ابني كان اختفي بقاله شهر كامل
ابني كان مختـ.ـفي بقاله شهر كامل، ولما بنتي الصغيرة اللي عندها خمس سنين شارت على البيت الأصفر اللي قدامنا وقالت: “مروان جوه هناك”، افتكرت إنها مجرد طفلة متأثرة باختفـ.ـاء أخوها. لكن بعد أيام، لما بصيت ناحية الشباك بنفسي… شفته. شفته واقف ورا الستارة
مروان اختـ.ـفى يوم خميس.
بعد ما المدرسة خلصت مباشرة.
كان عنده 8 سنين.
وراجع بعجلته الزرقا في نفس الطريق اللي بيرجع منه كل يوم.
شارع هادي.
لفة واحدة.
عربية نقل.
وبعدين…
ولا حاجة.
مافيش صـ.ـريخ.
مافيش حـ.ـادثة.
مافيش جـ.ـثة.
بس الخوذة بتاعته مرمية على الرصيف.
وشنطته مفتوحة.
والكتب بتاعته بتتبل بالمطر.
الشـ.ـرطة فضلت تكرر نفس الجملة لأسابيع:
“إحنا لسه بنحقق.”
لكن ماكانوش بيحققوا في حاجة.
علقنا صور.
ودورنا في المستشفيات.
وفي المواقف.
وفي الأراضي الفاضية.
جوزي أحمد بطل ينـ.ـام.
وأنا بطلت أعيش.
أما بنتي الصغيرة ليلى…
فبدأت تكلم نفسها وهي واقفة عند الشباك.
في الأول افتكرت إنها بتلعب.
لكن في يوم وهي بتلون في المطبخ…
رفعت القلم الأحمر وشارت على البيت الأصفر اللي قدامنا.
وقالت:
“ماما… مروان لوّحلي.”
الهواء خرج من صدري.
“قلتي إيه؟”
قالت بمنتهى البساطة:
“واقف في شباك الجيران.”
بصيت ناحية البيت.
الستاير مقفولة.
والجراج مقفول.
وكل حاجة ساكتة.
البيت ده كان ساكن فيه راجل كبير ومراته.
الحاج فؤاد والحاجة نعمات.
ناس هادية جدًا.
يمكن هادية أكتر من اللازم.
نزلت على ركبتي قدام ليلى.
وقلت:
“يمكن حلمتي بيه يا حبيبتي.”
هزت رأسها.
“لأ. كان لابس التيشيرت الأخضر.”
التيشيرت الأخضر.
نفس التيشيرت اللي كان لابسه يوم اختفى.
قشعـ.ـريرة جريت في جسـ.ـمي.
ما قلتش لأحمد.
ما كنتش عايزة أكسره أكتر.
لكن من اليوم ده…
بقيت أراقب البيت.
مافيش ضيوف.
مافيش حركة.
النور في الدور التاني بيشتغل بعد نص الليل بس.
وكل ما ليلى تعدي من قدامه…
تمسك إيدي بقـ.ـوة.
وتقول:
“هو جوه يا ماما.”
بعد 3 أيام…
خرجت أتمشى بالكلب.
الدنيا كانت مغربة.
والأرض مبلولة من المطر.
عديت قدام البيت الأصفر.
وحاولت ما أبصش.
لكن حاجة اتحركت في الشباك.
وقفت.
ورا الستارة…
كان واقف ولد.
رفيع.
شعره غامق.
ونفس الطول.
ونفس طريقة ميلان رأسه.
قلبي بدأ يخبط بجنـ.ـون.
همست:
“مروان؟”
الولد رفع إيده على الزجاج.
أخدت خطوة ناحية السور.
وفجأة…
حد شد الستارة من جوه بعنف.
واختفى.
ما نمتش الليلة دي.
وحكيت لأحمد.
في الأول افتكر إن الحزن لعب بعقلي.
لكن لما شاف وشي…
ما قالش كلمة واحدة.
تاني يوم الصبح…
روحنا البيت الأصفر.
خبطنا الباب.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
الحاجة نعمات فتحت فتحة صغيرة.
ريحة الكلور كانت خانقة.
قلت:
“آسفة على الإزعاج… بنتي بتقول إنها شافت ولد في الشباك.”
ابتسمت من غير ما تبين سنانها.
وقالت:
“مافيش أطفال هنا.”
أحمد قرب خطوة.
وقال:
“ممكن نتكلم مع جوزك؟”
“تعبان.”
“يبقى نتكلم معاكي.”
اختفت الابتسامة.
وقالت بحـ.ـدة:
“قلتلكم ما فيش أطفال هنا.”
وكانت هتقفل الباب.
لكن فجأة…
سمعنا خبطة قـ.ـوية من فوق.
خبطة وراها خبطة تانية.
كأن حد وقع حاجة تقيلة.
وش الحاجة نعمات اصفر.
أحمد حط رجله في الباب قبل ما تقفله.
وقال:
“إيه الصوت ده؟”
“القطة.”
ردت بسرعة.
أحمد بص لها.
وقال:
“إنتوا ما عندكوش قطة.”
نظرتلنا بنظرة باردة مـ.ـرعبة.
وقالت:
“امشوا قبل ما أطلب الشـ.ـرطة.”
قلت:
“اطلبيهم. أنا كمان عايزة أكلمهم.”
وفجأة…
سمعنا صوت خافت جدًا من جوه البيت.
“ماما…”
رجلي تقريبًا خـ.ـانتني.
أحمد زق الباب بقـ.ـوة.
والست صـ.ـرخت.
دخلنا.
ريحة الكلور كانت لا تطاق.
كراسي محطوطة في الطرقة.
وصور قديمة على الحيطان.
وفي آخر الممر…
سلم عليه سلسلة وقفل.
أحمد كسـ.ـر القفل بأصيص فخار كبير.
وجرينا لفوق.
“مروان!”
أول أوضة كانت فاضية.
التانية كانت مقفولة.
ومن جوه…
كان في صوت عيـ.ـاط.
أحمد ضرب الباب.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
لحد ما اتكسـ.ـر.
ودخلنا.
وكان هناك.
ابني.
مروان.
قاعد على الأرض.
أنحف بكتير.
ولابس نفس التيشيرت الأخضر.
نفسه بالضبط.
جريت عليه.
لكن الغريب…
إنه ما حضنيش.
فضل باصص ورايا.
مرعـ.ـوب.
وقال:
“ماما… ما تصـ.ـرخييش.”
قلت وأنا بعيـ.ـط:
“يا حبيبي… أنا هنا.”
هز رأسه وهو بيـ.ـرتعش.
وقال الجملة اللي وقفت الزمن:
“هما ما خطفونيش.”
اتجمـ.ـدنا أنا وأحمد.
“إيه؟”
مروان شاور تحت السـ.ـرير.
كان فيه صندوق أحذية.
جواه شوية حلويات.
وضمادات.
وصورة لبيتنا.
وموبايل قديم.
فتحناه.
كان مليان رسائل.
كلها من شخص متسجل بحرف واحد:
J
أحمد خطف الموبايل من إيدي.
وقرأ رسالة.
وبعدين التانية.
وفجأة اختفى اللون من وشه.
وقال:
“مستحيل…”
خدت الموبايل منه.
وقريت آخر رسالة.
وكان مكتوب فيها:
“خليه عندكم لحد ما تمضي. ولو البنت الصغيرة فضلت تبص من الشباك… خدوا هي كمان.”
رفعت عيني ناحية أحمد.
وقلت بصوت مـ.ـرتعش:
“مين J؟”
مروان انفـ.ـجر في البكـ.ـاء.
وقال:
“ماما… أنا سمعت صوته.”
الكلام كان زي الصاعقة اللي نزلت على دماغي. “ماما… أنا سمعت صوته.”
مروان كان بيرتجف، جسمه الصغير ده كان باين عليه آثار الإهمال، وشعره اللي كان دايماً مهندم بقى منكوش ومترب، وعيونه.. عيونه اللي كانت دايماً بتلمع، بقت مطفية ومكسورة.
أحمد، جوزي، اللي كان بيحاول يبقى صلب، وقعت قوته في لحظة لما سمع الاسم. ملامحه اتغيرت تماماً، لون وشه بقى شاحب أكتر من الميت، وبص لي بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة خوف ممزوجة بـ “أنا عارف مين ده”.
سحبت مروان في حضني، وشميت ريحته.. ريحة الخوف والتراب، لكنها كانت ريحة “ابني”. قولت بصوت مبحوح من كتر العياط: “مين ده يا أحمد؟ مين ‘ج’؟”
أحمد ما ردش في الأول. بص للحيطة، وكأنه بيشوف شريط حياته بيعدي قدامه، وبعدين نطق بصوت واطي ومخيف:
“جلال.”
جلال.. شيطان الماضي
”جلال؟” سألت باستغراب وخوف، “مين جلال ده؟”
أحمد اتنهد تنهيدة طالعة من روحه، وقال: “ده واحد كنت شريكه من سنين طويلة، قبل ما أتجوزك حتى. كان بينا شغل في التجارة، بس طمعه خلاه يعمل حاجات غير قانونية، ولما وقفت في وشه وكشفت ألاعيبه، دخل السجن بسبب بلاغي.. كنت فاكر إنه انتهى، كنت فاكر إنه طلع من حياتنا للأبد.”
بصيت لمروان اللي كان بيعيط بصمت في حضني، وقلت: “وهو ليه يعمل فينا كده؟ ليه يخطف طفل؟”
أحمد مسح وشه بإيده، وقال: “ده انتقام. انتقام بارد. جلال مش بس عايزني أدفع التمن، هو عايز يحسسني بنفس العجز اللي عاشه في السجن. هو عايزني أعيش كل يوم بموته بالبطيء، هو كان بيراقبنا يا هدى.. كان بيراقبنا كل يوم.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت “الحاج فؤاد” و”الحاجة نعمات” في الطرقة. دخلوا الغرفة، ملامحهم ما كانتش ملامح خاطفين، كانت ملامح ناس مكسورين، ناس مسلوبين الإرادة.
الحاجة نعمات بدأت تعيط وقالت: “والله يا بنتي ما كان بإيدينا.. هدّدونا بأولادنا اللي مسافرين بره، جلال ده شيطان، حاطط كاميرات في كل حتة، بيهددنا بيهم لو فتحنا بوقنا، كان باعت لنا مروان وقايل لنا ده أمانة لحد ما يطلب فدية أو يخلص حسابه مع أبوك.. مروان كان بياكل ويشرب معانا، بس ممنوع يخرج.”
الهروب من الموت
الموقف كان متأزم. إحنا جوه “البيت الأصفر”، في أوضة مقفولة، ومعانا طفل مصدوم، وأصحاب البيت مرعوبين. أحمد بص لي وقال: “لازم نمشي من هنا حالاً. مروان مش هيقعد دقيقة تانية.”
فجأة، تليفون الحاج فؤاد رن. الصوت كان عالي ومسموع، صوت نغمة تقيلة ومزعجة. الحاج فؤاد رد بخوف: “أيوة يا جلال.. أيوه.. لا.. مش ممكن…”
بص لنا الحاج فؤاد بذهول وقال: “عرف إنكم هنا. بيقول إنه جاي في الطريق.. ومعه رجالة.”
الأدرينالين ضرب في جسمي. مفيش وقت للخوف. شلت مروان، كان تقيل بس الخوف أداني قوة مش طبيعية. أحمد مسك إيدي وقال: “اسمعي، هنخرج من باب المطبخ الخلفي، ده بيطل على الجنينة اللي ورا البيت، ومنها على السور بتاع البيت بتاعنا. اجري وما تبصيش وراكِ يا هدى.”
ركضنا في الطرقة. الحاجة نعمات كانت بتعيط وتدعي لنا. أحمد فتح باب المطبخ، والهوا البارد ضرب وشنا. كان الليل لسه ضلمة، والمطر بدأ ينزل رذاذ خفيف.
”اجري!” صرخ أحمد.
جرينا بكل قوتنا، رجلي كانت بتغرز في الطين، مروان كان بيتشبث برقبتي. سمعنا صوت عربية بتقرب بسرعة من الناحية التانية للشارع، أنوارها العالية نورت المكان، وكأنها عين وحش بيطاردنا.
المواجهة
قبل ما نوصل لبيتنا، كانت عربية جلال سدت الطريق. نزل منها راجل، كان طويل، لابس بالطو أسود، شعره ملموم لورا، ووشه فيه ندبة قديمة. جلال.
وقف قدامنا، وبإيده كان ماسك حاجة بتلمع تحت نور الكشافات.
”رايحين فين يا أحمد؟” صوته كان هادي، هدوء ما قبل العاصفة، هدوء مرعب بيجمد الدم في العروق.
أحمد وقفني وراه، ووقف هو قدامنا، زي الأسد اللي بيحمي عرينه. “لعبتك خلصت يا جلال. الشرطة عارفة كل حاجة.”
جلال ضحك، ضحكة خالية من أي مشاعر إنسانية: “الشرطة؟ أنت فاكر إنهم يهموني؟ أنا ضعت سنين في السجن بسببك، والنهاردة، هتشوف ابنك بيضيع قدام عينك.. بس المرة دي، للأبد.”
رفع المسد..س. قلبي وقف. مروان صرخ.
في اللحظة دي، وكأن الزمن وقف. سمعت صوت سرينة شرطة.. بعيد، بس بيقرب. وأصوات عساكر.
جلال اتوتر، وبص حواليه. أحمد ما ضيعش وقت، هجم عليه. كانت خناقة إيد بإيد، صوت الضرب والعياط كان مالي الشارع. أنا كنت واقفة، حاضنة مروان، وعيوني مش قادرة تبعد عنهم.
وفجأة.. صوت رصاصة.
النهاية اللي ما حدش توقعها
الرصاصة ضربت في السما، بس صوتها كان كفيل يخلي الكل يتجمد. الشرطة حاصرت المكان في ثواني. جلال حاول يهرب، بس العساكر كانوا أسرع. كتلّوه على الأرض، وهو بيصرخ بكلمات مش مفهومة عن الانتقام والظلم.
أحمد كان واقع على الأرض، بيتنفس بصعوبة. جريت عليه، وبصيت لمروان اللي كان لسه في حضني. الحمد لله، مروان كان بخير، جسدياً على الأقل.
الشرطة أخدت أقوالنا، وأخدت جلال، وأخدت الحاج فؤاد والحاجة نعمات (اللي اعترفوا بكل حاجة تحت التهديد).
عدت أيام، أسابيع، وشهور. مروان بدأ يتعافى، بدأ يرجع يضحك تاني، يروح مدرسته، يركب عجلته.. بس من غير ما يسيب طريقنا. ليلى، بنتي الصغيرة، بقت بتلعب عادي، بس عمرها ما قربت من شباك البيت الأصفر تاني.. البيت اللي اتختم بالشمع الأحمر، وبقى شاهد على قصة من أسود قصص حياتنا.
أحمد رجع لشغله، بس رجع “أب” مختلف. بقينا بنخاف على ولادنا أكتر، بقينا بنحس بيهم أكتر.
تعلمت في القصة دي إن الشر مش دايماً بيجي من الغرباء، أحياناً بيكون موجود في الماضي اللي بنفتكره مات واندفن. وتعلمت إن “الحاسة السادسة” عند الأم مش مجرد خيال، دي حقيقة، صوت بيصرخ في ودنها لما ولادها يكونوا في خطر.
كل ما بفتكر اللحظة دي.. لحظة ما ليلى شارت بإيدها الصغيرة وقالت “مروان جوه”.. بحس برعشة في جسمي. لولا إيماننا، ولولا إصرارنا، كان زمان مروان ضاع في غياهب “البيت الأصفر”.
دلوقتي، لما بنام، بضم ولادي في حضني، وبشكر ربنا كل ليلة إنهم لسه هنا.. إنهم لسه بيضحكوا.. وإن الكابوس ده بقى مجرد ذكرى.. ذكرى بنحكيها عشان نعلم غيرنا، إنك لو حسيت بحاجة، اسمع صوت قلبك، واسمع صوت طفلك، مهما بدا الكلام جنون.. الحقيقة ساعات بتكون أغرب من الخيال.