حكايه مروان وفاطمه الاخير
الجزء الأخير
الكاتبة ملك إبراهيم
مروان طلع المنصة، حط حاجته، ورفع عينه يعمل الحضور. عينه وقعت على فاطمة، وجنبها ولد مايل عليها وماسك موبايله فوق كشكولها.
وشه اتغير في لحظة.
مروان: انت يا أستاذ، يا اللي قاعد جنب الآنسة.
كريم رفع راسه: أيوه يا دكتور؟
مروان صوته كان عالي بزيادة عن المدرج كله: انت بتعمل إيه؟
كريم: كنت بصور المحاضرة اللي فاتت منها يا دكتور.
مروان: والمحاضرة بتاعتي بدأت، وانت لسه بتصور؟ قوم اقف.
كريم وقف وهو مستغرب.
مروان: انت وهي، اطلعوا بره. مش عايز دوشة في محاضرتي.
المدرج كله سكت وبص عليهم. فاطمة وشها بقى أحمر نار، وقامت لمت كشكولها وإيديها بتترعش.
فاطمة بصوت مبحوح: يا دكتور والله أنا..
مروان قاطعها، وعينه فيها نار أول مرة تشوفها: قولت اطلعوا بره، دلوقتي.
كريم قال: يا دكتور دي غلطتي أنا..
مروان: بره انت وهي، يلا.
فاطمة خرجت تجري من باب المدرج، والبنات بيبصوا عليها، وسمعت البنت أم بلوزة صفرا بتقول لصاحبتها: يا لهوي شفتي؟
فضلت قاعدة على سلم الكلية تعيط لوحدها نص ساعة، لحد ما المحاضرة خلصت والكل خرج.
—
رجعت البيت الساعة أربعة، فتحت الباب بالمفتاح لقت مروان قاعد في الصالة مستنيها، لسه لابس قميص الجامعة، ووشه مقلوب.
أول ما شافها قام وقف.
مروان: كنتي فين؟
فاطمة: في الجامعة..
مروان: لا كنتي فين بعد المحاضرة؟ ليه مرجعتيش على طول؟
فاطمة: كنت قاعدة تحت..
مروان صوته علي مرة واحدة: قاعدة مع مين؟ مع الواد بتاع الصبح؟!
فاطمة اتخضت ورجعت خطوة لورا.
فاطمة: لا والله، كنت لوحدي، انت طردتني قدام الدفعة كلها..
مروان: وأطردك تاني لو لزم الأمر! مش أنا قايلك إحنا في الجامعة أغراب؟ يعني إيه ولد يقعد جنبك ويصور من كشكولك ويضحك؟ انتي فاكرة نفسك فين؟
فاطمة عينيها دمعت: هو اللي قعد جنبي، وأنا قولتله يصور بسرعة عشان محاضرتك..
مروان: محاضرتي؟! وانتي مالك بمحاضرتي أصلا؟ انتي نسيتي اتفاقنا؟ نسيتي إن الجواز ده مؤقت؟ أربع سنين وتتطلقي؟ ولا خلاص صدقتي إنك مراتي بجد وبقيتي تغيري عليا في المدرج؟
الكلمة نزلت عليها زي القلم. فاطمة شهقت، والدموع نزلت غصب عنها.
فاطمة: أنا مغيرتش.. انت اللي..
مروان: أنا اللي إيه؟ أنا دكتور محترم وبحافظ على سمعتي وسمعتك، حتى لو انتي مش هامك سمعتك!
فاطمة صرخت فيه لأول مرة، وصوتها بيترعش من العياط والخوف: أنا سمعتي أشرف من أي حد تعرفه، انت اللي بتعاملني كأني حاجة عار في الجامعة، وحاجة عار في البيت!
وسابته واقف ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح، وفضلت تعيط بصوت مكتوم في المخدة.
مروان فضل واقف في الصالة، نفسه عالي، وإيده مقفولة جامد، كأنه عايز يكسر حاجة ومش عارف إيه.
الليل ده لا هي حطتله أكل قدام الباب، ولا هو خبط عليها.
—
خاصموا بعض خمس أيام كاملة.
خمس أيام في شقة واحدة. هي تخرج بدري قبل ما هو يصحى، وترجع بعد ما يسمع باب أوضته بيتقفل. الأكل بقى علب تونة تاني. والشقة رجعت ساكتة زي أول يوم.
اليوم الخامس، فاطمة كانت خارجة من آخر محاضرة، لقت كريم مستنيها عند باب المدرج، ومعاه وردة بلاستيك وعلبة شوكولاتة صغيرة، وشكله متوتر.
كريم: فاطمة، لحظة واحدة بس. أنا عارف إن اللي حصل بسببي، والدكتور بهدلنا، وأنا آسف جدا.
فاطمة: محصلش حاجة، عن إذنك.
كريم وقف قدامها بسرعة: استني، والله أنا من أول يوم شفتك فيه وأنا.. يعني.. معجب بيكي. وبصراحة أنا كلمت أمي عليكي، وهي قالت هاتي رقم أبو البنت نكلمه.
فاطمة وقفت مكانها، ومش مصدقة اللي بتسمعه.
كريم: فأنا كنت عايز أسألك.. لو مفيش مانع، تديني رقم والدك أكلمه عشان آجي أخطبك رسمي؟
الفصل الخامس: خطيبتي
فاطمة فضلت واقفة قدام كريم في طرقة الكلية، علبة الشوكولاتة في إيده بتهتز من التوتر، وهي حاسة إن الدنيا بتلف بيها.
فاطمة: تخطب.. تخطب مين؟
كريم: انتي طبعا، يا فاطمة. أنا بتكلم جد، والله. انتي بنت محترمة وباين عليكي بنت ناس، وأنا ناوي خير.
فاطمة كانت عايزة تضحك، تعيط، تصرخ، مش عارفة. افتكرت الدفتر الأحمر اللي في درج الكومودينو في أوضة مروان، وافتكرت كلمة: أربع سنين وتتطلقي.
فاطمة: انت.. انت متعرفنيش أصلا يا كريم.
كريم: أعرفك كفاية، وهعرفك أكتر بعد الخطوبة. كل اللي محتاجه رقم والدك.
فاطمة شدت شنطتها على كتفها، وقالت بسرعة وهي بتبعد: لا شكرا، مش هينفع. عن إذنك.
وسابته واقف بالوردة والشوكولاتة في نص الطرقة، وجريت على باب الكلية.
طول الطريق في الميكروباص وهي بتفكر تقول لمروان ولا لأ. هتقوله إيه؟ واحد عايز يخطبني؟ ما انت اللي قايل إننا هنتطلق بعد أربع سنين. طب هيغير؟ طب هيزعق تاني؟
رجعت الشقة، لقت جزمته قدام الباب، يعني هو في البيت. سمعت صوت المعالق في المطبخ، كان بيعمل لنفسه أكل.
وقفت عند باب المطبخ ثانيتين، فتحت بقها عشان تتكلم، وبعدين خافت. خافت من صوته العالي، من بصة العين اللي شافتها آخر مرة، من كلمة: انتي صدقتي إنك مراتي بجد؟
فبلعت الكلام، ودخلت أوضتها ساكتة وقفلت الباب.
مروان سمع باب الشقة بيتفتح ويتقفل، وبص ناحية أوضتها، واستنى تسلم، أو تخبط، أو أي حاجة. مفيش. كمل تقليب المكرونة في الحلة، وطفى النار وهو نفسه مسدودة.
—
تاني يوم، الساعة 12 الضهر، الحوش الكبير قدام كافيتريا آداب.
فاطمة كانت ماشية لوحدها رايحة المكتبة، وشنطتها في حضنها. طلع لها ولدين من سنة تالتة، واحد منهم اللي دايما واقف يشرب سجاير قدام الكافيتريا.
الشاب: إيه يا قمر، رايحة فين بسرعة كده؟ أول مرة أشوفك هنا، انتي سنة أولى صح؟ طب ما تقفي نشرب حاجة سوا.
فاطمة: لو سمحت وسع.
الشاب قرب خطوة وضحك: الله، مالك قفوشة كده ليه؟ بنتعرف عادي.
إيدها كانت بتترعش وهي ماسكة الشنطة، ولسه هتعلي صوتها، سمعت صوت جاي جري من وراها.
كريم: إيدك جنبك يا بني آدم انت، بتكلمها كده ليه؟
الشاب: وانت مال أهلك؟
كريم زقه في كتفه: دي تبعي، فاهم؟ تبعي.
الشاب زق كريم، كريم رد ببوكس، وفي ثانية الحوش اتقلب خناقة، بنات بتصوت، وولاد بتتلم.
بتوع أمن الجامعة جم جري في دقيقتين، وفرقوهم بالعافية.
فرد الأمن: كلكم على مكتب العميد، يلا قدامي.
فاطمة كانت واقفة على جنب، وشها أصفر، وبتترعش كلها.
فرد الأمن: وانتي كمان يا آنسة، انتي طرف في المشكلة، قدامي.
أخدوهم التلاتة، كريم وشفته مفتوحة، والشاب التاني قميصه مقطوع، وفاطمة ماشية وراهم بتعيط من غير صوت، على أوضة العميد في الدور التالت.
في نفس الوقت، مروان كان خارج من مكتبه في قسم أعضاء هيئة التدريس، وسمع اتنين معيدين بيتكلموا في الطرقة.
معيد: بيقولك خناقة كبيرة عند آداب، وواخدين بنت من سنة أولى على مكتب العميد.
مروان وقف: بنت من سنة أولى؟ اسمها إيه؟
المعيد: معرفش، بس بيقولوا الواد اللي اتخانق بيقول دي خطيبتي.
مروان قلبه وقع في رجليه من غير ما يعرف ليه. جري على مبنى الإدارة.
وصل قدام مكتب العميد، السكرتيرة حاولت توقفه: يا دكتور مروان، العميد جوه معاه تحقيق..
هو فتح الباب ودخل من غير ما يخبط.
جوه، العميد قاعد ورا مكتبه، والشاب المتعور واقف على جنب، وفاطمة قاعدة على كرسي في الركن، عينيها حمرا ومورمة، وماسكة منديل في إيديها. وكريم واقف قدام مكتب العميد وبيتكلم بصوت عالي.
كريم: يا سيادة العميد، أنا اللي بدأت، أيوه، بس دي خطيبتي، وأنا كنت بدافع عنها، الواد ده كان بيعاكسها في نص الحوش!
العميد: خطيبتك؟ فين إثبات الكلام ده؟
كريم: لسه هنقرا فاتحة الأسبوع الجاي، اسألها هي، يا فاطمة قولي له..
وف اللحظة دي الباب اتفتح، ومروان دخل.
كل اللي في الأوضة بصوا عليه. فاطمة أول ما شافته قامت وقفت مرة واحدة، كأنها لقت طوق نجاة، وعينيها مليانة دموع ورعب.
كريم لسه بيكمل كلامه وهو مش واخد باله مين دخل: أيوه يا فندم، دي خطيبتي فاطمة، وأنا..
مروان بص لفاطمة، وبعدين بص لكريم، وبعدين بص للعميد. ووشه مكنش وش الدكتور الهادي بتاع المحاضرات خالص.
العميد: أهلا يا دكتور مروان، خير؟
مروان ما شالش عينه من على فاطمة، وقال بصوت واطي بس مسموع للأوضة كلها:
مروان: لا مش خطيبته.
الفصل السادس: مراتي
الأوضة سكتت ثانية بعد كلمة مروان.
العميد رفع حاجبه: نعم؟
مروان دخل خطوتين لقدام، ووقف جنب كرسي فاطمة، كأنه بيحط نفسه بينها وبين أي حد في الأوضة.
مروان: بقول لحضرتك دي مش خطيبة حد. فاطمة جابر عبد الرحيم تبقى مراتي.
كريم لف وبصله مصدوم: مراتك؟! انت بتقول إيه يا دكتور؟
العميد حط القلم من إيده وبص لمروان وبعدين لفاطمة: الكلام ده بجد يا دكتور مروان؟
مروان طلع بطاقته من محفظته وحطها على مكتب العميد من غير ما يبص لكريم أصلا.
مروان: أيوه يا فندم، كتب كتابنا من أسبوعين، ودي بطاقتي، ولو تحب أجيب القسيمة بكرة الصبح تبقى عند حضرتك.
فاطمة كانت واقفة جنبه مش قادرة تنطق، دموعها وقفت مرة واحدة من الصدمة. هو أول مرة يقول قدام حد إنها مراته. وأول مرة يقف جنبها كده.
العميد أخد البطاقة، بص فيها، وبعدين ضحك ضحكة كبيرة واتفاجئ بجد.
العميد: يا راجل؟! ألف ألف مبروك يا دكتور، ومخبي علينا ليه بس؟ دي بنتنا برضه، طالبة عندنا في القسم!
مروان: الله يبارك في حضرتك، كنا مستنيين نعمل حاجة على الضيق في البلد الأول.
العميد قام سلم عليه وبعدين بص لفاطمة: مبروك يا بنتي، معلش اللي حصل، حقك عليا.
فاطمة هزت راسها وهي مش عارفة تقول إيه: الله يبارك في حضرتك.
العميد لف لكريم والشاب التاني، ووشه قلب جد تاني: وانتوا بقى، واحد بيعاكس مرات دكتور عندنا في الحرم الجامعي، والتاني عامل فيها خطيبها؟ انتوا فاكرينها سايبة؟
كريم وشه بقى أبيض، وبص لفاطمة كأنه مستنيها تقول إن ده كدب.
كريم: يا فاطمة.. انتي.. انتي متجوزة الدكتور مروان بجد؟
فاطمة بصت في الأرض، ومقدرتش ترد. مروان هو اللي رد مكانه.
مروان: أيوه متجوزة، وقدام ربنا والناس. وياريت منشوفش وشك جنبها تاني.
الأمن خد الشاب بتاع المعاكسة على مكتب التأديب، وكريم خرج من أوضة العميد وهو ماشي متلخبط، والخبر كان سابقهم.
وهما نازلين على سلم الإدارة، الطلبة كانوا متجمعين تحت، اللي سمع واللي شاف. أول ما مروان نزل وهو ماسك دراع فاطمة عشان تحميها من الزحمة، الهمس اشتغل.
بنت: هي دي؟ مرات الدكتور مروان؟
ولد: يا نهار أبيض، طلعت متجوزة الدكتور بتاعنا!
كريم كان واقف على جنب، شافهم نازلين سوا، وبص لفاطمة بصة أخيرة، وبعدين لف ومشي.
مروان فتح لها باب عربيته اللي راكنها قدام الكلية، أول مرة تركب معاه، وقال بصوت ناشف: اركبي.
طول الطريق من الجامعة للدقي، هو سايق وساكت، وإيديه ماسكة الدركسيون جامد لحد ما عروقه بانت. فاطمة قاعدة جنبه وباصة من الشباك، وقلبها بيدق بسرعة، مش عارفة ده خوف ولا ارتياح.
أول ما دخلوا الشقة وقفل الباب وراهم بالمفتاح، هو رمى مفاتيح العربية على الترابيزة بصوت عالي، ولف عليها مرة واحدة.
مروان: خلاص، خلصنا.
فاطمة: مروان أنا..
مروان صوته علي وغطى على صوتها: انتي إيه؟! انتي إيه؟! عاجبك الفضيحة اللي حصلت النهاردة؟ الجامعة كلها بتتكلم علينا دلوقتي!
فاطمة رجعت لورا خطوتين: أنا مالي؟ هو اللي..
مروان: انتي مالك إزاي؟ مش أنا قايلك متقفيش مع حد؟ مش قايلك متكلميش حد؟ أديكي في أسبوع واحد بقى ليكي خطيب وخناقة وعميد!
فاطمة عيطت: والله العظيم ما عملت حاجة، هو اللي قال خطيبتي من دماغه!
مروان: وأنا مالي هو قال إيه؟! انتي اللي ادتيله وش من الأول! لو كنتي سمعتي كلامي مكنش كل ده حصل!
قرب منها، وهي لزقت في الحيطة من الخوف.
مروان: اسمعي الكلمتين دول وحطيهم حلقة في ودنك. جامعة مفيش. انتي مش هتروحي الجامعة دي تاني، فاهمة؟
فاطمة شهقت: يعني إيه؟! ده مستقبلي..
مروان: مستقبلك هنا، في البيت ده. هتفضلي هنا، قدام عيني، لحد ما أربيكي من أول وجديد وأعرفك الأصول اللي أهلك نسيوا يعلموهالك!
فاطمة: لا.. انت قولت هتسيبني أدرس.. انت وعدتني..
مروان: وأنا غيرت كلامي! من بكرة مفيش نزول، مفيش جامعة، مفيش كريم ومفيش زفت! انتي مراتي على الورق، ولو بالقانون هتفضلي مراتي، وهتسمعي كلامي بالذوق أو بالعافية!
وسابها واقفة بتعيط في الصالة، ودخل أوضته ورزع الباب وراه جامد لدرجة إن الكوباية اللي على الترابيزة اتهزت.
فاطمة وقعت على الأرض مكانها، وحضنت ركبها، وبصت ناحية باب الأوضة المقفول، وهمست وهي مش مصدقة:
فاطمة: مراتك؟.. من امتى؟
الفصل السابع: قاعدة صراحة
بعد الخناقة بتاعة الجامعة، مروان نفذ كلامه.
تاني يوم الصبح، فاطمة صحيت لبست هدوم الكلية، لقت باب الشقة مقفول بالمفتاح من بره، ومفتاحها مش موجود على الترابيزة.
خبطت على باب أوضته.
فاطمة: مروان، الباب مقفول ليه؟ عندي محاضرة.
مروان من ورا الباب: قولتلك مفيش جامعة.
ومشي على شغله وسابها.
فضل الحال كده سبع أيام. هو ينزل الصبح بدري ويرجع بالليل، يسيب لها أكل على ترابيزة المطبخ ويمشي على أوضته ويقفل على نفسه. وهي قافلة على نفسها في أوضتها طول اليوم، لا بتاكل ولا بترد لما يخبط عليها.
اليوم السابع، مروان رجع بدري، خبط على بابها عشان يسيب لها صينية الأكل، مردتش. خبط تاني أقوى، مفيش صوت.
فتح الباب بالمفتاح الزيادة اللي معاه، لقاها نايمة على السرير ووشها أصفر وشفيفها ناشفة، وبتتنفس بالعافية.
مروان اتخض بجد، جري عليها.
مروان: فاطمة! فاطمة ردي عليا!
فتحت عينيها بالعافية وقالت بصوت مش طالع: دايخة..
شالها وهي خفيفة زي الريشة، ونزل بيها جري على المستشفى اللي جنب البيت.
الدكتور في الاستقبال بعد ما علق لها محلول قال لمروان وهو بيبصله بعتاب:
الدكتور: إجهاد وهبوط حاد من قلة الأكل والزعل، هي مراتك؟
مروان: أيوه.
الدكتور: طيب خد بالك منها، الستات مش حمل البهدلة دي، دي محتاجة رعاية وأكل كويس وراحة نفسية، فاهم؟
مروان هز راسه وسكت، وبص لفاطمة وهي نايمة على سرير المستشفى والمحلول في إيديها، وحس إن قلبه هيقف.
رجعوا البيت بالليل، هو ساندها لحد سريرها. قعد على الكرسي جنبها، وجاب لها شوربة بإيده.
مروان: كلي.
فاطمة خدت معلقتين بالعافية وبعدين سابت الطبق.
الصمت طول، وبعدين مروان اتكلم، صوته كان تعبان مش زعيق خالص.
مروان: ليه عملتي في نفسك كده؟
فاطمة بصت للسقف وقالت: عشان تعبت.
مروان: من إيه؟
فاطمة لفت وشها وبصتله، وعينيها مليانة دموع: منك.
سكتت ثانية وبعدين كملت مرة واحدة، كأن الكلام كان محبوس بقاله أسابيع.
فاطمة: عايز الصراحة؟ حاضر. أيوه كريم جه قالي عايز يخطبني، وأنا قولتله لأ، في وشه، ومشيت وسبته. وكنت خايفة أقولك عشان انت أصلا مش طايقني، وكنت هتقول إني ادتله وش زي ما قولتلي قبل كده. وأيوه الواد عاكسني، وكريم اتخانق عشاني، وأنا ماليش ذنب في أي حاجة من دي!
مروان كان بيسمع وساكت.
فاطمة صوتها اتكسر: بس عارف اللي يوجع بجد إيه؟ إنك أول مرة تقول قدام الناس إن أنا مراتك، كانت عشان تخلص من مشكلة، وبعدها حبستني في البيت وقلت هتربيني من أول وجديد.. ليه؟ عشان أنا بنت عمك الصعيدية اللي جت لزقت فيك غصب عنك؟
عيطت وحطت إيديها على وشها.
فاطمة: طب أنا ذنبي إيه إني.. إني حبيتك؟
الكلمة وقعت في الأوضة وسكتت كل حاجة.
مروان رفع راسه مصدوم: إيه؟
فاطمة قالتها وهي بتعيط: أيوه حبيتك، من أول يوم دخلت فيه بيتك، وانت بتحطلي الأكل قدام باب أوضتي، وانت بتشرح في المدرج وكل البنات بتبصلك وأنا بغير عليك وأنا ماليش حق أغير.. حبيتك وانت بتقولي ده جواز مؤقت أربع سنين.. حبيتك غصب عني يا ابن عمي.
مروان قام وقف مرة واحدة، ومشي رايح جاي في الأوضة، وحط إيديه في شعره.
مروان: انتي مجنونة؟ بتقولي إيه؟
فاطمة: بقول الحقيقة اللي انت خايف تقولها لنفسك.
مروان وقف قدامها، وبص لها طويل، وبعدين صوته طلع واطي ومهزوز.
مروان: وأنا.. أنا اتجننت لما شفت الواد قاعد جنبك في المدرج، مكنتش عارف أنام من الغيرة، وكنت بدور عليكي في المدرج قبل ما أدخل أشرح.. ولما سمعت إنك في أوضة العميد كنت هموت من الخوف عليكي.. ولما الواد قال خطيبتي قدام العميد، طلعت كلمة مراتي من بقي قبل ما أفكر فيها أصلا.
فاطمة بصتله ومش مصدقة.
مروان قعد على طرف السرير، ومسك إيديها اللي فيها الكانيولا بالراحة أوي.
مروان: أنا آسف.. آسف على كل كلمة قلتها، وعلى الحبسة، وعلى إني خوفتك.. أنا كنت غبي وبكابر عشان خايف.. خايف أحبك بجد وبعد الأربع سنين تمشي وتسيبيني.
فاطمة ضحكت وسط دموعها: طب ما أنا قدامك أهو، لا مشيت ولا هامشي.
مروان مسح دموعها بإيده وقال: هترجعي الجامعة، من بكرة. وكل الناس عارفة إنك مراتي، وهتفضلي مراتي.
—
وفعلا، تاني يوم الصبح، فاطمة نزلت من العمارة ومروان مستنيها تحت بعربيته، فتح لها الباب اللي جنبه.
فاطمة: إيه ده؟
مروان: اركبي يا مدام، هتروحي الجامعة مشي ولا إيه؟
وصلها لحد باب الكلية، ونزل فتح لها الباب قدام كل الطلبة. البنت أم بلوزة صفرا كانت واقفة وشافت المنظر وبلمت.
في المحاضرة، فاطمة قعدت في أول صف، ومروان طول المحاضرة عينه عليها، وكل ما تبصله يبتسم ابتسامة صغيرة ليها هي بس.
يوم ورا يوم، كان بيوصلها الصبح ويرجعها الضهر، ويذاكر لها في البيت على ترابيزة الصالة مش كل واحد في أوضة. وفي مرة وهو بيشرح لها بيت شعر، بص لها وقال:
مروان: بحبك يا فاطمة.
فاطمة وشها احمر وقالت: قولها تاني.
مروان: بحبك يا بنت عمي.
وبعدها بكام يوم، في ليلة هادية، كانوا قاعدين يشربوا شاي في البلكونة، مروان مسك إيديها وقال:
مروان: فاطمة.. تحبي نتمم جوازنا بجد؟ مش على الورق بس، قدام ربنا وقدام قلبنا؟
فاطمة بصتله، وعينيها بتلمع، وقالت من غير تردد:
فاطمة: موافقة يا جوزي.
وليلة الخميس اللي بعدها، عملوا فرح صغير على الضيق في شقتهم في الدقي، جابوا جاتوه وشغلوا أغنية بتحبها فاطمة، ورقصوا سوا في الصالة.
وباب الأوضة الكبيرة اللي كان مقفول طول الشهور اللي فاتت، اتفتح لهم هما الاتنين، واتقفل عليهم بالحب والرضا.
وكده، اللي بدأ بكتب كتاب غصب، انتهى بجواز حقيقي، وبحكاية حب بدأت في شقة صغيرة في القاهرة، بين دكتور من الصعيد وبنت عمه اللي جت تكمل دراستها، وكملت عمرها كله جنبه.
تمت.
