اخويا رماني في نص الليل في فيلا
“أخويا رماني في نص الليل في فيلا مهجورة على طريق صحراوي، وقفل عليا الباب مع راجل غريب وهو بيقولي: ‘أنا قبضت ثمنك خلاص.. ولو نطقتي بكلمة، اختك الصغيرة مش هتشوفيها تاني!’…!!!”
أنا مريم، عندي 21 سنة، في تالتة صيدلة. طول عمري عايشة في حالي، ومجتهدة في دراستي عشان ده كان حلم بابا الله يرحمه.
بعد ما بابا وماما اتوفوا في حادثة من سنتين، ماليش في الدنيا غير أختي الصغيرة “نور” اللي عندها 7 سنين، وأخويا الكبير “كريم”. كريم كان بالنسبة لي هو الأب والسند اللي بنام وأنا مطمنة وهو موجود… بس للأسف، الطمع والفلوس بيغيروا النفوس.
كريم اتعرف على شلة سوء، وبدأ يدخل في حوارات ديون ولعب قما*ر، لحد ما خسر كل الفلوس اللي بابا سابها لنا، ومبقاش حيلتنا غير البيت الصغير اللي لامة لحمنا أنا وأختي.
في يوم، لقيت كريم داخل البيت ومعاه راجل باين عليه العز والهيبة، بس ملامحه كانت قاسية وتخوف، اسمه “سليم بيه”. كريم ناداني وقالي إن سليم بيه جاي يطلب إيدي.
أنا طبعاً رفضت وصدمته وقلتله: “أنا عايزة أكمل كليتي، والراجل ده قدي مرتين في السن!”.
الغريبة إن كريم مَزعلش ولا اتعصب، بالعكس، ابتسم وقالي: “براحتك يا مريم، أنا عمري ما هغصب عليكي في حاجة”. نمت ليلتها وأنا راضية عن أخويا وبقول الحمد لله إنه حاسس بيا.
لحد ما جه يوم الجمعة.. كريم دخل عليا الأوضة وقالي: “البسي يا مريم، تعالي معايا مشوار نشتري لبس وطلبات لنور الصغيرة”. ركبت معاه العربية وأنا فرحانة، وفجأة لقيت الطريق بيتغير.. بدأنا نبعد عن زحمة القاهرة وندخل في طريق صحراوي مقطوع، الضلمة فيه كحل ومفيش فيه صريخ ابن يومين!
بدأت أخاف وضربات قلبي تزيد، وقلتله: “احنا رايحين فين يا كريم؟ الطريق ده غلط!”.. مكنش بيرد عليا، وملامح وشه كانت جامدة زي الحجر.
وفجأة، العربية وقفت قدام فيلا قديمة ومهجورة في وسط الصحرا. لقيت “سليم بيه” واقف مستني قدام الباب!
كريم نزل بسرعة، وفتح بابي وشدني من إيدي جامد. قعدت أصرخ وأقوله: “أنت بتعمل إيه يا كريم؟! سيبني!”.. زقني جوه الفيلا بقسوة، وقفل الباب الحديد الكبير بالجنزير من برة.
بصلي من ورا السلك وقاللي بجحود صرمني: “سليم بيه دفعلي ديوني كلها وشال عيني من تحت ضرس الناس.. هتقعدي هنا معاه لحد ما تكتبوا الكتاب غصب عنك.. ولو حاولتي تهربي أو تعملي شوشرة، افتكري إن أختك نور معايا في البيت، وممكن متصحاش الصبح!”.
سمعت صوت عربية كريم وهي بتمشي وتختفي في الصحرا.. الدنيا اسودت في عيني، ومبقاش مسموع غير صوت الهوا المرعب برة.
لفيت بضهري لقيت سليم بيه واقف ورايا، وابتسامة خبيثة على وشه، وبيقرب مني بهدوء وهو بيقول: “منوراني يا عروسة.. أخوكي قبض التمن خلاص، يعني بقيتي ملكي، وبلاش صراخ عشان مفيش كلب هيسمعك هنا”.
قعدت أرجع لورا وأنا عمالة أعيط وأترجاه يسبني ويخاف ربنا فيا، وهو بيقرب أكتر وعينيه كلها شر..
وفجأة وهو بيفتح دراعاته ولسة بيقرب يمسكني.. النور قُطع تماماً في الفيلا، وسمعنا صوت خبطة قوية وخطوات سريعة ورايا، وإيد حطت منديل على بوقي وهمست في ودني: “اششش.. متصرخيش أنا جاي أنقذك..”، وفجأة حصل ……!!!
حصري لصفحه #روايات_من_الواقع
وفجأة حصل ضرب نار كثيف برة الفيلا!
صوت الرصاص شق سكون الصحرا المرعب، وسليم بيه اتنفض مكانه بخضة وصرخ بصوت عالي: “إيه اللي بيحصل برة؟ الحرس فين؟!”. في اللحظة دي، الإيد اللي كانت على بوقي شالت المنديل بالراحة، وفي عز الضلمة شفت خيال شاب قوي، صوته كان فيه ثبات غريب وهو بيهمسلي: “امسكي في إيدي كويس يا مريم، مفيش وقت للأسئلة.. ثقي فيا لو عايزة تعيشي وترجعي لأختك”.
كلمة “أختك” كانت زي السحر اللي صحاني من صدمتي. مسكت في إيده كأنها طوق النجاة الوحيد في بحر غويط. سحبني وراه بسرعة وبخفة، كنا بنمشي على طراطيف صوابعنا في ضلمة الفيلا، وسليم بيه كان بيخبط في العفش القديم وبيشتم بأبشع الألفاظ وهو بيحاول يلاقي كشاف تليفونه.
الهروب من الجحيم
الشاب ده كان عارف طريق الخروج كأنه حافظ المكان. طلعنا من باب خلفي متداري في المطبخ، وأول ما شمينا هوا الصحرا، شفت برة عربيات شرطة كتير محوطة المكان، وعساكر وضباط بيقبضوا على رجالة سليم بيه اللي كانوا متسلحين.
الشاب اللي أنقذني طلع كشاف صغير ووجهه على وشه عشان أشوفه. كان شاب في أواخر العشرينات، ملامحه مصرية أصيلة، لبسه مدني بس معاه سلاح وجهاز لاسلكي.
قاللي وهو بيلهث: “أنا النقيب ‘طارق’ من مباحث الأموال العامة ومكافحة جرائم الاتجار بالبشر.. متخافيش يا مريم، إنتي في أمان دلوقتي”.
دموعي نزلت زي الشلال ومسكت في هدومه وأنا بصرخ بانهيار: “أختي! أختي نور يا فندم! كريم أخويا مهددني بيها، قالي لو هربت هيأذيها.. أبوس إيدك وديني لأختي، أنا مش مهم أموت بس هي لأ!”.
النقيب طارق بصلي بنظرة كلها تعاطف وحزم في نفس الوقت، وقال في اللاسلكي بتاعه: “القوة التانية اللي عند بيت المتهم ‘كريم’.. إيه الأخبار؟ نفذوا الاقتحام فوراً، الأولوية القصوى لتأمين الطفلة ‘نور’.. أكرر، تأمين الطفلة”.
رد عليه صوت من اللاسلكي: “علم يا فندم، ثواني ونبلغك بالتمام”.
طارق فتحلي باب عربيته وقالي: “اركبي.. إحنا في طريقنا لبيتك، زمايلي هناك مش هيسيبوا شعرة من أختك تتأذي”.
الحقيقة الصادمة
في الطريق، وأنا قاعدة أترعش من البرد والخوف، النقيب طارق بدأ يفهمني اللي بيحصل.
قالي: “سليم بيه ده مش مجرد راجل غني، ده زعيم عصابة كبيرة بتغسل أموال، وبتستغل البنات اللي ظروفهم صعبة تحت مسمى ‘الجواز العرفي’ أو ‘تسديد الديون’. إحنا بنراقبه بقالنا شهور. ولما أخوكي بدأ يلعب قمار ويستلف منه مبالغ ضخمة، حطينا أخوكي تحت المراقبة. كنا عارفين إن سليم هيساومه عليكي، وكنا مستنيين اللحظة اللي يلبس فيها قضية تلبس واضحة عشان نقبض عليه متلبس بجرائمه”.
كلامه كان بينزل على قلبي زي المية الساقعة. أخويا.. سندي.. دمي ولحمي، كان متراقب لأنه بقى مجرم؟ بقى بيبيع أخته عشان يسدد وساخته وقذارته؟ بابا وماما لو كانوا عايشين وشافوا اللي ابنهم بيعمله كان ماتوا بحسرتهم ألف مرة.
المواجهة الأصعب
وصلنا لشارعنا. الشارع كله كان مقلوب، عربيات بوكس واقفة، والجيران كلهم في البلكونات مذهولين. نزلت من العربية زي المجنونة، جريت على السلم وأنا مش حاسة برجلي. باب شقتنا كان مكسور، دخلت لقيت عساكر جوة، وكريم أخويا متكلبش وقاعد على الأرض وشه في الأرض وبيترعش زي الفار المبلول.
محستش بنفسي غير وأنا بصرخ: “نور!! نور فين؟!”.
طلعتلي مجندة من أوضة نور وهي شايلاها على إيدها، نور كانت بتفرك في عينيها ونايمة، المجندة طمنتني: “متخافيش، البنت كويسة جداً ومحستش بحاجة، إحنا لقيناه قافل عليها الباب من برة”.
أخدت نور في حضني ووقعت بيها على الأرض، قعدت أشم في ريحتها وأبوس في إيديها ووشها، كأني بتأكد إنها حقيقية وإن الكابوس ده انتهى.
رفعت عيني وبصيت لكريم. للمرة الأولى في حياتي مشوفش فيه الأخ الكبير ولا الأب البديل.. شفت فيه مسخ، إنسان قلبه مات وعماه الطمع.
قمت وقفت، واديت نور للمجندة، وقربت منه. رفع عينه المكسورة وبدأ يعيط بدموع التماسيح: “سامحيني يا مريم.. غصب عني، هددوني يقتلوني لو مدفعتش.. الشيطان شاطر يا أختي، سامحيني عشان خاطر ربنا وعشان خاطر بابا”.
نزلت قلم على وشه بكل قوتي.. قلم طرقع في صمت الشقة كلها.
قلتله وصوتي كله قهر: “بابا؟! إنت بتجيب سيرة بابا على لسانك القذر ده؟ بابا اللي شقي عمره كله عشان يكبرنا بالحلال.. إنت بعت شرفه وبعت عرضك عشان الفلوس والقمار! الشيطان مش شاطر يا كريم، إنت اللي شيطان.. إنت رميتني لواحد ميسواش، وهددتني بحتة لحمة حمرا ملهاش ذنب! إنت من اللحظة دي لا أخويا ولا أعرفك، وإياك تنطق اسمي على لسانك لحد ما تموت!”.
النقيب طارق شاور للعساكر، فشالوا كريم من على الأرض وجروه على برة وسط نظرات الاحتقار من كل الجيران.
نهاية الظالمين وبداية جديدة
مرت الأيام والشهور بعد الليلة الكابوس دي، بس كانت كفيلة تغير حياتي كلها.
القضية كبرت وبقت قضية رأي عام. “سليم بيه” اتكشفت كل أوراقه، واتحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة هو وكل شبكته. أما كريم، فاتحكم عليه بـ 15 سنة سجن بتهمة التواطؤ في الاتجار بالبشر وتعريض حياة قصر للخطر. محاولتش أزوره ولا مرة، قلبي اتقفل من ناحيته للأبد.
أما أنا ونور.. فبدأنا حياة جديدة. بعت البيت الصغير اللي كان مليان ذكريات وجع، وأخدت شقة صغيرة قريبة من كليتي. اشتغلت فترتين، الصبح في الكلية وبعد الضهر مساعدة في صيدلية، كنت بنام ساعتين تلاتة بس في اليوم، بس كنت بنام وأنا مرتاحة ومرفوعة الراس.
النقيب طارق فضل متابع حالتنا فترة طويلة بحكم القضية، وبعدها بشخصه. كان نعم الأخ والصديق اللي عوضني عن غدر أقرب الناس ليا. ساعدني ألاقي شغل كويس، وكان دايماً بيطمن على دراسة نور.
بعد مرور 3 سنين…
اليوم اللي بابا كان بيحلم بيه جه. كنت لابسة روب التخرج، واقفة على مسرح الكلية بستلم شهادتي كدكتورة صيدلانية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.
بصيت في القاعة، شفت “نور” كبرت وبقت عروسة صغيرة، واقفة بتسقفلي وتدمع، وجمبها واقف “طارق”، اللي بعد ما القضية خلصت، جاب أهله وطلب إيدي في النور، وبقى خطيبي وسندي الحقيقي اللي ربنا عوضني بيه.
مسكت المايك بعد ما استلمت الشهادة، وبصيت للناس كلها وقلت:
“كتير مننا بيفتكر إن السند دايماً بييجي من الدم، وإن العيلة هي الحصن الوحيد.. بس أنا اتعلمت في طريقي إن السند الحقيقي هو اللي يخاف ربنا فيك. اتعلمت إن الفلوس الحرام والطمع بيهدوا بيوت ويبنوا سجون.. وإن البنت مهما كانت ضعيفة أو لوحدها، ربنا بيكون معاها لو فضلت ماسكة في شرفها وأصلها. الضربة اللي متموتش بتقوي، وأنا الضربة اللي أخدتها من أقرب الناس ليا، هي اللي خلتني أقف قدامكم النهاردة دكتورة مريم، قوية، وراضية، ومكملة طريقها.”
القاعة كلها وقفت تسقف، وفي اللحظة دي بالذات، حسيت إن روح بابا وماما حواليا بيضحكوا ومبسوطين. أخدت أختي في حضني، وبدأت أول يوم في حياتي الحقيقية، حياة مبنية على الشرف، الكرامة، والعوض الجميل من ربنا.
العبرة من القصة:
الطمع مقتل: الجري وراء المال الحرام والمكاسب السريعة (كالقمار) يدمر الإنسان ويجعله يخسر أغلى ما يملك، حتى أهله وكرامته.
القوة في التمسك بالحق: مهما كانت الظروف قاسية ومهما بدا الظلم منتصراً، فإن التمسك بالأخلاق والمبادئ هو طوق النجاة.
العوض الإلهي: عندما يغلق في وجهك باب، ويخذلك أقرب الناس، يرسل لك الله من ينقذك ويعوضك عن كل الألم الذي مررت به، شرط ألا تفقد إيمانك به وبنفسك.
صلة الدم ليست كل شيء: المواقف هي التي تصنع السند الحقيقي، وليس مجرد القرابة.