حكايه طارق وسلمي الجزء الثاني للكاتبه سهر محمد

“إياكي تفكري تقربي منها أو تلمسي شعرة منها… خطوة واحدة كمان وهدفنك مكانك هنا يا شيرين، ومحدش في البلد دي كلها هيعرفلك طريق!”
​الكلمات طلعت من طارق زي زئير الأسد، وهو بيترمي على الأرض بسرعة رهيبة عشان يلحق “نور” قبل ما تقع من إيد سلمى اللي فقدت الوعي تماماً، وانهارت على الأرض زي الج*ثة الهامدة.
​شيرين وقفت مكانها، برغم إنها اتخضت من هجوم طارق ومنظر سلمى، إلا إنها حافظت على ابتسامتها الباردة المستفزة، وقالت وهي بتعدل شنطتها على كتفها:
“بلاش دور البطل المغوار ده يا طارق، مابياكلش معايا. الورق رسمي، والطب الشرعي بيني وبينكم. أنا هسيبلك فرصة تستوعبوا الصدمة، وتفوق السنيورة بتاعتك… بس بكرة الصبح، البوليس هيكون هنا عشان أستلم بنتي بالقانون. سلام يا… يا سلفي!”
​لفت شيرين وخرجت من الفيلا بخطوات هادية، كأنها ماعملتش زلزال هد البيت على دماغ أصحابه.
​طارق مابصلهاش وهي ماشية، كل تركيزه كان مع سلمى اللي قاطعة النفس على الأرض، ونور اللي بدأت تصرخ وتعيط بخوف. شال البنت بحنية غريبة على ملامحه القاسية، حطها على الكنبة، وراح جري جاب إزازة برفان من على الترابيزة وبدأ يفوق سلمى وهو بيضرب بخفة على خدها.
​”سلمى… سلمى فوقي! ردي عليا يا سلمى!”
صوته كان مليان رعب حقيقي، رعب عمره ما حسه في حياته.
​بعد ثواني تقيلة، سلمى بدأت تاخد نفسها بصعوبة، فتحت عينيها ببطء، وأول حاجة دورت عليها كانت البنت. قامت مفزوعة وهي بتصرخ: “بنتي! نور فين؟ الكدابة دي خدتها؟ يا لهوي بنتي يا طارق!”
​طارق مسكها من كتافها وثبتها، وشاورلها على الكنبة: “اهدي! البنت أهي، محدش خدها ومحدش هيقدر ياخدها طول ما أنا فيا نفس. اهدي عشان تفهمي!”
​سلمى جريت على نور، خدتها في حضنها وانهارت في العياط، عياط يقطع القلب. كانت بتشم ريحتها وتمسح على شعرها كأنها بتتأكد إنها لسه موجودة.
رفعت عينيها لطارق، عيون مليانة قهر وتوسل وقالت: “قولي إنها كدابة يا طارق… والنبي قولي إنها نصابة وجاية تتبلى على حسن. حسن مستحيل يعمل فيا كده… مستحيل يبدل بنتي اللي شلتها في بطني تسع شهور ببنت واحدة تانية! طارق، رد عليا… حسن ماكانش كده، صح؟”
​طارق سحب كرسي وقعد قصادها. ملامحه كانت مزيج من الشفقة والغضب. خد نفس طويل، وكأنه بيستعد يهد المعبد كله.
“حسن ماكانش الملاك اللي انتي عايشة في جلبابه يا سلمى.” قالها بصوت واطي بس حاسم.
​سلمى برقت عينيها وبصتله بصدمة، فكمل هو كلامه من غير ما يديها فرصة تقاطعه:
“أخويا الله يرحمه كان غرقان في الديون. كان بيلعب قمار، وبيسهر، وعايش حياة تانية انتي ماتعرفيش عنها حاجة. شيرين دي فعلاً كانت مراته في السر، أنا عرفت بالصدفة قبل ما يموت بشهرين، لما الديانة هددوه يقتل*وه. أنا اللي بعت أرضي عشان أسدد ديونه وأحميه من السجن، وأنا اللي اتجوزتك غصب عنك عشان شيرين دي كانت ناوية تيجي تفضح الدنيا وتاخد كل حاجة بحجة إنها أرملته… أنا عملت كل ده عشان أستر على فضيحة أخويا، وعشان أحميكي انتي والبنت من بهدلة الشوارع والمحاكم.”
​سلمى كانت بتسمع والكلام بينزل عليها زي مية نار بتكوي قلبها. كل حاجة كانت مؤمنة بيها طلعت كدب. جوزها، حب حياتها، الرواية اللي عاشت عليها… كلها كانت وهم.
بصت لنور اللي في حضنها، وقالت بصوت مكسور: “يعني… يعني دي مش بنتي؟ أنا بنتي ماتت؟ حسن بدلهم عشان يرضيني؟”
​طارق قام وقف، وقرب منها، ونبرته المرة دي كانت أدفى وأحن من أي مرة اتكلم فيها معاها:
“أنا معرفش قصة التبديل دي حقيقتها إيه، ومقدرش أأكدها. حسن مات وسره مات معاه. بس اللي أعرفه إننا مش هنسلم رقبتنا لورقة جايباها شيرين. في حاجة واحدة بس هتقطع الشك باليقين، وهتخرسها للأبد.”
​سلمى سألته بلهفة: “إيه هي؟”
​”تحليل الـ DNA.” طارق قالها بحسم. “أنا كلمت دكتور صاحبي شغال في معمل كبير، هييجي هنا بالليل في السر. هياخد عينة منك، ومن نور… ومني أنا كمان.”
سلمى عقدت حواجبها بعدم فهم: “منك انت ليه؟”
طارق: “لأن لو نور طلعت مش بنتك زي ما شيرين بتقول، العينة بتاعتي هتثبت إذا كانت بنت حسن أخويا ولا لأ، الجينات هتبين إني عمها. وبكده نعرف إذا كانت شيرين بتكدب ولا بتقول الحقيقة.”
​في نفس الليلة…
​الفيلا كانت غرقانة في صمت مرعب. سلمى قاعدة في الصالة، ضامة نور في حضنها ومابتبطلش قراية قرآن ودموعها بتنزل بصمت. طارق كان قاعد على الكرسي اللي قصادها، عينيه مانزلتش من عليها. لأول مرة يحس إنه مش بس عايز يحميها بدافع الواجب، لأ… هو موجوع لوجعها، ومستعد يحرق الدنيا كلها عشان مايشوفش الكسرة اللي في عينيها دي.
​الدكتور جيه، خد العينات في هدوء تام، ووعد طارق إن النتيجة هتكون جاهزة في أسرع وقت كحالة استثنائية.
​الساعات عدت كأنها سنين. طلع النهار، وأشعة الشمس دخلت من شباك الفيلا بس ماجابتش معاها أي نور لقلب سلمى.
​فجأة، تليفون طارق رن.
الرنة قطعت الصمت وخليت سلمى تتنفض من مكانها. طارق مسك التليفون، لقى اسم الدكتور. بص لسلمى، لقى عينيها بتترجاه يطمنها.
فتح الخط وشغل مكبر الصوت (الاسبيكر) عشان سلمى تسمع بنفسها.
​”أيوة يا دكتور… طمني.” طارق قالها وصوته مشدود.
الدكتور اتنهد على الناحية التانية وقال بصوت رسمي جاد: “طارق بيه، النتيجة طلعت. أنا راجعتها تلات مرات عشان أتأكد من اللي هقولهولك.”
​سلمى قربت من التليفون وهي حابسة أنفاسها.
طارق زعق بنفاذ صبر: “انطق يا دكتور… نور بنت سلمى؟”
​سكت الدكتور ثانية، وبعدين قال: “للأسف يا طارق بيه… العينة أثبتت إن مفيش أي صلة أمومة بين مدام سلمى والطفلة. الطفلة دي مش بنتها.”
​سلمى حطت إيدها على بوقها تكتم صرختها، ودموعها نزلت زي الشلال، ووقعت على ركبها في الأرض وهي بتبص لنور اللي نايمة بسلام.
​طارق قفل عينيه بوجع، وقال للدكتور: “يعني شيرين طلعت بتقول الحق… والبنت بنت أخويا حسن.”
​رد الدكتور بسرعة ونبرة صوته اتغيرت لصدمة:
“لا يا طارق بيه، اسمعني للآخر! الكارثة مش هنا… الكارثة إن عينة الطفلة لا تتطابق معاك انت كمان! مفيش أي جينات بتثبت إنك عمها، ده معناه إن الطفلة دي مستحيل تكون بنت المرحوم حسن أخوك!! الطفلة دي لا بنت سلمى ولا بنت أخوك… دي طفلة غريبة تماماً!”
​الصدمة شلت لسان طارق، وسلمى رفعت راسها مبرقة عينيها مش مستوعبة اللي بتسمعه.
وقبل ما أي حد فيهم ينطق بكلمة، سمعوا صوت سرينة بوكس بوليس بيقرب، وفرملة عربيات قوية وقفت قدام باب الفيلا بالظبط، ووراها صوت شيرين العالي من بره:
“افتح يا طارق!! افتح البوليس معايا وجاية أخد بنتي!”
​…يتبع

تابع الباقي في الجزء الثالث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *