حماتي رجلها اتكسرت
شوية كانت ماما، دلوقتي بقت أمكم؟
سكتت.
حماتي بدأت تعيط.
يا خسارة تربيتي فيكم.
المرة دي أحمد هو اللي رد.
تربية مين يا أمي؟
كلنا بصيناله.
حتى أنا اتفاجئت.
قرب من الباب وقال
إحنا الاتنين ولادك. ليه لما احتجتي حد، طلبتي سارة بس؟ ليه ما طلبتيش منى؟
حماتي قالت
عشان منى ضهرها…
قاطعها
وسارة عندها غضروف.
سكتت.
أحمد بص لأخوه.
وإنت ليه جيت ترميها عندي من غير ما تتصل بيا؟
محمود قال
أرميها إيه يا أحمد؟ دي أمك!
قال أحمد
وهي أمك إنت كمان.
نفس الجملة اللي قلتها له أول يوم.
سمعتها خارجة من بقه…
وحسيت بحاجة جوايا بتتحرك.
مش فرحة.
لكن يمكن لأول مرة…
شاف.
شاف اللي كنت بقوله.
محمود اتعصب.
يعني إيه؟ هتقفلوا الباب في وش أمكم؟
أحمد قال
لأ. أنا هاخدها.
بصيتله.
قال
بس مش سارة اللي هتخدمها.
سكت الجميع.
كمل
أنا ومحمود هنقسم الأسبوع. تلات أيام ونص عندي، وتلات أيام ونص عندك. وفي الأيام اللي عندي، أنا اللي هخدم أمي. ولو أنا في الشغل، هنجيب ممرضة وأنا هدفع نصها وإنت تدفع النص التاني.
محمود اعترض
أنا ما عنديش فلوس لممرضة!
أحمد ضحك بمرارة.
عندك عربية جديدة بالقسط، وابنك في مدرسة خاصة، وبتسافروا كل صيف. بس لما الموضوع ييجي لأمك ما عندكش فلوس؟
منى قالت
ما تدخلش مصاريفنا في الموضوع!
رد أحمد
وإنتوا دخلتوا مرتب مراتي في الموضوع ليه؟
أنا ما اتكلمتش.
لأول مرة…
ما كنتش محتاجة أدافع عن نفسي.
حماتي قعدت عندنا تلات أيام ونص.
وأنا ما خدمتُهاش.
مش بقسوة.
لو كنت داخلة المطبخ وجبت مية، كنت بسألها
تحبي مية؟
لو بنتي قاعدة معاها، كنت بسيبهم يتكلموا.
لكن الحمام؟
أحمد.
الدوا؟
أحمد.
تغيير الهدوم؟
الممرضة.
الأكل كنت بطبخ للبيت كله، وهي تاكل معانا.
لكن ما سبتش شغلي يوم.
أول يوم أحمد اتبهدل.
صحى الساعة خمسة ونص عشان يساعد أمه تدخل الحمام.
رجع نام ساعة.
صحى حضر لها الفطار.
نسي معاد الدوا.
الممرضة كلمته.
اتأخر على الشغل.
رجع الساعة ستة، أمه كانت متضايقة لأن الغدا ما عجبهاش.
بالليل قالتله
المخدة دي عالية.
غيرها.
بعد عشر دقايق
دي واطية.
غيرها.
بعد نص ساعة
رجلي بتنمل.
قعد يدلك لها رجلها السليمة.
الساعة اتنين بالليل صحته عشان تدخل الحمام.
تاني يوم الصبح، كان وشه أصفر.
وأنا بلبس عشان الشغل، بصلي.
ما قالش حاجة.
لكن النظرة كانت كفاية.
فهم.
بعد سبع سنين…
فهم.
بعد أسبوعين، حصلت حاجة ما توقعتهاش.
رجعت من الشغل، لقيت حماتي قاعدة عندنا.
كان يومها دور أحمد.
بنتي قاعدة على الأرض بتلون.
وأنا دخلت المطبخ.
بعد شوية سمعت صوت حماتي
سارة.
خرجت.
نعم؟
قالت
اقعدي.
قعدت قدامها.
فضلت ساكتة فترة.
وبعدين قالت
أنا كنت فاكرة إن خدمة البيت وتربية العيال حاجة سهلة.
ما رديتش.
قالت
لما أحمد قعد معايا كام يوم… شفته.
شفتي إيه؟
شفته مرهق.
بصيتلها.
قالت
وبعدين افتكرتك وإنتِ لوحدك مع البنت.
سكتت.
وأنا كمان سكت.
كنت مستنية.
مش عايزة أساعدها تقول الكلام.
لو عندها حاجة، تقولها بنفسها.
قالت
يمكن… أنا فرقت بينكم.
يمكن.
حتى الاعتذار عندها كان صعب.
قلت
مش يمكن يا ماما. حضرتك فعلًا فرقتي.
وشها اتغير.
لكنها ما اتعصبتش.
قلت
المشكلة مش إنك حبيتي حفيد أكتر. القلب مش بإيد حد. المشكلة إنك كنتِ عايزة مني واجبات البنت، وإنتِ عمرك ما ادتيني مكانة البنت.
بصت للأرض.
قلت
كنتِ عايزاني أخدمك كإني بنتك، لكن لما أنا احتجتك عاملتيني كأني مرات ابنك وبس.
عينيها دمعت.
قالت
أنا كبرت يا سارة.
قلت
وأنا كمان اتغيرت.
سكتنا.
بعد شوية قالت
حقك عليا.
ما حضنتهاش.
وما قلتش ولا يهمك.
لأن كان يهمني.
سبع سنين كانوا يهموني.
لكن قلت
ربنا يسامحنا كلنا.
وكان ده كفاية.
بعد تلات شهور، فترة الاختبار في الشركة خلصت.
الأستاذة هبة نادتلي.
دخلت المكتب.
قالت
مبروك يا سارة. من الشهر الجاي هتثبتي، والمرتب هيبقى ستة آلاف.
ابتسمت.
شكرًا جدًا.
قالت
وبصراحة، لو فضلتِ بنفس المستوى، فيه فرصة تبقي رئيسة حسابات خلال سنة.
خرجت من المكتب ودخلت الحمام.
قفلت الباب.
وبكيت.
مش عشان الستة آلاف.
ولا عشان المنصب.
بكيت على البنت اللي كانت موجودة جوايا من زمان…
وأنا نفسي نسيتها.
بعدها بأسبوع، حصلت آخر مواجهة.
كنا كلنا متجمعين عند حماتي.
أنا وأحمد وبنتنا.
ومحمود ومنى وابنهم.
حماتي كانت بدأت تمشي بعكاز.
وقت العيدية جه.
طلعت ظرف.
ادت ابن محمود ظرف.
وبعدين نادت بنتي.
تعالي يا حبيبتي.
البنت راحت.
حماتي ادتها ظرف.
منى بصت للظرفين.
وقالت بنص ضحكة
إيه ده؟ الاتنين زي بعض؟
حماتي بصتلها.
آه. الاتنين أحفادي.
منى وشها اتغير.
أنا ما قلتش حاجة.
بنتي جريت عليا.
ماما! تيته ادتني عيدية!
حضنتها.
قولي لها شكرًا.
جريت لحماتي وقالت
شكرًا يا تيته.
حماتي حضنتها.
وأنا بصيت للمشهد.
ما نسيتش.
ومش هنسى.
لكن لأول مرة حسيت إني مش محتاجة أفضل ماسكة دفتر الحسابات في إيدي طول العمر.
لأن الحساب اتفهم.
في طريق رجوعنا للبيت، أحمد كان سايق وساكت.
بعد فترة قال
سارة.
نعم؟
أنا آسف.
بصيتله.
قال
مش على موضوع أمي بس.
سكت شوية.
على السبع سنين.
ما رديتش بسرعة.
قال
كنت شايف حاجات كتير، وبعمل نفسي مش شايفها عشان ما أدخلش في مشاكل مع أهلي. كنت بقول لنفسي إنك قوية وهتعديها.
بصيت من الشباك.
قلت
أسهل حاجة إنك تقول على الشخص المظلوم إنه قوي… عشان تريح نفسك من مساعدته.
سكت.
وبعد شوية قال
عندك حق.
دي كانت أول مرة يقولها.
من غير بس.
من غير تبرير.
من غير ما يدافع عن أمه.
بس
عندك حق.
مد إيده وحطها فوق إيدي.
ما سحبتش إيدي.
لكن برضه ما مسكتش إيده.
لسه بدري.
في حاجات الاعتذار يصلحها.
وفي حاجات محتاجة وقت.
بعد سنة…
نقلنا من الشقة الخمسين متر.
مش لقصر.
ولا حتى لشقة فخمة.
لشقة إيجار أكبر شوية.
أوضة لينا.
وأوضة لبنتنا.
وركن صغير في الصالة حطيت فيه مكتب.
بقيت رئيسة حسابات فعلًا.
ومرتبي بقى تقريبًا ضعف أول مرتب رجعت بيه للشغل.
أما أحمد، فاتغيرت فيه حاجات كتير.
مش بقى ملاك.
لسه بنتخانق.
ولسه ساعات بيغلط.
وأنا كمان بغلط.
لكن الفرق إن كلمة أهلي عنده ما بقتش معناها أمه وأخوه بس.
بقت تشملني أنا وبنته.
حماتي بقت تيجي تزورنا.
وأوقات…
آه، أوقات كنت بعمل لها شوربة.
بإيدي.
لكن الفرق إن محدش كان بيطلبها مني كواجب.
كنت بعملها لأني أنا عايزة.
وفي مرة وهي بتشربها قالتلي
شوربتك حلوة يا سارة.
بصيتلها وابتسمت.
وافتكرت التسجيل القديم
بقالها سبع سنين ما عملتليش طبق شوربة.
سبحان الله.
طلع طبق الشوربة عمره ما كان المشكلة.
المشكلة كانت إنهم عايزين ياخدوا مني الحب…
بالإجبار.
عايزين الطاعة من غير تقدير.
والخدمة من غير مودة.
والتضحية من غير ما حد يضحي عشاني.
لكن الحب ما بيتاخدش بالأوامر.
والبر مش معناه إن إنسان واحد يشيل فوق طاقته عشان الباقيين يرتاحوا.
وأهم حاجة اتعلمتها؟
إن كلمة لأ اللي كنت خايفة أقولها سبع سنين…
ما هدمتش بيتي.
بالعكس.
هي اللي خلت كل واحد في البيت يعرف حدوده.
وخلت جوزي يعرف قيمتي.
وخلت حماتي تعرف إن مرات ابنها مش خدامة عند العيلة.
وخلتني أنا…
أفتكر قيمة نفسي.
وفي ليلة، وأنا بدخل أغطي بنتي قبل ما أنام، لقيتها نايمة وحاضنة علبة الألوان اللي اشتريتهالها بأول مرتب.
وقفت أبص لها.
وافتكرت اليوم اللي كانت فيه ماسكة معلقة عليها حبتين رز، وبتحاول تأكلني وأنا مكسورة من جوايا.
بستها من جبينها.
وهمست
إنتِ السبب يا حبيبتي.
السبب إني فوقت.
لأني لو كنت كملت أقبل الظلم وأسكت عليه، كنت هعلمك من غير ما أقصد إن ده الطبيعي.
إن الست لازم تستحمل.
وتسكت.
وتخدم.
وتتنازل.
وتفضل مستنية حد يقدرها.
لكن أنا مش عايزاكي تكبري كده.
عايزاكي تعرفي إن الطيبة مش ضعف.
وإن صلة الرحم مش معناها إنك تسمحي لحد يستغلك.
وإن البيت اللي يستاهل تحافظي عليه…
هو البيت اللي بيحافظ عليكي إنتِ كمان.
قفلت النور وخرجت.
وفي الصالة كان أحمد مستنيني بكوبايتين شاي.
ناولني واحدة وقال
السكر معلقة واحدة، صح؟
ابتسمت.
سبع سنين جواز…
وأخيرًا بقى عارف أنا بشرب الشاي إزاي.
قعدت جنبه.
وخدت الكوباية من إيده.
وقلت
صح.
المرة دي…
كانت فعلًا صح.
تمت.