جارتي ام يوسف حكايات نور محمد

دايماً كنت فاكرة إن جارتي “أم يوسف” ست بخيلة أو مكسلة تصلح تلاجتها اللي بايظة بقالها شهور، لحد ما اليوم اللي دخلت فيه شقتها كشف لي سر خلاني أكره نفسي وأبكي قهر على ظني فيها.
​أنا ساكنة في عمارة بسيطة، وكلنا كجيران عارفين بعض. أم يوسف دي جارتي اللي في الدور اللي فوقي، ست أرملة غلبانة وعايشة مع تلات ولاد ووالدتها المسنة. من حوالي ٦ شهور، خبطت عليا وبإحراج شديد طلبت مني تشيل حقن الأنسولين بتاعة والدتها وإزازة لبن صغيرة في تلاجتي. قالت لي وقتها: “معلش يا نور يا بنتي هتعبك معايا، ماتور التلاجة اتحرق وبتاع الصيانة بيلففني حوالين نفسي ومارديتش أتقل على حد غيرك”.
​أخدت منها الحاجة ورحبت جداً، بس الموضوع طال أوي. أسبوع جر شهر، وشهر جر التاني، وكل يومين تلاتة تنزل بحاجة بسيطة: حتة لحمة صغيرة، كيس صلصة، أو علبة جبنة، وتقولي نفس الحجة. كنت بيني وبين نفسي بستغرب، وساعات أقول لجوزي: “الست دي غريبة أوي! إزاي عايشين من غير تلاجة كل ده؟ دي شكلها بتستخسر تدفع حق التصليح وتجيب صنايعي نضيف!”.
​وفي مرة، وأنا بديها الحاجة بتاعتها على الباب، قلت لها بهزار تقيل شوية: “يا أم يوسف، ده الماتور لو جاي مشي من الصين كان وصل! ما تجيبي صنايعي تاني وريحي نفسك وولادك بدل البهدلة دي كل يوم”.
​أول ما قلت الجملة دي، ضحكت ضحكة مكسورة أوي، عينها هربت في الأرض، وقالت لي بصوت واطي ومخنوق: “ربك يسهلها يا نور.. ادعيلي ربنا يفك الكرب”. ساعتها حسيت إني زودتها وتطفلت، بس برضه مافهمتش البعد الحقيقي لكلمتها.
​لحد ما جه يوم، النور قطع في العمارة كلها بالليل، وكان الجو حر جداً. كنت طالعة على السلم، وسمعت صوت عياط مكتوم طالع من شقة أم يوسف. باب شقتها كان موارب (مفتوح حاجة بسيطة). خفت يكون حصل لوالدتها المريضة حاجة أو في مشكلة، فزقيت الباب براحة ودخلت وأنا بنادي بصوت واطي: “أم يوسف؟ إنتوا كويسين؟”.
​الشقة كانت ضلمة كحل، مفيش غير كشاف صغير أوي منور في الطرقة. مشيت ناحية الصوت اللي جاي من أوضة الولاد، وقبل ما أدخل، عيني لمحت المطبخ.. التلاجة اللي بقالها ٦ شهور “بايظة ومستنية الماتور” بابها كان مفتوح.
​قربت منها بخطوات بطيئة عشان أشوفها، بس اللي شفته جواها في ضوء الكشاف الضعيف، واللي سمعت أم يوسف بتقوله لولادها في الأوضة الضلمة في نفس اللحظة.. خلاني أقف مكاني مشلولة، حاسة إن في ماية متلجة اتدلقت على راسي، والدم هرب من عروقي، وسندت على الحيطة عشان ماقعش من طولي…!
#الكاتبه_نور_محمد
​في ضوء الكشاف الضعيف، قربت من التلاجة المفتوحة، وعيني اتسعتا بذهول وصدمة كادت توقف قلبي عن الخفقان.
​التلاجة لم تكن خالية، ولم تكن معطلة كما كانت تظن وتدعي! الأرفف كانت مرصوصة بقوالب “طوب أحمر” مصفوفة بعناية فائقة، وعليها أكياس بلاستيكية مملوءة بقطع ثلج صغيرة ومياه مجمدة يتبقي منها قطرات قليلة، وتحت كل رف، حاطين جردل صغير عشان يلم المية اللي بتسيح ببطء..
​وفي نفس اللحظة دي، وصلني صوت أم يوسف الباكي وهي قاعدة في وسط ولادها في الأوضة التانية، بتقول بصوت خافت بيقطع القلب:
ـ “معلش يا ولاد.. استحملوا شوية كمان. تمن الماتور الجديد اللي الصنايعي طلبه أنا حوشته خلاص، بس لو دفعته، مش هلاقي تمن علاج جدتكم الشهر ده ولا مصاريف المدرسة بتاعتكم.. استحملوا معايا، الثلج بيحافظ على الأنسولين والأكل اليومي على قد ما نقدر، وبكرة ربنا يفرجها وينورها في وشنا من حيث لا ندري ولا نحتسب.”
​الكلام نزل عليا كالصاعقة. حسيت إن كل حرف من كلامها كان صفعة قوية على وجهي. أنا اللي كنت بفتكرها بخيلة ومكسلة، وهي كانت بتموت كل يوم ألف مرة عشان توفر قرشين تعالج بيهم أمها وتطعم ولادها اليتامى في صمت وعزة نفس من غير ما تمد إيدها لحد! تلاجتها لم تكن بايظة.. كانت صانعة معجزة من الصبر والتحمل وسط الفقر والمرارة.
​نزلت دموعي بغزارة، وحسيت بذنب فظيع بياكل روحي. جريت على الأوضة، وفتحت بابها بالكامل، وناديت عليها بصوت مكسور:
ـ “يا أم يوسف.. سامحيني.. سامحيني يا أم يوسف أنا حقيرة وظلمتك!”
​الست اتخضت وقامت بسرعة، وبصتلي بخوف وقلق وهي بتقول:
ـ “فيه إيه يا نور؟ جرجر إيه يا بنتي؟ حد من أهلك حصل له حاجة؟”
​مقدرتش أستحمل، جريت عليها وحضنتها بقوة وأنا بعيط بحرقة زي الأطفال، وقعدت أعتذر لها على كل كلمة جرحتها بيها، وعلى كل ظن سيء ظنته فيها. مسكت إيدها المرتعشة وبصيت في عيونها اللي مليانة دموع وعزة نفس، وقلت بصوت حاسم:
ـ “من اللحظة دي.. مفيش ثلج في التلاجة، ومفيش بهدلة تاني. بكرة الصبح بدري، شقتي وجوزي وتحت أمركم في كل اللي تحتاجوه.. مش هسكت غير لما تلاجة بيتكم ترجع تنور أحسن من الأول، وماتشيلوش هم أي مليم!”
​أم يوسف حاولت ترفض وتكسف، وقالت بعزة نفس نادرة: “يا بنتي عيب، أنا ما صدقت لقيت حد أحط عنده الأنسولين عشان ما أتقلش..”، بس قاطعتها بابتسامة وسط دموعي: “إحنا جيران يا أم يوسف، بل إحنا أخوات، وربنا بعتني هنا عشان أشوف بعيني وأصلح غلطي في حقك.”
​وفعلاً، تاني يوم الصبح، جوزي نزل معايا، وجبنا أمهر صنايعي في المنطقة، وطلعنا شقة أم يوسف. طلع الماتور القديم واتصلح تماماً واتشحن، وجبت لهم أطنان من الخير والأكل اللي يملي البيت دفء وبركة، وساهمت معها في مصاريف علاج والدتها، وعملنا أحلى عزومة في شقتها عشان نحتفل برجوع الحياة الطبيعية لبيتهم الطاهر.
​مرت الأيام، وبقت أم يوسف بالنسبة لي مش بس جارتي، دي بقت أمي التانية اللي بروح أقعد معاها كل يوم نشرب الشاي ونضحك، بعد ما ربنا أداني درس في عدم التسرع في الحكم على الناس، وسترها مع الست الصابرة دي ووضعت في طريقها سند يغير حياتهم للأبد.
​#الكاتبه_نور_محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *