وصيته حمايا الاخير حكايات زهره
حماتي قصّت شعري وأنا نايمة وقالت: “هيطلع تاني”… لكنها ما كانتش تعرف إني كولونيل في الجيش، واللي عملته بعدها قلب حياتهم كلها!
اسمي سارة، وعمري 46 سنة.
قضيت 22 سنة من عمري في الجيش، اشتغلت في أصعب المهام، وسافرت في بعثات برّه مصر، وشفت مواقف لو اتحكت ما حدش هيصدقها.
وصلت لرتبة كولونيل بعد سنين طويلة من التعب، ومؤخرًا تم اختياري لقيادة وحدة استخبارات استراتيجية، منصب كنت بحلم بيه من أول يوم دخلت فيه الكلية الحربية.
لكن كل ده ماكانش يشفعلي جوه بيتي.
جوزي أحمد كان شايف إن أي نجاح أحققه بيقلل من رجولته، أما حماتي أم أحمد، فكانت مقتنعة إن الست مهما وصلت، مكانها الطبيعي هو المطبخ وخدمة جوزها.
وفي الليلة دي… وأنا نايمة، صحيت على إحساس غريب في راسي.
مديت إيدي على شعري… واتصدمت.
خصل كبيرة كانت متقصوصة.
قمت مفزوعة، وجريت ناحية المراية.
وقبل ما أستوعب اللي حصل، لقيت حماتي واقفة على باب الأوضة، ماسكة المقص، وبتبتسم بكل برود.
قالت وهي بتهز كتفها: “ما تكبريش الموضوع… ده مجرد شعر، وهيطلع تاني. يمكن كده تتعلمي تسمعي كلام جوزك.”
أحمد صحي على صوتنا، وبص عليا، وبعدين بص لأمه… وبدل ما يغضب، ابتسم.
وقال: “بصراحة… يمكن أمي عملت اللي أنا ما عرفتش أعمله.”
في اللحظة دي…
ما عيطتش.
ما صرختش.
ولا حتى اتخانقت معاهم.
أنا بس… ابتسمت.
لأنهم ماكانوش يعرفوا إنهم ارتكبوا أكبر غلطة في حياتهم… وإن اللي هيحصل بعد كده هيخليهم يتمنوا لو كانوا سابوا شعري في حاله.فضلت باصة في المراية ثواني، وإيدي بتمر على الخصل اللي كانت مرمية على الأرض.
كان ممكن أي حد يشوف ابتسامتي ويفتكر إني اتكسرت… لكن الحقيقة كانت العكس تمامًا.
أنا اتعلمت في الجيش إن أول قاعدة في أي مواجهة هي: ما تديش خصمك رد الفعل اللي هو مستنيه.
رفعت عيني وبصيت لحماتي.
قلت بهدوء: “خلصتي؟”
استغربت من هدوئي، وقالت بسخرية: “إيه؟ مش هتعيطي؟”
ابتسمت أكتر. “لأ… ليه أعيط؟”
أحمد ضحك وهو قاعد على السرير وقال: “واضح إن الصدمة خلتها مش مستوعبة.”
ما رديتش.
دخلت الحمام، قفلت الباب، وغسلت وشي بمية ساقعة.
كنت ببص لنفسي في المراية وبفكر في حاجة واحدة…
إزاي هيتحاسبوا؟
مش انتقام.
ولا خناق.
ولا حتى بلاغ.
أنا طول عمري مؤمنة إن أقسى عقاب هو اللي يخلي اللي قدامك يدمر نفسه بإيده.
خرجت من الحمام وكأن مفيش حاجة حصلت.
لبست هدومي العسكرية بعناية، وحطيت البيريه على راسي بطريقة خبت الجزء المتقصوص من شعري.
حماتي بصتلي باستغراب.
قالت: “إيه؟ رايحة الشغل عادي؟”
قلت بابتسامة: “طبعًا… عندي اجتماع مهم جدًا النهارده.”
رد أحمد وهو بيشرب القهوة: “روحي… بس متنسيش وإنتي راجعة تعمليلنا الغدا.”
بصيتله ثانيتين.
“حاضر.”
ولأول مرة من سنين…
نفذت طلبه من غير أي نقاش.
وده كان أول شيء خلاه يحس إن في حاجة مش طبيعية.
…
في مقر القيادة، أول ما دخلت، كل الضباط وقفوا يؤدوا التحية.
لكن أول شخص لاحظ اللي حصل في شعري كانت العقيد منى.
قربت مني وهمست: “مين اللي عمل فيكي كده؟”
بصيتلها وقلت: “بعد الاجتماع هحكيلك.”
ملامحها اتغيرت فورًا.
لأنها عارفة كويس إن سارة عمرها ما تسمح لحد يلمسها بالشكل ده.
دخلت قاعة الاجتماعات.
اللواء كان موجود بنفسه.
وبعد عرض استمر ساعة كاملة، وقف قدام الجميع وقال:
“ابتداءً من الأسبوع الجاي، الكولونيل سارة هتكون مسؤولة عن عملية قومية شديدة السرية… وأي محاولة للتأثير عليها أو تهديدها أو تعطيلها هتُعتبر اعتداءً على مهمة سيادية.”
الجملة دي خلت كل اللي في القاعة يسقف.
أما أنا…
فافتكرت ابتسامة أحمد وهو بيشوف أمه بتقص شعري.
وافتكرت جملتها…
“مجرد شعر وهيطلع تاني.”
بعد الاجتماع، طلب اللواء إني أدخل مكتبه لوحدي.
أول ما قفلت الباب، لاحظ الجزء المتقصوص اللي البيريه ما قدرش يخبيه بالكامل.
سألني بنبرة حادة:
“إيه اللي حصل؟”
سكت ثواني.
وبعدين لأول مرة…
حكيت كل حاجة بالتفصيل.
من أول الإهانات اللي كنت بستحملها سنين…
لحد اللي حصل وأنا نايمة.
اللواء فضل ساكت، وبعدين ضغط زر صغير على مكتبه.
بعد أقل من دقيقة…
دخل المستشار القانوني للوحدة، ومعاه ضابط من الشرطة العسكرية.
بصلي اللواء وقال بهدوء:
“الكولونيل سارة… من اللحظة دي، الموضوع ما بقاش مجرد خلاف عائلي.”
وقبل ما أسأله يقصد إيه…
رن موبايله الأرضي.
رد، وسكت يسمع ثواني.
وفجأة… ملامحه اتغيرت تمامًا.
بصلي وقال:
“واضح إن في حد سبقنا بخطوة… وفي خبر لازم تعرفيه حالًا.”اتسعت عيني وأنا ببص للواء.
قلت بقلق: “خير يا فندم؟”
قفل السماعة بهدوء، وبص للمستشار القانوني، وبعدها رجع بصلي.
قال: “في حد راح بنفسه يقدم بلاغ الصبح بدري… قبل حتى ما توصلي هنا.”
عقدت حاجبي باستغراب.
“بلاغ؟ ضدي؟”
هز رأسه.
“لأ… باسمك.”
حسيت إن قلبي دق بسرعة.
“مين؟”
قال: “لسه مش معروف، لكن الشخص رفض يسيب اسمه، وقال إنه شاهد على واقعة اعتداء حصلت داخل منزلك، وإن عنده دليل.”
الدليل؟
أنا ما كنتش أعرف إن حد شاف اللي حصل أصلًا.
بيتنا كان مقفول، ومفيش غيري وغير أحمد وأمه.
إزاي يبقى فيه شاهد؟
وقبل ما أتكلم، الباب خبط.
دخل العقيد منى وهي ماسكة تابلت.
وشها كان متوتر بشكل غريب.
قالت: “يا فندم… في حاجة لازم تشوفوها.”
حطت التابلت قدامنا.
كانت صورة ثابتة من كاميرا مراقبة.
الصورة لمدخل العمارة اللي ساكنين فيها.
واضح فيها حماتي وهي داخلة الشقة الساعة اتنين وربع بعد منتصف الليل… وفي إيدها كيس صغير.
وبعد حوالي نص ساعة…
خرجت وهي مخبية المقص جوه نفس الكيس.
أنا كنت ببص للصورة ومش مستوعبة.
قلت: “دي كاميرا مين؟”
ردت منى: “جاركم في الدور اللي تحت ركب كاميرا من أسبوعين بعد ما عربيته اتخبطت.”
اللواء سأل: “الصور دي وصلت إزاي؟”
قالت: “اتبعتت على البريد الإلكتروني الرسمي للوحدة من إيميل مجهول.”
ساد صمت ثقيل.
الموضوع بقى أكبر من مجرد قصة شعر.
فيه حد بيراقب…
وفيه حد قرر يساعدني.
لكن السؤال كان:
ليه؟
رن هاتفي الشخصي.
بصيت للشاشة.
المتصل كان…
أحمد.
استأذنت ورديت.
أول ما فتحت الخط، صوته كان مختلف.
مش واثق زي الصبح.
قال بسرعة: “سارة… انتي فين؟”
قلت بهدوء: “في الشغل.”
سكت لحظة، وبعدين قال: “ارجعي البيت حالًا… في ناس جم هنا بيسألوا عنك.”
قلت: “مين؟”
رد وهو بيبلع ريقه: “مش عارف… لكن أول ما عرفوا إنك مش موجودة، قالوا إنهم هيرجعوا تاني… وكان معاهم ملفات، وسألوا أسئلة عن اللي حصل بالليل.”
وقبل ما أكمل معاه…
سمعت صوت حماتي في الخلفية وهي بتصرخ:
“قولها ترجع بسرعة… لازم نتفاهم قبل ما الدنيا تكبر!”
أحمد قفل المكالمة فجأة.
رفعت عيني للواء.
لسه هتكلم…
لكن أحد أفراد الأمن دخل مسرعًا وقال:
“يا فندم… في شخص موجود على البوابة، رافض يمشي، وبيقول إنه معاه حاجة تخص الكولونيل سارة، ولازم يسلمها بإيده… وبيقول لو الظرف ده اتفتح، حياة ناس كتير هتتغير.”بصيت للواء باستغراب.
قال لضابط الأمن: “خلوه يدخل… لكن طبقوا الإجراءات كاملة.”
بعد دقايق، دخل راجل في أواخر الخمسينات.
هدومه بسيطة، وشكله باين عليه الإرهاق، لكنه كان ماسك ظرف بني بإيده وكأنه أغلى حاجة عنده.
وقف قدامي وقال: “حضرتك الكولونيل سارة؟”
هزيت راسي.
مدلي الظرف وقال: “أنا البواب بتاع العمارة اللي قدامكم.”
استغربت.
“حضرتك تعرفيني؟”
قال: “لا… لكن اللي حصل امبارح خلاني مقدرش أسكت.”
فتحت الظرف.
كان فيه فلاشة صغيرة… ومعاها ورقة مكتوب فيها بخط اليد:
“الحق بيبان مهما اتأخر.”
اللواء أشار لفني المعلومات.
اتوصلت الفلاشة بالكمبيوتر الموجود في المكتب.
ظهر تسجيل فيديو.
الكاميرا كانت موجهة على مدخل شقتنا.
الصورة واضحة جدًا.
الساعة كانت 1:57 بعد منتصف الليل.
ظهر أحمد وهو بيفتح باب الشقة بهدوء.
بعدها بدقيقة، نزل بالسلم، وفتح باب العمارة بنفسه.
دخلت أمه وهي ماسكة شنطة صغيرة.
طلعوا الاتنين مع بعض.
وبعد حوالي أربعين دقيقة…
خرجت حماتي وهي بتضحك.
أما أحمد…
فكان واقف يودعها عند الباب.
يعني…
مكانش نايم.
مكانش اتفاجئ.
مكانش حتى بيحاول يمنعها.
كل اللي قاله الصبح كان تمثيل.
حسيت بحاجة بتتكسر جوايا.
مش بسبب شعري…
لكن بسبب اتنين وعشرين سنة جواز.
اللواء وقف الفيديو وقال بهدوء:
“واضح إن الواقعة كانت مُدبرة.”
العقيد منى بصتلي بحزن.
لكن المفاجأة ما كانتش خلصت.
فني المعلومات قال:
“يا فندم… الفلاشة فيها ملف تاني.”
فتح الملف.
كان تسجيل صوتي.
أول صوت طلع كان صوت أحمد.
واضح إنه كان بيتكلم قبل الواقعة بساعات.
قال وهو بيضحك:
“اعمليها وإحنا نايمين… هي هتتجنن، وساعتها هتسيب الشغل بنفسها. طول عمرها فاكرة نفسها ضابط مهم.”
بعدها جه صوت حماتي.
“وأهو شعرها يروح… يمكن تبطل غرور.”
الغرفة كلها سكتت.
حتى اللواء فضل ثابت مكانه ثواني.
أنا قفلت عيني.
افتكرت كل مرة كنت برجع فيها من مأمورية مرهقة، وألاقي أحمد بيقولي:
“هو الجيش أهم من بيتك؟”
افتكرت كل ترقية كان يستقبلها بوش متجهم.
وافتكرت إنهم كانوا مستنيين اللحظة اللي يخلوني أسيب كل اللي بنيته.
لكن قبل ما حد يتكلم…
رن هاتف اللواء.
رد بسرعة.
واستمع لدقائق.
ثم نظر إليّ وقال بصوت جاد:
“الكولونيل سارة… يبدو إن القصة دي أخطر مما كنا متوقعين.”
سألته: “يعني إيه؟”
قال:
“في اسم اتكرر في التسجيلات… وده الاسم نفسه ظهر النهارده في تحقيق سري شغالين عليه من شهور… ولو الشكوك طلعت صح…”
وسكت فجأة، وهو بيبص لوجوه الموجودين.
ثم قال:
“من دلوقتي… محدش يخرج من المكتب، ولا كلمة واحدة تتقال بره… لأن اللي جاي هيغير كل مسار الق*ضية.”ساد صمت ثقيل داخل المكتب.
اللواء قام وقف، وقفل الباب بنفسه، وبعدها لف المفتاح.
بص لكل الموجودين وقال:
“الكلام اللي هيتقال هنا… هيطلع في محضر رسمي وبس.”
حسيت إن الموضوع خرج تمامًا من إطار الخلاف العائلي.
اللواء ضغط على جهاز التسجيل الموجود على مكتبه، وقال:
“كملوا التسجيل.”
رجع الفني شغل الملف الصوتي من الدقيقة اللي بعدها.
ظهر صوت أحمد وهو بيقول:
“متقلقيش… حتى لو اشتكت، محدش هيصدق إن أم قصت شعر مرات ابنها وهي نايمة.”
ضحكت حماته وقالت:
“ولو زعلت يومين ولا تلاتة، هترجع زي كل مرة.”
ثم ساد صمت لثوانٍ…
وفجأة ظهر صوت ثالث.
صوت راجل.
صوته كان منخفض، لكنه واضح.
قال:
“المهم إنها تبقى مشغولة بأي أزمة في البيت الأسبوع ده… الاجتماع اللي عندها لازم يفوتها.”
اتجمدت في مكاني.
أنا الوحيدة اللي كنت عارفة إن الأسبوع ده عندي اجتماع استراتيجي شديد السرية.
حتى أحمد…
أنا ما قلتلوش معاد الاجتماع.
بصيت للواء بسرعة.
هو كمان كان مركز في التسجيل.
قال للفني:
“ارجع الجملة دي.”
اتعادت مرة… واتنين… وتلاتة.
كل مرة كنا بنسمعها أوضح.
اللواء قال بهدوء:
“الصوت ده… مش غريب عليا.”
العقيد منى سألت:
“حضرتك تعرفه؟”
رد:
“مش متأكد… لكن هنبعته للمعمل الصوتي.”
الفني أخد نسخة من الملف، وبدأ يجهزها للتحليل.
وفي اللحظة دي…
الباب خبط بعنف.
دخل ضابط العمليات بسرعة، وقال وهو بياخد نفسه:
“يا فندم… في خبر عاجل.”
اللواء بصله.
قال الضابط:
“الاجتماع الاستراتيجي اللي كان مقرر الأسبوع الجاي… اتقدم للنهارده بعد ساعتين.”
اتسعت عيني.
“إزاي؟”
رد:
“أوامر عليا يا فندم.”
اللواء بصلي وقال:
“واضح إن اللي حاول يشغلك بالمشكلة دي… كان عارف إن في حاجة هتحصل.”
قبل ما أرد…
هاتف أحمد رن على موبايلي مرة تانية.
المرة دي سيبته يرن.
بعدها مباشرة وصلت رسالة.
فتحتها.
كان مكتوب فيها:
“ارجعي البيت حالًا… أمي تعبانة جدًا، ولو حصلها حاجة هتبقي إنتِ السبب.”
بصيت للرسالة… وبعدها مسحتها من غير ما أرد.
رفعت رأسي للواء وقلت بثبات:
“أنا مكاني هنا.”
ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة من الصبح، وقال:
“وده بالضبط القرار اللي كنت مستني أشوفه.”
وفي نفس اللحظة…
دخل الفني وهو ماسك ورقة مطبوعة، وملامحه كلها اندهاش.
قال:
“يا فندم… نتيجة أولية لتحليل الصوت.”
اللواء أخد الورقة، قرأ أول سطر…
وفجأة تغير لون وشه.
رفع عينه وبصلي، وقال بصوت منخفض:
“سارة… الشخص التالت في التسجيل… طلع حد عمرنا ما كنا نتوقعه.”أخدت نفسًا عميقًا وأنا بحاول أقرأ ملامح اللواء.
قلت: “مين يا فندم؟”
بص للورقة مرة تانية، وبعدين قال:
“لسه النتيجة الأولية، ومينفعش نتهم حد قبل ما نتأكد.”
العقيد منى قالت باستغراب: “لكن حضرتك شكلك عرفت هوية الشخص.”
رد بهدوء: “الصوت متطابق بنسبة كبيرة مع شخص له صلة بجهة بنحقق معاها بقالنا شهور.”
الجملة دي خلت الغرفة كلها تسكت.
لكن قبل ما حد يسأل، الفني قال:
“في حاجة أغرب من كده يا فندم.”
لف الشاشة ناحيتنا.
“الفلاشة كان فيها ملف محذوف… وقدرنا نسترجعه.”
ضغط عليه.
ظهر فيديو مدته أقل من دقيقة.
الصورة كانت مهزوزة، كأن حد بيصور بالموبايل من بعيد.
أحمد واقف تحت العمارة، بيتكلم مع راجل لابس كاب ونظارة شمس، ووشه مش باين.
الراجل سلّمه ظرف أبيض.
وأول ما أخده أحمد، الراجل قال جملة واحدة:
“افتكر… لو فشلت تخليها تبعد عن شغلها، الاتفاق كله هيلغي.”
الفيديو وقف فجأة.
أنا حسيت بقشعريرة.
أحمد… كان متفق مع حد؟
ليه؟
ومن إمتى؟
اللواء بصلي وقال:
“الكولونيل سارة، من اللحظة دي، أي تحرك منك هيكون بتنسيق معانا.”
هزيت رأسي بالموافقة.
في نفس اللحظة، رن هاتف العقيد منى.
ردت، واستمعت ثواني، ثم قالت بدهشة:
“إزاي؟!… حاضر.”
قفلت المكالمة، وبصتلنا.
“الجار اللي بعت الكاميرات… اختفى.”
قلت بسرعة: “اختفى يعني إيه؟”
قالت: “الشرطة راحت تسأله عن التسجيلات… الشقة فاضية، والبواب بيقول إنه ساب العمارة من ساعة تقريبًا، وقال إنه مسافر، من غير ما يقول رايح فين.”
اللواء عقد حاجبيه.
واضح إن الشخص اللي ساعدني…
كان خايف.
أو…
حد خلاه يختفي.
وفجأة، أحد الضباط دخل المكتب وهو ماسك هاتفه، وقال:
“يا فندم… في خبر غريب.”
“اتفضل.”
“أحمد… زوج الكولونيل سارة… موجود دلوقتي قدام بوابة القيادة.”
اتجمدت مكاني.
“هو هنا؟”
الضابط هز رأسه.
“وبيطلب يقابلها فورًا… وبيقول إنه لو ما شافهاش خلال خمس دقايق، هيقول حاجة هتقلب القض*ية كلها.”اللواء بص لضابط الأمن وقال بحزم:
“محدش يدخله قبل ما نفتشه، ويتسحب منه الموبايل وأي أجهزة معاه.”
رد الضابط: “تمام يا فندم.”
بعد دقائق، دخل أحمد.
لكن أحمد اللي دخل المكتب ماكانش هو نفس أحمد اللي ساب البيت الصبح.
وشه شاحب، هدومه مبهدلة، وعرقه مغرق قميصه.
أول ما شافني، قال بسرعة:
“سارة… لازم تسمعيني.”
ما رديتش.
فضلت قاعدة مكاني، وباصاله من غير أي تعبير.
اللواء قال:
“اتكلم.”
بلع ريقه وقال:
“أنا غلطت… وأنا معترف. أمي هي اللي قصت شعرك، وأنا وافقت… لكن الموضوع خرج من إيدينا.”
سأل اللواء ببرود:
“إزاي خرج من إيدكم؟”
لف أحمد يبص حواليه، كأنه خايف حد يسمعه.
وقال بصوت واطي:
“في واحد كان بيضغط عليا.”
أنا لأول مرة اتكلمت.
“مين؟”
قال:
“معرفش اسمه الحقيقي… كل اللي أعرفه إنه كان بيكلمني من أرقام مختلفة.”
اللواء قاطعه:
“وليه كنت تسمع كلامه؟”
سكت أحمد ثواني، وبعدها قال:
“لأنه كان معاه صور… ومستندات… وكان بيهددني.”
العقيد منى سألت:
“بيهددك بإيه؟”
نزل أحمد راسه.
“قال إنه هيحبسني.”
أنا بصيتله باستغراب.
“تحبسك ليه؟”
رفع عينه ناحيتي، وكانت أول مرة أشوف الخوف الحقيقي فيها.
قال:
“من سنتين… وقعت على ورق من غير ما أقراه.”
اللواء عقد حاجبيه.
“أي ورق؟”
رد أحمد:
“كنت مديون، والشخص ده عرض يساعدني. بعدها اكتشفت إن توقيعي اتحط على مستندات أنا معرفش عنها حاجة.”
ساد الصمت.
أنا كنت سامعة كلامه…
لكن عقلي كان بيرجع لورا.
افتكرت إنه من سنتين فعلًا كان بيطلب فلوس كتير، وكل ما أسأله يقول إنها ظروف شغل.
وقتها أنا صدقته.
اللواء قال:
“وده يخليك توافق على الاعتداء على مراتك؟”
أحمد غمض عينيه وقال:
“هو قالي… لو سارة غابت عن شغلها كام يوم، هيرجعلي كل الورق.”
أنا ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها كانت مليانة مرارة.
“بعتني… عشان تمضي ورق من غير ما تقراه.”
أحمد حاول يقرب مني.
“والله ندمت.”
لكن قبل ما يكمل خطوة…
باب المكتب اتفتح بعنف.
ودخل نفس ضابط الأمن، وهو بيقول بصوت مرتفع:
“يا فندم… في خبر عاجل!”
الكل بصله.
قال وهو بيلهث:
“أم أحمد… اختفت من البيت.”
وقبل ما أي حد يستوعب الخبر، كمل:
“والأغرب… إنها سابت جواب على السفرة، مكتوب فيه بخط إيدها:
“سامحيني يا سارة… أنا كنت فاكرة إني بعلمك درس، لكن اكتشفت متأخر إننا كلنا كنا مجرد بيادق في لعبة أكبر مننا.”
وتحت الجملة دي…
كان فيه اسم واحد فقط.
اسم… لما اللواء شافه، قام واقف فجأة، وقال:
“مستحيل…!”الورقة كانت في إيد اللواء.
فضل يبصلها ثواني، وكأن الاسم اللي مكتوب عليها رجعه لملف قديم كان فاكر إنه اتقفل من سنين.
العقيد منى قالت بقلق:
“حضرتك… الاسم ده تعرفه؟”
اللواء ما ردش على طول.
حط الورقة على المكتب، وقال بهدوء:
“أعرفه… لكن مش بالطريقة اللي إنتوا فاكرينها.”
أنا قربت من المكتب.
حاولت أشوف الاسم.
لكن اللواء غطاه بإيده.
وقال:
“دلوقتي، كل اللي يهمنا هو نوصل لأم أحمد قبل أي حد تاني.”
أحمد اتوتر فجأة.
“يعني إيه؟ هي في خطر؟”
رد اللواء:
“لو اللي كتبته في الجواب صحيح… فهي بقت شاهدة على ناس مش هيسمحوا إنها تتكلم.”
الجملة دي خلت أحمد يقعد على الكرسي وهو بيترعش.
واضح إنه لأول مرة يستوعب إن الموضوع أكبر من مجرد مؤامرة داخل البيت.
في نفس اللحظة، رن تليفون غرفة العمليات.
الضابط رد بسرعة، وبعد ثواني قال:
“يا فندم… لقينا عربية أم أحمد.”
الكل انتبه.
“فين؟”
“مركونة على طريق صحراوي، والأبواب مفتوحة… لكن هي مش موجودة.”
اللواء أمر فورًا:
“أقفلوا المكان بالكامل، وابعتوا فريق الأدلة الجنائية.”
ثم بصلي وقال:
“سارة… هتيجي معانا.”
هزيت رأسي من غير تردد.
بعد أقل من ساعة، كنا واقفين جنب العربية.
كل حاجة كانت طبيعية…
إلا حاجة واحدة.
المقص.
نفس المقص اللي قصت بيه شعري.
كان مرمي على كرسي السواق.
لكن المرة دي…
كان مربوط فيه ظرف صغير بخيط أحمر.
أحد الضباط لبس القفازات وفتح الظرف بحذر.
طلع منه كارت أبيض.
مكتوب عليه بخط واضح:
“المرحلة الأولى انتهت بنجاح.”
وتحتها مباشرة:
“استعدوا للمرحلة الثانية.”
ساد صمت ثقيل.
اللواء أخد الكارت، وبص حواليه.
ثم قال بصوت منخفض:
“واضح إن حد بيتعمد يسيب رسائل… وبيتابع كل خطوة بنعملها.”
وفجأة، سمعنا صوت محرك سيارة ينطلق بسرعة من آخر الطريق الترابي.
كل الضباط لفوا في نفس اللحظة.
لكن العربية كانت ابتدت تبتعد.
صرخ أحد الجنود:
“في حد كان بيراقبنا من أول ما وصلنا!”
اللواء أشار للعربيات:
“الحقوه!”
وانطلقت سيارات القوة بأقصى سرعة خلف السيارة الهاربة…
بينما أنا كنت واقفة، وعيني على الظرف الفاضي اللي لسه في إيدي.
لأن قبل ما الضابط ياخده مني…
لمحت جواه ورقة صغيرة جدًا، مطوية بعناية، وكأن اللي حطها كان متأكد إنها مش هتتبان من أول نظرة.بهدوء شديد، فتحت الورقة من غير ما ألفت انتباه حد.
كانت صغيرة جدًا، ومكتوب فيها سطر واحد فقط:
“متثقيش في أي حد… حتى اللي لابس النجوم على كتفه.”
اتجمدت.
رفعت عيني تلقائيًا ناحية اللواء.
كان واقف بيدي أوامر للقوة اللي بتطارد العربية.
هل الرسالة تقصده؟
ولا تقصد حد تاني؟
طيّت الورقة بسرعة، وحطيتها في جيبي من غير ما أقول لحد.
بعد حوالي عشرين دقيقة، رجعت سيارات المطاردة.
نزل قائد القوة وهو مضايق.
“للأسف يا فندم… العربية دخلت طريق زراعي ضيق، وبعدها لقيناها متسابّة، والسواق اختفى.”
اللواء ضغط على أسنانه.
“سيبوا فريق يمشط المنطقة.”
وفجأة، جهاز اللاسلكي بتاع أحد الضباط أصدر صوتًا.
“تم العثور على سيدة… تبعد حوالي كيلومترين عن موقع العربية.”
قلبي وقع.
قلت بسرعة:
“هي أم أحمد؟”
رد الصوت:
“أيوه… لكنها في حالة إعياء شديد.”
جرينا كلنا ناحية سيارة الإسعاف.
كانت حماتي نايمة على النقالة، وشها شاحب، وعينيها مقفولة.
أول ما قربت منها، فتحت عينيها بالعافية.
بصتلي مباشرة.
ومسكت إيدي بقوة غريبة.
وقالت بصوت متقطع:
“أنا… غلطت… سامحيني.”
أحمد انفجر في العياط.
“يا أمي… مين عمل فيكي كده؟”
لكنها تجاهلته تمامًا.
فضلت باصة ليا أنا.
وقالت:
“مش… هو… الكبير…”
ابتلعت ريقها بصعوبة.
“في… خزنة…”
كل الموجودين قربوا يسمعوا.
همست:
“تحت… السلم…”
ثم فقدت الوعي.
الطبيب قال بسرعة:
“لازم تتحرك حالًا للمستشفى.”
اتنقلت الإسعاف بسرعة، وأنا واقفة أفكر في آخر كلمة قالتها.
“في خزنة تحت السلم.”
اللواء بصلي وقال:
“هنروح البيت دلوقتي.”
بعد أقل من نصف ساعة، كنا في البيت.
الشرطة كانت فرضت طوقًا حوالين العمارة.
دخلنا الشقة.
كل حاجة كانت زي ما سبناها الصبح.
اللواء سأل أحمد:
“فين السلم؟”
قال أحمد باستغراب:
“السلم الداخلي اللي بيطلع للمخزن.”
نزلنا كلنا.
كان فيه درج خشب قديم.
رفع أحد الضباط السجادة اللي تحته.
وبدأ يخبط على الأرض.
مرة…
واتنين…
وفي ثالث خبطة…
طلع صوت مختلف.
ابتدى العمال يكسروا البلاطة بحذر.
وبعد دقائق…
ظهر صندوق حديدي صغير.
خزنة فعلًا.
لكنها كانت مقفولة برقم سري.
العقيد منى سألت أحمد:
“تعرف الرقم؟”
هز رأسه بالنفي.
وأنا كنت ببص للخزنة…
وفجأة افتكرت حاجة.
من أسبوع، وأنا خارجة من البيت، شفت حماتي بتكتب على ورقة أربع أرقام، ولما دخلت عليها خبّتها بسرعة.
وقتها ما اهتمتش.
لكن الأرقام فضلت محفورة في ذاكرتي.
تقدمت ناحية الخزنة.
وأدخلت الرقم…
وسط أنفاس الجميع المحبوسة.
صدر صوت خفيف…
ثم دارت العجلة ببطء.
الخزنة… اتفتحت.
لكن أول ما رفع الضابط الغطاء ونظر بداخلها…
اتغير لون وشه فجأة، وتراجع خطوة للخلف وهو يقول بصوت مرتجف:
“يا فندم… لازم حضرتك تشوف ده بنفسك…”اللواء تقدم بخطوات ثابتة.
أنا كنت وراه مباشرة.
بص جوه الخزنة… وسكت.
السكون اللي حصل بعدها كان أخوف من أي صراخ.
قلت بقلق:
“في إيه؟”
اللواء تنهد، وبعدها قال:
“تعالي شوفي بنفسك.”
بصيت جوه الخزنة.
ماكانش فيها دهب.
ولا فلوس.
ولا حتى أوراق ملكية.
كان فيها…
عدة ملفات، وفلاشة، وتليفون قديم مقفول، وفوقهم ظرف كبير مكتوب عليه بخط واضح:
“لا يُفتح إلا بواسطة الكولونيل سارة.”
بصيت باستغراب.
“باسمي؟”
اللواء هز رأسه.
“افتحيه.”
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح الظرف.
طلعت أول ورقة.
كانت رسالة.
بدأت أقرأ بصوت مسموع:
> “لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحميكي بالطريقة اللي كنت مخطط لها. أنا عارفة إنك هتكرهيني بعد اللي عملته، لكن أقسم بالله، قص شعرك ماكانش أسوأ حاجة كانت هتحصل.”
اتجمدت.
الرسالة كانت موقعة باسم…
أم أحمد.
كملت القراءة.
> “من شهرين، واحد جه يقابلني، وقال إنه عارف كل تحركاتك، وإنهم ناويين يدمروا حياتك. قالولي لو تعاونت معاهم، هيكتفوا بإبعادك عن شغلك. ولو رفضت… هيموتوكي.”
أحمد صرخ:
“مستحيل… أمي ما قالتليش حاجة!”
قلبت الصفحة.
وكان مكتوب:
> “كدبت على أحمد. وخليته يفتكر إن الفكرة فكرتي، لأنه لو عرف الحقيقة، كان هيتهور ويضيع نفسه.”
العقيد منى قالت:
“يبقى هي كانت بتحاول تحميها… بطريقة غلط.”
أنا ما رديتش.
كنت مكملة قراءة.
وفي آخر الرسالة، كانت جملة غريبة جدًا:
> “الشخص اللي بدأ كل ده… مش بعيد عنك. إنتي قابلتيه أكتر من مرة، وسلمتي عليه بإيدك.”
رفعت عيني للواء.
“يعني هي كانت تعرفه.”
اللواء قال:
“واضح كده.”
مد الضابط الفلاشة.
“نكمل؟”
أومأت بالموافقة.
اتوصلت الفلاشة بالكمبيوتر.
ظهر فيديو قصير.
أم أحمد قاعدة قدام الكاميرا.
شكلها مرعوب.
وقالت:
“لو أنا اختفيت، اعرفي إنهم وصلولي.”
ثم رفعت صورة قدام الكاميرا.
الصورة كانت لشخص واقف وسط مجموعة في احتفال رسمي.
الصورة قديمة.
لكن أول ما بصيت فيها…
قلبي وقف.
لأني كنت واقفة في نفس الصورة…
وبصافح الشخص اللي أم أحمد كانت مأشرة عليه بقلم أحمر.
قبل ما أنطق باسمه…
الفيديو انقطع فجأة.
وظهر على الشاشة سطر واحد فقط:
“تم حذف باقي التسجيل بواسطة مستخدم مجهول.”فضلت أبص للشاشة وأنا مش مستوعبة.
إزاي الفيديو اتحذف؟
الفني قرب من الكمبيوتر بسرعة، وبدأ يفحص الفلاشة.
بعد دقيقتين قال:
“غريب جدًا يا فندم… الحذف حصل من فترة قصيرة، لكن فيه محاولة لاسترجاع الملف.”
اللواء سأله:
“هتقدر ترجعه؟”
رد:
“ممكن… لكن هياخد وقت.”
أنا مسكت الصورة اللي كانت أم أحمد رافعاها.
دققت فيها كويس.
كانت من احتفال عسكري قديم، من حوالي خمس سنين.
افتكرت اليوم ده.
كان يوم تكريمي بعد نجاح مهمة كبيرة.
الصورة كان فيها عشرات الضباط.
لكن أم أحمد كانت مأشرة بالقلم الأحمر على شخص واحد.
وشه ماكانش واضح بالكامل بسبب جودة الصورة.
وفجأة…
لفت نظري شيء صغير.
في ركن الصورة، كان فيه جزء من بطاقة التعريف المعلقة على بدلته.
مش باين منها غير أول حرفين.
“ع. م”
العقيد منى قالت:
“مش كفاية نحدد هويته.”
لكن اللواء فضل باصص للصورة، وبعدها قال:
“لا… فيه حاجة تانية.”
كبر الصورة على الكمبيوتر.
في انعكاس زجاج خلف الشخص، ظهر جزء من وجهه بشكل أوضح.
الفني حاول يحسن الجودة.
وبعد لحظات…
بدأت الملامح تظهر تدريجيًا.
أنا كنت حبسة أنفاسي.
وفجأة…
الفني وقف التحسين.
قال:
“وصلت لأقصى جودة.”
اللواء قرب من الشاشة.
اتسعت عيناه.
لكن قبل ما ينطق…
انطفأت شاشة الكمبيوتر بالكامل.
كل الأنوار في البيت انقطعت.
غرقنا في ظلام تام.
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت تكسير زجاج من الدور العلوي.
أحد الضباط صرخ:
“في حد جوه البيت!”
اللواء سحب سلاحه، وأشار للقوة بالانتشار.
أنا كمان تمسكت بسلاحي.
صوت خطوات سريعة كان بيتنقل فوق رؤوسنا.
حد دخل البيت… وهو عارف بالضبط إحنا بنعمل إيه.
طلعت القوة على السلم بسرعة.
وأول ما وصلوا لأوضة النوم…
لقوا الشباك مكسور.
والستارة بتتحرك مع الهوا.
أما على السرير…
فكان فيه ظرف أسود.
اللواء فتحه بحذر.
طلع منه كارت واحد.
مكتوب عليه:
“كنتوا هتعرفوا الحقيقة… لكن لسه بدري.”
ثم قلب الكارت.
وفي ضهره كانت جملة أخيرة، خلت ملامح اللواء تتبدل تمامًا:
“الهدف الحقيقي… مش الكولونيل سارة.”
ثم رفع اللواء رأسه ببطء، ونظر إليّ، وقال:
“لو الرسالة دي صحيحة… يبقى كل اللي حصل من أول قصة الشعر لحد النهارده، كان مجرد وسيلة لإبعادنا عن الشخص اللي كانوا عايزين يوصلوله.”وقفت أبص للكارت في إيد اللواء، وبعدها بصيت لأحمد.
قلت بهدوء:
“أنا مش هفضل أجري ورا رسائل مجهولة. النهارده لازم كل حاجة تنتهي.”
اللواء هز رأسه وقال:
“وأنا موافق.”
رجعنا مقر القيادة، والفني كان أخيرًا قدر يسترجع الجزء المحذوف من الفيديو.
شغل التسجيل.
ظهرت أم أحمد وهي بتبص للكاميرا والدموع في عينيها.
قالت:
“الراجل اللي بيهددنا كان فاكر إنه هيقدر يكسر سارة بأي طريقة… لكن هو ما يعرفهاش.”
ثم رفعت صورة أوضح لنفس الشخص.
المرة دي ملامحه كانت واضحة بالكامل.
اللواء أول ما شاف الصورة قال:
“عرفته.”
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
“وده أكبر غلط عمله.”
أنا استغربت.
قال:
“من ست شهور وإحنا بنحقق مع شبكة فساد كبيرة كانت بتحاول توصل لمعلومات عسكرية عن طريق ابتزاز أسر الضباط. الشخص ده هو العقل المدبر، وكنا ناقصنا دليل واحد بس.”
وأشار إلى الفلاشة.
“والدليل… وصل بنفسه.”
في اللحظة نفسها، دخل ضابط العمليات مسرعًا.
“يا فندم… قبضنا عليه.”
رفعنا كلنا رؤوسنا.
“إزاي؟”
قال:
“بعد ما شاف إن الفيديو اتسترجع، حاول يهرب من المطار، لكن كان عليه مراقبة من فترة، وتم القبض عليه هو وأفراد الشبكة.”
ساد الصمت…
ثم تنهد اللواء وقال:
“انتهى كل شيء.”
بعد أيام، اعترفت أم أحمد بكل ما حدث أمام النيابة.
اعترفت أنها قصت شعري، لكنها اعترفت أيضًا أن ما فعلته كان بعد تهديدات وضغوط، وأنها ارتكبت ج/ريمة لن تسامح نفسها عليها أبدًا.
أما أحمد…
فاعترف بأنه شارك في ما حدث طمعًا في النجاة بنفسه، وأنه خذل زوجته في أصعب لحظة.
تمت إحالته للمحاكمة في التهم التي ثبتت عليه، وانتهى زواجنا رسميًا بعد سنوات طويلة من الكذب والإهانة.
أما أم أحمد، فطلبت مقابلتي مرة أخيرة.
دخلت عليها.
كانت تبكي.
قالت:
“أنا خسرت ابني… وخسرتك… بسبب غروري.”
نظرت إليها بهدوء وقلت:
“اللي قص شعري ما وجعنيش قد اللي كسر ثقتي.”
خرجت من غير ما ألتفت.
وبعد شهرين، وقفت في ساحة القيادة العسكرية.
اللواء سلمني وسامًا تقديرًا لدوري في كشف الشبكة، وقال أمام الجميع:
“القوة الحقيقية مش في الرتبة… القوة الحقيقية إن الإنسان يفضل متمسك بمبادئه حتى وهو بيتعرض لأقرب الناس.”
ابتسمت.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن الحمل اللي كان على كتفي اختفى.
أما شعري…
فبالفعل بدأ يطول من جديد.
لكن المرة دي، كل خصلة كانت بتفكرني إن الكرامة، لو انكسرت مرة، لازم صاحبها هو اللي يرجع يبنيها… وما يسمحش لحد يهدمها مرة تانية.
تمت.