حكايه عمر ومريم الجزء الثاني للكاتبه سهر محمد

أخد نَفَس عميق، والهدوء اللي ساد الحارة كان هدوء مريب.. هدوء قبل الإعصار. عمر مطلعش سل*احه، بالعكس، نزل إيده ببطء وهو بيبتسم ابتسامة باهتة ومخيفة، ابتسامة اللي شاف كل ورق اللعبة وعارف إنها خسرانة.
​قرب من “حازم” لحد ما بقوا في وش بعض، حازم رغم إنه شاب وجدع، بس هيبة عمر اللي متعود يهد جبال، خليته يشد على وسط مريم أكتر.
​عمر بصوت واطي بس حاد زي السكينة:
“مراتك؟.. أنت عارف أنت بتقول إيه يالا؟ أنت بتلعب في عداد عمرك يا ابن الناس.”
​حازم ما تراجعش، بالعكس، بص في عين عمر بنظرة تحدي:
“الرزق عند الله، والأعمار بإيد ربنا.. مريم مراتي، وزين ابني، والحارة دي محمية بجدعانها، مش بشركاتك وموظفينك. يا ريت لو سمحت تاخد رجالتك وعربياتك دي وتتفضل، عشان وجودك هنا بيضايق عيلتي.”
​عمر ضحك ضحكة قاسية، ضحكة خلت الحارة كلها تقشعر. لف بجسمه وبص لـ مريم اللي كانت واقفة زي التمثال، وشها أبيض زي الورق، عيونها بتصرخ بالخوف والذكريات.
​”عيلتك؟.. مريم هانم، يا محامية يا شاطرة، نسيتي تقولي لجوزك الجديد مين هو عمر الجارحي؟ نسيتي تقولي له إن اللي بيحاول يوقف في طريقي بيختفي من الخريطة؟”
​مريم خدت نفس طويل وقالت بصوت بيحاول يبان ثابت:
“عمر.. سيبنا في حالنا. اللي بينا انتهى من 6 سنين، ولو فاكر إنك بالمنظر ده وبالرجالة اللي جايبهم وراك هترهبني، تبقى لسه ما عرفتش مريم اللي قدامك دي بقت مين.”
​عمر قرب منها خطوة، وسحب التليفون من جيب بدلته، وفتحه على صورة كانت مبعوتة ليه من دقيقتين.. صورة لحازم وهو داخل “نيابة الأموال العامة” من تلات سنين، وصورة تانية لعقد بيع أرض مشبوهة عليه إمضاء حازم.
​رمى التليفون قدام رجلي حازم وقال ببرود قاتل:
“أنا مش محتاج أهز س*لاح عشان أخوف حد. أنا بشتري وأبيع في البشر يا حازم.. والورق اللي قدامك ده يخليك تلبس قضية تزوير تخليك تعفن في السجن بقية عمرك. دلوقتي.. لسه هتقولي إنها مراتك؟”
​زين، الطفل، بدأ يعيط بصوت عالي، ومريم حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها. حازم بص للورق بذهول، وشه اتخطف، فهم إن عمر مش جاي يتخانق، جاي ينهي حياتهم حرفياً.
​مريم بدموع محبوسة:
“عمر.. أرجوك. لو ليك حق، خده مني أنا، بلاش حازم. هو مالهوش ذنب في أي حاجة، هو كان بيساعدني أعيش!”
​عمر بصلها، عينيه كانت بتلمع بشيء مش مفهوم.. مزيج من الحب القديم، والكره اللي اتولد من الخيانة، والرغبة في التملك.
“يساعدك؟.. كان بيساعدك تغلطي؟ كان بيساعدك تسرقي ابني مني؟”
​عمر لف وشه للرجالة بتوعه ورفع إيده:
“خدوا الولد.. وأي حد يحاول يلمسكم، يترمي في مخازن الشركة لحد ما أشوف أعمل فيه إيه.”
​الحارة قامت وما قعدتش. الرجالة هجموا، وحازم حاول يدافع، ومريم بتصرخ وبتحاول تشد ابنها. في وسط المعمعة دي، عمر وقف ثابت، بيراقب المشهد ببرود، لحد ما لمح حاجة في إيد مريم.. حاجة كانت مخبياها طول الوقت في شنطتها.
​خرجت مريم “مسدس صغير” ووجهته ناحية عمر.. مش عشان تق*تله، لا.. عشان توقف “عمر الجارحي” اللي مفيش حد بيقدر يوقفه.
​صوت “تكة” أمان المسدس دوت في الحارة، والكل سكت.. حازم، الرجالة، والناس اللي كانت بتتفرج.
​مريم بصوت بيترعش بس حازم:
“أنا مابقتش ضعيفة يا عمر.. أنا اللي دفنت نفسي بإيدي عشان أهرب منك، ومستعدة أدفنك معايا لو قربت من ابني خطوة تانية. نزل رجالتك.. دلوقتي.”
​عمر بصلها، والابتسامة اختفت من على وشه تماماً. قرب منها أكتر، لدرجة إن فوهة المسدس بقت ملمسة لصدره، وقال بصوت واطي خلاه هو بس اللي يسمعه:
“اضربي يا مريم.. لو فاكرة إن موتي هيحررك، يبقى بتوهي نفسك. لو ضربتي، مش بس حازم هيدخل السجن، دي الحارة دي كلها هتتمسح من الوجود.. هتكوني السبب في خراب بيوت الناس اللي بتحبيهم.”
​مريم إيدها بدأت تترعش أكتر.. هي في مأزق مايتخيرش عن الموت. لو نزلت المسدس، خسرت ابنها وحازم، ولو ضربت، خسرت كل الناس اللي حواليها.
​عمر مد إيده ببطء شديد، حط صباعه على فوهة المسدس، وزقه ناحية قلبه أكتر:
“ها.. هتدوسي على الزناد؟ ولا هترجعي لمكانك الطبيعي.. في حضني؟”
​فجأة، صوت صفارات بوليس قريبة جداً قطعت الهدوء، وعربيات شرطة بدأت تحاصر الحارة من الناحيتين.
​عمر اتفاجئ، وبص حواليه.. مين اللي بلغ؟ ومريم اتسعت عينيها بصدمة.. مش هي اللي بلغت!
​مين اللي لعب في الخطة؟ ومين اللي ظهر في آخر لحظة عشان يقلب الطاولة على عمر ومريم في نفس الوقت؟
​…يتبع.. في الجزء الاخير من القصه للكاتبه سهر محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *