حكايه ياسين ونور الجزء الاخير للكاتبه سهر محمد
باب الأوضة اتفجر حتت، وسحابة من الدخان والتراب ملت المكان. ياسين كتم نفسه وهو متكوم ورا المكتب العريض، قلبه كان بيدق بسرعة كأنه هيخرج من ضلوعه، وإيده ماسكة المسدس بتترعش.
من وسط الدخان، دخلوا تلات رجالة ضخام رافعين أسلحتهم الآلية، بيمسحوا الأوضة بنظراتهم. مفيش ثانية عدت، وكانت “عقرب” بتتحرك بخفة مرعبة. نطت من فوق ترابيزة الكمبيوتر، وبضربتين في منتهى الدقة من مسدسها، اتنين من الرجالة وقعوا على الأرض قبل ما يلحقوا يضغطوا على الزناد.
الراجل التالت لف س*لاحه ناحيتها وهو بيصرخ، لكنها لفت حوالين نفسها زي الإعصار، ضربته برجلها طيرت الس*لاح من إيده، وفي الكسر من الثانية كانت لفة دراعه ورا ضهره وضرباه بمقبض المسدس على دماغه، فوقع فاقد الوعي.
ياسين كان بيبص من ورا المكتب مذهول.. دي مش بني آدمة، دي آلة قتال متحركة!
صوت خطوات تقيلة تانية بدأت تقرب من الممر. “عقرب” بصت لياسين وعينيها بتلمع في النور الأحمر:
“خليك مكانك وماتتحركش إلا لو قولتلك!”
رمت قنبلة دخان صغيرة ناحية الباب، وانسحبت في الظلمة تستخبى ورا عمود خرساني. الرجالة دخلوا وهما بيكحوا من الدخان، بيضربوا نار بعشوائية. “عقرب” كانت بتصطادهم واحد ورا التاني بطلقات دقيقة في مناطق تشل حركتهم من غير ما تق*تلهم.
بس وسط الفوضى دي، واحد من المهاجمين لمح خيالها، رفع س*لاحه الآلي وكان على وشك يفرغ خزنته في ضهرها. ياسين شافه… في اللحظة دي، الغرور والخوف وكل حاجة جواه اختفت، ومبقاش فاضل غير إحساس واحد: لازم يحميها!
طلع من ورا المكتب، رفع المسدس اللي في إيده وبكل قوته صرخ: “حااااسبي!” وضغط على الزناد.
الطلقة جات في كتف الراجل، صرخ ووقع س*لاحه. “عقرب” لفت بسرعة وخلصت عليه بضربة سريعة، وبصت لياسين بنظرة كان فيها لأول مرة لمحة من الاحترام.
المواجهة وكشف الخائن
فجأة، ضرب النار وقف تماماً. المكان بقى هادي هدوء مرعب، مفيش غير صوت أنين الرجالة اللي على الأرض.
من بين الدخان اللي بدأ يتبدد، ظهر ظل راجل طويل، بيمشي بثقة، وبيسقف بإيديه ببطء واستفزاز.
”براڤو… براڤو بجد! عمي عثمان طول عمره داهية، حتى وهو بيموت عرف يلعبها صح ويجيبلك حراسة خاصة.”
ياسين اتصلب مكانه. الصوت ده هو حافظه أكتر من صوته. الدخان خف، وظهر وش الراجل اللي كان بيبتسم بسخرية…
“طارق؟!” ياسين نطقها بصوت مهزوز مكسور. طارق ابن عمه، دراعه اليمين، وصاحب عمره اللي مأمنه على ماله وروحه!
طارق ضحك بسخرية وهو رافع مسدسه ناحية ياسين:
“أيوة طارق يا ياسين بيه. طارق اللي طول عمره عايش في ضلك. عمي عثمان ماسك كل حاجة، ولما كبرت، سلمك إنت الخزنة والشركات، وسابلي أنا الفتات. كان لازم أخلص منه، السم البطيء كان الحل المثالي.. بس العجوز طلع ناصح وكتبلك كل حاجة.”
ياسين عينيه دمعت من الخذلان وصرخ: “أنت اللي ق*تلت أبويا يا خاين؟! أنا كنت معتبرك أخويا!”
”أخوك؟!” طارق زعق بغل: “أنا اللي كنت بشيل قرفك وبصلح صفقاتك الخسرانة عشان غرورك. ولما حاولت أضرب صفقة الألمان عشان أوقعك وأستحوذ على الأسهم، طلعتلي البتاعة دي من العدم وبوظت كل حاجة!” شاور بمسدسه ناحية “عقرب”.
طارق كمل بابتسامة شيطانية:
“بس خلاص، اللعبة خلصت. أنا هق*تلكم أنتوا الاتنين هنا، وهقول إن عصابة مسلحة هجمت عليكم، وبصفتي الوريث الوحيد لعيلة الجارحي، كل حاجة هتبقى بتاعتي.”
رفع مسدسه عشان يضرب نار على ياسين.. لكن قبل ما يضغط على الزناد، سمع صوت “عقرب” البارد بيتردد في القاعة:
“أنت ناسي حاجة مهمة أوي يا طارق بيه.”
طارق بصلها باحتقار: “إيه هي يا حلوة؟”
ابتسمت ومسكت تليفونها الصغير اللي كان منور، ورفعته في الهوا:
“أنا مسجلة البث ده لايف، ومبعوت من خمس دقايق على سيرفرات مديرية الأمن اللي أنا تابعة ليها سراً. اعترافك بقت*ل عثمان الجارحي ومحاولة ق*تل ابنه متوثق صوت وصورة.. والبوليس اللي أنت مش سامع صوته ده، زمانه محاوط الفيلا.”
وفي نفس اللحظة اللي خلصت فيها جملتها، كشافات قوية جداً نورت شبابيك الفيلا من برا، وصوت سارينات الشرطة شق سكون الليل، ومكبرات الصوت بدأت تدي أوامر لرجال طارق بالاستسلام.
طارق وشه جاب ألوان، إيده اترعشت والمسدس وقع منها. وقع على ركبه وهو مش مصدق إن خطة عمره كلها اتهدت في ثواني.
نهاية البداية
الشرطة قبضت على طارق وكل رجالته. الإسعاف نقلت المصابين، والفيلا اللي كانت مهجورة رجعت للهدوء، بس المرة دي هدوء نظيف، خالي من أي أسرار أو سموم.
ياسين كان قاعد على باب الفيلا، وشه مليان تراب وهدومه متقطعة، بس عينيه كانت بتلمع بصفاء لأول مرة من سنين. الغرور انكسر، والعمى اللي كان مخليه مش شايف الحقيقة راح لحاله.
سمع صوت خطواتها الهادية بتقرب. وقف وبصلها. كانت لسه بنفس شموخها، بتمسح التراب من على هدومها، وماسكة شنطتها الصغيرة.
”المهمة خلصت يا ياسين بيه.” قالتها بصوت هادي، مفيش فيه القسوة بتاعت الكام ساعة اللي فاتوا. “الخطر زال، طارق اعترف بكل حاجة، وفلوسك وشركاتك رجعتلك بأمان. المحامي بتاعي هيتواصل معاك بكرة الصبح عشان ننقل كل الأملاك باسمك ونتمم إجراءات الطلاق، زي ما كان متفق مع الباشا الله يرحمه.”
ياسين بصلها، حس إن قلبه بيتخطف. الكام ساعة اللي فاتوا عاش فيهم عمر كامل. شاف فيها القوة، والذكاء، والتضحية، والأهم.. شاف نفسه على حقيقتها.
”انتي ماشية؟” سألها بصوت خافت.
ابتسمت بهدوء: “أيوة.. أنا (عقرب)، مهمتي الحماية وقت الخطر، ولما الخطر بينتهي، برجع للظل تاني.”
ياسين بلع ريقه، وقرب منها خطوة وقال بتردد مكنش متعود عليه:
“أنا.. أنا حتى معرفش اسمك الحقيقي.”
بصتله بعمق وقالت: “ليلى… اسمي ليلى.”
ياسين ابتسم ابتسامة باهتة بس صادقة جداً:
“طيب يا ليلى.. أنا مش ياسين المغرور اللي رميتي له الورق الصبح. أنا النهاردة اتولدت من جديد بفضلك وبفضل أبويا. أنتي أنقذتي حياتي، وأنقذتي اسم عيلتي.”
سكت لحظة، وبص في عينيها بثقة جديدة:
“أنتي بتقولي إن مهمتك خلصت.. بس أنا شايف إن مهمتنا إحنا الاتنين لسه بتبدأ. إمبراطورية الجارحي محتاجة شريك حقيقي، مش مجرد ورقة في درج. وأنا.. أنا محتاج العقل اللي يوزنني، والقلب اللي يقدر يواجهني بعيوبي من غير ما يخاف.”
ليلى رفعت حاجبها باستغراب: “أنت تقصد إيه؟”
ياسين مد إيده ليها، كأنه بيعاهدها قدام نفسه وقدام الدنيا:
“أقصد إن المأذون اللي جابوه من ست شهور ده ملوش لازمة.. أنا عايز أكتب كتابي عليكي من أول وجديد. مش وصية من أبويا، ولا مهمة حماية.. أنا بطلب إيدك يا ليلى، تبقي شريكتي في الجارحي جروب، وشريكتي في حياتي اللي جاية. تقبلي تبدئي معايا من الصفر الحقيقي؟”
ليلى بصت لإيده الممدودة، وبعدين بصت لعينيه اللي كانت بتنطق بالصدق والرجاء. لأول مرة من سنين، درع “عقرب” الحديدي نزل، وظهرت ابتسامة رقيقة جداً، ابتسامة بنت لقت السند الحقيقي اللي كانت طول عمرها بتحمي الناس وتتمناه لنفسها.
حطت إيدها في إيده وقالت بصوت دافي:
“لو جاهز للمواجهة كل يوم يا ياسين.. فأنا موافقة.”
ياسين ضحك من قلبه لأول مرة من يوم ما أبوه مات، وشد على إيدها بقوة:
“جاهز.. جاهز جداً.”
وسط نور الفجر اللي بدأ يشق السما فوق إسكندرية، خرجوا هما الاتنين من الفيلا. مش سايبين وراهم ماضي مكسور، لأ.. سايبين وراهم أوهام، ورايحين يبنوا إمبراطورية جديدة، أساسها القوة، الذكاء، والحب اللي اتولد من قلب العاصفة.
تمت للكاتبه سهر محمد
لو عجبتك الروايه متنساش التفاعل معاها ومتابعه لصفحتي سهر الحكايات