حكايه طارق وسلمي الجزء الخامس للكاتبه سهر محمد
“محمود؟! محمود صاحبي وأخويا ومحامي العيلة… هو اللي متفق مع الكلبة دي؟!”
صوت طارق طلع كأنه حشرجة طالعة من صدر بينزف، عينيه كانت مبرقة وهو بيبص للصورة اللي في إيده وكأنها حتة جمرة بتحرق صوابعه. ملامح وشه اتغيرت من الصدمة للجنون في ثانية واحدة.
سلمى شهقت بصوت عالي، وحطت إيديها على بوقها وهي بترتعش: “محمود؟ اللي كان بيعزيني في حسن وكان بيبكي معانا في العزا؟ اللي ساب شغله وحياته عشان يخلصلنا ورق الميراث ويقف جنبك؟ مستحيل… مستحيل يا طارق، إحنا في كابوس!”
الراجل العجوز اللي واقف قدامهم ضحك ببرود مستفز، وكأنه بيتفرج على مسرحية، وقال بصوت خشن: “الورق ورقهم، واللعب لعبهم يا طارق بيه… وصاحبك ده هو اللي رتب كل حاجة مع شيرين هانم خطوة بخطوة.”
طارق فقد السيطرة تماماً. رمى الصورة، وهجم على الراجل العجوز زي الأسد الجريح، مسكه من خناقه ورزعه في الحيطة بكل قوته لدرجة إن البيت القديم كله اتهز.
“انطق يا كلب! محمود عمل كده ليه؟ البنت فين؟ انطق بدل ما أطلع روحك في إيدي دلوقتي!” طارق كان بيزعق وصوته بيرج المكان، وعروق وشه هتكفر من الغضب.
الراجل كان بيكح وبيحاول ياخد نفسه بصعوبة، بس لسه الابتسامة الخبيثة على وشه:
“محمود بيه عينه من زمان على ست الحسن والجمال اللي وراك دي… كان هيموت من الغيرة لما أخوك حسن اتجوزها، وغيرته زادت لما إنت اتجوزتها بعده. وعينه أكتر على العزبة والأراضي اللي تحت إيدك. شيرين هانم وعدته بسلمى هانم والأرض، مقابل إنه يخلصها منك، ويساعدها ترجع بنتها.”
الكلمات نزلت على سلمى زي الكرابيج. حست إن الدنيا بتلف بيها، كل الناس اللي حواليها طلعوا وحوش لابسين وشوش ملايكة.
طارق ضغط على رقبة الراجل أكتر: “بنت سلمى الحقيقية فين يا فاجر؟”
الراجل رد وهو بيلهث: “مش معايا… البنت محمود بيه خدها بنفسه من ساعتين… زمانه راجع بيها على القاهرة.”
طارق ساب الراجل فجأة، وعقله بدأ يربط الأحداث بسرعة مرعبة. إذا كان محمود وشيرين عارفين إنهم جايين أسوان، وإنهم مرتبين كل ده… يبقى…
طارق لف لسلمى فجأة، وعينيه فيها رعب حقيقي، رعب عمره ما حسه في حياته كلها، وسألها بصوت بيترعش:
“سلمى… نور فين؟”
سلمى برقت عينيها، والدم هرب من وشها تماماً:
“نور… نور نايمة على الكنبة اللي ورا في العربية… أنا نزلت وراها أول ما سمعت صوتك بتزعق وسبتها…”
”يا نهار أسود!”
الكلمة طلعت من طارق وهو بيطير لبره البيت، وسلمى بتجري وراه وهي بتصرخ وتدعي ربنا إن ظنهم يخيب.
خرجوا للشارع الضلمة، طارق وصل للعربية… لقى أبوابها اللي ورا مفتوحة على مصراعيها.
بص جوه… الكنبة كانت فاضية. مفيش نور.
سلمى صرخت صرخة شقت سكون الليل في أسوان كلها، صرخة أم اتسرق منها بنتها للمرة التانية. وقعت على الأرض في التراب، بتخبط على وشها وتصرخ:
“بنتي! بنتي يا طارق! خدوا نور كمان! بنتي اللي ربيتها وبنتي اللي ولدتها الاتنين راحوا! يااارب… يااارب خدني وريحني!”
طارق كان واقف مكانه متصلب، عينيه بتدور في الضلمة على أي أثر، قلبه كان بيدق بسرعة تكفي تفجيره. فجأة، عينه لمحت حاجة بتنور وتطفي على كرسي السواق.
صندوق أسود صغير، جواه تليفون محمول بيرن.
طارق مد إيده المرتعشة، مسك التليفون. كانت مكالمة فيديو، ومكتوب على الشاشة “رقم مجهول”.
فتح الخط… وظهرتله الصورة اللي كسرت كل حاجة جواه.
على الشاشة، ظهر محمود… قاعد على كرسي فخم، وابتسامة انتصار باردة مرسومة على وشه. وفي الخلفية، سريرين أطفال… سرير فيه “نور” بتعيط، وسرير تاني فيه طفلة تانية في نفس العمر تقريباً، ملامحها نسخة مصغرة من سلمى!
”عجبك المشوار لأسوان يا صاحبي؟” محمود قالها بنبرة سخرية وشماتة.
طارق مسك التليفون بقوة لدرجة إن الشاشة كانت هتتكسر في إيده، وصرخ فيه:
“يا كلب يا خاين! يا واكل عيشي وملحي! ورب الكعبة لو لمست شعرة من البنات لهشرب من دمك يا محمود، وهخليك تتمنى الموت وماتطولهوش!”
محمود ضحك بصوت عالي، وقرب الكاميرا من وشه:
“تؤ تؤ، بلاش نبرة التهديد دي يا طارق عشان إنت دلوقتي في أضعف حالاتك. إنت اللي غبي، دايماً فاكر نفسك حامي الحمى، بس إنت مجرد عضلات من غير عقل. شيرين خدعتك، وأنا كملت عليها.”
محمود لف الكاميرا عشان يوري طارق وسلمى اللي كانت بتزحف في التراب عشان تبص على الشاشة وتشوف بنتها الحقيقية لأول مرة.
“بنت سلمى الحقيقية… ونور بنت شيرين. الاتنين معايا يا طارق. قدامك 24 ساعة بالظبط… يا تكتبلي توكيل عام بكل أملاكك وأراضيك، وتطلق سلمى وتجيبهالي لحد عندي… يا هرمي البنتين دول في النيل، وأخليكم تعيشوا بحسرتهم طول العمر.”
طارق صك على سنانه وقال بغل: “أنا هجيبك يا محمود… هجيبك ولو في سابع أرض.”
محمود ابتسم ببرود قاتل وقال:
“عارف إنك هتحاول، بس قبل ما تقفل وتفكر تعمل بطل… اسمع المفاجأة دي عشان تعرف إنت بتلعب مع مين.”
محمود سكت ثانية، وبص لطارق نظرة مليانة شر مطلق، وكمل:
“إنت فاكر أخوك حسن مات موتة ربنا من الزعل على ديونه؟ تؤ تؤ… حسن مات مسموم يا طارق. وأنا اللي حطيتله السم بإيدي في قهوته، وهو قاعد في مكتبي بيبكي وبيترجاني أساعده!”
…يتبع
تابع الباقي في الجزء الاخير