لم يكن يعرف حكايات ميرا
من غير ما يعرف إن مراته هي صاحبة المستشفى… جوزها طردها قدام كل العاملين
كل اللي موجودين في العناية المركزة سكتوا لما عمر المنياوي شد كارنيه الشغل من على يونيفورم مراته.
وقال قدام الكل:
—إنتِ مرفودة يا مريم… ومش عايز أشوف وشك في المستشفى دي تاني.
الكارنيه المعدني وقع على الأرض، وزحف لحد ما وقف عند جزمة واحدة من الممرضات.
لكن الممرضة ما قدرتش حتى تنحني ترفعه.
مريم فضلت واقفة مكانها.
ساكتة.
بتبص للراجل اللي عاشت معاه 9 سنين جواز.
وحواليها الدكاترة والممرضين والعمال اللي هي بنفسها دربت عدد كبير منهم.
ناس نزلت عينيها في الأرض.
وناس عملت نفسها مشغولة في شاشات المرضى عشان ما تبصلهاش.
عند باب العناية، كانت مدام سعاد، أم عمر، واقفة بتتفرج.
وعلى وشها ابتسامة بالكاد بتحاول تخبيها.
وجنبها كانت واقفة داليا.
ممرضة اتعينت في المستشفى من فترة قريبة، وبقالها شهور بتظهر جنب عمر في الاجتماعات والعشا والصور اللي بتتاخد بره مواعيد الشغل.
داليا بصت حواليها وقالت:
—يمكن دلوقتي نعرف نطور القسم شوية… في ناس بتقعد وقت طويل في مكانها لحد ما تفتكر إنها ما ينفعش تتعوض.
في اللحظة دي، مريم فهمت.
اللي بيحصل مش قرار طرد طلع من عمر فجأة.
هما كانوا محضرين لإهانتها قدام الكل.
عمر شبك إيديه قدام صدره وقال:
—الأمن هيوصلك لحد الباب.
مريم ردت بهدوء:
—مش محتاجة.
انحنت.
رفعت الكارنيه من الأرض.
وحطته في جيبها.
ما عيطتش.
وما قالتش كلمة زيادة.
أخدت بالطوها، وعدت جنب المرضى اللي قضت معاهم ليالي كاملة من غير نوم.
وهي ماشية ناحية الأسانسير، راجل كبير من المرضى مد إيده ناحيتها.
—يا دكتورة مريم…
مريم وقفت.
رجعتله.
وظبطت البطانية على رجليه.
وابتسمت.
—كل حاجة هتبقى كويسة يا عم حسين. الممرضة منى عارفة مواعيد علاجك كويس.
وبعدها كملت طريقها.
عمر فضل واقف يتفرج عليها وهي ماشية، وعلى وشه نظرة رضا شبه الفخر.
بالنسبة له، هو لسه أثبت قدام كل العاملين إنه المدير الإداري لمستشفى الرحمة الدولي في القاهرة.
لكن كان فيه حاجة واحدة عمر ما يعرفهاش.
الست اللي لسه طردها من المستشفى…
كان في شنطتها التوقيع الوحيد اللي يقدر يحدد مستقبل المبنى كله.
⸻
أول ما مريم خرجت للجراج…
المطر بدأ ينزل.
وصلت لعربيتها.
لكنها ما فتحتش الباب.
فضلت واقفة تحت المطر وهي بتحاول تاخد نفسها.
فتحت شنطتها.
ولقت جواها ظرف لونه كريمي.
اسمها مكتوب عليه بخط إيد أبوها المرتعش.
الظرف ده كان معاها بقاله 6 سنين.
وعمرها ما فتحته.
أبوها، حسن الشافعي، كان ادهولها قبل وفاته بساعات.
وقتها قالها:
—ما تفتحيهوش دلوقتي يا مريم… افتحيه لما الناس اللي حواليكي يورّوكي حقيقتهم. إنتِ هتعرفي اليوم ده لما ييجي.
مريم وقتها افتكرت إن ده كلام راجل المرض والتعب مأثرين عليه.
لكن دلوقتي…
رفعت عينيها وبصت لشبابيك المستشفى المنورة.
وفي مكان ما جوه المبنى، كان عمر غالبًا بيحتفل مع داليا إنه أخيرًا خلص منها.
مريم قطعت الظرف.
فتحته.
جواه كان فيه كارت واحد بس.
عليه رقم تليفون.
وتحته جملة قصيرة:
“اتصلي بالأستاذ فؤاد مراد. هو حافظ على الحاجة اللي طول عمرها كانت ملكك. وما تمضيش على أي ورقة.”
مريم طلعت موبايلها.
واتصلت بالرقم.
بعد الرنة التانية، راجل رد:
—مكتب الأستاذ فؤاد مراد للمحاماة.
—لو سمحت، عايزة أكلم الأستاذ فؤاد.
—معاكي فؤاد.
مريم سكتت لحظة.
—أنا مريم الشافعي… بنت حسن الشافعي.
الناحية التانية سكتت تمامًا.
وبعد ثواني، المحامي قال:
—دكتورة مريم… أنا مستني المكالمة دي من سنين.
مريم اتفاجئت.
—أنا مش دكتورة… أنا ممرضة.
رد فؤاد:
—أبوكي عمره ما بطل يناديكي دكتورة.
مريم قفلت عينيها.
⸻
قبل مرض أبوها…
مريم كانت فعلًا بتدرس طب.
كانت من أوائل دفعتها.
ومعاها منحة كاملة.
لكن أبوها أصيب بفشل كلوي.
وماكانش فيه حد مستعد يسيب حياته عشان يعتني بيه.
فمريم سابت كلية الطب.
كانت بتأكله.
وتساعده في احتياجاته.
وتروح معاه كل جلسة علاج.
وعشان تقدر تشتغل وتفضل قريبة منه، كملت دراستها في التمريض.
وفي الفترة دي…
عرفت عمر.
كان وقتها شاب صغير شغال في الإدارة في نفس المستشفى اللي أبوها بيتعالج فيها.
كان جذاب.
طموح.
وبيتعامل معاها باهتمام.
وكان دايمًا يقولها إنه معجب بالتضحية اللي عملتها عشان أبوها.
بعد فترة اتجوزوا في فرح صغير.
أبوها حسن كان وقتها جسمه ضعيف جدًا وقاعد على كرسي متحرك.
لكنه أصر يوصل بنته لحد عمر.
وقبل ما يسيب إيدها…
مسك دراع عمر.
وقال:
—خلي بالك من بنتي.
عمر رد من غير تردد:
—بعمري كله.
حسن فضل باصصله كام ثانية.
وما ابتسمش.
⸻
بعد وفاة أبوها، مريم كرست حياتها للشغل ولمساعدة جوزها في مستقبله.
كانت تاخد نبطشيات بالليل.
وتعتني ببنتهم ملك، اللي اتولدت بعد جوازهم بسنتين.
وكانت تصلح أخطاء عمر الإدارية من وراه من غير ما تحرجه.
وفي أفكار كتير قدمها عمر للإدارة وخد عليها التقدير…
كانت مريم هي اللي كاتباها أصلًا.
عمر كان بيترقى.
ومريم فضلت في العناية المركزة.
وفي كل تجمع عائلي، كانت حماتها سعاد تقول:
—التمريض مهنة محترمة طبعًا… بس يعني مش كارير إداري حقيقي.
مريم عمرها ما ردت.
كانت تصب القهوة.
وتغير الموضوع.
وبعدين ظهرت داليا.
في الأول…
عمر كان بيجيب سيرتها على الفطار.
بعدها بدأت رسايل نص الليل.
وبعدين سفر “الشغل”.
وصور ليهم واقفين قريبين من بعض زيادة عن الطبيعي.
مريم ما كانتش ساذجة.
هي بس قضت سنين طويلة بتعتني بكل الناس حواليها…
لدرجة إنها نسيت إزاي تحمي نفسها.
⸻
صوت المحامي فؤاد رجعها للواقع.
قالها:
—اسمعيني كويس يا مريم. ما تواجهيش جوزك دلوقتي. وما تمضيش على أي طلب أو اتفاق أو ورقة تخص المستشفى. وبكرة الصبح تيجي مكتبي.
مريم سألته:
—أبويا سابلي إيه؟
رد:
—أكتر بكتير من مجرد فلوس.
—أنا محتاجة أعرف دلوقتي.
فؤاد سكت لحظة.
وبعدين قال:
—مش على التليفون.
—ليه؟
جاء صوته جاد:
—لأن اللي بيحصل ده لازم نتعامل معاه كتحقيق… مش كانتقام.
مريم بصت مرة تانية للمستشفى اللي جوزها لسه طاردها منها قدام الكل.
وهي لسه ما تعرفش إن أبوها، قبل ما يموت…
كان مأمّن لها حاجة هتقلب موازين القوة جوه المستشفى بالكامل.
لايك وصلو علي النبي وهرد عليك
في صباح اليوم التالي…
وصلت مريم إلى مكتب الأستاذ فؤاد مراد قبل الموعد بعشرين دقيقة.
كان مكتبًا قديمًا في وسط القاهرة، جدرانه مغطاة بملفات قانونية وصور مع شخصيات معروفة.
أول ما دخلت، وقف رجل تجاوز الستين من عمره.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال بابتسامة حزينة:
—بقيتي شبه والدك أوي.
مد لها يده، لكنه بدلًا من مصافحتها، سلّمها مفتاحًا صغيرًا من النحاس.
استغربت مريم.
—ده إيه؟
قال بهدوء:
—ده مفتاح الخزنة اللي أبوكي وصاني ما يفتحهاش غير بإيدك.
جلسا داخل المكتب.
فتح فؤاد ملفًا سميكًا، وقال:
—قبل تسع سنين، لما مستشفى الرحمة كانت على وشك الإفلاس، كان المستثمرين كلهم انسحبوا.
مريم هزت رأسها.
—عارفة… أبويا كان بيقول إن المستشفى عدت بأزمة كبيرة.
ابتسم فؤاد.
—لأن أبوكي هو اللي أنقذها.
اتسعت عيناها.
—إزاي؟
أخرج عقدًا قديمًا.
—باع كل الأراضي اللي كان ورثها عن جدك، وضخ الفلوس في المستشفى مقابل نسبة أسهم مسيطرة… لكنه سجّلها باسمك.
شعرت مريم أن أنفاسها توقفت.
—باسمي أنا؟
—أيوه… واحد وخمسين في المية من أسهم مستشفى الرحمة الدولي.
نظرت إليه غير مصدقة.
—بس… أنا عمري ما وقعت على حاجة.
قال فؤاد:
—لأنك وقتها كنت لسه طالبة، وأبوكي كان الوصي القانوني على الأسهم لحد وفاته، وبعدها نقلها لصندوق ائتماني باسمك… وأنا كنت أمين الصندوق.
بدأت يد مريم ترتجف.
كل السنين دي…
كانت المالكة الفعلية للمستشفى…
وهي شغالة فيها كممرضة براتب عادي.
سألت بصوت مخنوق:
—وعمر؟
تنهد فؤاد.
—عمر عرف إن في مساهم كبير مجهول، لكنه عمره ما عرف مين.
كان فاكر إن مجلس الإدارة هو صاحب القرار.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
—وهو لحد اللحظة دي، ما يعرفش إنه طرد صاحبة المستشفى بنفسه.
…
وفي نفس الوقت…
داخل قاعة الاجتماعات في مستشفى الرحمة…
كان عمر يجلس على رأس الطاولة.
وبجواره داليا، ومدام سعاد.
قال بثقة:
—من النهارده هنبدأ إعادة هيكلة كاملة.
رفع أحد أعضاء المجلس يده.
—بس يا أستاذ عمر… وصلنا إشعار إن المالك الرئيسي طالب اجتماعًا طارئًا الساعة اتنين.
تجمد عمر.
—المالك الرئيسي؟
—أيوه… صاحب الحصة الحاكمة.
ابتسم عمر بثقة.
—أكيد ممثل الصندوق الاستثماري.
رد عضو المجلس:
—الغريب إن الخطاب مكتوب فيه إن المالك هيحضر بنفسه.
ساد الصمت.
حتى داليا بدأت تشعر بالقلق.
أما عمر…
فلم يهتم.
وقال وهو يضحك:
—أيًا كان مين… أنا المدير التنفيذي هنا، وكل حاجة بتمشي بتوقيعي.
…
في الثانية إلا خمس دقائق…
توقفت سيارة سوداء أمام المستشفى.
نزل منها الأستاذ فؤاد أولًا.
ثم فتح الباب الخلفي.
ونزلت مريم.
لكنها لم تكن ترتدي زي التمريض.
كانت ترتدي بدلة رسمية بسيطة، وتحمل الملف الذي سلّمه لها المحامي.
نظر موظف الاستقبال إليها بدهشة.
وقبل أن يتكلم…
قال فؤاد بصوت واضح سمعه كل من في البهو:
—صباح الخير… بلغوا مجلس الإدارة إن المالكة الرئيسية للمستشفى وصلت.
تبادل الموظفون النظرات في صدمة.
وفي الطابق العلوي…
كان عمر يبتسم وهو يجهز نفسه لاستقبال “المالك المجهول”…
من غير ما يعرف…
أن الشخص الذي سيدخل بعد لحظات…
هو نفس المرأة التي أهانها وطردها أمام الجميع بالأمس.فتح سكرتير مجلس الإدارة الباب بهدوء.
وقال بصوت رسمي:
—المالكة الرئيسية وصلت يا فندم.
وقف جميع أعضاء المجلس.
أما عمر فعدل رابطة عنقه وهو يبتسم بثقة.
—اتفضلوا… نشوف أخيرًا مين صاحب الحصة دي.
انفتح الباب.
ودخل الأستاذ فؤاد أولًا.
ثم دخلت مريم.
ساد صمت ثقيل.
داليا فتحت عينيها بصدمة.
ومدام سعاد قامت من كرسيها وهي تصرخ:
—هي؟! دي أكيد جاية تعمل فضيحة!
لكن فؤاد أغلق الباب بهدوء وقال:
—لو سمحتم… اقعدوا. الاجتماع هيبدأ.
ضحك عمر بسخرية.
—إيه التمثيلية دي يا مريم؟ أنا طردتك امبارح، وإنتِ جاية هنا بإذن مين؟
أخرج فؤاد ملفًا أزرق ووضعه أمام رئيس المجلس.
—بإذن القانون.
فتح رئيس المجلس الملف بسرعة.
بدأ يقلب الأوراق.
ثم تغير لون وجهه.
وقف فجأة وقال وهو ينظر إلى مريم:
—حضرتك… المالكة الفعلية لـواحد وخمسين في المية من أسهم المستشفى.
عمّ الصمت.
داليا شهقت.
أما عمر فانفجر ضاحكًا.
—مستحيل! دي ممرضة… مرتبها أقل من مرتب مدير قسم.
أخرج فؤاد شهادة الأسهم الأصلية.
ثم نسخة من عقد تأسيس الصندوق الائتماني.
ثم حكم المحكمة الذي يثبت انتقال الملكية لمريم بعد وفاة والدها.
قال بهدوء:
—كل المستندات موثقة ومسجلة من تسع سنوات.
بدأت يد عمر ترتجف.
خطف الأوراق.
قلبها بسرعة.
كل توقيع…
كل ختم…
حقيقي.
رفع رأسه نحو مريم.
—إنتِ… كنتِ عارفة؟
هزت رأسها بالنفي.
—عرفت امبارح بس.
نظرت إليه بعينين هادئتين.
—زيك بالضبط.
مدام سعاد صرخت:
—أكيد مزورين الورق!
رد رئيس المجلس بحزم:
—هذه العقود موجودة في السجل التجاري وهيئة الاستثمار من سنوات… لا يمكن تزويرها.
في تلك اللحظة…
شعر عمر أن الأرض تهتز تحت قدميه.
كل القرارات التي اتخذها…
كل الأوامر التي أصدرها…
كانت تحتاج في الأصل إلى موافقة صاحبة الأغلبية.
نظر إلى مريم وقال بصوت منخفض:
—أنا… ممكن أشرحلك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
—امبارح… لما كنت بطلب منك تراجع قرار طردي، قلتلي: “الأمن هيوصلك للباب.”
سكتت لحظة.
ثم أكملت:
—النهارده… أنا مش هطردك.
تنفس عمر الصعداء.
لكنها أضافت:
—أنا هخلي القانون هو اللي يقرر.
التفتت إلى رئيس المجلس.
—اطلبوا لجنة مراجعة لكل القرارات المالية والإدارية اللي اتخذت خلال آخر ثلاث سنين… وكل العقود اللي اتوقعت باسم المستشفى.
تغير وجه عمر تمامًا.
لأنه تذكر شيئًا خطيرًا…
عدة عقود وقعها مع شركات تابعة لصديق قديم له، وكانت الأسعار فيها أعلى من سعر السوق.
ولو اتراجعت…
فقد تتحول الق\ضية إلى تحقيق رسمي.
وقبل أن ينطق بكلمة…
دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا، وهمس في أذن رئيس المجلس.
رفع رئيس المجلس رأسه وقال بوجه شاحب:
—فيه لجنة من النيابة الإدارية وصلت دلوقتي… ومعاهم أمر بفحص ملفات المستشفى بالكامل.
نظر الجميع إلى عمر…
بينما أدرك هو لأول مرة…
أن الكابوس الحقيقي لم يبدأ بعد.دخل أفراد اللجنة إلى قاعة الاجتماعات يحملون حقائب مليئة بالملفات وأجهزة الحاسب.
تقدم رئيس اللجنة وقال بهدوء:
—صباح الخير. نرجو تعاون الجميع. لن يغادر أي ملف أو جهاز من المستشفى حتى انتهاء المراجعة.
ساد الارتباك في القاعة.
نظر عمر إلى داليا بسرعة.
كانت شاحبة الوجه، وتشيح بنظرها عنه.
أما مريم فظلت جالسة في مكانها، لم تتكلم.
اقترب منها الأستاذ فؤاد وهمس:
—افتكري… إحنا هنا عشان نكشف الحقيقة، مش عشان ننتقم.
هزت رأسها موافقة.
وبعد دقائق…
دخل أحد أعضاء اللجنة يحمل ملفًا أحمر سميكًا.
قال:
—فيه حاجة غريبة.
التفت الجميع إليه.
—لقينا خلال المراجعة الأولية إن في عقود أجهزة طبية اتدفع فيها تقريبًا ضعف سعرها الحقيقي.
ارتبك عمر.
ورد بسرعة:
—دي كانت ظروف السوق.
لكن عضو اللجنة فتح إحدى الفواتير.
—الشركة اللي باعت الأجهزة اتأسست قبل التعاقد بشهرين بس.
ثم رفع ورقة أخرى.
—وصاحب الشركة… ابن خالة الأستاذ عمر.
تبادل أعضاء المجلس النظرات.
مدام سعاد جلست على الكرسي وهي تتمتم:
—يا ساتر…
أما داليا فبدأت تتراجع إلى الخلف خطوة بعد خطوة.
لاحظت مريم ذلك.
فسألتها بهدوء:
—في حاجة عايزة تقوليهالنا؟
ارتجفت داليا.
ثم قالت بصوت منخفض:
—أنا… أنا كنت بنفذ أوامر الأستاذ عمر وبس.
نظر إليها عمر بصدمة.
—إنتِ بتقولي إيه؟
أخرجت داليا هاتفها من حقيبتها.
ووضعته على الطاولة.
—كل الرسائل… وكل التعليمات… موجودة هنا.
تجمد عمر في مكانه.
كان يعلم أن الهاتف يحتوي على محادثات قد تدينه.
حاول أن يلتقطه بسرعة.
لكن أحد أفراد اللجنة سبقه، وأخذ الهاتف ووضعه داخل كيس مخصص للأدلة.
قال رئيس اللجنة:
—من فضلك يا أستاذ عمر… التزم بمكانك.
ساد الصمت.
نظر عمر إلى مريم.
ولأول مرة منذ سنوات…
اختفت من عينيه نظرة الغرور.
وقال بصوت مكسور:
—أنا غلطت.
لكن مريم لم ترد.
كانت تنظر فقط إلى صورة والدها المعلقة على أحد جدران المستشفى.
وتذكرت كلماته قبل وفاته:
“الحق ممكن يتأخر… لكنه عمره ما بيضيع.”
وفي تلك اللحظة…
دخلت سكرتيرة المجلس مسرعة وهي تحمل ظرفًا مختومًا.
وقالت بقلق:
—الجواب ده وصل حالًا… ومكتوب عليه: “يُسلَّم للدكتورة مريم الشافعي فقط.”
أخذت مريم الظرف.
ولما فتحته…
وجدت بداخله صورة قديمة لوالدها وهو يقف أمام المستشفى…
وبجواره رجل مجهول.
وخلف الصورة عبارة بخط اليد:
“لو عرفتي مين الراجل ده… هتعرفي مين السبب الحقيقي في كل اللي حصل.”
تبادلت مريم والأستاذ فؤاد النظرات.
أما فؤاد…
فتغير لون وجهه فجأة، وكأنه عرف صاحب الصورة.
وقال بصوت خافت:
—مستحيل… هو رجع؟!تجمدت مريم وهي تنظر إلى الصورة.
رفعتها أمام الأستاذ فؤاد.
—إنت تعرفه؟
ظل ينظر إليها عدة ثوانٍ.
ثم جلس ببطء على أقرب كرسي.
—أعرفه… وكنت أتمنى ما أشوفش وشه تاني.
اقتربت مريم أكثر.
—مين هو؟
تنهد فؤاد وقال:
—اسمه الدكتور سليم الكيلاني… كان شريك والدك في تأسيس مستشفى الرحمة من البداية.
اتسعت عيناها.
—بابا عمره ما جاب سيرته.
—لأنهم افترقوا قبل افتتاح المستشفى بشهور.
سكت لحظة ثم أكمل:
—والدك كان عايز المستشفى تعالج الغلابة قبل الأغنياء… أما سليم فكان شايفها مشروعًا للاستثمار فقط.
نظر إلى الصورة مرة أخرى.
—وفي الآخر، باع نصيبه وسافر بره مصر… ومن يومها اختفى.
في تلك اللحظة دخل أحد موظفي الأمن مسرعًا.
—يا دكتورة مريم… في راجل كبير مستني حضرتك تحت.
—مين؟
—قال إنه مش هيدخل غير لما يشوفك… وقال تبلغيها إن “وعد حسن الشافعي اتنفذ”.
شهق فؤاد.
وقف بسرعة.
—خليه يطلع فورًا.
بعد دقائق…
فتح الباب.
ودخل رجل في أوائل السبعينيات، شعره أبيض بالكامل، لكنه يسير بثبات.
أول ما وقعت عيناه على مريم…
ابتسم.
وقال:
—كبرتي يا بنت حسن.
وقفت مريم.
—حضرتك تعرف بابا؟
أخرج الرجل من جيبه ساعة قديمة.
ناولها لها.
—دي كانت ساعته… سابها عندي قبل وفاته.
فتحت مريم الساعة.
وجدت بداخلها صورة صغيرة لها وهي طفلة.
وخلف الصورة جملة محفورة:
“لو وقعت المستشفى في إيد ناس غلط… رجعيها لأصحابها الحقيقيين.”
بدأت الدموع تلمع في عينيها.
سألت الرجل:
—حضرتك مين؟
ابتسم وقال:
—أنا يوسف… أول ممرض اشتغل مع أبوكي يوم افتتاح المستشفى.
ثم نظر حوله إلى أعضاء المجلس.
وقال بصوت ثابت:
—وأنا شاهد على كل حاجة حصلت من أول يوم… وعندي مستندات احتفظت بيها أكتر من عشرين سنة.
نظر عمر إليه بقلق شديد.
أما فؤاد…
فابتسم لأول مرة منذ بداية الأحداث.
لأنه أدرك أن الحقيقة التي حاول الجميع دفنها لسنوات…
بدأت تخرج إلى النور، ورقةً بعد أخرى.أخرج يوسف حقيبة جلدية قديمة، بدت عليها آثار السنين.
وضعها فوق طاولة مجلس الإدارة.
فتح الأقفال ببطء.
كانت بداخلها ملفات صفراء، ودفاتر قديمة، وعدة أشرطة تسجيل صغيرة.
نظر الجميع إليها في صمت.
قال يوسف:
—حسن الشافعي كان عارف إن اليوم ده هييجي.
أخرج دفترًا مهترئًا.
—وده دفتر اجتماعات التأسيس… بخط إيده.
أخذ فؤاد الدفتر وبدأ يقلب صفحاته.
وفجأة توقف.
ثم رفع رأسه وقال:
—ده يغيّر كل حاجة.
اقتربت مريم.
—فيه إيه؟
أشار إلى إحدى الصفحات.
كان فيها توقيع حسن الشافعي… وأسفله عبارة:
“في حالة وفاتي، تنتقل جميع صلاحياتي وحقوقي إلى ابنتي مريم، ولا يحق لأي مدير أو مجلس إدارة التصرف في أصول المستشفى دون موافقتها.”
ساد الصمت.
لكن يوسف لم ينتهِ بعد.
أخرج شريط تسجيل قديمًا.
وقال:
—ده آخر اجتماع جمع والدك مع مجلس الإدارة قبل وفاته.
تم تشغيل التسجيل.
خرج صوت حسن الشافعي ضعيفًا، لكنه واضح:
> “لو بنتي في يوم دخلت المستشفى وما حدش احترمها… يبقى اللي بيدير المكان نسي الرسالة اللي اتبنى عشانها.”
شعرت مريم بقشعريرة تسري في جسدها.
أما عمر…
فأخفض رأسه.
كان يتذكر جيدًا كيف أهانها أمام الجميع.
ثم دخل أحد موظفي الموارد البشرية إلى القاعة وهو يحمل ملفًا.
قال بتوتر:
—يا فندم… في حاجة لازم تعرفوها.
نظر إليه رئيس المجلس.
—اتفضل.
فتح الملف وقال:
—بعد قرار فصل الأستاذ عمر للدكتورة مريم… أكتر من خمسين طبيبًا وممرضًا قدموا طلبات استقالة جماعية.
شهقت مدام سعاد.
—إيه؟
أكمل الموظف:
—كلهم كاتبين نفس السبب… “لن نعمل في مكان يُهان فيه أصحاب الفضل.”
نظر عمر حوله.
لم يجد أحدًا يدافع عنه.
حتى داليا كانت تجلس في آخر القاعة، تنظر إلى الأرض في صمت.
في تلك اللحظة…
وقفت مريم.
وقالت بهدوء:
—أنا مش جاية أخرب المستشفى.
نظرت إلى الأطباء والممرضين الواقفين خارج القاعة.
—أنا جاية أنقذها… زي ما كان أبويا بيتمنى.
ثم التفتت إلى مجلس الإدارة.
—وأول قرار بصفتي المالكة الرئيسية…
توقفت لحظة.
فحبس الجميع أنفاسهم.
ثم قالت:
—إيقاف الأستاذ عمر المنياوي عن العمل مؤقتًا، لحين انتهاء التحقيقات، وتكليف نائب المدير بإدارة المستشفى.
لم يعترض أحد.
حتى عمر…
لم يجد ما يقوله.
اكتفى بالنظر إلى الأرض.
لكنه لم يكن يعلم…
أن الضربة الأقسى لم تأتِ بعد.
ففي مساء اليوم نفسه، تلقى فؤاد اتصالًا هاتفيًا من البنك.
وبعد أن أنهى المكالمة، نظر إلى مريم بوجه متجهم وقال:
—في حساب سري باسم والدك… محدش كان يعرف عنه حاجة.
سألته مريم بقلق:
—وفيه إيه؟
رد بصوت منخفض:
—مش فلوس…
فيه ملف كامل بأسماء ناس كبار جدًا كانوا متورطين في الاستيلاء على المستشفى من البداية… واسم عمر واحد منهم.في صباح اليوم التالي…
دخلت مريم مع الأستاذ فؤاد إلى خزائن البنك.
أحضر الموظف صندوقًا حديديًا صغيرًا.
تأكد من هويتها.
ثم وضع الصندوق أمامها.
قال:
—من النهارده، الصندوق بقى تحت تصرف حضرتك.
أدخلت المفتاح النحاسي الذي أعطاها إياه فؤاد.
دار المفتاح بصعوبة…
ثم انفتح الغطاء.
داخل الصندوق لم يكن هناك مال ولا مجوهرات.
كان هناك ملف أسود، ودفتر مذكرات، ووحدة تخزين صغيرة.
أخذ فؤاد وحدة التخزين ووصلها بجهاز الكمبيوتر الموجود في غرفة البنك.
ظهرت عشرات الملفات.
عقود…
صور…
وتسجيلات اجتماعات.
وفجأة ظهر مقطع فيديو.
ضغط فؤاد على زر التشغيل.
ظهر حسن الشافعي على الشاشة، بدا عليه التعب، لكنه كان يبتسم.
وقال:
“لو مريم بتشوف الفيديو ده… يبقى أنا خلاص مش موجود.”
اغرورقت عينا مريم بالدموع.
أكمل والدها:
“يا بنتي… لو وصلتي للي أنا سايبه، يبقى الناس اللي وثقت فيهم كشفوا حقيقتهم.”
توقف قليلًا ليلتقط أنفاسه.
“أنا ما خبيتش عنك الحقيقة عشان أحرمك منها… خبيتها عشان أحميكي.”
ثم نظر مباشرة إلى الكاميرا.
“المستشفى دي ما كانتش مجرد مشروع… كانت حلم أمك قبل ما تموت.”
شهقت مريم.
—أمي؟
ابتسم حسن.
“هي اللي كانت نفسها تعمل مستشفى تعالج أي مريض، حتى لو ما معاهوش جنيه واحد.”
نزلت دموع مريم لأول مرة منذ بدأت الأزمة.
لكن الفيديو لم ينتهِ.
قال حسن بصوت أكثر جدية:
“ولو في يوم لقيتي اسم الدكتور سليم الكيلاني رجع تاني… اوعي تثقي فيه.”
نظر فؤاد إلى الشاشة بقلق.
ثم ظهر صوت جرس هاتفه.
أخرج هاتفه بسرعة.
وبعد ثوانٍ تغير وجهه تمامًا.
سألته مريم:
—فيه إيه؟
أجابها بصوت متوتر:
—الدكتور سليم…
رجع مصر.
وقبل ساعة بس…
اشترى نسبة كبيرة من أسهم أحد المساهمين.
اتسعت عينا مريم.
—يعني إيه؟
قال فؤاد:
—يعني فيه حد بيستعد لمعركة جديدة على إدارة المستشفى… والظاهر إن اللي حصل مع عمر كان مجرد البداية.
وفي الوقت نفسه…
كانت سيارة سوداء تتوقف أمام بوابة مستشفى الرحمة.
نزل منها رجل سبعيني أنيق، يحمل عصا خشبية.
رفع رأسه نحو المبنى وابتسم ابتسامة غامضة.
ثم قال لحارسه:
—بلغ الدكتورة مريم… إن الدكتور سليم الكيلاني رجع ياخد حقه… أو ينتقم ممن سرقوه.
وانتهى المشهد…
بينما كانت مريم تنظر إلى صورة والدها، وتدرك أن أصعب اختبار في حياتها لم يبدأ إلا الآن.توقفت سيارة الدكتور سليم أمام المدخل الرئيسي.
لم ينزل منها الحراس أولًا…
نزل هو بنفسه.
كان يسير ببطء، لكن خطواته مليئة بالثقة.
دخل إلى بهو المستشفى، فتبادل الموظفون النظرات.
همس أحدهم:
—ده مين؟
رد موظف قديم:
—ده الدكتور سليم الكيلاني… واحد من مؤسسي المستشفى.
وصل الخبر إلى مريم خلال دقائق.
نظرت إلى الأستاذ فؤاد.
—هقابله.
قال فؤاد بقلق:
—خليكي حذرة. الراجل ده ذكي جدًا.
دخل سليم إلى قاعة الاجتماعات.
ولما رأى مريم، ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال:
—أخيرًا قابلت بنت حسن الشافعي.
أجابته بثبات:
—أهلاً بيك.
جلس سليم ووضع ملفًا أمامه.
—أنا مش جاي أحاربك.
رفعت مريم حاجبها.
—أمال جاي ليه؟
تنهد وقال:
—جاي أصلح غلطة عمرها أكتر من عشرين سنة.
فتح الملف.
كانت بداخله صورة قديمة تجمعه بحسن الشافعي وهما يضعان حجر الأساس للمستشفى.
ثم قال:
—أنا وحسن اختلفنا… لكن عمري ما خنته.
نظر إلى فؤاد.
—قولها الحقيقة.
ظل فؤاد صامتًا.
ثم قال بصوت منخفض:
—اللي سرق المستشفى وقتها… ما كانش سليم.
سألت مريم بسرعة:
—مين؟
رد فؤاد:
—كان رئيس مجلس الإدارة القديم… ومعاه مجموعة من رجال الأعمال.
أكمل سليم:
—وأبوك هو اللي كشفهم… لكن قبل ما القض\ية تكتمل، مرض.
ساد الصمت.
ثم أخرج سليم ظرفًا مختومًا.
—ده آخر جواب كتبهلي حسن قبل وفاته.
فتحت مريم الظرف.
كان بخط يد والدها:
> “لو بنتي وصلتلك في يوم… ساعدها تكمل اللي أنا مقدرتش أكمله.”
بدأت دموع مريم تنزل من جديد.
رفعت رأسها إلى سليم.
—يعني… بابا كان مسامحك؟
ابتسم بحزن.
—إحنا اتخانقنا على الإدارة… لكن عمرنا ما بقينا أعداء.
وفي تلك اللحظة…
دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا وهو يلهث.
—يا دكتورة مريم… في مشكلة كبيرة.
التفت الجميع إليه.
قال:
—النار مسكت في أرشيف المستشفى القديم!
قفزت مريم من مكانها.
ركض الجميع نحو الطابق السفلي.
كانت ألسنة الدخان تملأ الممر.
ورجال الإطفاء يحاولون السيطرة على الحريق.
لكن يوسف، الممرض القديم، صرخ فجأة:
—ملفات التأسيس!
نظر سليم إلى الدخان، ثم قال بقلق:
—لو الملفات دي اتحرقت…
هيضيع الدليل الوحيد اللي يثبت مين حاول يسرق المستشفى من أول يوم.
وفي وسط الفوضى…
شاهدت مريم رجلًا يرتدي زي عامل صيانة يخرج مسرعًا من باب الطوارئ، وهو يحمل حقيبة سوداء.
وحين التفت للحظة…
تعرفت على وجهه.
كان أحد الموظفين الذين عملوا لسنوات تحت إدارة عمر…
لكنه كان قد اختفى منذ أسبوع.
أدركت مريم أن الحريق…
لم يكن حادثًا. بل كان محاولة لإخفاء الحقيقة قبل أن تنكشف بالكامل.ركضت مريم نحو باب الطوارئ.
لكن الرجل كان قد وصل إلى ساحة المستشفى.
صرخت:
—استنوا الراجل ده!
التفت أفراد الأمن إليه.
ولما شعر أنهم اقتربوا، ألقى الحقيبة على الأرض وقفز فوق السور الجانبي محاولًا الهرب.
أمسك أحد أفراد الأمن بالحقيبة بسرعة.
أما الرجل…
فاختفى بين الشوارع المزدحمة.
وقفت مريم تلهث.
وأشارت إلى الحقيبة.
—افتحوها.
ارتدى أحد أفراد الإطفاء قفازات واقية.
ثم فتح السحاب ببطء.
ساد الصمت.
لم تكن الحقيبة مليئة بالنقود.
ولا بالأوراق.
كانت مليئة بملفات المرضى القديمة، وعقود تأسيس المستشفى، وعدة وحدات تخزين إلكترونية.
قال فؤاد وهو يتفحصها:
—الحمد لله… أهم المستندات ما اتحرقتش.
لكن يوسف أشار إلى أحد الملفات.
—استنوا…
فتح الملف بسرعة.
ثم تغير وجهه.
—فيه صفحات ناقصة!
اقتربت مريم.
—إيه الصفحات دي؟
أجاب يوسف:
—محاضر الاجتماع اللي اتخذ فيه قرار تعيين عمر مديرًا إداريًا.
نظر فؤاد إلى مريم.
—واضح إن اللي سرق الملفات كان عارف بالضبط بيدور على إيه.
وفي هذه اللحظة، رن هاتف مريم.
رقم مجهول.
ترددت لحظة، ثم أجابت.
جاءها صوت مشوش:
—لو عايزة تعرفي مين أمر بحرق الأرشيف… اسألي أقرب شخص وثقتِ فيه.
وقبل أن تسأل أي شيء…
أغلق المتصل الخط.
وقفت مريم تفكر.
“أقرب شخص وثقت فيه…”
هل يقصد عمر؟
أم شخصًا آخر ما زال قريبًا منها؟
وقبل أن تجد إجابة…
اقترب منها أحد أفراد الأمن، وهو يحمل بطاقة تعريف وجدها قرب باب الطوارئ.
قال:
—لقينا الكارنيه ده وقع من الشخص اللي هرب.
أخذته مريم.
نظرت إليه.
ثم تجمدت في مكانها.
الاسم المكتوب على البطاقة لم يكن اسم عامل الصيانة…
بل اسم موظف من قسم الأرشيف كان قد توفي رسميًا قبل ثلاث سنوات.
نظرت إلى فؤاد في ذهول.
وقال هو بصوت خافت:
—يبقى في حد… كان بيعيش بهوية شخص ميت كل السنين دي.ركضت مريم نحو باب الطوارئ.
لكن الرجل كان قد وصل إلى ساحة المستشفى.
صرخت:
—استنوا الراجل ده!
التفت أفراد الأمن إليه.
ولما شعر أنهم اقتربوا، ألقى الحقيبة على الأرض وقفز فوق السور الجانبي محاولًا الهرب.
أمسك أحد أفراد الأمن بالحقيبة بسرعة.
أما الرجل…
فاختفى بين الشوارع المزدحمة.
وقفت مريم تلهث.
وأشارت إلى الحقيبة.
—افتحوها.
ارتدى أحد أفراد الإطفاء قفازات واقية.
ثم فتح السحاب ببطء.
ساد الصمت.
لم تكن الحقيبة مليئة بالنقود.
ولا بالأوراق.
كانت مليئة بملفات المرضى القديمة، وعقود تأسيس المستشفى، وعدة وحدات تخزين إلكترونية.
قال فؤاد وهو يتفحصها:
—الحمد لله… أهم المستندات ما اتحرقتش.
لكن يوسف أشار إلى أحد الملفات.
—استنوا…
فتح الملف بسرعة.
ثم تغير وجهه.
—فيه صفحات ناقصة!
اقتربت مريم.
—إيه الصفحات دي؟
أجاب يوسف:
—محاضر الاجتماع اللي اتخذ فيه قرار تعيين عمر مديرًا إداريًا.
نظر فؤاد إلى مريم.
—واضح إن اللي سرق الملفات كان عارف بالضبط بيدور على إيه.
وفي هذه اللحظة، رن هاتف مريم.
رقم مجهول.
ترددت لحظة، ثم أجابت.
جاءها صوت مشوش:
—لو عايزة تعرفي مين أمر بحرق الأرشيف… اسألي أقرب شخص وثقتِ فيه.
وقبل أن تسأل أي شيء…
أغلق المتصل الخط.
وقفت مريم تفكر.
“أقرب شخص وثقت فيه…”
هل يقصد عمر؟
أم شخصًا آخر ما زال قريبًا منها؟
وقبل أن تجد إجابة…
اقترب منها أحد أفراد الأمن، وهو يحمل بطاقة تعريف وجدها قرب باب الطوارئ.
قال:
—لقينا الكارنيه ده وقع من الشخص اللي هرب.
أخذته مريم.
نظرت إليه.
ثم تجمدت في مكانها.
الاسم المكتوب على البطاقة لم يكن اسم عامل الصيانة…
بل اسم موظف من قسم الأرشيف كان قد توفي رسميًا قبل ثلاث سنوات.
نظرت إلى فؤاد في ذهول.
وقال هو بصوت خافت:
—يبقى في حد… كان بيعيش بهوية شخص ميت كل السنين دي.تبادل الجميع النظرات في ذهول.
أخذ فؤاد البطاقة من يد مريم.
ظل يقلبها بين أصابعه.
ثم قال:
—البطاقة أصلية… مش مزورة.
سألته مريم:
—إزاي واحد متوفي يشتغل في المستشفى؟
رد يوسف، الممرض القديم:
—لأنه ما ماتش.
التفت الجميع إليه.
قال وهو يتنهد:
—قبل ثلاث سنين حصل حريق صغير في المخزن القديم. بعدها أعلنوا إن موظف الأرشيف، سامي، توفى اختناقًا. لكن محدش من العاملين شاف الج\ثة بنفسه.
قطب فؤاد حاجبيه.
—يعني شهادة الوفاة؟
—اللي استخرجها كان واحد من الإداريين القدام… وبعدها استقال وسافر.
ساد الصمت.
في تلك اللحظة، رن هاتف أحد أفراد الأمن.
استمع لثوانٍ، ثم أغلق الخط بسرعة.
وقال:
—لقينا كاميرات مراقبة من الشارع الخلفي.
انتقل الجميع إلى غرفة المراقبة.
بدأ التسجيل يعمل.
ظهر الرجل الذي هرب بالحقيبة.
لكن قبل أن يختفي…
توقفت بجواره سيارة سوداء فاخرة.
فتح الباب الخلفي.
وركب بسرعة.
وقبل أن تنطلق السيارة…
ظهرت لوحة الأرقام بوضوح.
قال الضابط:
—هاتوا بيانات العربية.
بعد دقائق…
وصل الرد.
قرأ الضابط التقرير بصوت مرتفع:
—العربية مسجلة باسم… شركة “الكيلاني للاستثمارات”.
تجمدت مريم.
ونظرت مباشرة إلى الدكتور سليم.
ساد الصمت في الغرفة.
رفع سليم رأسه بهدوء.
وقال:
—أعرف إن كل الدلائل دلوقتي ضدي.
ثم مد يده إلى جيبه.
وأخرج مفتاح سيارة.
ووضعه على الطاولة.
—اتفضلوا… فتشوا العربية بنفسكم.
خرج الجميع إلى ساحة المستشفى.
تم فتح السيارة بحضور الشرطة.
فتشوا المقاعد والصندوق الخلفي.
لم يجدوا أي ملفات.
ولا أي دليل يربط سليم بالرجل الهارب.
عاد الضابط وهو يبدو مرتبكًا.
قال:
—واضح إن اللي استخدم العربية كان بيحاول يوقع الدكتور سليم.
نظر سليم إلى مريم وقال بهدوء:
—اللي بيحرك اللعبة دي عارف إن أول حاجة هتعمليها هي إنك تشكي فيا.
وقبل أن ترد…
وصل اتصال جديد إلى هاتف مريم.
هذه المرة كان المتصل يستخدم رقمًا ظاهرًا.
ردت بسرعة.
جاءها صوت طفلتها “ملك” وهي تبكي:
—ماما… في راجل جه المدرسة وقال إنه من طرف بابا… وكان عايز ياخدني، لكن الأبلة مرضيتش تسيبني.
شحب وجه مريم.
صرخت:
—إوعي تتحركي من عند الأبلة! أنا جاية حالًا!
انقطع الخط.
ونظرت إلى فؤاد.
فقال بقلق شديد:
—واضح إن اللي بيلعب اللعبة دي… قرر يضغط عليكي بأغلى حاجة عندك.تجمدت مريم للحظة.
ثم أمسكت مفاتيح سيارتها واندفعت نحو الباب.
لكن فؤاد أمسك بذراعها.
—استني… ما تروحيش لوحدك.
أشار إلى اثنين من أفراد الأمن.
—هتيجوا معانا.
انطلقت السيارة بأقصى سرعة نحو المدرسة.
وطوال الطريق، كانت مريم تحاول الاتصال بمديرة المدرسة.
لكن الخط كان مشغولًا.
كل ثانية كانت تمر كأنها ساعة.
—
بعد عشر دقائق…
وصلوا إلى المدرسة.
نزلت مريم تركض.
دخلت إلى مكتب المديرة وهي تلهث.
وقبل أن تنطق…
سمعت صوتًا صغيرًا يقول:
—ماما!
التفتت بسرعة.
كانت “ملك” تجلس في حضن معلمتها، تبكي لكنها بخير.
احتضنتها مريم بقوة.
—أنتِ كويسة؟ حد لمسك؟
هزت ملك رأسها.
—لا… الراجل قال إنه بابا بعتُه، بس الأبلة قالت لازم حضرتك تيجي بنفسك.
تنفست مريم الصعداء.
وشكرت المعلمة والمديرة على تصرفهما.
—
في هذه الأثناء…
كان أحد أفراد الأمن يراجع كاميرات المدرسة.
ظهر رجل يرتدي قبعة وكمامة، يقف عند البوابة ويتحدث مع الحارس.
وبعد دقائق غادر عندما رفضت الإدارة تسليم الطفلة.
قال الضابط:
—الصورة مش واضحة… لكن نقدر نحاول نتتبع العربية اللي كان راكبها.
وفجأة…
قال الحارس:
—استنى… العربية دي أنا فاكرها.
التفت الجميع إليه.
—كانت عليها لوجو شركة صيانة بتتعامل مع المستشفى.
نظر فؤاد إلى مريم.
—واضح إن في حد لسه عنده نفوذ جوه المستشفى.
—
في المساء…
عادت مريم إلى منزلها مع ابنتها.
وبعدما نامت “ملك”، جلست وحدها في الصالة.
كانت تسترجع كل ما حدث خلال اليوم.
رنين الهاتف قطع أفكارها.
كان رقمًا مجهولًا.
ترددت… ثم ردت.
جاءها صوت رجل هادئ:
—أنا مش عايز أؤذي بنتك.
اشتد غضب مريم.
—إنت مين؟
رد:
—أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يقولك مين قتل الحقيقة من سنين.
تجمدت.
ثم قال:
—بكرة… الساعة عشرة الصبح… تعالي لوحدك إلى المخزن القديم اللي جنب المستشفى.
—ولو مجتش؟
ساد صمت قصير.
ثم قال:
—هتفضلي تدوري على الحقيقة… لكن مش هتلاقيها أبدًا.
وأغلق الخط.
نظرت مريم إلى فؤاد، الذي كان قد دخل الغرفة بعد أن سمع جزءًا من المكالمة.
قال بحزم:
—مش هتروحي لوحدك.
أومأت مريم.
كانت تعلم أن المواجهة القادمة…
قد تكشف أخيرًا من يقف خلف كل ما حدث، أو قد تكون فخًا جديدًا ينتظرها.ركضت مريم نحو باب الطوارئ.
لكن الرجل كان قد وصل إلى ساحة المستشفى.
صرخت:
—استنوا الراجل ده!
التفت أفراد الأمن إليه.
ولما شعر أنهم اقتربوا، ألقى الحقيبة على الأرض وقفز فوق السور الجانبي محاولًا الهرب.
أمسك أحد أفراد الأمن بالحقيبة بسرعة.
أما الرجل…
فاختفى بين الشوارع المزدحمة.
وقفت مريم تلهث.
وأشارت إلى الحقيبة.
—افتحوها.
ارتدى أحد أفراد الإطفاء قفازات واقية.
ثم فتح السحاب ببطء.
ساد الصمت.
لم تكن الحقيبة مليئة بالنقود.
ولا بالأوراق.
كانت مليئة بملفات المرضى القديمة، وعقود تأسيس المستشفى، وعدة وحدات تخزين إلكترونية.
قال فؤاد وهو يتفحصها:
—الحمد لله… أهم المستندات ما اتحرقتش.
لكن يوسف أشار إلى أحد الملفات.
—استنوا…
فتح الملف بسرعة.
ثم تغير وجهه.
—فيه صفحات ناقصة!
اقتربت مريم.
—إيه الصفحات دي؟
أجاب يوسف:
—محاضر الاجتماع اللي اتخذ فيه قرار تعيين عمر مديرًا إداريًا.
نظر فؤاد إلى مريم.
—واضح إن اللي سرق الملفات كان عارف بالضبط بيدور على إيه.
وفي هذه اللحظة، رن هاتف مريم.
رقم مجهول.
ترددت لحظة، ثم أجابت.
جاءها صوت مشوش:
—لو عايزة تعرفي مين أمر بحرق الأرشيف… اسألي أقرب شخص وثقتِ فيه.
وقبل أن تسأل أي شيء…
أغلق المتصل الخط.
وقفت مريم تفكر.
“أقرب شخص وثقت فيه…”
هل يقصد عمر؟
أم شخصًا آخر ما زال قريبًا منها؟
وقبل أن تجد إجابة…
اقترب منها أحد أفراد الأمن، وهو يحمل بطاقة تعريف وجدها قرب باب الطوارئ.
قال:
—لقينا الكارنيه ده وقع من الشخص اللي هرب.
أخذته مريم.
نظرت إليه.
ثم تجمدت في مكانها.
الاسم المكتوب على البطاقة لم يكن اسم عامل الصيانة…
بل اسم موظف من قسم الأرشيف كان قد توفي رسميًا قبل ثلاث سنوات.
نظرت إلى فؤاد في ذهول.
وقال هو بصوت خافت:
—يبقى في حد… كان بيعيش بهوية شخص ميت كل السنين دي.ركضت مريم نحو باب الطوارئ.
لكن الرجل كان قد وصل إلى ساحة المستشفى.
صرخت:
—استنوا الراجل ده!
التفت أفراد الأمن إليه.
ولما شعر أنهم اقتربوا، ألقى الحقيبة على الأرض وقفز فوق السور الجانبي محاولًا الهرب.
أمسك أحد أفراد الأمن بالحقيبة بسرعة.
أما الرجل…
فاختفى بين الشوارع المزدحمة.
وقفت مريم تلهث.
وأشارت إلى الحقيبة.
—افتحوها.
ارتدى أحد أفراد الإطفاء قفازات واقية.
ثم فتح السحاب ببطء.
ساد الصمت.
لم تكن الحقيبة مليئة بالنقود.
ولا بالأوراق.
كانت مليئة بملفات المرضى القديمة، وعقود تأسيس المستشفى، وعدة وحدات تخزين إلكترونية.
قال فؤاد وهو يتفحصها:
—الحمد لله… أهم المستندات ما اتحرقتش.
لكن يوسف أشار إلى أحد الملفات.
—استنوا…
فتح الملف بسرعة.
ثم تغير وجهه.
—فيه صفحات ناقصة!
اقتربت مريم.
—إيه الصفحات دي؟
أجاب يوسف:
—محاضر الاجتماع اللي اتخذ فيه قرار تعيين عمر مديرًا إداريًا.
نظر فؤاد إلى مريم.
—واضح إن اللي سرق الملفات كان عارف بالضبط بيدور على إيه.
وفي هذه اللحظة، رن هاتف مريم.
رقم مجهول.
ترددت لحظة، ثم أجابت.
جاءها صوت مشوش:
—لو عايزة تعرفي مين أمر بحرق الأرشيف… اسألي أقرب شخص وثقتِ فيه.
وقبل أن تسأل أي شيء…
أغلق المتصل الخط.
وقفت مريم تفكر.
“أقرب شخص وثقت فيه…”
هل يقصد عمر؟
أم شخصًا آخر ما زال قريبًا منها؟
وقبل أن تجد إجابة…
اقترب منها أحد أفراد الأمن، وهو يحمل بطاقة تعريف وجدها قرب باب الطوارئ.
قال:
—لقينا الكارنيه ده وقع من الشخص اللي هرب.
أخذته مريم.
نظرت إليه.
ثم تجمدت في مكانها.
الاسم المكتوب على البطاقة لم يكن اسم عامل الصيانة…
بل اسم موظف من قسم الأرشيف كان قد توفي رسميًا قبل ثلاث سنوات.
نظرت إلى فؤاد في ذهول.
وقال هو بصوت خافت:
—يبقى في حد… كان بيعيش بهوية شخص ميت كل السنين دي.تبادل الجميع النظرات في ذهول.
أخذ فؤاد البطاقة من يد مريم.
ظل يقلبها بين أصابعه.
ثم قال:
—البطاقة أصلية… مش مزورة.
سألته مريم:
—إزاي واحد متوفي يشتغل في المستشفى؟
رد يوسف، الممرض القديم:
—لأنه ما ماتش.
التفت الجميع إليه.
قال وهو يتنهد:
—قبل ثلاث سنين حصل حريق صغير في المخزن القديم. بعدها أعلنوا إن موظف الأرشيف، سامي، توفى اختناقًا. لكن محدش من العاملين شاف الجث\ة بنفسه.
قطب فؤاد حاجبيه.
—يعني شهادة الوفاة؟
—اللي استخرجها كان واحد من الإداريين القدام… وبعدها استقال وسافر.
ساد الصمت.
في تلك اللحظة، رن هاتف أحد أفراد الأمن.
استمع لثوانٍ، ثم أغلق الخط بسرعة.
وقال:
—لقينا كاميرات مراقبة من الشارع الخلفي.
انتقل الجميع إلى غرفة المراقبة.
بدأ التسجيل يعمل.
ظهر الرجل الذي هرب بالحقيبة.
لكن قبل أن يختفي…
توقفت بجواره سيارة سوداء فاخرة.
فتح الباب الخلفي.
وركب بسرعة.
وقبل أن تنطلق السيارة…
ظهرت لوحة الأرقام بوضوح.
قال الضابط:
—هاتوا بيانات العربية.
بعد دقائق…
وصل الرد.
قرأ الضابط التقرير بصوت مرتفع:
—العربية مسجلة باسم… شركة “الكيلاني للاستثمارات”.
تجمدت مريم.
ونظرت مباشرة إلى الدكتور سليم.
ساد الصمت في الغرفة.
رفع سليم رأسه بهدوء.
وقال:
—أعرف إن كل الدلائل دلوقتي ضدي.
ثم مد يده إلى جيبه.
وأخرج مفتاح سيارة.
ووضعه على الطاولة.
—اتفضلوا… فتشوا العربية بنفسكم.
خرج الجميع إلى ساحة المستشفى.
تم فتح السيارة بحضور الشرطة.
فتشوا المقاعد والصندوق الخلفي.
لم يجدوا أي ملفات.
ولا أي دليل يربط سليم بالرجل الهارب.
عاد الضابط وهو يبدو مرتبكًا.
قال:
—واضح إن اللي استخدم العربية كان بيحاول يوقع الدكتور سليم.
نظر سليم إلى مريم وقال بهدوء:
—اللي بيحرك اللعبة دي عارف إن أول حاجة هتعمليها هي إنك تشكي فيا.
وقبل أن ترد…
وصل اتصال جديد إلى هاتف مريم.
هذه المرة كان المتصل يستخدم رقمًا ظاهرًا.
ردت بسرعة.
جاءها صوت طفلتها “ملك” وهي تبكي:
—ماما… في راجل جه المدرسة وقال إنه من طرف بابا… وكان عايز ياخدني، لكن الأبلة مرضيتش تسيبني.
شحب وجه مريم.
صرخت:
—إوعي تتحركي من عند الأبلة! أنا جاية حالًا!
انقطع الخط.
ونظرت إلى فؤاد.
فقال بقلق شديد:
—واضح إن اللي بيلعب اللعبة دي… قرر يضغط عليكي بأغلى حاجة عندك.تجمدت مريم للحظة.
ثم أمسكت مفاتيح سيارتها واندفعت نحو الباب.
لكن فؤاد أمسك بذراعها.
—استني… ما تروحيش لوحدك.
أشار إلى اثنين من أفراد الأمن.
—هتيجوا معانا.
انطلقت السيارة بأقصى سرعة نحو المدرسة.
وطوال الطريق، كانت مريم تحاول الاتصال بمديرة المدرسة.
لكن الخط كان مشغولًا.
كل ثانية كانت تمر كأنها ساعة.
—
بعد عشر دقائق…
وصلوا إلى المدرسة.
نزلت مريم تركض.
دخلت إلى مكتب المديرة وهي تلهث.
وقبل أن تنطق…
سمعت صوتًا صغيرًا يقول:
—ماما!
التفتت بسرعة.
كانت “ملك” تجلس في حضن معلمتها، تبكي لكنها بخير.
احتضنتها مريم بقوة.
—أنتِ كويسة؟ حد لمسك؟
هزت ملك رأسها.
—لا… الراجل قال إنه بابا بعتُه، بس الأبلة قالت لازم حضرتك تيجي بنفسك.
تنفست مريم الصعداء.
وشكرت المعلمة والمديرة على تصرفهما.
—
في هذه الأثناء…
كان أحد أفراد الأمن يراجع كاميرات المدرسة.
ظهر رجل يرتدي قبعة وكمامة، يقف عند البوابة ويتحدث مع الحارس.
وبعد دقائق غادر عندما رفضت الإدارة تسليم الطفلة.
قال الضابط:
—الصورة مش واضحة… لكن نقدر نحاول نتتبع العربية اللي كان راكبها.
وفجأة…
قال الحارس:
—استنى… العربية دي أنا فاكرها.
التفت الجميع إليه.
—كانت عليها لوجو شركة صيانة بتتعامل مع المستشفى.
نظر فؤاد إلى مريم.
—واضح إن في حد لسه عنده نفوذ جوه المستشفى.
—
في المساء…
عادت مريم إلى منزلها مع ابنتها.
وبعدما نامت “ملك”، جلست وحدها في الصالة.
كانت تسترجع كل ما حدث خلال اليوم.
رنين الهاتف قطع أفكارها.
كان رقمًا مجهولًا.
ترددت… ثم ردت.
جاءها صوت رجل هادئ:
—أنا مش عايز أؤذي بنتك.
اشتد غضب مريم.
—إنت مين؟
رد:
—أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يقولك مين قتل الحقيقة من سنين.
تجمدت.
ثم قال:
—بكرة… الساعة عشرة الصبح… تعالي لوحدك إلى المخزن القديم اللي جنب المستشفى.
—ولو مجتش؟
ساد صمت قصير.
ثم قال:
—هتفضلي تدوري على الحقيقة… لكن مش هتلاقيها أبدًا.
وأغلق الخط.
نظرت مريم إلى فؤاد، الذي كان قد دخل الغرفة بعد أن سمع جزءًا من المكالمة.
قال بحزم:
—مش هتروحي لوحدك.
أومأت مريم.
كانت تعلم أن المواجهة القادمة…
قد تكشف أخيرًا من يقف خلف كل ما حدث، أو قد تكون فخًا جديدًا ينتظرها.في صباح اليوم التالي…
أصرت مريم على الذهاب.
لكن هذه المرة لم تُخبر أحدًا بالمكان الحقيقي.
اتفقت مع فؤاد أن يبقى فريق الأمن على مسافة، حتى لا يشعر المتصل بأنه خُدع.
في تمام العاشرة…
دخلت المخزن القديم.
كان المكان مهجورًا، تغطيه طبقة سميكة من الغبار.
وفجأة…
سمعت صوتًا من آخر القاعة.
—عرفت إنك هتيجي.
خرج رجل في منتصف الخمسينيات من خلف أحد الأرفف.
لم تكن مريم قد رأته من قبل.
لكنها شعرت أنه يعرفها جيدًا.
قال بهدوء:
—أنا اسمي سامي.
اتسعت عيناها.
—سامي؟! موظف الأرشيف؟
ابتسم ابتسامة مريرة.
—أيوه… الموظف اللي أعلنوا وفاته.
سألته بسرعة:
—مين اللي عمل كده؟
تنهد وقال:
—لما اكتشفت إن في ملفات بتتغير وعقود بتتزور، هددت أبلغ الجهات المختصة.
ثم أكمل:
—بعدها بيومين، اتعمل الحريق… وقالوا للناس إني مت.
—ليه؟
—عشان أختفي… وأفضل أراقب اللي بيحصل، وأجمع الأدلة.
أخرج من جيبه فلاشة صغيرة.
ومدها إليها.
—كل اللي قدرت أوثقه موجود هنا.
مدت يدها لتأخذها.
لكن في اللحظة نفسها…
دوى صوت طلقة نارية داخل المخزن.
ارتطمت الرصاصة بالحائط بجوار مريم.
صرخت وهي تنحني.
أما سامي…
فسقط على الأرض ممسكًا بكتفه.
اندفع رجال الأمن إلى الداخل.
لكن المهاجم كان قد هرب من الباب الخلفي.
ركعت مريم بجوار سامي.
كان ينزف، لكنه لا يزال واعيًا.
أمسك بيدها بصعوبة.
وقال وهو يلهث:
—اسمعيني…
حافظي… على الفلاشة…
فيها… اسم… اللي… بدأ… كل…
ثم أغمي عليه قبل أن يكمل الجملة.
أمسكت مريم الفلاشة بقوة.
ونظرت نحو الباب الخلفي المفتوح.
كانت تدرك أن الحقيقة أصبحت أقرب من أي وقت مضى…
لكنها أدركت أيضًا أن هناك شخصًا مستعدًا لإطلاق النار وقتل أي شاهد، حتى لا تنكشف أسراره.وصلت سيارة الإسعاف خلال دقائق.
نُقل سامي إلى غرفة العمليات وهو بين الحياة والموت.
أما مريم، فكانت تقبض على الفلاشة بقوة وكأنها آخر خيط يقود إلى الحقيقة.
قال فؤاد:
—ما تفتحيهاش هنا.
أومأت برأسها.
وعادوا إلى مكتبه.
أغلق الباب بنفسه.
وأغلق الستائر.
ثم أدخل الفلاشة في جهاز الكمبيوتر.
ظهرت عدة مجلدات.
أولها كان بعنوان:
“لا يُفتح إلا إذا وصلت الفلاشة إلى مريم.”
نظرت إلى فؤاد.
ثم ضغطت على المجلد.
ظهر مقطع فيديو لسامي.
كان يبدو أصغر سنًا، وصوته ثابتًا.
قال:
“لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أنا غالبًا ما قدرتش أوصلك بنفسي.”
ثم أخرج ورقة أمام الكاميرا.
“دي نسخة من أول عقد مزور دخل المستشفى.”
بدأ فؤاد يقارن العقد بالنسخة الأصلية الموجودة عنده.
وفجأة…
قال بصدمة:
—التوقيع ده… مش توقيع والدك.
اقتربت مريم.
—يعني إيه؟
—يعني في حد زوّر توقيع حسن الشافعي من سنين.
ثم انتقل الفيديو إلى صفحة أخرى.
وقال سامي:
“الشخص اللي كان بيسلمني العقود دي عمره ما كان بيظهر باسمه الحقيقي… لكنه كان دايمًا بيتعامل مع شخص واحد.”
حبست مريم أنفاسها.
ظهر اسم على الشاشة.
“نادر عزمي.”
سألت مريم:
—مين نادر عزمي؟
رد فؤاد بعد لحظة صمت:
—رئيس مجلس الإدارة السابق… والراجل اللي اختفى من مصر من خمس عشرة سنة.
ثم فتح سامي ملفًا أخيرًا.
وقال:
“لو نادر رجع… اعرفوا إنه مش راجع عشان المستشفى… راجع عشان حاجة مدفونة فيها.”
تبادلت مريم وفؤاد النظرات.
—حاجة مدفونة؟
فتحا الملف الأخير.
كانت صورة قديمة جدًا لساحة المستشفى قبل بنائها.
وعليها دائرة حمراء مرسومة بالقلم.
وتحتها عبارة واحدة:
“ابدؤوا الحفر من هنا.”
ساد الصمت.
نظر فؤاد إلى الصورة طويلًا.
ثم قال:
—واضح إن سر المستشفى… أكبر بكتير من مجرد أسهم وإدارة.
أما مريم…
فكانت تنظر إلى الدائرة الحمراء، وتشعر أن رحلة البحث عن حق والدها تحولت إلى لغز قديم، قد يغيّر كل ما كانت تعرفه عن المستشفى.