حكايه رحمه للكاتبه سهر محمد

​كانت واقفة قدام باب قسم الشرطة، حاضنة بنت صغيرة عندها حوالي أربع سنين، ووشها كله تراب وآثار دم ناشف على طرف جبينها.

الضابط بص لها باستغراب وقال: “يعني إيه لقيتيها في الشارع؟”.

هزت راسها وهي بتحاول تمنع دموعها: “والله يا باشا دي الحقيقة… سمعت صوت عياطها في الزراعات، ولما جريت عليها لقيتها مرمية جوه كرتونة، ولو كنت اتأخرت شوية كانت ماتت”.

الضابط بص للبنت الصغيرة اللي كانت مستخبية في حضنها، وقال: “اسمك إيه؟”.

“رحمة”.

“والبنت دي تعرفيها؟”.

“لأ”.

“يبقى ليه مصممة تاخديها معاكي؟”.

رحمة ابتسمت ابتسامة كلها وجع وقالت: “عشان أنا كمان كنت زيها في يوم من الأيام… ومحدش خد بإيدي”.

​قبلها بثلاث ساعات، رحمة كانت راجعة من شغلها في مصنع الملابس بعد وردية استمرت اتناشر ساعة كاملة.

إيديها كانت متشققة من المنظفات، ورجلها وجعاها من الوقفة، لكن كل اللي كانت بتفكر فيه إنها تلحق آخر عربية قبل ما الدنيا تضلم.

فجأة، سمعت صوت عياط طفل. وقفت مكانها، بصت حواليها، الطريق كان فاضي، افتكرت إنها بتتهيأ، كملت خطوتين، لكن صوت العياط رجع تاني، المرة دي أعلى.

دخلت بين الزراعات وهي بتنادي: “مين هناك؟”.

محدش رد، فضلت تمشي لحد ما شافت كرتونة كبيرة مرمية تحت شجرة. قربت وهي قلبها بيدق، فتحتها، واتجمدت مكانها. بنت صغيرة ملفوفة في بطانية قديمة، جسمها كله تراب، وشفايفها زرقة من البرد.

أول ما شالتها، البنت فتحت عينيها الواسعين وبصتلها، وبصوت ضعيف جدًا قالت: “ماما… متسبنيش”. الكلمة نزلت على قلب رحمة زي السكين، حضنتها جامد، وهي بتعيط لأول مرة من سنين.

​رجعت بيها البيت. أمها أول ما شافتها صرخت: “إيه اللي جايباه ده؟!”

رحمة قالت بهدوء: “بنت ملهاش حد”.

الأم ضربت كف بكف: “وإحنا اللي عندنا حد؟! إحنا بالعافية لاقيين ناكل”.

رحمة حضنت الطفلة أكتر وقالت: “هقسم اللقمة بينا”.

الأخ الكبير دخل من بره وقال بعصبية: “بكرة البوليس يمسكنا ويتهمنا بخطفها”.

رحمة ردت بثبات: “أنا اللي هروح أسلمها بنفسي”.

​في القسم، بعد ما الضابط سجل أقوالها، خرج عسكري وقال: “يا فندم… بلغونا إن في عربية سوداء بتلف من الصبح تدور على طفلة بنفس المواصفات”.

الضابط رفع رأسه بسرعة: “مين أصحاب العربية؟”.

العسكري هز كتفه: “لحد دلوقتي محدش عرف”.

في اللحظة دي، البنت الصغيرة كانت ماسكة طرف هدوم رحمة، وبترتعش.

رحمة نزلت لمستواها وقالت: “مالك يا حبيبتي؟”.

البنت همست في ودنها بكلمة واحدة، خلّت لون وش رحمة يتغير في ثانية.

قالت وهي بتبص للضابط بخوف: “البنت بتقول… الناس اللي رموها هما نفسهم واقفين دلوقتي قدام القسم”.

رحمة لفت وشها ناحية الباب، ولأول مرة شافت العربية السودا واقفة فعلًا، وفيها راجل لابس بدلة، كان باصص عليهم من ورا الزجاج، وابتسم أول ما عينه جت في عينها، ابتسامة خلتها تعرف إن اللي بدأ النهارده… لسه أوله.
​..للكاتبه #سهر_محمد

​وقفت رحمة في مكانها، دقات قلبها بقت مسموعة أكتر من صوت أنفاسها. الراجل اللي جوه العربية السودا ماكنش مجرد شخص عابر، دا كان “غول” بيراقب طريدته. الابتسامة اللي رسمها على وشه ورا إزاز العربية كانت باردة، ابتسامة حد واثق إن الدنيا كلها في جيبه، وإن القانون اللي إحنا واقفين في حضرته دلوقت ما هو إلا ورقة بيضاء يقدر يكتب فيها اللي هو عايزه.
​الضابط لاحظ توتر رحمة المفاجئ، وبص ناحية الباب، فلقى العربية بتتحرك ببطء وبتمشي في اتجاه بعيد عن القسم. الضابط قام بسرعة وقال للعسكري: “الحق العربية دي، صور النمرة بتاعته، واعرفلي مين صاحبها بأقصى سرعة!”.
​رحمة كانت لسه حاضنة البنت اللي بدأت تبكي تاني. البنت الصغيرة، اللي عرفنا إن اسمها “مريم”، كانت بتهز جسمها وبتقول بصوت مسموع: “هو.. هو عمو اللي كان بيزعق لماما.. هو اللي رماني”.
​رحمة حست ببرودة بتسري في عروقها. “ماما؟ ماما فين يا مريم؟”.
مريم بصت لها بدموع وقالت: “ماما في البيت.. بس هو خدني عشان يوجعها”.
​هنا رحمة أدركت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد طفلة تاهت أو اتخطفت. الموضوع وراه “تار” أو “انتقام” أو يمكن صراع على ميراث أو فلوس. رحمة بصت للضابط وقالت بصوت واثق رغم خوفها: “يا باشا، البنت دي مش مجرد ضحية، دي مفتاح لجرائم تانية، الراجل ده مش هيبعد، دا أكيد راجع تاني”.
​الليل وتقله
روحت رحمة البيت ومعاها مريم، رغم رفض أمها القاطع. قعدت رحمة في أوضتها الصغيرة، والضوء خافت، بتفكر في كل كلمة قالتها مريم. رحمة طول عمرها كانت بتشوف الحياة بعين “المحرومة”، اللي اتعلمت تعتمد على نفسها بعد ما أبوها سابهم ومشي وهي لسه صغيرة. كانت دايما بتدور على “الرحمة” في قلوب الناس، بس كل اللي كانت بتلاقيه “قسوة” الحياة وتكاليف المعيشة اللي مش بتخلص.
​لقيت نفسها بتكلم مريم: “يا مريم، ليه كان بيعمل كده؟”.
مريم، اللي كانت بدأت تهدأ، قالت ببراءة موجعة: “عشان ماما قالت له لأ، وقالت له مش هتنازل عن حقي”.
​رحمة فهمت اللعبة. “حقها”.. يعني فلوس، يعني بيوت، يعني سلطة. رحمة أخدت قرارها في اللحظة دي، إنها مش هتسيب مريم، وإنها هتكون درعها، حتى لو التمن كان حياتها، لأنها شافت في مريم نفسها وهي صغيرة، الطفلة اللي كان كل حلمها حضن دافي وأمان.
​المواجهة الكبرى
تاني يوم الصبح، كانت رحمة واقفة قدام محل صغير، بتشتري للبنت لبس جديد وأكل. فجأة، حست بحد بيراقبها. لفت وشها، لقت نفس العربية السودا واقفة في أول الشارع. الراجل نزل منها، كان راجل خمسيني، ملامحه حادة، عينيه بتلمع بلمعة الشر. مشي ناحيتها بخطوات واثقة، والناس في الشارع بدأت تبعد وكأنهم عارفين إن “الباشا” ده لو عدى، لازم الكل يخلي له الطريق.
​رحمة شدّت مريم ورا ضهرها، وقالت بصوت عالي: “عايز إيه؟ مريم مش هترجعلك، والشرطة عارفة كل حاجة”.
الراجل وقف قدامها، وابتسم ابتسامة مريبة وقال: “يا شاطرة، الشرطة دي إحنا اللي بنأكلها، والبت دي أمانة عندي، وأنا حر أعمل فيها اللي أنا عايزه. هاتيها، وخديلك قرشين يريحوكِ من ذل المصنع وساعات الشغل اللي بتضيع عمرك”.
​رحمة، اللي كانت دايما بتسمع كلام الناس وبتمشي جنب الحيط، فجأة اتحولت. يمكن دي كانت أول مرة تحس فيها إن صوتها ليه قيمة. بصت في عينيه وقالت: “الفلوس اللي بتشتري بيها نفوس الناس، ما تشتريش كرامتي. مريم مش بضاعة، مريم بني آدمة، ولو عايزها، لازم تدوس على جثتي الأول”.
​الناس اللي في الشارع اتلموا. كلمة “جثتي” خلت الموقف يتغير. الناس بدأت تتكلم، وبدأت الكاميرات تطلع، وبدأ الراجل يحس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه. في اللحظة دي، ظهرت عربية تانية، عربية شرطة، وكان فيها الضابط بتاع امبارح.
​الخاتمة: عدالة الدنيا
الضابط نزل، والرجالة بتوعه حوطوا الراجل. اتضح إن الراجل ده كان رجل أعمال فاسد، مستولي على أموال أرملة (أم مريم) ومحاولته خطف الطفلة كانت وسيلة ضغط عشان الأرملة تتنازل عن قضايا الميراث.
​القبض على الراجل كان مشهد مهيب. رحمة كانت واقفة، والدموع في عينيها. مريم جريت على أمها اللي كانت موجودة مع الشرطة، واللقاء كان كفيل ينسي أي حد تعب السنين.
​رحمة رجعت بيتها، بس المرة دي ماكنتش “رحمة” اللي كانت خايفة من بكرة. لقت قدام بيتها بوكيه ورد كبير، ومكتوب عليه: “شكراً لأنكِ كنتِ الرحمة في عالم قاسي”.
​رحمة قعدت قدام باب بيتها، بتفتكر كلامها للضابط: “كنت زيها.. ومحدش خد بإيدي”. دلوقت، هي قدرت تمد إيدها، مش بس لمريم، بس لنفسها، عشان تصالح الطفلة اللي جواها وتثبت إن “الرحمة” لسه موجودة، وإن الظلم مهما طال ليله، مصيره ينجلي.
​رحمة كملت حياتها، مش بس كعاملة في مصنع، بس كبطلة في عيون أهل حارتها، ومريم بقت بنتها اللي ما جابتهاش، والاتنين بقوا يمشوا في الشارع وهما حاسين إن الدنيا لسه بخير.. طالما فيه قلوب بتخاف على بعض، وطالما فيه حد بيفضل “الرحمة” على الخوف.
​عبرة القصة:
الرحمة مش مجرد كلمة، دي فعل.. هي القوة اللي بتخلينا نواجه الغول اللي جوانا واللي برانا. ولو كل واحد فينا شاف “مريم” بتاعته ومد إيده، العالم أكيد هيكون مكان أحسن.
​صلوا على النبي يا جماعة، وخلونا دايما فاكرين إن “الخير” هو الباقي. 🤍

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *