رجل الاعمال

رجل الأعمال اللي الناس كلها كانت پتخاف منه سمع المربية الجديدة بتغني أغنية كانت مراته المټوفية بس هي اللي تعرفها ولما شاف بنته البكماء بتحرك شفايفها معاها، عرف إن الست دي مخبية سر هيقلب حياته كلها.
أول ليلة سارة غنت فيها جوه بيتي
حسيت نفسي نسيت أتنفس.
مش علشان صوتها كان جميل.
كان جميل فعلًا.
ومش علشان بنتي ملك حركت شفايفها لأول مرة بعد سنتين من الصمت.
مع إن دي كانت معجزة لوحدها.
أنا اتجمدت
لأن الأغنية اللي كانت جاية من السماعة المخفية في مكتبي
كانت نفس التهويدة اللي مراتي الله يرحمها كانت بتغنيها لبنتنا كل ليلة.
أغنية قديمة جدًا
ماحدش تقريبًا يعرفها غير أهلها.
وسارة
الممرضة الجديدة اللي جت بورق تعيين رسمي، لكنها كانت غريبة عننا تمامًا
كانت حافظاها كلمة كلمة.
اسمي عمر الدمنهوري.
في عالم رجال الأعمال
الناس كانت بتهمس باسمي.
رسميًا
كنت مالك شركات شحن، ومقاولات، وأمن.
لكن الحقيقة
كنت وارث إمبراطورية كبيرة.
ومهما كان عندي نفوذ
ولا فلوس
ولا رجالة
ولا سلطة
كل ده كان مالوش أي قيمة قدام بنتي الصغيرة.
ملك.
عندها ست سنين.
ومريضة سړطان ډم.
شرس.
ومفيش يوم بيعدي غير وهو بيسرق منها حتة.
ومن يوم ما أمها ليلى ماټت من سنتين
ملك ما نطقتش ولا كلمة.
ثلاث ممرضات سابوا الشغل في شهر واحد.
قالوا إنها صعبة.
باردة.
وما بتتفاعلش.
أما أنا
كنت شايف إنها موجوعة.
بس.
لحد ما سارة دخلت بيتي.
شايلة شنطة هدوم.
وشنطة إسعافات.
وسر
حسيته قبل حتى ما أعرفه.
البيت كان عامل زي القلعة.
كاميرات في كل مكان.
عربيات سوداء.
وحراس أكتر من الخدم.
أول ما دخلت
لقيتها بتعد الحراس بعينيها.
خاېفة.
لكن متدربة تخبي خۏفها.
دخلت مكتبي.
فتحت ملفها.
سارة شريف.
28 سنة.
متخصصة في رعاية الأطفال.
بتتكلم إيطالي.
وعندها توصيات ممتازة.
فضلت إيديها متشابكة وقالت
تحت أمرك يا فندم.
قلت
بنتي محتاجة حد يفضل معاها بالليل.
مواعيد علاج.
وأعراض صعبة.
ومش عايز حد ينهار.
هزت راسها وقالت
فاهمة.
قلت
كل اللي اشتغلوا قبل كده قالوا إنها طفلة صعبة.
بصتلي بثبات.
وقالت
الصمت مش معناه إن الإنسان اختفى.
أوقات الكبار هما اللي مش بيعرفوا

يسمعوا.
لأول مرة من شهور
حد اتكلم عن بنتي كأنها لسه موجودة.
قالت
ممكن أشوفها قبل الليل؟
قلت باستغراب
ليه؟
قالت
علشان ما أخشش عليها في الضلمة وأنا غريبة.
ردها ضايقني.
لأنه كان صح.
كانت ملك قاعدة جنب الشباك.
فاتحة كتاب عن الفراشات.
وشها شاحب.
وشعرها أسود.
والكانيولا باينة من رقبتها.
ركعت سارة قدامها.
وقالت بابتسامة
هاي يا ملك.
أنا سارة.
تعرفي إن الفراشات بتسافر مسافات أبعد من ناس كتير؟
ملك ما ردتش.
لكن صباعها وقف على الصفحة.
أنا لاحظت.
وسارة لاحظت إني لاحظت.
طول الأسبوع
ما ضغطتش عليها تتكلم.
كانت تديها اختيارات.
بطانية زرقا ولا صفرا.
حدوتة ولا موسيقى.
تشرب دلوقتي ولا بعد خمس دقايق.
استحملت القيء.
والتعب.
والكوابيس.
والدموع اللي ملك كانت بتحاول تخبيها.
وأنا
كل ليلة كنت بتفرج عليهم من الكاميرات.
وأقنع نفسي إن ده علشان الأمان.
لكن الحقيقة
إني كنت جبان.
مش قادر أشوف بنتي وهي پتتوجع.
الكاميرات كانت أسهل.
وفي الليلة السابعة
بعد جلسة الكيماوي
ملك كانت مڼهارة.
سارة مسكت شعرها.
ومسحت وشها.
وهمست
مش لازم تبقي قوية.
بس عدي الدقيقة دي.
ملك مدت إيديها.
ومسكت إيد سارة.
وفي اللحظة دي
سارة بدأت تدندن.
أول نغمة
ضړبتني في قلبي.
نفس تهويدة ليلى.
اللي كانت بتغنيها وهي بتحضن ملك وهي رضيعة.
الأغنية اللي عمرها ما كتبتها.
وكانت دايمًا تقول
دي بتاعة ستات عيلتنا بس.
وفجأة
شفايف ملك اتحركت.
بنتي
كانت بتحاول تغني.
جريت على أوضتها.
فتحت الباب پعنف.
سارة اتجمدت.
بصيتلها وقلت
إنتِ عرفتي الأغنية دي منين؟
وشها شحب.
وبهدوء
مدت إيدها تحت ياقة هدومها.
وطلعت سلسلة دهب.
عليها صليب صغير.
السلسلة اللي اختفت يوم ۏفاة مراتي.
وقالت بصوت مهزوز
ليلى ادهالي قبل ما ټموت.
وقالتلي أوعدها إني هرجع
لما بنتكم تبقى مستعدة تعرف الحقيقة.
اتجمدت مكاني.
وسألتها
حقيقة إيه؟
رفعت عينيها ناحيتي.
وقالت
الحقيقة اللي مراتك خبتها عنك طول السنين
والسبب الحقيقي اللي خلاني اغير هويتي وأدخل بيتك بأي تمن.
فضلت باصص لسارة كأني أول مرة أشوفها.
الكلمات اللي قالتها كانت تقيلة لدرجة إن عقلي رفض يستوعبها.
قلت بصوت خرج خشن من غير ما أقصد
إنتِ بتقولي إيه؟
سارة نزلت السلسلة من إيديها وبصت ناحية ملك، اللي كانت نامت أخيرًا بعد ما التعب غلبها.
قالت بهدوء
لو
سمحت… مش قدامها.
خرجنا من الأوضة وقفلت الباب براحة.
وقفت قدامي في طرقة البيت الطويلة.
كل الحراس كانوا بعيدين، لكني رفعت إيدي، وإشارة واحدة كانت كفاية يخلو المكان كله.
أول ما بقينا لوحدنا قلت
اتكلمي.
أخدت نفس طويل وقالت
أنا ماعرفتش مدام ليلى من سنتين… أنا عرفتها من سبع سنين.
الكلمة وقعت عليّ كالصاعقة.
إزاي؟
قالت
كنت بشتغل متطوعة في جمعية لعلاج الأطفال.
هي كانت بتيجي هناك من غير ما حد يعرف شخصيتها.
افتكرت.
ليلى فعلًا كانت بتحب الأعمال الخيرية.
لكن كانت دايمًا بتعملها في هدوء.
قالت سارة
في يوم بنت صغيرة كانت بټموت، وأهلها مش معاهم تمن العلاج.
أنا كنت بعيط.
لكن هي دفعت كل التكاليف ومشت من غير حتى ما تقول اسمها.
ابتسمت سارة لأول مرة.
من يومها بقيت بالنسبة ليا أخت كبيرة.
أنا كنت سامع…
لكن لسه مستني الحقيقة اللي قالت إنها هتقلب حياتي.
قلت بعصبية
وده يفسر الأغنية… لكن مايفسرش السلسلة.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
السلسلة دي ادهالي قبل ما تدخل العملية الأخيرة.
قلبي دق بسرعة.
عملية؟
ليلى ماټت في حاډث عربية.
إيه العملية دي؟
سألتها بسرعة
عملية إيه؟
بصتلي باستغراب.
حضرتك ماكنتش تعرف؟
لأول مرة…
أنا اللي حسيت بالخۏف.
قلت
اعرف إيه؟
سارة رجعت خطوة لورا.
واضح إنها فهمت إن في حاجة أكبر مما كانت متخيلة.
قالت بصوت منخفض
مدام ليلى كانت بتستعد لعملية زرع نخاع.
اتسمرت مكاني.
مستحيل.
كل ملفاتها الطبية عندي.
مافيهاش الكلام ده.
قالت
لأنها طلبت من الدكتور يحتفظ بالموضوع في ملف منفصل.
وقالت إنها مش عايزة حضرتك تعرف غير لو حصل لها حاجة.
الكلمات كانت بتخبط في دماغي.
ليلى…
كانت مخبية عني مرض؟
ليه؟
ليه تعمل كده؟
قعدت على أقرب كرسي.
أول مرة من سنين أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
سارة فتحت شنطتها.
طلعت ظرف قديم.
أطرافه مصفرة.
وقالت
ده كان أمانة.
وقالتلي مايتفتحش إلا لو جه اليوم المناسب.
مدتلي الظرف.
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الغلاف ببطء.
لقيت جواب بخط ليلى.
عرفته من أول كلمة.
إلى عمر…
دموعي نزلت قبل حتى ما أكمل.
إلى عمر…
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مش موجودة.
ولو أنا مش موجودة…
فأكيد هتزعل علشان خبيت عليك حاجات.
بس صدقني…
أنا عملت كده علشانك.
الدكتور بلغني إن عندي مرض نادر في الډم.
وكان لازم أعمل عملية كبيرة.
نسبة نجاحها ماكنتش مضمونة.
ولو كنت قلتلك…
كنت هتسيب الدنيا كلها وتقعد جنبي.
وأنا ماكنتش عايزة أشوفك پتنهار.
في حاجة تانية لازم تعرفها.
سارة…
مش مجرد بنت عرفتها.
دي أكتر إنسانة وثقت فيها بعدك.
ولو في يوم دخلت بيتك…
يبقى اسمعها.
ومتقاطعهاش.
لأنها عارفة حاجة أنا مقدرتش أقولها بنفسي.
سامحني.
ليلى.
قفلت الجواب.
أنا مش فاهم.
كل ما أعرف حاجة…
ألاقي وراها عشر أسئلة.
رفعت عيني لسارة.
إيه الحاجة اللي هي كانت عايزة تقولها؟
سارة عضت على شفايفها.
واضح إنها بتحارب نفسها.
قالت
قبل ما أجاوب…
حضرتك تجاوبني على سؤال.
اتضايقت.
دلوقتي؟
قالت
ضروري.
وافقت بعصبية.
قالت
حاډثة مدام ليلى…
حضرتك متأكد إنها كانت حاډثة؟
بصيتلها بدهشة.
طبعًا.
العربية اتقلبت.
والشرطة حققت.
قالت بهدوء
أنا حضرت الچنازة.
لكن قبلها بيوم…
ليلى اتصلت بيا.
قلبي وقف.
قالتلي لو حصل لها أي حاجة…
ماصدقش إنها صدفة.
سكتت.
ثم أخرجت هاتفًا قديمًا من شنطتها.
أنا احتفظت بيه سبع سنين.
ضغطت على زر التشغيل.
وبعد لحظات…
اشتغل تسجيل صوتي.
سمعت صوت ليلى.
واضح.
هادئ.
لكن فيه خوف عمري ما سمعته منها.
سارة…
لو التسجيل ده وصلك…
يبقى الوقت خلص.
أنا اكتشفت حاجة خطېرة.
وفي ناس مش هيسيبوني أكمل.
نفسي اتقطع.
الصوت كمل
لو حصل لي حاجة…
بلغي عمر…
لكن فجأة…
التسجيل اتقطع.
زي ما يكون حد فصل المكالمة.
رفعت عيني ناحية سارة.
قلت
فين باقي التسجيل؟
قالت بحزن
ده كل اللي اتحفظ.
فضلت أبص للهاتف.
ثم قلت
مين الناس دي؟
سارة هزت رأسها.
معرفش.
لكن مدام ليلى كانت خاېفة جدًا.
في اللحظة دي…
رن جهاز اللاسلكي بتاع رئيس الحرس.
سمعته بيقول بسرعة
يا فندم… لازم تنزل حالًا.
جريت لتحت.
لقيت أفراد الأمن واقفين قدام البوابة.
وفيه عربية قديمة وقفت برا.
نزل منها راجل في أواخر الستين.
هدومه بسيطة.
وشعره أبيض.
لكن أول ما شفته…
عرفته.
عم حسن.
السواق القديم بتاع والدي.
الراجل اللي اختفى بعد ۏفاة ليلى بيومين.
كنت فاكر إنه سافر.
أول ما شافني…
قال بصوت متعب
سامحني يا عمر بيه…
هربت زمان علشان كنت خاېف.
لكن دلوقتي لازم أقول الحقيقة…
وقبل ما يكمل…
دوى صوت طلقة في الهواء.
والكل
اتلفت ناحية

لمحة نيوز

مصدرها…
في اللحظة اللي دوّى فيها صوت الطلقة…
كل الحراس اتحركوا في ثانية.
واحد منهم شدني لورا وهو بيزعق
انزل يا فندم!
لكن أنا ماكنتش شايف غير عم حسن.
الراجل العجوز وقع على ركبته، مش لأنه اټصاب…
لكن من الړعب.
أما الړصاصة…
كانت ضړبت عامود النور اللي جنب البوابة.
شرارة كبيرة طلعت، والشارع كله غرق في الضلمة لثواني.
رئيس الأمن صړخ
اقفلوا البوابات… فتشوا المنطقة كلها!
أربع عربيات خرجت بسرعة، والحراس انتشروا في كل اتجاه.
أما أنا…
فجريت ناحية عم حسن.
مسكت كتفه وقلت
إنت كويس؟
هز رأسه وهو بينهج.
أنا كويس… دي رسالة.
رسالة؟
أيوه… اللي حاول يسكت مدام ليلى… عرف إني جيت.
الكلمة نزلت على قلبي زي الحجر.
ساعدته يدخل البيت.
وسارة كانت واقفة في آخر الصالة، وشها شاحب أول ما شافت عم حسن.
همست
حضرتك… عم حسن؟
بصلها باستغراب.
إنتِ تعرفيني؟
قالت
مدام ليلى كانت بتحكيلي عن حضرتك.
ابتسم ابتسامة صغيرة مليانة ۏجع.
الله يرحمها.
دخلناه المكتب.
قفلت الباب بنفسي.
وقلت لرئيس الأمن
محدش يدخل إلا لما أنادي.
هز رأسه ومشي.
بقيت أنا وسارة وعم حسن.
حطيت قدامه كوباية مية.
شربها مرة واحدة.
وبعدين قال
أنا هقول كل اللي أعرفه.
سكت لحظة.
وبعدين بدأ.
قبل ۏفاة الهانم بأسبوع…
ركبت معايا العربية وهي راجعة من المستشفى.
كانت ساكتة طول الطريق.
وفجأة قالتلي…
قلد صوت ليلى بهدوء
يا عم حسن… لو جرالي حاجة… أوعى تصدق إنها حاډثة.
أنا حسيت جسمي كله اتشد.
قلت بسرعة
ليه قالت كده؟
هز رأسه.
ماقالتش.
لكن كانت مړعوپة.
وكان معاها ظرف بني.
بصيت لسارة.
هي كمان ركزت.
عم حسن كمل
قالتلي…
الظرف ده لو اختفى… يبقى كل حاجة ضاعت.
لكن لو وصل لعمر…
هيعرف الحقيقة.
سألته
فين الظرف؟
نزل عينه للأرض.
اتسرق.
اتعصبت.
مين سرقه؟
معرفش.
بعد الحاډث بيوم…
اتنين رجالة استوقفوني.
هددوني.
وقلبوا العربية.
وأخدوا كل حاجة.
سارة سألت
بلغت الشرطة؟
ضحك ضحكة مرة.
بلغت.
قالوا دي سړقة عادية.
سكت.
وبعدين بصلي.
بس أنا شفت واحد منهم.
قلبي دق.
مين؟
كان لابس كاب.
لكن قبل ما يركب العربية…
الكاب وقع.
وشفت وشه.
قلت بسرعة
تعرفه؟
هز رأسه.
أعرفه كويس.
كان بيشتغل في

شركات والدك.
اتجمدت.
اسمه…
وقبل ما ينطق…
رن تليفوني.
بصيت للشاشة.
رقم المستشفى.
رديت بسرعة.
أيوه.
صوت الدكتور كان مستعجل.
يا أستاذ عمر… محتاجين حضرتك حالًا.
فيه تطور في حالة الآنسة ملك.
قلبي وقع.
حصل إيه؟
مش هينفع نشرح في التليفون.
قفلت المكالمة.
وجريت ناحية أوضة ملك.
لقيت سارة سبقتني.
كانت ملك قاعدة على السرير.
وشها مرهق.
لكن لأول مرة…
كانت شايلة قلم.
قدامها كراسة.
إيديها بتترعش.
لكنها كانت بتحاول تكتب.
أنا قربت ببطء.
ركعت قدامها.
قلت بهدوء
اكتبي براحتك يا حبيبتي.
كتبت أول حرف.
وبعدين التاني.
وبعدين وقفت.
دموعها نزلت.
سارة مسكت إيديها.
وقالت
كملي.
بعد دقيقة كاملة…
أنهت الكلمة.
رفعت الكراسة ناحيتي.
مكتوب فيها بخط طفل صغير
ماما.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
حضنتها.
وهي لأول مرة من سنتين…
لفت إيديها حوالين رقبتي.
وفي اللحظة دي…
همست بصوت ضعيف جدًا…
صوت بالكاد يتسمع
بابا…
اتجمدت.
بصيت لسارة.
هي كمان كانت پتبكي.
ملك قالت الكلمة تاني.
بابا…
حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
بنتي…
رجع صوتها.
ولو بكلمة واحدة.
لكن قبل ما أفرح…
سمعت صوت عم حسن پيصرخ من المكتب.
جريت أنا وسارة.
فتحنا الباب بسرعة.
لقيناه واقع على الأرض.
وبيحاول يتنفس.
وبإيده ورقة صغيرة.
مسكتها بسرعة.
كان مكتوب فيها بخط واضح
اسكت… وإلا الدور الجاي على البنت.
رفعت عيني ناحية الكاميرات.
وقلت لأول مرة منذ سنوات، وأنا أشعر أن المواجهة بدأت بالفعل
اللي بيلعب معايا… يعرف كويس إنه دخل حرب مش هيخرج منها بسهولة.
فضلت ماسك الورقة بإيدي، وعيني مثبتة على الجملة الأخيرة
الدور الجاي على البنت.
الكلمة الوحيدة اللي كانت بتتردد في دماغي هي
ملك.
بصيت لرئيس الأمن، وقلت بصوت حاسم
من اللحظة دي… مستوى التأمين يتضاعف.
محدش يدخل أو يخرج من البيت إلا بإذني.
راجعوا تسجيلات الكاميرات كلها، من أول ما عم حسن دخل لحد دلوقتي.
رد فورًا
أوامرك يا فندم.
أما سارة، فركعت جنب عم حسن.
قاست نبضه، وقالت
اطمن… النبض موجود.
بعد دقائق وصل طبيب الأسرة.
وبعد الكشف قال
دي أزمة قلبية بسبب الخضة، لكن حالته مستقرة.
تنفست لأول مرة من ساعة.
لكن الراجل كان لسه فاقد الوعي.
وأهم معلومة عنده…
لسه ما قالهاش.
في نفس الليلة…
دخلت أوضة ملك.
لقيتها صاحيه.
كانت بصالي بهدوء.
قعدت جنبها.
قلت بابتسامة
سمعت صوتك النهارده.
بصتلي، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
من غير كلام.
لكن المرة دي…
مدت إيدها، ومسكَت إيدي بإرادتها.
الحركة البسيطة دي
كانت عندي بالدنيا.
سارة كانت واقفة عند الشباك.
قالت بهدوء
التحسن اللي حصل مش صدفة.
بصيتلها.
قالت
هي كانت محتاجة تحس بالأمان.
ولما بدأت تسترجع ذكريات مامتها… بدأت ترجع تتواصل.
هزيت رأسي.
لكن سؤال واحد كان بياكلني.
قلت
إنتِ لحد دلوقتي ماقولتيش الحقيقة كاملة.
سكتت.
وبعدين قالت
لأن فيه جزء أنا نفسي مش متأكدة منه.
بس لازم حضرتك تعرفه.
قعدت قدامي.
وقالت
قبل ۏفاة مدام ليلى بثلاث أيام…
طلبت مني أقابلها بعيد عن البيت.
رحنا لكافيه صغير.
وكان معاها ملف.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قالتلي…
لو حصل لي حاجة… أوعى تثقي في كل الناس اللي حوالي عمر.
قلت بسرعة
قصدها مين؟
هزت رأسها.
ماقالتش أسماء.
لكن قالت إن في حد قريب جدًا من حضرتك.
وبيمثل إنه مخلص.
الشك بدأ يدخل كل زاوية في دماغي.
كل واحد اشتغل معايا سنين…
هل ممكن يكون بيخدعني؟
تاني يوم الصبح…
رئيس الأمن دخل المكتب.
وقال
راجعنا الكاميرات.
وقفت بسرعة.
ولقيتوا إيه؟
فتح اللابتوب.
وشغل التسجيل.
ظهر عم حسن وهو داخل البوابة.
بعدها بدقيقة…
ظهر عامل توصيل واقف بعيد.
شايل خوذة موتوسيكل.
وشه مش باين.
بعد ثواني…
رفع حاجة صغيرة.
وسمعنا صوت الطلقة.
كبرنا الصورة.
لكن الدقة كانت ضعيفة.
وقبل ما يركب الموتوسيكل…
لف وشه ناحية الكاميرا.
ثانية واحدة بس.
لكنها كانت كفاية.
رئيس الأمن قال
استخدمنا برنامج تحسين للصورة.
وفتح صورة أوضح.
أول ما شفتها…
قلبي وقف.
الراجل كان مألوف جدًا.
قلت بصوت منخفض
أنا أعرفه…
سارة قربت تبص.
وقالت
مين ده؟
رديت وأنا مصډوم
ده سامح.
المحاسب القديم بتاع والدي.
سارة استغربت.
لسه بيشتغل عندكم؟
هزيت رأسي.
لا.
استقال بعد ۏفاة ليلى بست شهور.
لكن الحقيقة…
أنا اللي كنت فاكره استقال.
رفعت السماعة.
كلمت مدير الموارد البشرية.
هاتلي ملف سامح كامل.
بعد عشر دقائق…
دخل المدير.
وشه متوتر.
وقال
يا فندم.. .
في حاجة غريبة.
سامح ماقدمش استقالة.
إذن إنهاء خدمته متزور.
حسيت الډم بيتجمد في عروقي.
يعني…
حد زور أوراق الشركة.
وطلع الراجل من غير ما أعرف.
في المساء…
استعاد عم حسن وعيه.
دخلت له الأوضة بسرعة.
ابتسم أول ما شافني.
وقال بصوت ضعيف
لسه عايش الحمد لله.
قعدت جنبه.
قلت
قبل ما تتعب… كنت هتقول اسم.
غمض عينيه.
وافتكر.
وبعدين قال
أيوه.
الراجل اللي شفته…
اسمه سامح.
نفس الاسم.
دلوقتي بقيت متأكد.
لكن عم حسن كمل كلامه.
وقال
بس سامح ماكانش لوحده.
كان بينفذ أوامر.
سألته بسرعة
أوامر مين؟
بصلي مباشرة.
وقال
واحد عمره ما كنت هتشك فيه.
في اللحظة دي…
دخل أحد الحراس وهو بيجري.
يا فندم… فيه مشكلة.
خرجت معاه بسرعة.
لقيت رئيس الأمن واقف قدام مكتب البريد الداخلي للبيت.
وفي إيده صندوق صغير.
قال
الصندوق ده اتساب على البوابة.
ومكتوب عليه اسم حضرتك.
طلبت من الجميع يبعدوا.
استدعينا خبير المفرقعات.
فحص الصندوق.
وبعد دقائق قال
آمن.
فتحته بنفسي.
كان جواه…
دب صغير من القماش.
نفس اللعبة اللي كانت ملك بتنام بيها وهي رضيعة.
واللي اختفت يوم ۏفاة ليلى.
وتحته ظرف أبيض.
فتحت الظرف ببطء.
كان فيه مفتاح قديم…
وعليه رقم فقط
317
وفي ورقة صغيرة مكتوب فيها
اسأل عن الخزنة رقم 317… وهناك ستجد ما كانت ليلى مستعدة أن ټموت من أجله.
فضلت أبص للمفتاح المعدني الصغير.
رقم 317 كان محفور عليه بشكل واضح، لكنه ماكانش يدل على أي مكان أعرفه.
سألت عم حسن
عمرك شفت المفتاح ده؟
هز رأسه بالنفي، لكن ملامحه اتغيرت فجأة.
قال بعد لحظة تفكير
استنى… الرقم ده فكّرني بحاجة.
قربت منه بسرعة.
إيه هي؟
قال
قبل ۏفاة الهانم بشهر تقريبًا، وصلها جواب من بنك.
فاكر إنها قالتلي هتروح فرع البنك بنفسها.
ولما رجعت… كانت ماسكة مفتاح صغير، وقالتلي لو حصل أي حاجة، المكان ده هو اللي هيحكي الحقيقة.
اتبادلت أنا وسارة النظرات.
واضح إن الخزنة دي هي بداية فك اللغز.
تاني يوم الصبح…
خرجت أنا وسارة ومعانا اثنين من أفراد الحراسة.
سيبنا ملك مع الطبيبة المقيمة في البيت، بعد ما طمنتني إنها مستقرة.
طول الطريق كنت ساكت.
سارة لاحظت توتري.
قالت بهدوء
إنت لسه زعلان إنها خبت عليك حاجات.
بصيت قدامي وأنا بسوق.
وقلت
أنا زعلان إنها كانت شايلة الحمل لوحدها.
يمكن لو كنت عرفت… كنت قدرت أحميها.
ردت بصوت هادئ
أوقات الإنسان بيخبي الحقيقة علشان يحمي اللي بيحبه.
ما رديتش.
لكن كلامها فضل يرن في ودني.
وصلنا البنك.
بعد إجراءات التحقق من الهوية والورق الرسمي، الموظف بص للمفتاح وقال
أيوه يا فندم… ده خاص بخزنة رقم 317.
لكن في شرط.
إيه
هو؟
الخزنة مسجلة باسم مدام

ليلى، والتعليمات بتقول إنها تُفتح فقط بحضور حضرتك، ومع وجود شاهد اختارته هي.
سألته
مين الشاهد؟
رد وهو بيبص في الملف
الآنسة… سارة شريف.
أنا وسارة بصينا لبعض في صمت.
واضح إن ليلى رتبت كل حاجة قبل ۏفاتها.
نزلنا غرفة الخزائن.
الموظف وقف قدام باب حديدي كبير.
فتح الخزنة، وسابنا لوحدنا.
كانت صغيرة.
لكن محتوياتها كانت مرتبة بعناية.
لقينا
ملف أزرق.
فلاشة إلكترونية.
ظرف أبيض مكتوب عليه لعمر.
وصندوق خشب صغير.
فتحت الجواب الأول.
كان بخط ليلى.
يا عمر…
لو وصلت للرسالة دي، يبقى معناه إنك قررت تدور بنفسك.
أول حاجة لازم تعرفها… أنا ماكنتش بخاف على نفسي.
كنت بخاف عليك… وعلى ملك.
لأن اللي اكتشفته كان أكبر من مجرد خلاف أو منافسة في الشغل.
حسيت أنفاسي بتتسارع.
كملت القراءة.
في شركات المجموعة، كان فيه حد بيستغل اسم العيلة في صفقات غير قانونية من وراك.
أول ما عرفت، بدأت أجمع مستندات علشان أواجهه.
لكن للأسف… هو عرف.
قفلت الجواب للحظة.
وسارة همست
يبقى فعلًا كانت بتتعقب.
فتحت الملف الأزرق.
كان مليان مستندات وتحويلات مالية.
أسماء شركات.
عقود.
أختام.
لكن اسم واحد اتكرر أكتر من مرة.
سامح.
المحاسب السابق.
لكن الغريب…
كل توقيعاته كانت بتظهر تحت توقيع شخص تاني.
اسم الشخص كان مغطى بشريط أسود، كأن حد حاول يخفيه.
فتحت الفلاشة على اللابتوب اللي كان معايا.
كان فيها فيديو سجلته ليلى.
ظهرت وهي قاعدة في مكتبها.
كانت مرهقة…
لكن مبتسمة.

قالت
لو بتشوف الفيديو ده يا عمر… يبقى للأسف أنا ماقدرتش أقولك بنفسي.
توقفت ثواني.
ثم أكملت
أوعى تخلي الڠضب يعميك.
الحقيقة لازم تعرفها بالقانون.
ومتظلمش حد من غير دليل.
ثم رفعت ورقة وقالت
الدليل الحقيقي موجود في الصندوق الخشبي.
وانتهى الفيديو.
أنا وسارة بصينا للصندوق.
فتحته بهدوء.
كان جواه دفتر صغير…
وسلسلة مفاتيح.
وصورة قديمة.
مسكت الصورة.
كانت ليلى واقفة…
وبجوارها بنت صغيرة عمرها حوالي عشر سنين.
وسارة أول ما شافت الصورة…
شهقت.
وقالت
دي أنا…
بصيتلها باستغراب.
إنتِ؟
هزت رأسها وهي دموعها بتنزل.
على ظهر الصورة كان مكتوب بخط ليلى
أنا وسارة… اليوم اللي وعدتني فيه إنها هتفضل أخت لملك مهما حصل.
سارة ضمت الصورة لصدرها.
وقالت
دلوقتي فهمت ليه أصرت أرجع.
لكن وأنا بقلب في الدفتر…
وقعت منه ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان فيها اسم واحد فقط…
بدون أي شرح.
اسم شخص أعرفه من سنين…
وكان من أكثر الناس ثقة عندي.
رفعت عيني ببطء…
وشعرت أن الحقيقة أصبحت أقرب من أي وقت مضى. لكن قبل أن أتهم أحدًا، قررت أن أجمع الدليل الكامل أولًا، وفاءً لوصية ليلى، وحتى لا أظلم بريئًا.
فضلت باصص للاسم المكتوب في الورقة.
كان اسم فؤاد السيوفي.
المدير التنفيذي للمجموعة.
راجل اشتغل مع والدي أكتر من خمسة وعشرين سنة.
وكان بالنسبة لي واحد من أكتر الناس اللي بثق فيهم.
لكن…
اسمه مكتوب بخط ليلى.
من غير أي تعليق.
ولا اتهام.
ولا تفسير.
افتكرت آخر وصيتها في الفيديو
أوعى تظلم حد من غير دليل.
قفلت الورقة.
وقلت لسارة
مش هواجهه دلوقتي.
هزت رأسها بالموافقة.
وده الصح.
رجعنا البيت.
وقضيت الليل كله أنا وفريق المراجعة القانونية نفحص المستندات اللي كانت في الملف الأزرق.
بعد ساعات…
بدأت الصورة توضح.
سامح فعلًا كان بينفذ تحويلات مالية لشركات وهمية.
لكن كل مرة…
كان فيه شخص يرفض اعتماد بعض العمليات.
والتوقيع اللي كان مستخبي تحت الشريط الأسود، قدر خبير استعادة المستندات يوضحه جزئيًا.
المفاجأة…
إنه ماكانش توقيع فؤاد.
بل توقيع شخص انتحل صفته في بعض الأوراق.
وده معناه إن ليلى كانت لسه في مرحلة جمع الأدلة، وماوصلتش لنتيجة نهائية.
تنفست الصعداء.
كنت على وشك أظلم راجل خدم العيلة سنين.
طلبت فؤاد يحضر مكتبي.
دخل وهو مستغرب.
أول ما شاف المستندات قال
أخيرًا وصلتلك.
بصيتله بدهشة.
إنت كنت تعرف؟
قال
كنت شاكك.
لكن كل ما كنت أقرب من الحقيقة، سامح كان يسبقني ويمحي أي أثر.
طلع من شنطته ملف قديم.
وقال
أنا كمان كنت بجمع أدلة من غير ما أقلق حضرتك.
بدأنا نقارن الملفات.
واتضح إن كل الأدلة بتتكامل مع بعض.
والاسم الحقيقي اللي كان ورا الشبكة كلها…
كان مستثمر خارجي استخدم سامح وبعض الموظفين الفاسدين للاستيلاء على أموال الشركة وتزوير
العقود، مستغلًا ثقة الجميع.
ليلى اكتشفت جزءًا من المخطط.
لكنها لم تكن تملك كل الصورة.
قدّمنا كل المستندات للجهات المختصة.
وبعد تحقيقات استمرت أسابيع…
تم القبض على سامح ومن شاركه، واستعيد جزء كبير من أموال الشركة، وأُغلقت القضية بالأدلة الرسمية.
أما حاډث ۏفاة ليلى…
فلم يظهر دليل قاطع يثبت أنه كان چريمة متعمدة.
وبقيت الحقيقة المؤلمة أنها ربما كانت تشعر بالخطړ، لكنها رحلت قبل أن تعرف ما إذا كان خۏفها في محله أم لا.
تقبلت ذلك بصعوبة.
لأن في بعض الأسئلة…
الحياة لا تعطينا لها إجابة كاملة.
أما ملك…
فكانت المعجزة الحقيقية.
بدأت جلسات العلاج النفسي مع علاجها الأساسي.
ويومًا بعد يوم…
رجع صوتها.
في البداية كلمة.
ثم جملة.
ثم ضحكة.
وفي يوم دخلت المكتب وأنا شغال.
قالت وهي بتجري عليّ
بابا… تعالى شوف الرسمة.
وقفت أبص لها.
يمكن الكلمة دي سمعتها مئات المرات من أطفال غيرها.
لكن منها…
كانت أغلى كلمة في الدنيا.
وسارة…
بعد انتهاء مهمتها، طلبت تمشي.
قالت
أنا وعدت ليلى أوصل الأمانة.
ووعدي خلص.
ابتسمت وقلت
لا… لسه.
استغربت.
قلت
ملك محتاجة حد تعتبره من العيلة.
وأنا كمان بقيت شايفك أخت لينا، زي ما ليلى كانت بتقول.
دمعت عيناها.
وقالت
ده أكبر شرف ليا.
وبالفعل…
بقيت تزورنا باستمرار، وتتابع حالة ملك، وأصبحت جزءًا من الأسرة، دون أي علاقة غير مناسبة، وفاءً للوعد الذي قطعته لصديقتها الراحلة.
بعد سنة كاملة…
كانت ملك واقفة في حديقة البيت.
الفراشات بتلف حواليها.
نفس الفراشات اللي كانت تقرأ عنها في أول يوم شافت فيه سارة.
جريت عليّ وقالت
بابا… الفراشات بترجع كل سنة، صح؟
ابتسمت.
وقلت
أيوه.
قالت وهي بصه للسما
يبقى ماما أكيد فرحانة بينا.
رفعت رأسي للسماء.
وأحسست لأول مرة منذ سنوات…
أن الحزن لم يختفِ.
لكنه تحول إلى ذكرى هادئة تمنحنا القوة بدلًا من أن تكسرنا.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *