طعنه غدر مني سيد

أنا عمري ما كنت من البنات اللي بتحلم بشبكة تقيلة ولا ألماظ يلفت نظر الناس. كل اللي كنت بحلم بيه إني أحس إن الراجل اللي هيشاركني حياتي شايفني أولوية… وإنه يفرح لفرحتي حتى لو كانت في حاجة صغيرة. يوم ما بابا قالي إنهم اتفقوا على شبكة بسبعين ألف جنيه، ابتسمت وخلاص. لا طلبت يزيدوا، ولا قعدت أقارن نفسي بحد. كنت فرحانة إننا قربنا نبدأ حياتنا. ويوم الشبكة جه… صحيت من بدري، لبست فستان بسيط، وبصيت لنفسي في المراية وأنا بدعي ربنا يكملها على خير. روحنا كلنا عند محل الدهب. المكان كان مليان لمعة… وكل خاتم كنت ببصله كنت أتخيل شكله في إيدي وأنا عروسة. خطيبي كان واقف جنبي، وبابا ومامته قاعدين بيتفرجوا. فضلنا نختار شوية شوية لحد ما وصلنا للمبلغ اللي كانوا متفقين عليه. كنت خلاص هقول تمام… لكن وأنا ببص في الفاترينة، لقيت خاتم شدني بطريقة غريبة. كان بسيط… رقيق… وكأنه معمول مخصوص علشاني. طلبت أشوفه. أول ما لبسته في صباعي، حسيت إنه هو. ابتسمت وبصيت لخطيبي. قلتله بهدوء هو بكام؟ الراجل رد ستاشر ألف. حسبناها بسرعة. طلع هيبقى فيه زيادة ستة آلاف فوق قيمة الشبكة. أنا حتى ما قولتش اشتريه وخلاص. بصيت لخطيبي مستنية أشوف هيقول إيه. لكن وشه اتغير فجأة. ابتسامته اختفت. وبقى باين عليه الضيق بطريقة خلت كل اللي في المحل يحسوا. قال بصوت واطي، لكنه كان حاد أنا معايا عشرة آلاف زيادة بس… اختاري حاجة أخف وخلي الفرق هدية مني. الكلمة وقفت في زوري. مكنتش فاهمة. هو مش الفرق ستة آلاف بس؟ ليه محسسني إني بطلب المستحيل؟ قلتله بهدوء طب خلاص… رجع الخاتم اللي مامتك اشترته النهارده، وأنا مش هلبس دهب زيادة… وكمل شبكتي بالخاتم ده. أول ما خلصت كلامي… لقيته بصلي بنظرة ضايقتني. وقال ببرود شبكتك كاملة أصلاً… انتي اللي بتزودي وخلاص. الجملة نزلت عليا كأن حد سكب عليا مية ساقعة. أنا بزود؟ هو أنا طلبت عربية؟ ولا طلبت شبكة ضعف اللي اتفقنا عليها؟ أنا كنت بطلب خاتم واحد… فرقه ستة آلاف. لكن اللي وجعني أكتر… إنه في نفس اليوم كان اشترى خاتم غالي لمامته من غير ما يتردد. وقتها حسيت إن المقارنة فرضت نفسها. يمكن مكنتش أقصد أقارن. لكن عقلي عملها لوحده. فضلت ساكتة. مش عشان مقتنعة. لكن عشان الناس اللي حوالينا. مكنتش عايزة أعمل مشكلة. وفي الآخر… سيبت الخاتم مكانه. وخرجنا من المحل. ركبت العربية وأنا ساكتة. ولا كلمة. هو كان بيتكلم عادي… كأن مفيش حاجة حصلت. أما أنا… فكنت حاسة إن حاجة

كبيرة اتكسرت جوايا. طول الطريق كنت بسأل نفسي سؤال واحد… لو من دلوقتي بيحسبها عليا بالورقة والقلم… هيبقى عامل إزاي بعد الجواز؟ ولو حاجة صغيرة زي دي خلتني أحس إني تقيلة عليه… بكرة لما أحتاجه بجد… هيعمل إيه؟ وصلت البيت. قلعت الشبكة وحطيتها في العلبة. وبصيتلها كتير. المفروض أكون فرحانة. لكن الغريب… إني كنت حاسة إنها تقيلة على قلبي. ماما لاحظت سكوتي. فضلت تسألني مالك؟ قولتلها مفيش. لكن كان فيه. وفيه كتير. دخلت أوضتي، وقعدت أراجع كل المواقف اللي فاتت. افتكرت كام مرة قال جملة وعديتها. وكام مرة حسسني إن أي حاجة بطلبها تعتبر حمل عليه. يمكن وقتها كنت بقول عادي… لكن النهارده كل الذكريات رجعت مرة واحدة. وفجأة… رن تليفوني. لقيت رسالة من رقم مش متسجل. فتحتها باستغراب… وأول ما قريت أول سطر فيها… إيدي بدأت ترتعش… لأن الرسالة كانت كاتبة لو فاكرة إن مشكلة الخاتم هي أول حاجة تخبيها عنك… يبقى انتي لسه ما تعرفيش خطيبك كويس…
فتحت الرسالة وعيني مش قادرة تستوعب الكلام المكتوب. الكلمات كانت بتتحرك قدامي زي الدوامة، وكل ما أعيد قرايتها أحس إن ضربات قلبي بتزيد لحد ما بقيت سامعة صوتها في وداني. مين ده اللي باعت الرسالة؟ وعرف منين أصلاً بطلب الخاتم والمشكلة اللي حصلت في المحل؟ المحل مكنش فيه غير بابا ومامته وصاحب المحل وإحنا. هل حد فيهم لمح الضيقة اللي كانت على وشه؟ ولا الموضوع أكبر من كده بكتير والكلام مش على موقف النهارده بس؟
فضلت ماسكة التليفون وإيدي بتترعش، وصوابعي متثبتة فوق الشاشة مش عارفة أرد أقول إيه. كتبت إنت مين؟ وعايز إيه؟ وقبل ما أدوس إرسال، مسحت الكلام تاني. قولت لنفسي بلاش أبان ضعيفة أو ملهوفة. سيبت التليفون على السرير وقمت وقفت ومسكت دماغي اللي كانت هتنفجر من كتر التفكير. رحت ناحية الشباك، فتحته وبصيت للشارع وهو هادي، وحسيت إن الهوا الساقع بيخبط في وشي بس مش قادر يطفي النار اللي جوايا.
افتكرت شكل خطيبي وهو واقف في المحل، نظرته الباردة وجملته اللي قطمت فرحتي شبكتك كاملة أصلاً… انتي اللي بتزودي وخلاص. الكلمة دي كانت بتتعاد في عقلي زي الأسطوانة البايظة، وبتزيد عليها دلوقتي جملة الرسالة الغامضة. قعدت على طرف السرير وبصيت لعلبة الدهب اللي محطوطة على التسريحة. العلبة القطيفة الكحلي اللي المفروض تكون رمز لليلة عمري، كانت شيفاها في اللحظة دي كأنها صندوق مقفول على هموم الدنيا.
التليفون نور تاني. اتنفضت من مكاني وجريت عليه. كانت رسالة تانية من نفس الرقم عارف إنك بتسألي نفسك أنا مين، ومش هقولك دلوقتي. بس فكري كويس… تفتكري طارق اللي مبيحسبش القرش مع أصحابه، ومبيترددش يشتري لأمه أغلى حاجة، ليه وقف معاكي على ستة آلاف جنيه؟ وليه حسسك إنك طماعة قدام أهله؟ فتشي وراه يا عروسة، فتشي في الدفاتر القديمة اللي هو فاكر إنه قفلها.
جسمي كله سقع. طارق؟ الشخص اللي اخترته وعاندت الدنيا بسببه، الشخص اللي كنت بشوفه السند والأمان، بيتقال عليه الكلام ده؟ أنا مكنتش عايزة أصدق رسالة مجهولة، بس الموقف اللي حصل الصبح كان مدّي للرسالة دي قوة وصدمة أكبر. طارق فعلاً كريم جداً مع أصحابه، دايماً يحكيلي إنه عزّم فلان وشال شيك علان، ويوم ما أمه طلبت الخاتم اللي عجبها جابهولها في ثانية ومن غير ما يفكر في السعر. طب ليه معايا أنا عمل كده؟ ليه خلى شكل بابا وحش وهو واقف مستني رده؟ ليه حسسني إني بطلب نجمة من السما؟
قعدت على السرير وضميت رجلي لصدري، وبدأت شريط الذكريات يمر قدام عيني من أول يوم خطوبة لحد النهارده. افتكرت مواقف كتير كنت بعديها وبقول معلش، بكره يفهم طبعي، أو يمكن مضغوط في مصاريف الجواز. افتكرت يوم ما كنا بننقي ألوان الدهانات بتاعة الشقة، لما اخترت درجة معينة من البيج وقولتله دي هتبقى مريحة للعين، بصلي نفس النظرة الباردة وقال الدرجة دي غالية

في الكومبيوتر، هاتي الدرجة العادية وخلاص، كله بيتشاف بيج في الآخر. وقتها ضحكت وقولت ماشي مش مشكلة، مكنتش عايزة أقف على حاجات تافهة. بس تفتكري يا نادين كانت تافهة فعلاً؟ ولا إنتي اللي كنتي بتغمضي عينك عشان تكملي؟
البيت كله كان هادي، وماما كانت نامت بعد ما حاولت تطمن عليا وأنا قفلت على نفسي. قمت قعدت على المكتب وفتحت اللاب توب، ومسكت التليفون. كتبت للرقم المجهول لو عندك حاجة قولها علطول، بلاش أسلوب الألغاز ده، أنا مش هسمع لكلام من شخص مستخبي ورا شاشة.
دقيقة… دقيقتين… والتليفون رن. مكنتش رسالة، كان هو نفس الرقم بيتصل. قلبي سقط في رجلي. فضلت باصة للشاشة والخط بيجمع. رديت وصوتي كان بيترعش بس حاولت أخليه قوي ألو؟
جالي صوت من الناحية التانية، صوت ست بس كان واطي ومكتوم، كأنها بتتكلم من مكان مقفول أو مش عايزة حد يسمعها كويس إنك رديتي يا نادين. أنا مش عايزة أأذيكي، بالعكس، أنا بصعب عليا البنت اللي بتدخل على عماها وبتفتكر إنها لقت فارس أحلامها.
سكت ثواني وبعدين قولت بحدة انتي مين؟ وتعرفي طارق منين؟ وإيه اللي يخليني أصدق واحدة ميكانش عندها الشجاعة تقول اسمها؟
الست ضحكت ضحكة خفيفة وفيها مرار مش مهم أنا مين، المهم خطيبك المصون. اسأليه كده عن أميرة. اسأليه الشقة اللي إنتي بتنقي ألوانها دي كانت بتاعة مين قبلك؟ والدهب اللي اتفقتوا عليه بسبعين ألف جنيه، ليه الرقم ده بالذات؟ اسأليه وراقبى وشه وهو بيتكلم، وشوفي هيقدر يبص في عينك ولا لأ. طارق مش بخيل يا نادين، طارق بيستخسر فيكي إنتي بالذات عشان دايماً شايفك الخطة البديلة.
الخط قطع. التليفون رجع لشاشته الرئيسية وأنا فضلت حاطاه على ودني ومش قادرة أتحرك. الكلام كان زي السكاكين. أميرة؟ مين أميرة دي؟ الشقة كانت بتاعة حد قبلي؟ طارق قالي إن الشقة دي ورث عن جده وإنه كان شايلها للزمن ولجوازه. إزاي تكون كانت بتاعة حد تاني؟ والسبعين ألف؟ الرقم ده هو اللي بابا اقترحه وطارق وافق علطول من غير نقاش، وقتها فرحت وقولت إنه شاري ومحترم الكلمة. هل الرقم ده ليه سر تاني؟
حسيت بخنقة مش طبيعية، الأوضة بقت ضيقة عليا. قمت فتحت الدولاب وطلعت الأجندة بتاعتي اللي بكتب فيها كل حاجة. قعدت أقلب في الصور اللي بينا، في الرسايل القديمة على الواتساب. دخلت على صفحته على الفيسبوك وبقيت بفر فيها كأني بدور على إبرة في كوم قش. قعدت أشوف الكومنتات القديمة، اللايكات، أي اسم بنت يتكرر. مكنش فيه حاجة واضحة، كل حاجة كانت تبان طبيعية جداً.
بس كلام الست دي كان فيه تفاصيل تخوف، تفاصيل تخلي الواحد يشك في نفسه وفي كل خطوة خطاها. نمت ليلتها وأنا مش عارفة أغمض عيني، كل ما يجيلي نوم أشوف طارق وهو باصصلي في محل الدهب ونظرته دي تتحول لوش الست الغريبة اللي كلمتني.
تاني يوم الصبح، صحيت وعيني منفوخة من كتر التفكيروقلة النوم. ماما جهزت الفطار ودخلت عليا الأوضة، بصت في وشي وقالت بقلق يا بنتي إنتي مش عاجباني من إمبارح. من ساعة ما رجعنا من عند الجواهرجي وإنتي قافلة على نفسك. طارق كلمك؟ حصل حاجة بينكم وإحنا مش واخدين بالنا؟
حاولت أبتسم وأبين إن الموضوع عادي لا يا ماما مفيش حاجة، تلاقيني بس متوترة من اللفة والتفكير في الترتيبات اللي جاية، متقلقيش.
ماما مكنتش مقتنعة، بس سابتني براحتي وقالت ماشي يا نادين، بس افتكري إن الجواز مبيكملش بالدهب ولا بالمظاهر، بيكمل بالود والرحمة. لو فيه حاجة مضيقاكي من طارق اتكلمي معاه، متشيليش في قلبك.
كلام ماما كان بيجي على الجرح. الود والرحمة… هل طارق عنده ود ورحمة فعلاً؟
الساعة جت اتناشر الضهر، وتليفوني رن. كان طارق. اتنفست جامد وحاولت أظبط صوتي قبل ما أرد ألو، صباح الخير يا طارق.
رد بصوته العادي
لمحة نيوز

جداً، كأن مفيش أي حاجة حصلت إمبارح، كأن مكسرش بخاطري قدام الناس صباح النور يا حبيبتي. صاحية متأخر يعني؟ المهم، أنا كلمت المهندس وهيعدي على الشقة بكره عشان يبدأ في تركيبات السباكة الأخيرة، عايزك تيجي معايا عشان لو ليكي رأي في شكل الحوض أو الخلاطات.
البرود اللي بيتكلم بيه استفزني. مفيش حتى كلمة انتي زعلتِ إمبارح؟ ولا معلش متزعليش مني بخصوص الخاتم. مفيش أي اعتبار لمشاعري.
قولتله بهدوء مميت طارق، إنت مش شايف إننا المفروض نتكلم في اللي حصل إمبارح الأول قبل ما نشوف السباكة والشقة؟
سكت ثانية وبعدين قال بنبرة فيها سنة زهق تاني يا نادين؟ هنرجع نفتح موضوع إمبارح؟ ما إحنا خلاص جبنا الشبكة والموضوع خلص والناس كلها باركتلنا. أنا قولتلك اللي معايا وقتها وخلاص، مش لازم نعمل من الحبة قبة ونعطل الشغل في الشقة عشان خاتم.
دموعي كانت هتنزلو بس حبستها، وقولتله الموضوع مش موضوع خاتم يا طارق، الموضوع طريق كلامك ونظرتك ليا. إنت حسستني إني حمل عليك وإني بطمع في حاجة مش من حقي، في حين إنك في نفس اليوم كنت جايب لمامتك خاتم أغلى ومفكرتش ثانية.
صوته حدّ فجأة وقال نادين! أمي دي خط أحمر، بلاش تحطي نفسك في مقارنة معاها. بعدين أنا قولتلك كان معايا كاش كام في جيبي وقتها. خلاص بقى اقفلي السيرة دي. هتيجي بكره معايا الشقة ولا أروح لوحدي؟
في اللحظة دي، افتكرت كلام الست في التليفون اسأليه الشقة دي كانت بتاعة مين قبلك؟. حسيت إن دي الفرصة إني أرمي الكلمة وأشوف رده فعلة، يمكن تطلع الست دي كدابة وأرتاح، ويمكن تطلع صح وأفوق.
قولتله بصوت ثابت وموجّه هاجي معاك يا طارق… بس قولي، الشقة دي بجد إنت مغيرتش فيها أي تقسمية من يوم ما استلمتها؟ يعني مكنتش متوضبة على ذوق حد تاني قبلي؟
الدنيا سكتت تماماً من الناحية التانية. الخط مكنش قاطع، كنت سامعة صوت نفسه بس كان سريع ومكتوم. السكوت ده طول لدرجة إني حسيت بقلبي بيقع تاني.
بعد ثواني، طارق قال بصوت متغير تماماً، صوت ماليان توتر وحذر إنتي… إنتي بتقولي كده ليه؟ حد قالك حاجة عن الشقة؟
السؤال بتاعه مكنش إجابة، كان تأكيد على إن فيه مصيبة مستخبية ورا الحيطان دي. رجعت خطوة لورا وسندت على الحيطة وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا. طارق مخبي عليا حاجة كبيرة، والرسالة المجهولة طلعت مش مجرد كلام تافه لخربشة البيوت… دي كانت أول خيط في حقيقة كاملة أنا معرفش عنها أي حاجة.
نبرة التوتر اللي في صوته خلت كل شكوكي تتحول لليقين. السكوت اللي ساد بيننا على الخط مكنش سكوت عادي، ده كان سكوت واحد اتفاجئ بضربة مكنش عامل حسابها. طارق اللي دايماً صوته عالي وعنده رد لكل حاجة، واقف دلوقتي مش عارف يقول إيه.
رديت عليه ببرود عكس النار اللي بتاكل فيا بقول كده عادي يا طارق، أصل الشقة تفصيلتها غريبة شوية، كأنها كانت معمولة لذوق حد تاني خالص غير ذوقك اللي أنا عارفاه. إنت ليه اتوترت كده؟
حاول يجمع نفسه بسرعة، وضحك ضحكة صفرا ماليانة تصنع وقال أتوتر؟ وأتوتر ليه يا بنتي؟ أنا بس استغربت سؤالك اللي ملوش معنى ده. الشقة زي ما قولتلك ورث، وأنا اللي مقسمها على ذوقي من كام سنة. عموماً، بلاش كلام ملوش لزمة في التليفون، بكره لما نتطابق في الشقة نبقى نتكلم. هعدي عليكي الساعة أربعة، خليكي جاهزة.
قفل الخط بسرعة كأنه بيهرب من الأسئلة. رميت التليفون على السرير وقعدت وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. طارق كداب، كداب ومخبي حاجة كبيرة. رد فعله وسؤاله حد قالك حاجة عن الشقة؟ أكدلي إن الست الغامضة دي معاها حق في كل كلمة قالتها.
مسكت التليفون تاني ودخلت على الرقم المجهول. كتبت برعشة في إيدي أنا سألته واتوتر، قوليلي مين أميرة دي؟ وإيه حكاية الشقة والسبعين ألف؟ أرجوكي ردي عليا. فضلت باصة للشاشة مستنية علامة القراية، بس الرسالة مأخدتش غير علامة صح واحدة، الرقم اتقفل.
يومي عدا كأنه سنة. مكنتش باكل ولا بتكلم مع حد. ماما كانت بتبصلي بنظرات كلها قلق، بس أنا كنت بتهرب من عيونها عشان عارفة إن لو اتكلمت هنهار، وأنا مش عايزة أبان ضعيفة قدام حد لحد ما أفهم الحقيقة كاملة. نمت الليلة دي بالعافية، وكل ما أغض عيني أشوف نفسي واقفة في شقة غريبة، والحيطان بتضيق عليا، وفيه صوت ست بيضحك في الخلفية.
تاني يوم، الساعة جت أربعة بالدقيقة. لقيت طارق بيكلمني وبيقولي إنه تحت البيت. نزلت وأنا حاطة قناع البرود على وشي، ركبت العربية وقولتله بطرف لساني مساء الخير.
بصلي بطرف عينه وهو بيدور العربية، ملامحه كانت مشدودة ومش طبيعية، بس حاول يتكلم عادي مساء النور يا حبيبتي. مجهزالك مفاجأة في الشقة، المهندس جاب عينات الرخام بتاعة المطبخ عشان تختاريهم بنفسك.
مرديتش، فضلت باصة من الشباك على الطريق والبيوت اللي بتعدي بسرعة. كنت بفكر، يا ترى الشارع ده مشي فيه مع أميرة دي؟ يا ترى كان بيجيبها هنا؟ وصلنا العمارة، ونزلنا. ركبنا الأسانسير في سكوت تام، وكل ما الدور يعلى، ضربات قلبي كانت بتعلى معاها.
فتح باب الشقة، ودخلنا. الشقة كانت في مرحلة المحارة والتشطيبات الأساسية، ريحة الأسمنت والتراب في كل مكان. المهندس مكنش جه لسه. طارق دخل الصالة وقال ادخلي يا نادين، اتفرجي براحتك لحد ما البشمهندس يوصل.
مشيت في الطرقة بخطوات بطيئة. كل ركن بقيت أبص له بنظرة مختلفة. دخلت الأوضة الكبيرة اللي المفروض هتبقى أوضة النوم. بصيت على الحيطة، ولقيت في زاوية دارية ورا الباب كتابة خفيفة بالرصاص ممسوحة، بس لسه باينة. قربت وعيني اتسعت من الصدمة. كانت مكتوب أ ط… بيت العمر.
حسيت بركبي سابت. أ يعني أميرة. ط يعني طارق. الكلام ده مكتوب من فترة، الشقة دي فعلاً كانت بتتوضب لواحدة تانية! الشقة دي مكنتش ورث مهجور زي ما قالي، دي كانت حلم لقصة تانية خالص وهو جاي يكملها بيا!
سمعت صوت خطواته ورايا. مسحت عيني بسرعة والتفتت له قبل ما يلاحظ. كان واقف على الباب وباصصلي بنظرة غريبة، كأنه بيراقب ردود أفعالي. قال بنبرة هادية زيادة عن اللزوم واقفة هنا ليه يا نادين؟ الأوضة دي لسه مفيهاش حاجة تتشاف.
بلعت ريقي وقولتله وأنا بحاول أتحكم في نبرة صوتي طارق… إنت ليه اخترت الشقة دي بالذات؟ وليه قولتلي إنها ورث مع إن شكلها بيقول إنها كانت متباعة أو مأجرة لحد قبل كده؟
وشه اتغير، وملامحه اتشنجت. قرب مني خطوتين وقال بحدة هو إنتي مفيش وراكي غير السيرة دي؟ من إمبارح وإنتي أسئلتك غريبة وتلميحاتك بايخة. فيه إيه يا نادين؟ حد من أصحابك ملا دماغك بكلام فارغ؟ ولا إنتي بتدوري على أي مشكلة عشان تطلعي تطلبي حاجات زيادة زي موضوع الخاتم؟
لما جاب سيرة الخاتم، حسيت إن كرامتي اتهانت تاني. قولتله بصوت عالي لأول مرة متحورش الموضوع يا طارق! وماترميش بلاك عليا! أنا مش غبية. الكتابة اللي ورا الباب دي بتاعة مين؟ أ وط… مين أ دي؟ مين أميرة يا طارق؟!
الاسم نزل عليه زي الصاعقة. خطوتين لورا رجعهم، وعينه برقت بخوف حقيقي مكنش قادر يداريه. حاول يتكلم بس الحروف تاهت من لسانه لثواني، وبعدين زعق عشان يداري على كدبه إنتي اتجننتي؟ أميرة مين وزفت مين؟ وإيه الكتابة دي أصلاً؟ تلاقيها من العمال اللي كانوا هنا! إنتي جاية تفتشي ورايا وتعمليلي فيها قاضي؟
في اللحظة دي، تليفوني رن في جيبي. طلعته بسرعة وأنا عيني في عينه. كان نفس الرقم المجهول! فتحت الخط وفتحت السبيكر علطول من غير ما أفكر، وقولت أهو الرقم اللي كشفك بيرن… اتفضلي قولي اللي عندك قدامه!
جاء صوت الست من السبيكر، بس المرة دي مكنش واطي، كان واضح وحاد وقوي، وصداه ملى

الأوضة الفاضية قوليله يا نادين إن أميرة تبقى خطيبته القديمة اللي سابها قبل ما يتقدم لك بشهرين بس، بعد ما أخد فلوسها وشقاها عشان يشطب الشقة دي باسمه. قوليله إن السبعين ألف جنيه بتوع شبكتك هما نفس المبلغ اللي أميرة دفعتهوله كاش عشان يشتري بيه الأجهزة، وهو لما سابها، أخد الفلوس واشترى بيهم شبكتك إنتي عشان يداري على العملة بتاعته قدام أهله وعشان أمه كانت عايزة كده!
طارق هجم على التليفون عشان يقفله، بس أنا بعدت عنه وزقيت إيده بقوة وعياطي انطلق مكنتش قادرة أوقفه. الست كملت كلامها اسأليه يا نادين، الدهب اللي جابه لأمه إمبارح، مش ده كان الفلوس اللي باقية من حق أميرة؟ هو بيستخسر فيكي عشان إنتي مجرد غطا للسرقة اللي عملها، وعشان الشقة دي لسه مكتوبة بعقد شرا بينه وبين أميرة، وأميرة رافعة عليه قضية دلوقتي وهتاخد الشقة دي منك في الآخر!
الخط قطع. المكان بقا هادي لدرجة تخوف. أنا كنت بنهج وببكي بجنون، ببص لطارق اللي كان وشه أصفر زي الليمونة، وعرقه نازل على جبهته. مكنش قادر ينطق كلمة واحدة ينكر بيها. الحقيقة المرة ظهرت كلها في ثواني.
قرب مني وهو بيترعش وحاول يمسك إيدي نادين… اسمعيني بس… الكلام ده مش كله صح… أميرة دي كانت ماضي والست دي بتتبلى عليا عشان تخرب بيتنا…
نفضت إيده عني بكل قوتي وصرخت فيه ماتلمسنيش! ماتلمسنيش يا كداب! الشقة دي عقد شرا؟ الفلوس اللي بتدفعها دي فلوس واحدة تانية؟ شبكتي أنا بفلوس واحدة شقيت وتعبت فيها عشان تيجي إنتي تذلني على خاتم بستة آلاف جنيه؟! إنت إيه؟ بني آدم إيه؟
سبته وجريت على باب الشقة. كنت بجري في الطرقة وأنا مش شايفة قدامي من كتر الدموع. سمعت صوته وهو بيتحرك ورايا وبيزعق نادين! استني هنا! متمشيش وتفضحينا في العمارة! نادين!
مسمعتش لسلامه، فتحت الباب وخرجت السلالم جري، مكنتش قادرة حتى أستنى الأسانسير. نزلت للشارع وأنا حاسة إن الهوا مبيخشش صدري، والناس بتبص عليا وأنا عياطي مسمع للكل. أخدت أول تاكسي قابلني ورميت نفسي في الكنبة اللي ورا، وقولت للسواق وأنا بشهق أرجوك… اطلع بيا على طول…
طول الطريق كنت حاطة إيدي على وشي وببكي بحرقة مش على الخاتم، ولا على الشبكة، أنا ببكي على نفسي… على الثقة اللي اديتها لواحد ميسواش، على الأيام اللي عديت فيها مواقف كتير كنت فاكراها طباع صعبة وطلعت نذالة وكدب. أنا كنت مجرد عروسة حبر على ورق، بيسد بيا خانة وبيستعملني كستار لجريمته مع واحدة تانية.
وصلت البيت، طلعت السلالم وأنا بهدومي المتبهدلة ووشي الضايع. أول ما فتحت الباب، ماما شافتني بالمنظر ده، اتخضت وقامت من مكانها وجريت عليا يا

لهوي يا نادين! مالك يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟ طارق عمل فيكي إيه؟
ارتميت في حضن ماما وبقيت أصرخ وأبكي بأعلى صوت عندي. ماما كانت بتطبطب عليا وتعيط لعياطي وهي مش فاهمة حاجة. فضلت على الحال ده لحد ما هديت شوية، وقعدت على الكنبة وإيدي بتترعش. حكيت لماما كل حاجة من أول رسالة إمبارح لحد الكتابة اللي ورا الباب وكلام الست في التليفون.
مما حطت إيدها على صدرها من الصدمة يا نهار مش فايت! كل ده يطلع من طارق؟ اللي كان بيبان متربي ومحترم؟ ده طلع نصاب وفاتح بيوت الناس على حسابه! الحمد لله يا بنتي إن الحقيقة ظهرت دلوقتي وإحنا على البر، قبل ما يتقفل عليكي باب معاه وتلاقي نفسك في المحاكم!
في وسط الكلام، تليفون البيت رن، وبعدها علطول تليفوني أنا وماما. طارق كان بيكلم الكل، والرسائل منه مبتقفش نادين ردي عليا، أنا جاي تحت البيت مع أبويا وأمي عشان نفهم، والله الست دي بتكذب والشقة بتاعتي بالكامل.
ماما بصتلي وقالت بجمود أنا هكلم أبوكي يجي فوراً من المحل. الموضوع ده ميهمش فيه كلام نسوان، ده عايز رجالة توقف الكل عند حده. والدهب ده يرجع لأصحابه الليلة قبل بكرة.
دخلت أوضتي وقفلت الباب. بصيت لعلبة الدهب المحطوطة على التسريحة. قمت مسكتها وفتحتها، وبصيت للأساور والخاتم والغل اللي جوايا بيزيد. السبعين ألف دول شقى واحدة تانية… واحدة تانية بتبكي دلوقتي بسببه. شيلت العلبة وحطيتها في شنطة صغيرة عشان تترمي في وشه.
وفجأة، التليفون نور برقم جديد خالص، مش الرقم المجهول بتاع كل مرة. فتحت الرسالة وأنا قلبي مقبوض، وكانت الصدمة الجديدة مستنياني. الرسالة كانت من رقم مكتوب باسم أميرة بنفسها، وباعتة صورة من عقد الشقة الشرا، وتحتها جملة واحدة أنا مش الست اللي كلمتك في التليفون يا نادين، أنا معرفش رقمك أصلاً… بس كويس إن فيه حد تاني قرر ينقذك من طارق قبل ما يضيعك زي ما ضيعني. فكري كويس مين الست التانية اللي تعرف أسرار طارق لدرجة إنها تخرب عليه جوازته التانية؟
وقفت في مكاني مذهولة. لو أميرة مش هي الست اللي كلمتني… يبقى مين الست اللي كانت بتموت من الغيرة وعارفة كل تفصيلة في حياة طارق لدرجة إنها تكلمني وتهد الدنيا فوق دماغه؟
الرسالة دي طيرت برج من دماغي. فضلت واقفة في وسط الأوضة باصة لشاشة التليفون وعقلي عاجز عن التفكير. لو أميرة مش هي اللي كلمتني، والست الغامضة دي حد تاني خالص… يبقى مين دي؟

ومين اللي مصلحتها تهد الجوازة دي بالذات وتكشف طارق بالطريقة المرعبة دي؟ تفاصيل الشقة، الستة آلاف جنيه بتوع الخاتم، السبعين ألف بتوع الشبكة، وحتى الخاتم اللي اشتراه لأمه إمبارح! دي تفاصيل ميعرفهاش غير حد عايش جوه بيت طارق، أو حد لازق فيه أربعة وعشرين ساعة.
قعدت على السرير وإيدي لسه بتترعش. بره كنت سامعة صوت بابا وهو داخل البيت وصوته عالي وضاحك وهو بيكلم ماما، بس فجأة الصوت سكت… أكيد ماما بدأت تحكيله. ثواني وسمعت صوت بابا وهو بيتحول لزعيب وزعيق وهبده على التربيزة النصاب ده يعمل كده في بنتي؟ أنا رايح أطربق الدنيا على دماغه ودماغ أهله!
طلعت بره الأوضة بسرعة وجريت على بابا، مسكت إيده ودموعي نازلة عشان خاطري يا بابا بلاش تروح في حتة، هما زمانهم جايين هنا. طارق قالي إنه جاي مع أبوه وأمه. خلينا نخلص من الموضوع ده هنا ونرمي له حاجته في وشه.
بابا كان وشه أحمر وعروق رقبته بارزة من كتر العصبية، أخدني في حضنه وطبطب عليا وهو بيتنفس بصعوبة متخافيش يا نادين، طول ما أنا عايش على وش الدنيا مفيش كلب يقدر يكسر بخاطرك أو يغشِك. الحاجة اللي جابها هترجع له والخطوبة دي تتفسخ فوراً، والحمد لله إن ربنا كشفه بدري.
ماما كانت واقفة بتعيط في زاوية الصالة، وفي وسط الأجواء المشحونة دي، جرس الباب رن. الرنة كانت ورا بعضها، برعشة واستعجال. بابا زقني بالراحة وقال ادخلي أوضتك يا نادين، متقعديش معاهم.
قولتله بإصرار لا يا بابا، أنا هقعد. أنا اللي لازم أبص في عينه وأشوف كدبه وهو بيموت قدامي.
بابا فتح الباب، ودخل طارق… وراه أبوه الحاج عادل، ومامته الحجة نادية. طارق كان باين عليه التبديد والبهدلة، وشه كان مخطوف وعينه بتلف في الصالة لحد ما جت في عيني، حاول يتقدم خطوة بس نظرة بابا وقفته مكانه.
الحاج عادل دخل وهو بيتنحنح ووشه في الأرض، باين عليه الإحراج الشديد، وقال السلام عليكم يا أبو نادين. إحنا جايين نقعد ونفهم إيه اللي حصل، العيال شدوا مع بعض في الشقة وطارق جالي منهار ومش فاهمين فيه إيه.
بابا رد بجمود وصرامة تهز الحيطة توجب وتفضل يا حاج عادل، اتفضلوا اقعدوا. بس ابنك فاهم كويس إيه اللي حصل، والست اللي كلمت نادين في التليفون وفضحت اللعبة كلها فاهمة برضه.
قعدنا كلنا، الصالة كانت ماليانة توتر يخنق. طارق بدأ يتكلم بسرعة وصوته مرعوش يا عمي، والله العظيم كل الكلام ده كدب وفيه حد قاصد يشوه صورتي قدامكم! أميرة دي ماضي وخلص من زمان، والشقة دي بتاعتي وأنا اللي دافع فيها كل مليم، ومفيش أي قضايا ولا كلام فارغ من ده!
في اللحظة دي، ومامته قاعدة جنبه بتهز في رجلها وبتلعب في غويشتها ببرود، افتكرت رسالة أميرة الحقيقية وصورة عقد الشرا. طلعت التليفون وفتحت الصورة، وحطيتها قدام عين الحاج عادل وبابا.
قولت بصوت عالي وثابت عقد الشرا أهو يا حاج عادل! أميرة بنفسها باعتالي صورة العقد اللي بينها وبين ابنك، الشقة دي بالنص، والسبعين ألف بتوع شبكتي هما فلوس أجهزتها اللي طارق لطشهم منها! ابنك نصاب وجاي يعمل عليا راجل ويبخل عليا بخاتم عشان بيسد خانة!
الحاج عادل مسك التليفون، وبص في الصورة، وشه قلب مية لون. التفت لطارق وضربه بالقلم على وشه قدامنا كلنا! القلم ملى الصالة صدى صوت قوي. الحاج عادل زعق بصوت غضبان يا فاجر! يا كداب! مش قولتلي إنك فضيت المشاكل اللي بينك وبين البنت دي ورجعتلها حقها؟ جاي تتبلى على بنات الناس وتدبسنا في مصيبة؟
طارق حط إيده على وشه وبص للأرض وهو ساكت، مكنش قادر ينطق. بس الصدمة الحقيقية مكنتش هنا… الصدمة كانت في رد فعل مامته، الحجة نادية.
الحجة نادية وقفت فجأة وصوتها علي بالردح جرى إيه يا حاج؟ إنت بتضرب ابنك قدامهم عشان كلام عيال ورسائل مجهولة؟ وبعدين البت أميرة دي هي اللي كانت لزقة، وابني سابها بمزاجه! والشقة دي باسم طارق، وهي ملهاش حاجة! وإنتي يا ست نادين، جاية تعملي لينا حكاية عشان خاتم؟ ما إنتي شبكتك كاملة وزي الفل، إيه الطمع ده؟
بصيت للحجة نادية وأنا مش مصدقة عيني. الست دي مدافعة عن ابنها في السرقة والغش! وفجأة… رن في وداني صوت الست اللي كلمتني في التليفون إمبارح والنهارده. الصوت المكتوم اللي كان طالع من السبيكر… النبرة… الطريقة اللي بتقول بيها طارق مبيحسبش القرش مع أصحابه، ومبيترددش يشتري لأمه أغلى حاجة.
ركزت في صوت الحجة نادية وهي بتزعق وتتخانق مع بابا وماما. عقلي بدأ يربط الخيوط ببعضها. الست اللي كلمتني كانت عارفة إن طارق اشترى لأمه خاتم غالي إمبارح… وعارفة تفاصيل السبعين ألف… وعارفة عقد أميرة. مين اللي يضايقها إن طارق يشتري لأمه خاتم، وفي نفس الوقت يهمها إن الجوازة دي متمش؟
الحجة نادية مكنتش ممكن تعمل كده في ابنها… بس طارق عنده أخت! منى… أخت طارق المتجوزة اللي دايماً كانت بتبصلي بنظرات غيرة غريبة، واللي كانت واقفة معانا إمبارح في محل الدهب بس مشيت بدري قبل ما نخلص! منى اللي دايماً بتشتكي إن طارق مبيساعدهاش في مصاريف بيتها وبيدي كل حاجة لأمه!
الشك لمس قلبي وزلزلني. بصيت لطارق وقولتله ببرود قاتل وسط خناقة

أهله أختك منى فين يا طارق؟
الكل سكت فجأة. طارق بصلي باستغراب منى؟ منى في بيتها، إيه دخل منى دلوقتي؟
قولتله وأنا برفع التليفون دخل منى إنها الست اللي كلمتني وفضحتك. أختك هي اللي مش قادرة تشوفك بتشتري لمامتك خاتم غالي ومبتدهاش، وهي اللي عارفة كل بلاويك مع أميرة وعارفة إنك واخد فلوسها. أختك هي اللي خربت عليك يا طارق!
الحجة نادية وشها اتقلب وبقت تبرق إنتي بتقولي إيه يا مقصوفة الرقبة إنتي؟ بنتي منى تعمل كده؟
في اللحظة دي، التليفون في إيدي نور. المرة دي كانت رسالة جديدة من الرقم المجهول الأولاني، كأنها كانت سامعة الخناقة أو قاعدة معانا، الرسالة كانت مكتوبة بوضوح برافو يا نادين، بدأتي تشغلي عقلك. بس لسه فايتك كتير… اسألي الحجة نادية كده، الغويشتين اللي في إيدها دول، مش دول اللي طارق أخدهم من ورا أبوه عشان يرضيها بيهم بعد ما عرفت إنه كان بيدي فلوس لأميرة في السر؟ البيت ده كله مبني على الكدب يا نادين، وكلهم عارفين وبيداروا على بعض.
مسكت التليفون ووريت الرسالة للحاج عادل. الراجل وبص للرسالة، وبعدين بص لمراته الحجة نادية اللي جسمها كله بدأ يترعش وعينها بتلف في الأوضة بخوف. الحاج عادل قرب منها وصوته بقى واطي ومرعب الكلام ده صح يا نادية؟ الغوايش دي من فلوس البت التانية؟ إنتي كنتي عارفة إن ابنك واكل شقى البنت وساكتة عشان كام جرام دهب؟
الحجة نادية رجعت لورا وبلعت ريقها يا حاج… يا حاج اسمعني بس… طارق ابني…
الحاج عادل مقلهاش تكمل، التفت لبابا وقال بنبرة مكسورة تماماً أنا حقك عليا يا أبو نادين. أنا مكنتش أعرف إن بيتي ماليان وساخة بالمنظر ده. حاجتكم هتوصلكم لحد البيت، والخطوبة دي ملغية، وابني ده ملوش قعاد في بيتي من النهارده.
بابا وقف وفتح الباب على آخره وقال بجمود الحاجة عندك اهي يا حاج عادل، الشنطة دي فيها الشبكة كاملة بالمليم، مش عايزين من ريحتكم حاجة. اتفضلوا من غير مطرود، وبيننا وبين ابنك القضاء لو فكر يقرب من البنت تاني.
طارق حاول يتكلم، حاول ينادي عليا نادين… والله أنا بحبك…
بصيت له بقرف وقولتله إنت متحبش غير نفسك وفلوسك يا طارق. اخرج بره.
خرجوا كلهم، والباب اتقفل وراهم بقوة. الصالة رجعت هادية، بس هدوء بعد العاصفة. رميت نفسي في حضن ماما وبكيت، بس المرة دي مكنش بكا قهر… كان بكا راحة. راحة إن ربنا نجاني من عيلة كاملة عايشة في الغش والكدب، عيلة بتاكل حق الناس وبتداري على بعض عشان شوية دهب ومظاهر كدابة.
عدا أسبوع على اليوم ده. قفلت تليفوني القديم تماماً ورميت الخط، وجبت خط جديد ومكنتش بدخل على السوشيال ميديا. حاولت أرجع

لحياتي الطبيعية، أركز في شغلي وفي نفسي. بابا وماما كانوا محاوطيني بكل الحب والأمان، ومحسسونيش بأي ذنب.
وفي يوم، كنت قاعدة في الأوضة بقرأ كتاب، لقيت ماما بتنادي عليا وصوتها مستغرب نادين… تعالي يا بنتي، فيه واحدة واقفة على الباب وعايزاكي بالاسم.
قمت واستغربت، رحت ناحية الباب. فتحت، ولقيت واحدة واقفة، ملامحها هادية بس باين عليها التعب والكسرة، شابة في أواخر العشرينات. بصتلي وابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت مساء الخير يا نادين. أنا أميرة.
جسمي كله اتخشب. أميرة؟ الخطيبة القديمة لطارق واقفة قدام باب بيتي؟
وسعت لها الباب وأنا مذهولة أميرة؟ اتفضلي… ادخلي.
دخلت أميرة وقعدت في الصالة، ماما جابتلها عصير وبصتلي بقلق وسابتنا لوحدنا. أميرة بصت للمكان وبعدين بصتلي وقالت أنا جيت عشان أشكرك… وعشان أقولك إن قضية الشقة أنا كسبتها إمبارح، والشقة رجعتلي بالكامل.
قولتلها بنبرة هادية مبروك يا أميرة، ده حقك وشقاكي. بس إنتي عرفتي بيتي منين؟
أميرة سكتت ثواني، وطلعت تليفونها، وفتحت صفحة شات. ورتني الشات وقالت أنا عرفت بيتك وعرفت كل حاجة عنك من الشخصية اللي كانت بتبعتلك الرسايل. الشخصية دي كلمتني أنا كمان بعد ما كسبت القضية، وقالتلي إنك بنت حلال وتستاهلي إننا نقف جنبك.
بصيت للشاشة، وبقيت أقرا الكلام. وفجأة عيني وقعت على الاسم وصورة الأكونت المبعوث منه الكلام لأميرة. الاسم مكنش منى أخت طارق… ولا كان حد من قرايبه.
الاسم كان صدمة تالتة ورابعة، صدمة خلتني أدرك إن اللعبة أعمق بكتير من مجرد غيرة إخوات أو حقد قرايب. الأكونت كان باسم البشمهندس حسام… المهندس اللي كان بيشطب الشقة لطارق! والست اللي كانت بتتكلم في التليفون مكنتش ست أصلاً… ده كان برنامج تغيير صوت، وحسام هو اللي كان بيلعب الخيوط دي كلها من ورا الستار!
بصيت لأميرة وقولت بذهول المهندس حسام؟ هو ليه يعمل كل ده؟ وليه يخرب على طارق ويساعدنا إحنا الاتنين؟
أميرة نزلت عينها للأرض ووشها احمر، وقالت بصوت واطي عشان حسام يبقى…
عشان حسام يبقى أخويا الصغير يا نادين.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت لأميرة وأنا مش قادرة أربط الكلام ببعضه. حسام المهندس اللي كان بيشطب الشقة لطارق، واللي أنا شفته مرتين تلاتة بيتكلم معاه في الترتيبات، يبقى أخو أميرة؟ يعني كل ده كان ملعوب؟
أميرة خدت نفس طويل وكملت كلامها وعينها مدمعة حسام لما شافني وأنا بموت بالبطيء بعد ما طارق سابني وأخد شقايا وفلوس عمري اللي سافرت الغربة عشان أعملها، حلف إنه مش هيسيبه يتهنى. طارق مكنش يعرف إن حسام أخويا، لأن حسام شغال في المحافظة تانية وبيرجع على الشغل علطول، ولما طارق أعلن عن مسابقة أو طلب مهندس ديكور يشطب الشقة على النت، حسام دخل له بأكونت الشغل وقدم له عرض بسعر رخيص جداً عشان طارق يوافق ويسيل لعابه. طارق مكنش يعرف إنه بيدخل الشيطان بيته برجليه.
سكتت شوية وبصت للكوباية اللي في إيدها وكملت حسام كان بينقل لي كل حاجة. كان بيشوف طارق وهو بيصرف فلوسي عليكي وعلى أمه، ويوم ما نزلتوا تختاروا الدهب، حسام عرف من طارق كل التفاصيل، وعرف إنه مستخسر فيكي الخاتم اللي بستة آلاف جنيه في نفس الوقت اللي جاب لأمه خاتم غالي من ورا أبوه. حسام استعمل برنامج تغيير الصوت عشان يكلمك، وكان باعت لمنى أخت طارق يوقع بينها وبين أمها برضه عشان يخلي البيت كله يضرب في بعضه. حسام مكنش عايز يخرب عليكي يا نادين، هو قالي إنك بنت غلبانة وملكيش ذنب، وكان عايز يفوقك قبل ما تدبسي في شقة عليها قضايا وتلاقي نفسك في الشارع.
قعدت مذهولة، مش عارفة أزعل إن اتلعب بيا بالشكل ده، ولا أفرح إن ربنا سخر لي الناس دي عشان أكتشف حقيقة البني آدم اللي كنت هربط اسمي باسمه.
قولت لأميرة وصوتي هادي أنا مش زعلانة يا أميرة، بالعكس، أنا بشكر حسام وبشكرك. طارق كان غاميني ومكنتش هفوق غير بصدمة تكسرني بجد بعد الجواز.
أميرة قامت وقفت وطبطبت على كتفي أنا لازم أمشي دلوقتي يا نادين. حسام بره مستنيني في العربية، ومكنش حابب يدخل عشان ميعملش ليكي حرج. بس كان لازم أجي وأقولك الحقيقة كاملة عشان ضميرنا يرتاح، وعشان تعرفي إن حقنا رجع، وإنك كنتي سبب في إن الحقيقة تظهر قدام الحاج عادل.
مشيت أميرة، وقبل ما تقفل الباب، بصتلي وقالت خلي بالك من نفسك، طارق مش هيسكت، حسام قالي إن طارق قالب الدنيا وبيدور على اللي عمل فيه كده، وممكن يجي ليكي تاني.
قفلت الباب وسندت ضهري عليه وأنا بحس بجبل انزاح من على صدري، بس في نفس الوقت فيه قلق جديد بدأ يتسحب لقلبي. طارق مش هيسكت. طارق خسارته المرة دي كبيرة؛ خسر الشقة، وخسر فلوس أميرة، وأبوه طرده من البيت، وجوازته مني باظت وفضحته في المنطقة كلها. واحد زي ده لما يضيع منه كل حاجة، بيبقى زي الذيب الجريح، مبيفكرش غير في الانتقام.
عدا يومين، والحياة بدأت تاخد مجرى هادي شوية. بابا نزل شغله عادي، وماما بدأت تفتح شبابيك البيت تاني وترجع الضحكة لبيتنا. كنت قاعدة في الصالة العصر وسامعة صوت أم كلثوم في الراديو وماما بتعمل شاي، وفجأة تليفون البيت رن.
رحت رديت ألو؟
جالي صوت راجل كبير، تعبان ومكسور ألو… نادين؟ أنا الحاج عادل يا بنتي.
اتعدلت في قعدتي وقولت باحترام أهلاً يا حاج عادل، خطوتك عزيزة. اتفضل.
الراجل اتنهد تنهيدة طالعة من ضلوعه وقال يا بنتي أنا بكلمك وأنا عيني في الأرض من أبوكي ومنك. أنا عرفت كل حاجة، وعرفت إن طارق كان عامل مصايب من ورايا، والمهندس حسام جالي إمبارح الورشة وحكالي على كل حاجة ووراني المستندات اللي تثبت إن طارق كان بياخد فلوس البنت التانية. أنا طردت طارق من البيت وكتبت الورشة والمحلات كلها باسم إخواته البنات، وقولتله مملكش عندي مليم واحد شقى. بس أنا بكلمك عشان أحذرك يا بنتي… طارق عقله طار، وعرف إن حسام هو اللي عمل كده، وعرف إن حسام أخو أميرة، وعرف كمان إن أميرة جاتلك البيت.
قلبي انقبض وقولت بخوف هو ناوي على إيه يا حاج؟
الحاج عادل قال بصوت مرعوش طارق نزل من البيت إمبارح وهو قالب وشه وشايل غل الدنيا، وعرف إن حسام مسافر بكره الصبح يخلص ورق الشقة في المحافظة التانية، وطارق مهدد إنه هيخلص حقه من الكل. أنا بلغت الشرطة بس طارق تليفونه مقفول ومش عارفين طريقه. خلي بالكم من نفسكم يا بنتي، وقولي لأبوكي ياخد باله وهو راجع من المحل بالليل.
قفلت مع الحاج عادل وركبي بتخبط في بعضها. جريت على ماما وحكيتلها، وماما علطول كلمت بابا في التليفون وقالتله يقفل المحل بدري ويجي. النور كان بدأ يقطع في المنطقة كالعادة في التوقيت ده من اليوم، والشوارع بدأت تضلم.
الساعة جت تمانية بالليل، وبابا مكنش لسه وصل. كنت واقفة في المطبخ بعمل لقمة ناكلها، وسامعة صوت الهوا بره عالي وبيخبط في شيش الشبابيك. وفجأة، سمعت صوت حركة غريبة بره باب الشقة. صوت خربشة خفيفة، كأن حد بيحاول يفتح الباب بمفتاح أو بآلة حادة.
تصلبت في مكاني. ماما كانت جوة في الأوضة بتتوضى عشان تصلي العشا. مشيت على طراطيف صوابعي ورحت ناحية الباب. قربت عيني من العين

السحرية وبصيت.
الممر بره كان ضلمة كحل بسبب قطع النور، بس كان فيه كشاف صغير منور، وتحت لضمته شفت الوش اللي كنت دايماً بشوفه في كوابيسي. طارق!
طارق كان واقف، شعره منكوش، وعينه حمرا زي الدم، وماسك في إيده حديدة صغيرة وبيحاول يدخلها في قفل الباب عشان يفتحه. ملامحه مكنتش ملامح البني آدم اللي كنت أعرفه، كان شكله مرعب، كأنه قاصد يهد البيت على اللي فيه.
جسمي كله سقع وتلجت في مكاني. صرخت بصوت مكتوم وجريت على جوة ماما! ماما اقفلي باب الأوضة عليكي بسرعة! طارق بره وبيحاول يكسر الباب!
ماما اتخضت وطلعت تجري معايا، وفي اللحظة دي سمعنا صوت خبطة قوية وهبدة على باب الشقة. طارق بدأ يرزع بكل قوته ويصرخ بصوت عالي ماليان غل افتحي يا نادين! افتحي يا خاينة يا بتاعة العقود! والله ما هسيبك ولا هسيب اللي خربوا بيتي! افتحي بدل ما أطربقها فوق دماغكم!
الجيران بدأت تفتح الشبابيك وتزعق، وصوت طارق كان بيزيد جنون. مسكت التليفون وإيدي بتهتز لدرجة إنه كان هيقع مني، ومكنتش عارفة أتصل بمين… ببابا اللي في الطريق؟ ولا بالشرطة اللي هتاخد وقت؟
وفجأة، وأنا ببص من شباك الصالة اللي بيطل على الشارع، شفت عربية ملاكي وقفت بسرعة ورا نزل منها شخصين بيجروا باتجاه مدخل العمارة. شفت المهندس حسام وأميرة! حسام كان باين عليه إنه عرف إن طارق مراقبه أو جاي هنا، وجاي يلحقنا.
بعدها بثواني، صوت الرزع على الباب سكت فجأة، واتحول لصوت خناقة وزعيق وشتيمة بره في الطرقة. صوت طارق وهو بيصرخ إنت جيتلي برجليك يا حسام؟ يا ابن… وصوت ضرب وهبد على الحيطة وجري على السلم.
فتحت باب الشقة بحذر وأنا بترعش، وطلعت راسي بره. الممر كان ضلمة بس صوت الخناقة كان نازل على السلالم بسرعة. شفت أميرة طالعة تجري وتصرخ نادين! اقفلي الباب وكلمي الإسعاف والشرطة بسرعة! طارق معاه مطواة!
سمعت صرخة مكتومة من تحت، صرخة وجع هزت العمارة كلها. الصوت مكنش صوت طارق… ده كان صوت حسام!
نزلت جري على السلالم ومش شايفة قدامي، وماما بتصرخ ورايا وتقولي ارجعي يا نادين، بس رجلي كانت بتتحرك لوحدها. وصلت للدور اللي تحت، وشفت المشهد اللي وقف الدم في عروقي.
حسام كان واقع على الأرض، وحاطط إيده على جنبه والدم بيملا المكان تحت كشاف التليفون بتاع أميرة اللي كانت بتصرخ بانهيار وبتطبطب عليه. وطارق… طارق كان واقف على أول السلم، وماسك المطواة في إيده وهي ماليانة دم، وباصصلي بنظرة جنون كامل، وقال بصوت فحيح مرعب أهو أول واحد خالص حقه… والدور عليكي يا نادين…
طارق رفع المطواة وبدأ يتحرك خطوة لفوق ناحيتي، وعينه متبتة في عيني…
الزمن وقف في اللحظة دي. رجلي اتسمرت في مكانها وأنا باصة للمطواة اللي في إيده والدم اللي بينقط منها على السلم. طارق مكنش في وعيه، كان كأنه شيطان ملوش ملكة، وعينه ماليانة غل وسواد يقطع النفس. خطوة ورا خطوة كان بيطلعها ناحيتي، وكل خطوة كانت بتموتني مية مرة.
في ثانية واحدة، لقيت أميرة بتصرخ بأعلى صوت عندها وبتحدف عليه شنطتها وتلفونها وأي حاجة تيجي تحت إيدها وهي بتبكي بانهيار سيبها يا مجرم! كفاية اللي عملته فينا! الجيران بدأت تفتح الأبواب وصوت زعيق ملى العمارة، بس مفيش حد كان متجرأ
يقرب من طارق وهو ماسك السلاح وبيلوح بيه زي المجنون.
طارق اتوشح ناحية أميرة وزعق اقعدي في جنبك إنتي حسابك معايا بعدين! ورجع بصلي وكمل طلوع وهو بيقول بفحيح مرعب إنتي السبب في كل اللي جرا لي… إنتي وأهلك اللي صغرتوني ورميتوا حاجتي بره!
وفجأة، ومن غير ما حد يتوقع، سمعنا صوت هبده قوية تحت عند مدخل العمارة، وصوت بابا وهو بيصرخ بقلب أب محروق على بنته نادين! يا بنتي! بابا مكنش لوحده، كان معاه اتنين من قرايبنا ومناديين من المنطقة اللي شافوا طارق وهو داخل العمارة بالمنظر ده.
طارق التفت وراه بخضة، واللحظة اللي اتشتت فيها دي كانت كفاية لحسام. حسام رغم إنه كان بينزف وواضح إن الطعنة كانت في جنبه، بس جمع كل قوته وقام اتنفض من على الأرض ورمى جسمه كله على رجل طارق بكل غل. طارق اختل توازنه ووقع على السلالم بالمشقلب، والمطواة طارت من إيده ورنت على الأرض.
بابا والرجالة طلعوا يجري، وفي ثواني كانوا فوق طارق، كتفوه تماماً ونزلوا فيه ضرب لحد ما قطع النفس ومبقاش قادر يتحرك. أنا جريت علطول على السلم، مشيت وسط الزحمة والصراخ لحد ما وصلت لحسام. قعدت على ركبي جنبه وأنا برتعش، وأميرة كانت حاطة إيدها على جرحه وبتبكي حسام! امسك نفسك يا حبيبي… الإسعاف جاية والله جاية!
حسام كان وشه أصفر وبيتنفض من الساقعة، بس بصلي وابتسم ابتسامة مكسورة وقال بصوت واطي ومكتوم الحمد لله… إنك بخير يا نادين… طارق مكنش… مكنش هيسيبك.
ماما نزلت تجري وجايبة معاها ملاية شاش وقطن، وبدأنا نضغط على الجرح عشان نوقف الدم اللي مكنش راضي يقف. الدقائق دي كانت كأنها سنين، لحد ما سمعنا صوت سرينة الإسعاف والشرطة وهي بتملا الشارع بره.
الشرطة دخلت العمارة، وأول حاجة عملوها إنهم كلبشوا طارق اللي كان شبه غايب عن الوعي ووشه متبهدل من الضرب، وأخدوا المطواة حطوها في كيس أدلة. المسعفين

طلعوا بسرعة، شالوا حسام على النقالة وأميرة جريت وراهم وهي ماسكة إيده وبتعيط. بابا بص لطارق وهو بيتجر على السلالم وقاله بقرف مكانك السجن يا نصاب… ده إنت وعيلتك كلها.
قعدنا في القسم لحد الصبح. بابا وأنا وأميرة اللي سابت حسام في المستشفى بعد ما الدكاترة طمنوها إن الطعنة جت سطجية وملمستش حاجة جوه بس احتاجت خياطة ونقل دم سريع. عملنا المحضر، وأميرة قدمت كل الرسايل والتهديدات اللي طارق كان باعتها ليها ولحسام قبل كده، وأنا قدمت الرسايل اللي جاتلي والموقف اللي حصل على الباب وشهادة الجيران.
الموضوع مكنش مجرد خناقة، ده اتقلب لقضية شروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد، ده غير النصب والتزوير في أوراق الشقة اللي أميرة كسبت قضيتها. طارق اتمهدت له سكة طويلة جوه السجن مش هيطلع منها بسهولة.
بعد يومين من الحادثة، رحت أنا وبابا وماما المستشفى عشان نزور حسام ونطمن عليه. وصلنا الأوضة ولقيناه قاعد على السرير، وشه بدأ يرد فيه الدم شوية، وأميرة قاعدة جنبه بتأكله. أول ما دخلنا، حسام حاول يقوم يقعد باحترام بس بابا حلف عليه ما يتحرك خليك مكانك يا بطل، إنت عملت اللي رجالة بشنبات متقدرش تعمله. أنا مديون لك بحياة بنتي.
حسام ابتسم وبص في الأرض بخجل وقال متقولش كده يا عمي، نادين ملهاش ذنب في القذارة اللي طارق كان عايش فيها، وأنا لو كنت سبته كان ضميري هيموت. أنا كنت عايز أحمي أختي وأجيب حقها، وفي نفس الوقت مكنتش هسمح لبنت تانية تتدمر حياتها بسببه.
قعدنا نتكلم، وعيني جت في عين حسام كذا مرة. كان فيه في نظرته حاجة غريبة… حاجة هادية، مريحة، عكس النظرات الباردة والحسابات اللي كنت بشوفها في عين طارق. حسام بني آدم شقي وتعبان، وبيحب أخته ومستعد يضحي بنفسه عشانها.
وأحنا خارجين، أميرة مشيت معايا في الطرقة وقالتلي بصوت واطي نادين… حسام من ساعة ما شافك أول مرة مع طارق في الشقة وهو بيشطب، وقالي البنت دي خسارة في طارق، نقية وزيادة عن اللزوم ومبتفكرش في المظاهر. هو مكنش بيعمل كده بس عشان ينتقم لأميرة… هو كان بيعمل كده عشانك إنتي كمان.
الكلام لمس قلبي، بس مكنتش قادرة أفكر في أي حاجة تخص الارتباط دلوقتي. أنا كنت طالعة من تجربة هدتني، ومحتاجة وقت أصلح فيه الحاجات الكثيرة اللي اتكسرت جوايا.
مر شهر… وشهرين… وتلت شهور. الحياة بدأت ترجع لطبيعتها تماماً. طارق لبس القضية وتجدد له حبس في حبس، والحاج عادل أبوه قاطع أخباره تماماً ومبقاش يروح له ولا يسأل عنه، والحجة نادية لزمت بيتها من الكسفة والفضيحة في المنطقة بعد ما الناس كلها عرفت إن غوايشها وفلوسها من شقى بنات الناس.
أنا رجعت لشغلي، وبقيت بنزل وأتحرك وأنا حاسة بسلام داخلي مكنتش حساه وأنا مع طارق. مكنش فيه حد بيحسب عليا الكلمة، ولا حد بيبصلي بنظرة تخليني أحس إني تقيلة عليه.
في يوم جمعة، كنت قاعدة مع بابا وماما بنشرب شاي بعد الغدا، وجرس الباب رن. بابا قام فتح، ولقيت صوت مألوف جداً بيرحب ببابا. قمت وقفت وبصيت… كان حسام!
حسام كان جاي ومعاه علبة شوكولاتة شيك، ولابس قميص أبيض وبان عليه إنه بقى زي الفل وصحته رجعت له. دخل وسلم على بابا وماما باحترام، وبعدين بصلي وابتسم إزيك يا نادين؟ عاملة إيه؟
قولتله بابتسامة حقيقية الحمد لله يا حسام، إنت عامل إيه؟ وصحتك بقت إزاي دلوقتي؟
رد وهو بيقعد الحمد لله، بقيت حديد وجاهز للشغل كمان.
قعدنا، وكان باين إن فيه كلام حسام عايز يقوله بس محرج من بابا. بابا حس بالموضوع، فابتسم وقال لحسام خير يا بشمهندس، شكل فيه وراك مصلحة وجايب الشوكولاتة دي عشان تمشيها؟
حسام اتنحنح، ووشه احمر، وبص لبابا بكل جدية وقال بصراحة يا عمي… أنا جاي وطالب قربك. أنا عارف إن نادين مرت بظروف صعبة، وعارف إن الوقت يمكن يكون مش مناسب أوي، بس أنا مكنتش عايز أستنى أكتر من كده. أنا شفت نادين في أصعب مواقفها، وعرفت قيمتها ونقائها، وأنا مش جاي أقدم شبكة بآلاف مؤلفة ولا أعمل مظاهر كدابة… أنا جاي أقولك إني هبقى ليها السند والأمان، وحقها ورقبتي فداها. أنا شقتي ملكي في المحافظة التانية وجاهزة، ومستعد أعمل أي حاجة ترضيها وترضيك.
الأوضة بقت هادية تماماً. ماما بصتلي بابتسامة وفرحة كانت دايما مستنياها، وبابا بصلي وقال بهدوء الرأي رأيك يا نادين. حسام راجل وإحنا جربناه في وقت الشدة، والراجل بيبان في وقت الضيق مش في وقت الفرح. قولي رأيك إيه؟
بصيت لحسام، وافتكرت كل اللي عدا. افتكرت طارق اللي كان بيستخسر فيا الستة آلاف جنيه، وافتكرت حسام اللي أخد طعنة في جنبه وفدا بدمه عشان يحميني. المقارنة مكنتش محتاجة تفكير.
بس جوايا كان لسه فيه خوف صغير… خوف البدايات الجديدة. بصيت لحسام وقولتله بهدوء حسام… أنا موافقة نفتح صفحة جديدة ونتعرف، بس أنا مش عايزة استعجال. أنا عايزة أحس إن الخطوة دي حقيقية ومبنفسدش فيها أي حاجة من اللي فاتت.
حسام عينه لمعت بالفرحة وقال بسرعة وأنا مستعد أستنى العمر كله يا نادين، المهم إننا نبدأ صح.
اتفقنا إن حسام يجي يقعد معانا ونتكلم وناخد وقتنا تماماً. مشي حسام الليلة دي، وأنا دخلت أوضتي
ورحت ناحية الشباك. بصيت للسما اللي كانت صافية، وحسيت بنسمة هوا باردة ومريحة بتخبط في وشي.
الدنيا لسه فيها حاجات كتير معرفهاش، ولسه الحكاية ليها فصول جاية مع حسام وأميرة والرحلة الجديدة اللي هبدأها. بس اللحظة دي، ولأول مرة من سنة كاملة، حسيت إن قلبي خفيف… خفيف أوي، ومفيش أي حاجة تقيلة عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *