حكايه زين وزهره الجزء الاول
الجزء الأول
الكاتبة ملك إبراهيم
رنة تليفونه قطعت الصمت التقيل اللي كان مالي قاعة الاجتماعات، وهو في عز كلامه عن أهم صفقة عنده. التوتر كان باين على وشوش الكل.
ابتسم بذوق للأجانب اللي قاعدين قدامه وقال:
“معلش يا جماعة، ثانية واحدة بس، مكالمة طارئة جداً.”
عينه نزلت على شاشة الموبايل، ولقى اسم “مرات عمي” منور. قلبه اتقبض في لحظتها، هو عارفها كويس.. عمرها ما هتتصل بيه في وقت زي ده إلا لو في مصيبة كبيرة حاصلة.
رد بصوت واطي وهادي وهو بيحاول يسيطر على قلقه:
“ألو.. أيوة يا مرات عمي، في إيه؟”
اللي سمعه ماكنش رد، كانت شهقة مكتومة وبعدها عياط متقطع بيترعش.
“إلحقنا يا زين.. إلحقنا يا ضنايا! عمك.. عمك اتشل يا زين.. اتشل يا ابني!”
زين قام من على الكرسي مرة واحدة، كل العيون بقت عليه بس هو ماكنش شايف حد قدامه خلاص.
“إيه! بتقولي إيه؟ عمي ماله؟ حصل إيه؟” صوته بدأ يعلى والخوف بقى طالع منه غصب عنه.
الست صرخت بصوت موجوع وهي مش قادرة تاخد نفسها:
“بنت عمه.. زهرة.. فضحتنا يا زين! غلطت مع واحد.. وحامل.. وعمك أول ما عرف الخبر ما استحملش ووقع من طوله.”
زين حس إن الدنيا كلها بتلف بيه. زهرة؟ زهرة اللي طول عمرها هادية ومتربية وعينها في الأرض، اللي متربية في بيت مقفول ومحافظ تعمل كده؟ عقله رفض يصدق، مستحيل، أكيد في حاجة غلط.
صوت مرات عمه رجع تاني وهو بيستنجد بيه كأنها غرقانة وبتتعلق في قشاية:
“يا ابني ارجع لنا بسرعة.. ماليش غيرك يا زين، البيت هيتخرب، تعالا شوف لنا حل!”
قالها وهو مصدوم ومش مستوعب:
“حاضر يا مرات عمي.. أنا جاي حالاً.. حالاً دلوقتي.”
قفل السكة وهو مش حاسس بنفسه، نسي الأجانب ونسي الصفقة ونسي كل حاجة، كل اللي كان في دماغه إنه لازم يرجع البلد. في دقايق كان لامم شنطته وحاجز أول طيارة نازلة.
ولما وصل، البيت ماكنش هو البيت اللي يعرفه. كآبة تقيلة نازلة على كل ركن. دخل على أوضة عمه، الأوضة اللي طول عمرها مليانة ضحك وصوت عالي، لقى عمه نايم على السرير، نص جسمه مش بيتحرك ونظرة كسرة وقهرة في عينيه عمره ما شافها قبل كده. عمود البيت، الراجل اللي كان سند الكل، بقى مرمي وعاجز. قلبه اتوجع عليه ووجع ما يتوصفش، الصدمة على الحقيقة كانت أبشع مليون مرة من المكالمة.
خرج من الأوضة وهو تايه، لقى مرات عمه في وشه، وشها شاحب ودبلان وعينيها وارمة من كتر العياط. قربت منه ومسكت إيديه وإيديها بتترعش وصوتها طالع بالعافية:
“زين.. يا ابني.. أنا عارفة إن اللي هطلبه منك ده تقيل وصعب.. بس والله ما لينا غيرك بعد ربنا.. انت اللي هتقدر تنقذنا من المصيبة دي.”
بصلها باستغراب وقلق:
“في إيه يا مرات عمي؟ قولي على طول في إيه تاني؟”
خدت نفس عميق كأنها بتجمع كل قوتها وقالت والدموع مغرقة وشها:
“تتجوز زهرة يا زين.. استر عليها يا ابني.. خدها وسافر بيها بعيد عن هنا.. أي مكان غير البلد دي. عشان الفضيحة تتلم وعشان خاطر عمك يقوم بالسلامة، هو مش هيقوم من اللي هو فيه غير لما يحس إن بنته اتسترت ومستقبلها ماراحش. دي الطريقة الوحيدة يا زين.. والله دي الطريقة الوحيدة اللي ممكن ترجع عمك لصحته تاني.”
زين اتسمر مكانه، الكلام نزل عليه زي الصاعقة، صاعقة أقوى من كل اللي فات. يتجوز زهرة؟ زهرة اللي كانت زي أخته الصغيرة؟ ياخدها ويسافر؟
كل اللي قدر يطلعه صوت مبحوح مش طالع:
“إيه اللي انتي بتقوليه ده يا مرات عمي؟”
فضل باصص في الأرض لحظات طويلة، صورة عمه وهو مكسور ومشلول مش بتفارق خياله، شريط سنين تعبه وشقاه عشان يربيهم ويكبرهم ويسترهم بيعدي قدام عينيه، وكل اللي بناه بيتهد في لحظة. حس بوجع تقيل في قلبه، مفيش حل تاني قدامه، لازم يضحي عشان خاطر الراجل اللي كان عموده الفقري وانكسر.
رفع راسه أخيراً وصوته كان فيه مرارة وغصة بس كان قرار نهائي:
“أنا موافق يا مرات عمي.”
الكلمة نزلت عليها زي نقطة ماية في صحرا ناشفة، شهقت وحضنته وهي بتعيط بحرقة:
“ربنا يجبر بخاطرك يا ابني.. ربنا يرضى عليك ويسعدك.”
الساعات اللي بعدها عدت كأنها سنين. المأذون جه والقعدة كلها كانت كئيبة وتقيلة على القلب. زين قاعد وضيق الدنيا كله على وشه، بيبص على زهرة اللي قاعدة جنبه زي التمثال، وشها أحمر من كتر العياط والدموع نازلة من عينيها من غير صوت. كل ما عينه تيجي عليها يحس بغضب مكتوم جواه، مش قادر يصدق إن دي هي زهرة اللي كان يعرفها، إزاي كل ده حصل وإمتى؟
لما المأذون قال جملته المشهورة “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير” زهرة جسمها اتنفض مرة واحدة وطلعت منها كلمة واحدة بالعافية وسط عياطها:
“مظلومة..”
زين ما سمعهاش كويس وسط صوت الورق وهمس الناس اللي موجودين، بس الكلمة رنت جوه صدره كده من غير ما يفهمها.
“إيه؟” سأل نفسه، بس المأذون كان بيكمل كتابة. زهرة كانت موطية راسها في الأرض وعينيها بتحكي وجع سنين، لكن شفايفها مانطقتش غير الكلمة دي اللي تاهت في صمت الأوضة الحزين. مضى على الورقة، إمضة واحدة بس غيرت حياتهم هما الاتنين للأبد.
زين مابقاش فاهم أي حاجة، الدنيا اتشقلبت فوق دماغه خلاص. مسك أعصابه بالعافية ونفذ اللي اتفق عليه مع مرات عمه اللي كان أشبه بالأمر. جهز نفسه وخد زهرة اللي كانت لسه في صدمتها وما بتبطلش عياط، ومافهمش منها طول الوقت ده غير كلمة “مظلومة” اللي بترددها زي اللي عقلها طار.
طول الطريق للعاصمة والعربية ماشية في صمت يخنق، مفيش صوت غير شهقات زهرة المكتومة. زين كان سايق وهو كازز على سنانه والغضب بيغلي جواه، كل ما يسمع نحيبها أو كلمة “مظلومة” اللي بتطلع منها بالعافية يفتكر وش عمه المكسور وصوت مرات عمه وهي بتترجاه. كان رافض يسمعها تماماً، أي كلمة ممكن تقولها كانت بتتترجم في دماغه على إنها كدب وخيانة. إزاي بنت عمه اللي كانت تحت عينه تعمل كده وتجيب راس عمهم في الأرض؟ مفيش أي مبرر في الدنيا. كل اللي كان عايزه هو السكوت، يمكن السكوت يطفي النار اللي قايدة جواه. وهي كانت بتبصله بعنين غرقانة دموع كأنها بتترجاه يديها فرصة تتكلم وتدافع عن نفسها، بس هو كان مثبت عينه على الطريق قدامه ومصمم مايفتحش أي باب للكلام، مش دلوقتي ولا يمكن بعدين أبداً.
وصلوا قدام الفيلا الكبيرة اللي في القاهرة. زين وقف العربية وما طفاش الموتور، فضل ساكت كام دقيقة كأنه بيجمع اللي باقي منه أو بيفكر في المصيبة اللي بقت لازقة في حياته. زهرة كانت لسه بتعيط في صمت وخايفة حتى ترفع عينها فيه.
لف وبصلها بنظرة كلها غضب وقرف، عينيها كانت حمرا ووارمة لكن نظرته كانت حادة زي السكين وصوته طلع ناشف يسم البدن:
“اسمعي كويس أوي الكلام اللي هقولهولك ده يا زهرة. هنا في القاهرة مفيش مخلوق هيعرف إنك مراتي، انتي هتبقي الخدامة الجديدة اللي جاية من البلد تشتغل في الفيلا، فاهمة؟”
زهرة رفعت وشها مصدومة والدموع وقفت في عينيها للحظة من الصدمة:
“خدامة؟”
“أيوة خدامة، وهتسمعي الكلام اللي هيتقالك بالحرف، ولا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة، وحسك عينك حد يعرف الحقيقة، لو ده حصل وحياة عمي اللي اترمى في السرير بسببك لتشوفي وش من زين عمرك ما شفتيه في حياتك، مفهوم؟” كمل كلامه بنبرة كلها تهديد ووعيد، نظراته كانت بتخرمها وبتحسسها إنها ولا حاجة، مجرد وصمة عار ماشية على رجلين.
نزل من العربية ورزع الباب وراه بكل غضب، وزهرة نزلت وراه بخطوات بطيئة وتقيلة، موطية راسها في الأرض كأنها بتعد تراب الأرض اللي ماشية عليه، حاسة بنظراته اللي بتلسع ضهرها كأنه عايز يحرقها وهي واقفة.
دخل الفيلا وهو بينادي بصوت عالي يهز المكان:
“يا سنية! يا سنية!”
سنية، الست الكبيرة مديرة الشغل في الفيلا، طلعت تجري على صوته:
“أيوة يا بيه، حمد الله على السلامة.”
زين شاور على زهرة اللي كانت واقفة بعيد كأنها خيال وقال بصوت عالي قاصد تسمع كل حرف:
“دي زهرة، خدامة جديدة جبتها من البلد، هتشتغل معاكم هنا، وريها شغلها وفهميها كل حاجة.”
الكلمات دي كانت زي السكاكين بتتغرز في قلب زهرة، حست إن روحها بتتسحب منها مع كل حرف بيطلع منه. نظرة سنية ليها كانت عادية جداً، نظرة واحدة شغالة لزميلتها الجديدة، لكن في عيون زهرة كانت نظرة احتقار من الدنيا كلها. الدموع اللي كانت بتحاول تحبسها نزلت تاني بصمت وحرقت وشها التعبان.
سنية هزت راسها وقالت:
“حاضر يا بيه، تعالي يا بنتي معايا.”
زهرة ما رفعتش راسها ومشيت ورا سنية زي الطفلة التايهة، خطواتها كانت بتجر وراها وجع الدنيا كله، وكل ما كانت بتبعد كانت بتحس إنها بتفقد حتة من نفسها وبتتأكد إن كلمة “مظلومة” دي عمر ما حد هيسمعها ولا هيصدقها.
عدى شهر، وكل يوم بيعدي على زهرة كان كأنه سنة كاملة. حياة الخدامة الجديدة كانت صعبة ومُهينة بكل تفاصيلها، وكل تفصيلة كانت بتفكرها بحياتها القديمة كبنت عم زين مش مجرد “زهرة الخدامة”. كانت بتصحى بدري جداً وتخلص شغل البيت كله وتنام كل يوم وهي بتعيط في صمت، وكلمة “مظلومة” بقت زي ترنيمة حزينة بترددها بينها وبين نفسها. زين كان بيتجنبها تماماً كأنها شبح في البيت، ولو عينه جت في عينها بالصدفة نظراته كانت بتبقى باردة ومليانة نفور.
وفي يوم سنية قالتلها إن الفيلا النهاردة هتبقى مقلوبة عشان في حفلة كبيرة زين عاملها لرجال الأعمال بتوع شركته وهي لازم تساعد في التجهيزات والتقديم. الحفلة دي كانت اختبار حقيقي ليها.
لبست زهرة لبس الشغل الموحد، الفستان الأسود الطويل والمريلة البيضا، أول ما بصت لنفسها في المراية حست إنها انفصلت عن هويتها القديمة تماماً، بقت مجرد حتة من ديكور الفيلا. وبالليل الفيلا اتحولت لقاعة فخمة، أنوار وديكورات ومزيكا هادية وصوت ناس مهمة في كل مكان.
المعازيم بدأوا ييجوا، وزهرة كانت بتتحرك وسطهم بسرعة بتقدم المشروبات والأطباق وهي بتحاول ماتلفتش نظر حد ليها، وفجأة عينها وقعت عليه، زين.
كان واقف وسط مجموعة من رجال الأعمال، لابس بدلة سودا شيك جداً وشعره متسرح بعناية ووسامته بتخطف العين. الابتسامة الراقية اللي كانت على وشه وهو بيتكلم كانت منورة المكان ومخلياه محور اهتمام الكل. فضلت بتبصله من بعيد وهو مش واخد باله منها، وقلبها دق بطريقة غريبة وملخبطة، رغم كل الوجع والغضب اللي سببهولها سحره ووسامته خلوا قلبها يتهز، للحظة نسيت كل حاجة وحست إنها بتنجذب ليه زي الفراشة ما بتنجذب للنور، سحره كان أقوى منها لدرجة إنها حست بلمعة غريبة في عينيها.
وفي عز ما قلب زهرة كان بيرفرف لزين اللي كان طالع زي النجم الساطع وسط الحفلة، ظهرت بنت زي القمر، لابسة فستان سواريه أحمر مولع وجمالها لافت نظر الكل أول ما دخلت. مشيت بخطوات واثقة وراحت لزين دايركت، حطت إيديها في دراعه بدلال وثقة كأنها صاحبة مكان، وابتسامة واسعة مرسومة على وشها، وزين ابتسم لها هو كمان واتكلم معاها كأن وجودها طبيعي ومألوف جداً بالنسباله.
زهرة شافت المنظر ده بعينيها وهي شايلة صينية فيها مشروبات، قلبها اللي لسه كان بيدق لوسامته حس إنه بيتقطع، مين دي؟ وإيه مكانتها في حياة زين؟ أسئلة كتير دارت في دماغها وهي بتحاول تكتم الغيرة اللي بدأت تولع في قلبها غصب عنها.
بس في نفس اللحظة كان في عيون تانية مركزة مع زهرة في صمت، أياد، صاحب زين المقرب وشريكه في الشغل ورجل أعمال مرموق زيه بالظبط، كان واقف في ركن هادي وبيراقبها من بعيد. كانت لسه بتتحرك بين الضيوف بلبس الخدم، لكن رغم كده كانت بتلمع ببراءة ورقة خطفت عينه، لاحظ حركتها الهادية وعينيها اللي بتلمع رغم الحزن اللي مليها وشكلها المختلف تماماً عن أي بنت شافها في الوسط ده. عجبه فيها حاجة غامضة وفضوله ناحيتها كان بيزيد مع كل ثانية، فضل متابعها بنظراته الذكية اللي بتقرا اللي قدامها كأنه شايف جوهرة مستخبية وسط كومة رمل.
الحفلة كانت شغالة على ودنه والمشروبات بتلف على الكل، وأياد اللي كان بيشرب زيادة عن اللزوم عينيه مافارقتش زهرة لحد ما شافها داخلة المطبخ عشان تجيب أوردر جديد، الشرب كان لعب بدماغه خلاص، ومخه فصل، وقام وراها بخطوات مش متزنة… كملوا الباقي في الجزء الأخير