلمات عامة مليئة بالاحترام والتقدير، وكأنه يمنحني المساحة الكاملة لأتنفس وأداوي جروحي.
لكن الأمور لم تكن لتسير بهذه السهولة؛ فالمجروح لا يهدأ بسهولة، ومصطفى لم يكن ليتقبل هزيمته النكراء أمام الحتة كلها بتلك البساطة.
في نهاية الأسبوع الثاني، وأثناء خروجي من معهد التمريض الذي أدرس فيه، شعرت بخطوات تتبعني. تسارعت دقات قلبي، وحين التفتُّ خلفي، وجدته هو.. مصطفى. كان شكله متغيراً؛ ذقنه نابتة، وعيناه غائرتان، والكسرة تملأ وجهه.
* **مصطفى (بلهفة وصوت مبحوح):** “ندى! أرجوكي اسمعيني.. دقيقة واحدة بس ومش هتشوفي وشي تاني.”
* **ندى (بتراجع وخوف ممزوج بالغضب):** “أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنت مش قولت إنك مش مسامحني ليوم الدين؟ جاي ورايا ليه تاني بعد الفضيحة اللي عملتوها في الشارع؟”
* **مصطفى (يقترب خطوة وعيناه تملأهما الدموع):** “أنا كنت مغمى على عقلي يا ندى.. أمي وخالاتي هما اللي وزّوني وقالولي لازم تكسر عينها وتضمن حقك عشان متطلعش عليك كلمة في الحتة بعد ما سيبتوا بعض. أنا والله بحبك، والشهر اللي فاضل على الفرح بيموتني كل ثانية. عمار ده مش بيحبك يا ندى.. عمار واخدك عناد فيا وتخليص حق قديم بين عيلتنا وعيلتكم بسبب أراضي زمان!”
### الحقيقة الغائبة
وقعت كلماته الأخيرة كالمياه الباردة فوق رأسي. “تخليص حق قديم؟ أراضي زمان؟”
تذكرت فجأة جفاءً قديماً كان بين أبي وعمي حسني طوال سنوات طفولتي، ولم ينتهِ إلا منذ سنوات قليلة برغبة من عمار نفسه حين تخرج وعاد للمنطقة. هل يعقل أن يكون عمار بكل شهامته ورزانته مجرد لاعب في لعبة انتقام قديمة؟ أم أن مصطفى ينسج الأكاذيب من مخيلته ليزرع الشك في طريقي من جديد؟
* **ندى (بصدمة تحاول إخفاءها):** “امشي يا مصطفى.. امشي من هنا خالص ومشوفش وشك تاني.”
تحركت بسرعة وركبت أول مواصلة قابلتني، وجسدي كله يرتجف. الشك، ذلك المرض اللعين الذي دمّر حياتي مع مصطفى، عاد ليتسلل إلى قلبي مجدداً، لكن هذه المرة تجاه عمار.
### المواجهة الصامتة
عدت إلى البيت، ودخلت غرفتي مباشرة. ظللت أربط الخيوط ببعضها؛ نظرات عمار الواثقة، تدخله السريع، شبكته الغالية، وكلمته بأنه “كان مستني اللحظة دي من زمان”. هل كان ينتظرها حباً، أم ينتظرها ليكسر كبرياء عائلة مصطفى التي كانت تنافس عائلتنا على أملاك قديمة في البلد؟
في المساء، جاء عمار كالعادة ليجلس مع أبي. خرجت لتقديم الشاي، وحين وضعت الكوب أمامه، نظرت في عينيه مباشرة.. لم تكن نظرتي مليئة بالانكسار هذه المرة، بل كانت مليئة بالتساؤل والترقب.
شعر عمار بوجود خطب ما. انتظر حتى دخل أبي غرفته ليحضر بعض الأوراق، ثم التفت إليّ وقال بهدوء:
* **عمار:** “مالك يا ندى؟ عينيكي فيها كلام كتير، ومش من نوع الكلام اللي متعود عليه الكام يوم اللي فاتوا.”
* **ندى (بصوت منخفض وحاد):** “عمار.. هو أنت دخلت البيت ده عشان تشتريني فعلاً.. ولا عشان تخلص حساب قديم مع عيلة مصطفى؟”
تغيرت ملامح عمار تماماً، واختفت الابتسامة الودودة، وحلت مكانها نظرة صارمة لم أرها فيه من قبل، وقف وقال كلمة واحدة جعلتني أشعر أن القادم أسوأ بكثير..
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
تغيرت ملامح عمار تماماً، واختفت الابتسامة الودودة التي كانت تزين وجهه طوال الأيام الماضية، وحلت مكانها نظرة صارمة حادة جعلتني أشعر أن القادم أسوأ بكثير. وقف بجسده القوي، ووضع يديه في جيوبه، ونظر إليّ بنظرة اخترقتني كالسهم.
* **عمار (بصوت منخفض كفحيح الأفعى):** “أنتِ قابلتيه.. صح؟”
تسمرت في مكاني، ولم أستطع النطق بروح واحدة. عرف عمار الإجابة من صمتي وارتجاف يديَّ وهي تمسك بالصينية الفارغة. تنهد ببرود شديد أثار رعباً طفيفاً في صدري، ثم اقترب خطوة واحدة وقال:
* **عمار:** “مصطفى لسه عايش في دور الضحية، ولسه ذكاؤه على قده زي ما هو. الحساب القديم اللي بيتكلم عنه مات وشبع موت من سنين، وعمي زناتي عارف ده كويس. بس المرة دي يا ندى، الشك مش جاي من مصطفى.. الشك جاي منك أنتِ. ومادام كلام عيل زي ده هز ثقتك فيا وفي وقفتي جنبك قدام الحتة كلها، يبقى أنتِ لسه منضفتيش من جرحه.”
وقبل أن أتمكن من الرد أو الدفاع عن نفسي، عاد أبي إلى الصالة وهو يحمل الأوراق. في ثانية واحدة، تبدلت ملامح عمار وعاد إلى قناعه الهادئ والرزين، واعتذر من أبي بداعي أن لديه عملاً طارئاً في الموقع في ساعة مبكرة من الصباح، واستأذن وخرج.
### ليلة الشكوك والرسالة المجهولة
انصرف عمار وتركني في دوامة أشد عنفاً من الأولى. طريقته في الرد، وبروده المفاجئ، وتحوله من الحبيب الحاني إلى الرجل الصارم، أثارا في نفسي ألف سؤال. هل كان غضبه لأنه كُشف؟ أم لأنه شعر بالإهانة لأنني صدقت مصطفى؟
دخلت غرفتي وأغلقت الباب. أمسكت بهاتفي، وكنت على وشك كتابة رسالة اعتذار لعمار، لكن رنين الهاتف قاطعني. كانت رسالة من رقم غير مسجل، وبمجرد أن فتحتها، سقط الهاتف من يدي على السرير.
كانت الرسالة تحتوي على صورة لعقد بيع قديم لأرض في بلدنا بالصعيد، ومكتوب تحتها بخط اليد:
> “عمار مكنش مستني مصطفى يسيبك عشان بيحبك.. عمار كان شاري الأرض دي من ورا أبوكي، والشرط الجزائي في العقد كان بيوجب على عيلتنا تتنازل عن نصيبها لو حصلت مصاهرة بين بيت الزناتي وأي حد برة العيلة قبل السنة دي ما تخلص. مصطفى غبي وميعرفش، بس عمار لبّسكم العمة كلكم عشان الأرض ترجعله ببلاش!”
>
### تداعي الحصون
لم أعد أرى أمامي. انقبض قلبي لدرجة شعرت معها بالاختناق. هل يعقل أن يكون أبي “الحاج زناتي” برجل جلبابه وهيبته، وأخي أحمد بذكائه، قد وقعا ضحية للعبة قذرة من ابن عمي المهندس؟ هل كرامتي وشرفي والشهادة الطبية التي دُبحت عليها كانت مجرد ورقة رابحة في صفقة أراضي؟
لم أنتظر الصباح. خرجت إلى الصالة ودموعي تنهمر بغزارة، ووجدت أبي يصلي ركعتي قيام الليل. انتظرت حتى سلم، ووقفت أمامه وجسدي كله ينتفض.
* **ندى (بصراخ مكتوم):** “يا بابا.. إحنا اتلعب بينا.. عمار ضحك علينا كلنا! شوف الورقة دي وشوف عمار رجع العيلة ليه وبيدافع عني قدام الناس ليه!”
أخذ أبي الهاتف بيده المرتعشة، ونظر إلى صورة العقد. تفحصها طويلاً، ثم أغلقت عيناه بأسى شديد، ولم يبدُ عليه الذهول كما توقعت! نظر إليّ وقال بصوت مكسور:
* **الحاج زناتي:** “أنا عارف الموضوع ده يا بنتي.. وعارف العقد ده كويس.”
سقطت على ركبتي من الصدمة. أبي يعلم؟
* **الحاج زناتي:** “عمار جالي قبل ما ينزل الشارع ويمسح بمصطفى الأرض، وقطع أصل العقد ده قدام عيني، وقال لي: ‘أرض الدنيا كلها متساويش ضفر ندى، وأنا هجيب حقها عشان هي بنت عمي وعرضي، مش عشان ورق.’ عمار اشترى كرامتنا يا ندى.. ومصطفى هو اللي بايع العقد ده لعمار من شهر عشان يجهز شقته معاكي!”
### اللعبة الكبرى
تكشفت الحقائق أمامي كقطع الدومينو المتساقطة. مصطفى هو من باع الأرض لعمار سراً ليحصل على المال، وحين شعر بالندم والغيرة بعد ضياع كل شيء، حاول استخدام نفس الورقة ليدمر علاقتي بعمار.
لكن الفرحة لم تدم؛ فبينما كنت أحاول استيعاب شهامة عمار ونذالة مصطفى، اهتز هاتفي مرة أخرى باتصال من أخي أحمد، وكان صوته يرتجف ويلهث وكأنه يركض:
* **أحمد:** “الحقنا يا بابا! عمار عرف إن مصطفى هو اللي بعت لندى الرسايل، وراح له لغاية بيته في الحتة ومعاه رجالة.. الدنيا مقلوبة تحت بيت مصطفى والدم هيركب!”
### الجزء السادس: ساحة الحساب
لم ينتظر أبي سماع الكلمة التالية من أحمد؛ انتفض من مكانه كشاب في العشرينات، وسحب عصاه وعباءته وهو يردد بحسرة: *”يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. ستر العرض يا رب، عمار لو دمه فار مش هيرحم حد!”*
نزلت خلفه أركض والدموع تعمي عيني، متجاهلة صراخ أمي خلفنا وتوسلاتها ألا نخرج في هذا الوقت المتأخر من الليل. كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة صباحاً، والشارع الذي يقع فيه بيت مصطفى في أول الحتة كان يغلي، وكأن المنطقة بأكملها استيقظت على زلزال.
حين وصلنا، كان المشهد يحبس الأنفاس. رجالة عمار يطوقون مدخل العمارة، وأحمد أخي يحاول الإمساك بذراع عمار الذي كان يقف كالأسد الهصور، ملامحه الصعيدية تفيض غضباً، وعيناه تشتعلان شرراً. في المقابل، كان مصطفى واقفاً وراء خاله وبعض جيرانه، ووجهه يقطر خوفاً بعد أن أدرك أن لعبته الأخيرة قد انقلبت وبالاً عليه.
### المواجهة الحاسمة
* **عمار (بصوت رعدي زلزل الشارع):** “أنا قولتلك يا مصطفى.. لو لمحتك في طريقها أو سمعت حسك، حسابك معايا أنا! جاي النهاردة تلعب بالأوراق وتدير ألاعيبك الوسخة وتشككها في أهلها وفيَّا عشان تداري على خيبتك؟”
* **خال مصطفى (بمحاولة لتهدئة الموقف):** “يا بشمهندس عمار، صلي على النبي، الولد غلطان وإحنا حقكم علينا.. بس البيوت ليها حرمة والموضوع مش مستاهل دم!”
* **عمار (يقاطع بحدة):** “الحرمة دي كان يعرفها ابن أختك وهو بيبيع أرضه وعرضه بالرخيص؟ كان يعرفها وهو بيطلب شهادة عذرية من بنت الأصول عشان يكسر نفسها؟”
في تلك اللحظة، شق أبي الصفوف ووقف بعصاه بين الطرفين، ووضع يده على صدر عمار يهدئه:
* **الحاج زناتي:** “اهدأ يا عمار.. اهدأ يا ابني، حقنا رجع والحتة كلها عرفت مين الراجل ومين اللي باع. متضيعش مستقبلك ومستقبل بيتك عشان واحد ميسواش.”
التفت عمار إليّ فجأة وسط الجموع، رآني واقفة أرتجف والدموع تنهمر على وجهي. نظر إليّ نظرة طويلة هدأ فيها ثيرانه الهائجة قليلاً، لكن عزة نفسه كانت قد جُرحت بسبب شكي فيه.
### الحقيقة العارية أمام الجميع
أخذ عمار نفساً عميقاً، ثم أخرج من جيب جاكيته أصل عقد الأرض الذي تحدث عنه أبي، ورماه في وجه مصطفى أمام كبار الحتة والناس المتجمهرة في الشرفات.
* **عمار:** “العقد ده اللي أنت باعت صورته لخطيبتي عشان توقع بيني وبينها وتقولها إني داخل على طمع، الأًصل بتاعه أهو تحت رجليك! الأرض دي أنا اشتريتها بفلوسي عشان عمي محتاج، وكنت ناوي أكتبها باسم ندى مهر ليها.. بس النهاردة، قدام الحتة كلها، أنا بنهي أي كلام. ندى بنت عمي وغسيل عرضي، والكلب اللي يجيب سيرتها بكلمة بعد النهاردة ملوش مكان في المنطقة دي!”
التفت عمار وأشار لرجاله بالانسحاب، وتحرك بخطوات واسعة مغادراً الشارع دون أن ينظر خلفه، تاركاً مصطفى في خزي وفضيحة لم تشهدها الحتة من قبل، بعد أن عرف الجميع أنه باع أرضه سراً وحاول تدمير ابنة الأصول التي عجز عن صونها.
### الندم والشرخ الكبير
عدنا إلى البيت، وكان الصمت الذي يلفنا أشد قسوة من صوت المعركة. دخلت غرفتي، وأنا أشعر بندم يمزق أحشائي. كيف سمحت لمصطفى، ذلك الإنسان الذي دمر كرامتي، أن يزرع الشك في قلبي تجاه الشخص الوحيد الذي اشتراني واشترى كبرياء عائلتي؟
نظرت إلى الشبكة والعلب القطيفة الموضوعة على تسريحة غرفتي، وشعرت أنني خسرت عمار إلى الأبد؛ فرجل كعمار، بعزة نفسه وشموخه، لن يقبل بامرأة صدقت فيه كذبة من عشيها السابق بمجرد رسالة مجهولة.
في الصباح الباكر، حسمت أمري. لم أعد تلك الفتاة المستسلمة قليلة الحيلة التي تبكي خلف الجدران. ارتديت ملابسي، ونزلت متوجهة إلى مكتب عمار في الشركة الهندسية التي يمتلكها، وأنا أعلم أن هذه المواجهة ستحدد مصير عمري كله..
وحين فتحت باب مكتبه ودخلت، وجدته يجلس وراء مكتبه بملامح جامدة كالرخام، ونظر إليّ دون أي تعبير، وقال: *”جيتي ليه يا ندى؟ أظن الحكاية خلصت ومبقاش فيه ورق يشكك فيا.”*
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
### الجزء السابع والأخير: انتصار الكرامة والأصول
وقفتُ أمام مكتبه وجسدي يرتجف، لكن عينيَّ كانتثابتتين هذه المرة. نظراته الجامدة كالرخام كانت كفيلة بأن تقتل أي أمل في داخلي، لكنني تذكرت أنني ابنة “الحاج زناتي”، وأن مَن يقف أمامي ليس مجرد عريس، بل هو الرجل الذي اشترى هيبتنا في وقت باعنا فيه الجميع.
* **ندى (بصوت مخنوق ولكن واثق):** “أنا مجيتش عشان أسأل عن ورق يا عمار.. ولا جيت عشان أدافع عن شكي. أنا جيت عشان أقولك إني غلطت، والغلطان لما يعرف قيمتك لازم يجيلك لغاية عندك ويوطّي رأسه احترماً ليك.”
خطوت خطوتين للأمام، وضعت علبة الشبكة المخملية على مكتبه، وتابعت والدموع تنهمر من عيني:
* **ندى:** “مصطفى دبحني في كرامتي، ولما جيت أنت وداويت الجرح، الشيطان دخل من باب الخوف.. خوفت أكون بطلع من حفرة لأقع في دحديرة. بس النهاردة، بعد ما شوفتك في الشارع وأنت بترمي الأرض والفلوس تحت رجليه عشان خاطري وخاطر أبويا، عرفت إنك الراجل اللي بجد. الشبكة دي أهي يا عمار.. لو مش عاوزني فده حقك، بس أنا مش هخرج من هنا إلا وأنا عارفة إنك مسامحني.”
صمت عمار طويلاً، ونظراته الحادة بدأت تلين تدريجياً. قام من خلف مكتبه، واقترب مني حتى وقف أمامي مباشرة، ثم مد يده وأخذ علبة الشبكة وفتحها، وأخرج منها الخاتم.
* **عمار (بابتسامة هادئة عادت لتزين وجهه):** “أنا قولتلك من أول يوم يا ندى.. أنا مش مستعجل، وعارف إن الجرح اللي في قلبك كان كبير. شَكّك زعلني لأنه جه بعد ما شوفتي وقفتي، بس الصعيدي اللي جوايا عذرك لأنك شوفتي نذالة من واحد كنتِ فاكراه راجل. أنا مش هسيب شبكتي على المكتب.. أنا هلبسهالك تاني، بس المرة دي وكتب كتابنا الأسبوع الجاي.. هتعيشي ست الستات في بيتي، والماضي ده اترمى تحت رجلينا في الشارع ومفتكرش إن فيه كلب هيجرؤ ينطق باسمك تاني.”
مددت يدي له وقلبي يرقص فرحاً، للمرة الأولى منذ سنة كاملة، شعرت أن الدموع التي تنزل من عيني هي دموع الفرحة الحقيقية، وليست دموع الذل والكسرة.
### نهاية المطاف
مر الأسبوع كأنه حلم سريع. وفي المساء الموعود، كانت الحتة كلها تتلألأ بالأنوار، وصوت المزامير يملأ الأجواء. جلس أبي “الحاج زناتي” وبجواره عمار، ويداهما متشابكتان فوق منديل عقد القران. وحين قال المأذون كلمته الشهيرة “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، تعالت الزغاريد في بيتنا وضجت الفرحة التي حُرمت منها لشهور.
أما مصطفى، فقد علمنا لاحقاً أنه اضطر لبيع ما تبقى له بالمنطقة ورحل هو وأهله إلى مكان آخر، بعد أن أصبح منبوذاً وسط جيرانه، يحمل فوق ظهره وصمة عار رجل شك في عرض بنت الأصول وفضح نفسه بنفسه.
وقفتُ بجوار عمار في شرفتنا الجديدة، أنظر إلى النجوم وأنا أتنفس الحرية والكرامة، واضعة يدي في يده الواثقة، وأنا أعلم أن المركب لم تسر بالغباء وقلة الحيلة، بل سارت بالأصول والرجولة التي لا تُباع ولا تُشترى بالمال.
### الحكمة من الحكاية
> **إن البيوت لا تُبني على الشك، والكرامة لا تقبل المساومة.**
> الراجل اللي يحبك بجد، هو اللي يشوفك شريفة وغالية من غير ورق ولا إثباتات، هو اللي يكون سترك وسندك في الدنيا مش سكين بتدبح في كرامتك تحت مسمى “الحق الشرعي”.
> والبيت اللي يدخله الشك يتهد لو كان قصر، والبيت اللي يبنيه الأصول والرجولة يعيش لأخر العمر صامد في وش الريح. البنت الغالية يلزمها راجل غالي يصونها، وميلزمهاش راجل عينه تزوغ من الشك الخسيس.
>
**تمت الحكاية…**حكايات رومانى مكرم