رد الحق ملك ابراهيم الاخير

الجزء الاخير

بعد كام يوم، مختار راح ياخد البنات من عند عبير. وهو بيوصلهم للبيت، طلب يقعد معاها شوية.

“عبير… أنا عايز أتكلم معاكي في حاجة.” مختار قالها بصوت ندمان، وهو بيحاول يبص في عينيها.

عبير قعدت قدامه بهدوء، وكأنها بتديله فرصة، لكن عينيها كانت بتقول: “أنا عارفة اللي في دماغك.”

“أنا… أنا غلطت يا عبير. غلطت لما طلقتك، وغلطت لما سمعت كلام نرمين وأمي. أنا عارف إنك اتظل,,متي معايا كتير، وإنك شقيتي عشان عيالنا وعشان بيتنا. أنا ندمان على كل كلمة، وعلى كل تصرف.” مختار قالها وهو بيحاول يستعطفها، وبيطالع بناته اللي كانوا بيلعبوا في الصالة. “إحنا لازم نرجع لبعض يا عبير. عشان البنات. إحنا ماينفعش نعيش بعيد عن بعض كده. أنا متعودتش على حياة من غيرك. ونفسي إن عيالنا يعيشوا في حض,,ن أبوهم وأمهم سوا.”

كان بيحاول يلعب على وتر المشاعر، وعلى حبها لبناتها. عبير سمعته بتمعن، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشها، لكنها كانت ابتسامة غامضة، ماحدش يقدر يفهم معناها.

عبير بصت في عينيه، الابتسامة الغامضة رجعت وشها، لكن المرة دي كانت مليانة حسم وخطة محكمة. “أنا موافقة يا مختار.”

كلمتها نزلت عليه زي الصاعقة، كأنها رجعتله الروح من تاني. عينه برقت بالأمل، والتوتر اللي كان باين عليه بدأ يتلاشى. “بجد يا عبير؟ يعني خلاص هنرجع؟” قالها بسرعة ولهفة، وكأنه مش مصدق نفسه.

“بشرط.” قالتها عبير بجدية، وقربت منه أكتر، صوتها بقى واطي ومباشر، وكأنها بتقوله سر خط,,ير. “شرطي الوحيد هو إنك تطلق نرمين.”

كلمة “تطلق نرمين” كانت كافية إنها ترجعه لواقعه. نظرات مختار بدأت تتغير، ما بين الصدمة والتفكير، وبص حواليه في الصالة الكبيرة اللي بيتها، وفي الدهب اللي بتلبسه عبير، والعربية اللي عارف إنها لسه محتفظة بيها. الصورة دي كلها كانت بتدور في دماغه، وبتخليه مستعد يعمل أي حاجة عشان يستعيد كل ده.

عبير لاحظت شرود فكره في ممتلكاته، وكأنها بتقرا اللي بيدور في دماغه بالظبط. “بس في حاجة يا مختار.” كملت كلامها ببرود، وكأنها بتفكر بصوت عالي. “لو طلقت نرمين، ممكن تاخد منك الشقة. يعني المحكمة ممكن تحكم لها بيها، خصوصًا إن عندها ابن، وهي هتكون أم حاضنة.”

نبرتها الهادية دي كانت كافية إنها تض,,رب على الوتر الحساس عنده. مختار حس بقلبه بيتق,,بض. شقته! شقته الكبيرة اللي بيعتبرها أهم حاجة في حياته، اللي صرف عليها دم قلبه. فكرة إنها تروح منه كانت كابوس بالنسبة له.

“شقتي؟” قالها بصوت فيه ذهول، وكأن كل كلمة قالتها عبير عن بناته وعن ندمه طارت من دماغه. “يعني إيه تاخد الشقة؟ دي شقتي أنا!”

عبير هزت راسها بتفهم مصطنع. “طبعًا يا مختار. بس القانون ليه أحكامه. وهي ممكن تستغل ده كويس.”

عيون مختار اتحولت بين عبير وبين تفاصيل الشقة اللي حواليه، وكأن الميزان بيترجح قدامه. ما بقاش شايف ندمه ولا بناته ولا أي حاجة. كل اللي في دماغه دلوقتي هو ازاي يحافظ على شقته وعلى الفلوس اللي كان فاكر إنها خلاص راحت منه. نظرة طماعة بدأت تظهر في عينيه، وكأنه بيشوف عبير قدامه كنز لازم يوصله بأي تمن.

“إيه الحل يا عبير؟” سألها بصوت فيه رجاء، مستعد يعمل أي حاجة تطلبها منه.

عبير بصتله بنظرة كلها هدوء وثقة، وكأنها بتقوله إن الحل ده هو الوحيد والأكيد. “الحل يا مختار، إن الشقة دي… الشقة الكبيرة دي، متكونش باسمك خالص.”

صمتت لحظة، مخلياه يحاول يستوعب كلامها، وبعدين كملت: “تكتبها باسمي. ولما تتكتب باسمي، نرمين مش هتقدر تاخدها. كده أنت هتضمن إن شقتك هتبقى في أمان، وبعيد عن أي مشاكل.”

مختار فتح بوقه بصدمة، فكرة إنه يكتب شقته باسم عبير كانت مفاجأة ليه، وحس للحظة إنها عايزة تستغله. عبير قرأت أفكاره بسرعة، وكأنها بتقرا كتاب مفتوح.

“وعشان تطمن،” قالتها وهي بتشاور على العربية الفخمة اللي كانت مركونة بره وباينة من الشباك. “العربية دي أنا هديها لك. تبقى عربيتك. وكده يبقى أنت ضمنت أهم حاجة عندك، وأنا كمان أضمن إن بيتنا ده يفضل لينا وللبنات.”

عينين مختار اتسعت وهو بيبص على العربية. كانت موديل جديد وف,,اخرة، حاجة هو كان بيحلم بيها. فكرة إنه ياخد العربية دي، ويحافظ على شقته في نفس الوقت، بدت وكأنها صفقة العمر. الضمان اللي كانت عبير بتقدمه ده كان كافي يخليه يفكر بجدية.

“يعني… أكتبلك الشقة، وتاخديني أنا والبنات نرجع نعيش هنا تاني، وأخد العربية؟” قالها مختار وهو بيحاول يرتب كل الأفكار اللي بتدور في دماغه.

عبير أومأت برأسها بابتسامة ناعمة. “بالظبط كده. تجيب حاجتك كلها وتيجي تعيش معانا في شقتك دي. بيتك أنت وبناتك. وساعتها… ساعتها نرجع زي زمان. بس المرة دي، هنرجع بضمان، وبأمان، وبحياة نظيفة بعيد عن أي مشاكل.”

الطمع والراحة اللي كان بيحلم بيها غلبوا على أي تفكير تاني. فكرة إنه يرجع لشقتهم الكبيرة، ويسترد حياته القديمة، ومعاها العربية الفخمة، كانت مغرية جدًا. مختار مافكرش كتير، وكأن كل خطة عبير كانت بتتحقق خطوة بخطوة قدامه.

“موافق يا عبير!” قالها مختار بحماس، وكأنه لقى كنز. “أنا موافق على كل شروطك. نرمين… نرمين هتطلق، والشقة هتبقى باسمك، وأنا هاجي أعيش هنا معاكوا أنت والبنات.”

ابتسامة عبير اتسعت أكتر، ابتسامة انتصار خفية، وكأنها بتقول لنفسها: “أخيرًا، الخطة ماشية زي ما أنا عايزة.”

الخطة كانت ماشية بالمللي. تاني يوم الصبح، مختار كان عند عبير، ووشه منور بالأمل والطمع. نزلوا مع بعض، وكل واحد فيهم جواه خطته الخاصة.

وصلوا الشهر العقاري، الجو كان كله إجراءات وورق. مختار، اللي عينه كانت على العربية الفخمة، وعلى رجوعه لحياة الرفاهية، كتب الشقة باسم عبير. عبير مسكت العقد في إيدها، نظرة انتصار خفية لمعت في عينيها. “كده خطوة خلصت، لسه الباقي يا مختار”، فكرت في سرها، والابتسامة كانت هادية على شفا.يفها.

بعدها، دخلوا مكتب الموظف عشان يسجلوا العربية باسم مختار. الموظف طلب أوراق العربية، وعبير هنا لعبت دورها ببراعة. “آه يا مختار، نسيت أوراق العربية في الشقة قبل ما ننزل!” قالتها بتمثيلية متقنة، وكأنها متضايقة من نفسها. “طب إيه رأيك نرجع الشقة نجيب الأوراق؟”

مختار أومأ برأسه، ما حسيش بأي حاجة غريبة. ركبوا العربية. أول ما قفلت الباب، عبير بصتله بابتسامة جميلة. “تعالى يا مختار، إيه رأيك نروح للمأذون الأول؟ تطلق نرمين ونتجوز أنا وأنت، عشان تدخل معايا شقتي وأنت جوزي رسمي. تبقى راجع بيتك كزوج، مش مجرد ضيف.”

فكرة إنه يدخل شقته، اللي لسه كاتبها باسمها، وهو جوزها، وأن كل ده بيحصل في نفس اليوم، خلت مختار طاير من الفرحة. “طبعًا يا عبير، فكرة هايلة!”

راحوا للمأذون. عبير قعدت بهدوء، عينيها كانت ثابتة على مختار وهو بيخلص إجراءات طلاق نرمين غيابي. كل كلمة نطقها المأذون، كانت بتخلي قلبها يرتاح، وكل إهانة مرت بيها، كانت بتاخد حقها. مختار خلص كل حاجة، والورق اتمضى، ونرمين بقت مطلقة رسمياً.

جه وقت كتب كتابهم من تاني. المأذون طلب بطاقتها، وهنا عبير لسه عندها ورقة أخيرة. “يا خبر!” قالتها بخضة مصطنعة، “أنا نسيت بطاقتي في الشهر العقاري! أكيد سقطت مني وأنا بكتب العقد.” بصت لمختار بابتسامة بريئة. “مختار حبيبي، ممكن تاخد العربية وتروح تجيب البطاقة من هناك؟ أنا مستنياك هنا.”

مختار، اللي كان خلاص مستسلم لكل خططها، وما بقاش شايف غير حلمه في الرجوع لحياة الرفاهية، أخد مفتاح العربية وهو متفهم. “متقلقيش يا عبير، دقايق وأكون راجع.” وخرج من المكتب، ملهوف على العربية اللي بقت باسمه، وعلى إتمام جوازه من عبير، اللي هو فاكر إنها راجعة لعش الزوجية القديم بكل ممتلكاته.

عبير فضلت قاعدة، بابتسامة هادية، وهي بتشوف مختار وهو بيفتح باب العربية اللي بقت بتاعته، ومشي بيها. نظرتها كانت مليانة ثقة، وكأنها بتقول: “الآن بدأت النهاية الحقيقية.”

أول ما مختار اتحرك بالعربية، ووشه منور بالأحلام الوردية، عبير قامت بهدوء من عند المأذون. الخطوات كانت محسوبة، وكل حركة كانت مقصودة. ما ضيعتش لحظة. راحت مباشرة على قسم الشرطة القريب.

هناك، وبكل ثقة، قدمت بلاغًا إن طليقها مختار س,,رق العربية اللي هي مأجراها، وإنه كمان بيهددها. وصفت العربية بالظبط، وادتهم رقم اللوحة، وكمان تفاصيل عن مختار ومكانه المحتمل.

في نفس الوقت، مختار وصل الشهر العقاري وهو بيدور على بطاقة عبير. دخل، سأل هنا وهناك، قلب في الأوراق، بس طبعًا مالقاش حاجة. البطاقة مكنتش هناك أساسًا. لما يأس وخرج، كانت المفاجأة مستنياه.

أول ما نزل على السلم، لقى دورية شرطة واقفة جنب العربية اللي هو لسه فاكر إنها بتاعته. قبل ما يستوعب إيه اللي بيحصل، ظابط الشرطة قرب منه.

“الأستاذ مختار؟”

مختار أومأ براسه باستغراب. “أيوة، أنا مختار. خير يا باشا؟”

“العربية دي بتاعتك؟”

“أيوه يا باشا، لسه كاتبها باسمي دلوقتي حالا!” قالها بفخر، وكأنه بيثبت ملكيته.

لكن الظابط رد بجمود: “مختار أحمد… أنت مقبوض عليك بتهمة س,,رقة عربية وتهديد. العربية دي مبلغ عنها إنها مسروقة.”

كلمة “س,,رقة” نزلت على مختار كالصاعقة. حاول يستوعب، يبرر، يوريهم ورق العربية اللي معاه، بس الظابط مكانش سامع غير البلاغ الرسمي. مختار بقى في لحظة واحدة متهم وسارق، والعربية اللي كانت حلم، اتحولت لكابوس.

وهو بيتسحب لركوب عربية الشرطة، كانت عينيه بتدور في الأفق، كأنه بيدور على عبير، على إجابة. بس عبير كانت بعيدة، يمكن قاعدة في بيتها، أو بالأحرى، “شقتها”، وهي بتكمل آخر فصول انتقامها.

عبير بخطوات ثابتة وواثقة، راحت على قسم الشرطة. كانت ملامحها هادية بس جواها قوة جبارة. استنت شوية، ومعداش كتير لحد ما جابوا مختار القسم.

مختار كان لسه مصدوم ومش مستوعب اللي بيحصل. عمال يبص حواليه ويدور على أي تفسير، لحد ما عينه وقعت على عبير وهي قاعدة بمنتهى الهدوء قدام الظابط، وكأنها كانت مستنياه بالظبط.

عبير بصتله بصة باردة، مفيهاش أي مشاعر، كأنها بتشوف حد غريب. وبعدين رجعت تتكلم مع الظابط بصوت واضح وثابت. “أنا أستاذة عبير يا حضرة الظابط. وده مختار طليقي. هو اللي س,,رق مني العربية اللي كنت مأجراها، وكمان بيهددني على طول.”

كلامها كان بينزل على قلب مختار زي السكاكين. ماقدرش ينطق بكلمة. إزاي كل ده حصل؟ إزاي كل حاجة اتقلبت كده؟ كان حاسس إن حلمه كله بيتهد قدام عينيه، مش بس حلم عبير وحياته القديمة، لأ ده حتى حلم العربية والراحة. حس إن الأرض بتتبلع من تحت رجليه.

الظابط، بعد ما سمع كلامها وشاف الورق، بص لمختار بجدية. “يا أستاذ مختار، في بلاغ رسمي ضدك بس,,رقة عربية وتهديد. بتنكر الكلام ده؟”

مختار حاول يتكلم، لسانه اتلجلج. “يا باشا… دي كدب… عبير… عبير هي اللي…”

قاطعته عبير بهدوء: “هو بيحاول يلف ويدور يا حضرة الظابط. وده مش أول مرة يهددني فيها.”

الظابط، بعد ما سمع من الطرفين وراجع البلاغ، أمر مختار يمضي على تعهد بعدم تعرض لعبير. اللحظة دي كانت القاضية بالنسبة لمختار. خسر كل حاجة. العربية، الشقة، وفي الآخر، كرامته وحريته قدام عبير.

عبير كانت خلصت كل حاجة. بصت لمختار بصة أخيرة، بصة انتصار صامت، وبعدين مشيت من القسم. مكنتش لوحدها. بناتها كانوا مستنينها بفارغ الصبر.

خرجت عبير مع بناتها، اللي جريوا عليها وحض,,نوها بقوة. رجعت لبيتها، اللي بقى بيتها فعلاً، واللي هي اللي تعبت فيه وربت فيه بناتها. دخلت بيتها وراسها مرفوعة، وحاسة براحة كبيرة جوه قلبها. كانت أخدت حقها، مش لنفسها بس، لأ لبناتها كمان، ولكل ست اتظل,,مت في حياتها. كانت منتصرة، بذكائها وقوتها، وعزيمتها اللي مابتتكسرش.

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *