روايه عنيده في حرملك السلطان الحلقه الاولى والثانيه بقلم الكاتبه نور محمد

”يا بنت المجنونة يا نور! بقى تسيبي التكييف، والواي فاي، وسريرك اللي بياخدك في حضنه، وتجري في الشارع الساعة اتنين بالليل بشنطة عجلها مكسور؟”
الشارع كان ضلمة كحل، وصوت عجل الشنطة المكسور بيفضحها في عز السكون. نور بتنهج، حاطة إيدها على وسطها وبتبص وراها بخوف.
لابسة بنطلون جينز مقطع على الركب، وتيشيرت واسع مكتوب عليه بالبنط العريض “مستقلة وأفتخر”، وشعرها الكستنائي طاير في كل حتة.
البنت اللي لسه مخلصة هندسة وبتحلم تستقل بحياتها، لقت نفسها فجأة قدام كابوس اسمه “ابن خالتك نازل من الخليج والفرح كمان شهر”. مفيش حل كان قدامها غير إنها تخلع!
قعدت على رصيف قديم تاخد نفسها، وهي بتمسح عرقها وتكلم نفسها: “قال أتجوز قال! ده أنا أتجوز شغلي ومستقبلي ولا إني أصحى الصبح أعمل كوباية شاي لواحد بكرش بيسألني فين شراباتي يا هانم! أنا امرأة حرة، كيان مستقل، لا أُباع ولا أُشترى!”
”وما الذي يدفع امرأة حرة مثلكِ لافتراش الأرصفة في هكذا وقت من الليل؟”
نور اتنفضت من مكانها كأن سلك كهربا لمسها. لفت بسرعة لقت راجل عجوز قاعد جنبها على الرصيف. لابس عباية غامقة، ودقنه بيضا واصلة لصدره، وعينيه بتلمع تحت نور عمود النور الخافت. بلعت ريقها، ورغم إنها بتمثل القوة، بس “جينات الجبن” اشتغلت فوراً.
رجعت خطوة لورا ومسكت شنطتها كأنها درع: “أنت مين يا حج؟ وطلعتلي منين؟ وبعدين إيه طريقة الكلام دي؟ أنت شغال مدرس لغة عربية؟”
العجوز ابتسم بهدوء وماتأثرش بهجومها، ورد بصوت رزين: “أنا مجرد عابر سبيل يا ابنتي، سمعت شكواكِ للنجوم، ورأيت روحكِ التواقة للتحرر. أخبريني، مِمَّ تهربين؟”
نبرة صوته الهادية ريحتها شوية، وبطبيعتها اللي مابتعرفش تسكت، قعدت على الشنطة وبدأت تفضفض: “بهرب من سجن يا حج.. سجن التقاليد. أهلي عاوزين يجوزوني غصب عني لواحد مشوفتهوش. أنا نور! البنت اللي طلعت الأولى على دفعتها، اللي بتحلم تبني ناطحات سحاب. أنا عاوزه أعيش حرة، مستقلة، محدش يؤمرني ولا يتحكم فيا!”
العجوز فضل يسمعها وابتسامته بتوسع، وبعدين مد إيده في جيب عبايته وطلع قزازة صغيرة جداً، محفورة بنقوش غريبة، وجواها سائل أحمر بيلمع.