انا لغیت سفری الخاص

أنا لغيت سفري الخاص بعد ما كاميرا مخفية سجلت ولادي التلاتة التوأم وهما بيصرخوا من ورا باب مقفول بالمفتاح. وبرّه الأوضة، خطيبتي كانت بتهمسلهم بهدوء مرعب: “اسكتوا… وإلا مفيش عشا النهارده.”

كنت هاعمل حادثة وأنا برجع العربية بسرعة على البيت. لكن لما كسرت الباب أخيرًا… اكتشفت إن ولادي ماكانوش هما الوحيدين المحبوسين جوّه البيت… والحقيقة اللي كانت مستنياني فوق قلبت حياتي كلها.

أنا لفيت بالعربية ورجعت قبل حتى ما أوصل للمطار الخاص.

اسمي كريم السيوفي، عندي ستة وتلاتين سنة، وكنت عامل ثروة كبيرة من شركة برامج طبية بشتغل فيها لدرجة إن الفلوس بقت أكتر من الوقت اللي أقدر أستمتع بيه فعلًا. عندي بيوت بنامش فيها، وعربيات نادرًا بسوقها، وجدول مليان اجتماعات كنت فاكرها مهمة… لحد اللحظة اللي سمعت فيها صوت عياط ولادي التلاتة، عمرهم تلات سنين، خارج من سماعة موبايلي.

الصوت ماكانش دلع عيال.

كان رعب حقيقي.

الإشعار جه من كاميرا مخفية كنت مركبها في طرقة الدور اللي فوق من أسبوعين. كنت مقنع نفسي إنها للآمان… علشان العمال، أو الدليفري، أو أي حجة محترمة راجل بيكدب بيها على نفسه لما يبدأ يشك في بيته.

بس ده ماكانش السبب الحقيقي.

الحقيقة كانت أصعب بكتير.

في آخر كام أسبوع، آدم وياسين وعمر بقوا بيتصرفوا بغرابة مع خطيبتي نادين. آدم بطل ياكل إلا لو أنا اللي بأكّله بإيدي. ياسين كان بيصحى من النوم يصرخ وهدومه غرقانة عرق. وعمر كان بيتعلق في الشغالة أمينة كأن حضنها هو المكان الوحيد الآمن في البيت.

كل ما كنت أسأل، نادين كانت تضحك وتقول: “دي مرحلة وهتعدي.”

الثقة عمرها ما بتتكسر مرة واحدة.

الأول بتظهر في نفس طفل مرعوب بالليل… بعدها في طبق أكل متاكلش… وبعدين في إيد صغيرة ماسكة فيك زيادة عن اللزوم.

وبرغم كل ده… كنت عايز أصدقها. دي الست اللي كنت ناوي أتجوزها. كانت عارفة مواعيد الولاد، وأدوية الحرارة، والأغاني اللي بيناموا عليها. أنا سلمتها أضعف حاجة في حياتي… وسميت ده حب.

الساعة كانت ٩:١٧ الصبح، وكنت رايح المطار علشان سفرية مخبيها مفاجأة. كنت رايح أخلص شراء منتجع صغير في العين السخنة نقضي فيه شهر العسل.

الساعة ٩:٢٦ ظهر إشعار: “تم رصد حركة — طرقة الدور العلوي.”

الساعة ٩:٢٧ فتحت البث المباشر…

وفجأة الدنيا كلها اختصرت في باب مقفول.

آدم وياسين وعمر كانوا محبوسين جوّه أوضتهم، بيخبطوا على الباب بإيديهم الصغيرة وبيعيطوا لدرجة إن صوتهم اتبح. الكاميرا كانت جايبة الطرقة بس… السجادة البيضا، الحيطان الهادية، ولمعة الأكرة المعدنية الباردة.

ومن جوّه الباب… ولادي بينادوا عليّا كأني ممكن أظهر وأنقذهم.

نادين كانت واقفة قدام الباب بالروب الحرير بتاعها… هادية بشكل مرعب.

الهدوء بتاع حد متعود يعمل كده.

قربت من الباب وهمست: “اسكتوا… وإلا مفيش أكل النهارده.”

في اللحظة دي حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.

دست فرامل بعنف لدرجة إن العربية اللي ورايا فضلت تزمر بشكل هستيري. الموبايل وقع من إيدي تقريبًا. لفيت بالعربية من نص الشارع، وماعدش فارقلي مخالفة ولا إشارة ولا أي حاجة غير إني أوصل لولادي.

اتصلت بنادين.

ماردتش.

اتصلت تاني.

برضه مفيش.

كلمت أمينة… تليفونها مقفول. كلمت الخط الأرضي… رن لحد ما سكت.

الساعة ٩:٣٤ بعتلها رسالة: “افتحي باب الأوضة حالًا.”

الرسالة وصلت… لكن ما اتقرتش.

الساعة ٩:٣٨ حفظت فيديو الكاميرا على السحابة، لأن جزء بارد جوايا فهم قبل قلبي: لو وصلت وهي ابتسمت في وشي… هحتاج دليل.

الحب بيدور على تبرير… لكن الخوف بيدور على إثبات.

لما وصلت الفيلا، إيديا كانت بتترعش لدرجة إني غلطت في الرقم السري للبوابة أول مرة. دخلت أجري وأنا بنادي على ولادي، وأول حاجة سمعتها كانت عياط مكتوم جاي من فوق.

مافيش ريحة أكل.

مافيش كرتون شغال.

مافيش أي صوت طبيعي في البيت.

بس البيت الهادئ… اللي كان مستخبي جواه كابوس.

طلعت السلم جري، ولقيت باب أوضة الأطفال مقفول بالمفتاح من برّه. ومافيش مفتاح في الباب. وعلى الخشب كانت فيه خربشات صغيرة… آثار إيدين عيال.

ناديت على نادين آخر مرة.

مفيش رد.

خبطت الباب بكتفي مرة… مافتحش.

التانية… الباب اتصدع.

ومن جوّه سمعت آدم بيصرخ باسمي… وفي اللحظة دي أي عقل أو هدوء جوايا اختفى.

في الخبطة التالتة القفل اتكسر، والباب اتفتح بعنف، والأوضة انفجرت عياط وخوف وريحة حفاضات مبلولة.

ولادي التلاتة جريوا عليّا مرة واحدة.

لكنهم ماكانوش لوحدهم.

أمينة كانت مرمية جنب السرير، إيديها متربطة بشاحن موبايل، وشفتها متعورة، وعينيها مليانة رعب.

حاولت تتكلم… لكن صوتها ماطلعش.

وبعدين بصت لفوق… ناحية السقف.

في نفس اللحظة سمعت صوت خبط جاي من الدور اللي فوق.

خبطة…

وبعدين خبطة تانية.

وأمينة، وهي بتترعش كلها، همست بصوت مخنوق:

“يا أستاذ كريم… مدام نادين مش لوحدها…”

الخبطة اللي جاية من فوق كانت تقيلة… بطيئة… كأن حد مربوط وبيحاول يضرب برجله في الأرض علشان يطلب النجدة.

حضنت ولادي بإيد، وفكّيت رباط أمينة بالإيد التانية، وأنا حاسس إن قلبي بيخبط بعنف أكتر من الصوت اللي فوق.

أمينة كانت بتترعش.

وشها شاحب، وشفتها متعلمة من جنب رقبتها، وكأن حد شدّها بعنف.

قلت لها بسرعة: “مين فوق؟!”

بلعت ريقها بصعوبة، وبصت ناحية الباب كأنها خايفة حتى الحيطان تسمعها.

وقالت: “في راجل… بقاله أيام هنا.”

في اللحظة دي حسيت الأرض بتتحرك تحت رجلي.

“إيه؟!”

“كانت بتخبّيه فوق… في أوضة السطح… وكل ما حضرتك تسافر كانوا بينزلوا بالليل.”

آدم كان متعلق في رقبتي وبيعيط، وعمر بيستخبى ورا ضهري، وياسين بيقول بصوت متقطع: “الباب الوحش يا بابا… الباب الوحش.”

سمعت الخبطة تاني.

أقرب.

وأعنف.

قومت واقف ببطء، وناولّت أمينة الموبايل.

“خدي الولاد واقفلي الأوضة من جوّه… ولو سمعتِ أي صوت انزلي على الجنينة واهربي.”

قالت وهي مرعوبة: “متطلعش لوحدك يا أستاذ كريم…”

لكن كنت طلعت فعلًا.

السلم للدور الأخير كان ضلمة، والتكييف مطفي، والبيت ساكت بطريقة تخوف.

كل خطوة كنت باخدها كان معاها صوت نفسي العالي.

ولأول مرة من سنين… حسيت بالخوف جوّه بيتي.

وصلت لباب أوضة السطح.

الباب كان مقفول بس مش بالمفتاح… بحاجة متسندة وراه.

والخبط وقف فجأة.

ثانية صمت…

وبعدين صوت راجل طالع من جوّه: “كريم؟!”

اتجمدت مكاني.

أنا أعرف الصوت ده.

مستحيل.

مستحيل يكون هو.

قربت ببطء، وفتحت الباب دفعة واحدة.

ريحة عفن وعرق ضربت في وشي.

ورجل مربوط في كرسي… دقنه طويلة، هدومه متبهدلة، وعينه وارمة من الضرب.

لكن رغم كل ده… عرفته فورًا.

أخويا.

سيف.

سيف السيوفي… اللي دفنّاه من سنتين.

رجع يبصلي بعين مكسورة، وشفايف ناشفة، وقال: “أنا ما متّش يا كريم… هي اللي حبستني.”

عقلي وقف.

حرفيًا.

آخر حاجة فاكرها عن سيف إنه اختفى في رحلة غوص في دهب، وبعد أسبوع لقوا مركبه مقلوب. الج*ثة ما ظهرتش… لكن نادين وقتها كانت أول واحدة تنهار وتبكي وتقنعني إن الأمل انتهى.

نادين.

نادين اللي كانت خطيبة سيف الأول.

قبل ما تبقى خطيبتي أنا.

بدأت أرجع لورا بخطوات بطيئة، وكل الذكريات بقت تضرب في دماغي مرة واحدة.

إزاي قربت مني بسرعة بعد “موته”.

إزاي كانت تعرف كل تفاصيل ثروتي.

إزاي كانت دايمًا ترفض إننا نجيب مربية إضافية.

إزاي كانت تمنع الولاد يطلعوا فوق.

سمعت صوت كعبها على السلم.

هادئ…

ثابت…

وبعدين ظهرت نادين عند باب الأوضة.

لابسة نفس الروب الحرير.

وبتبتسم.

ابتسامة باردة خلت جلدي يقشعر.

بصت لسيف، وبعدين ليا، وقالت بهدوء مرعب: “كنت ناوية أشرحلك كل حاجة… بس واضح إن الكاميرات سبقتني.”

صرخت: “إنتِ مجنونة؟!”

ضحكت ضحكة قصيرة وقالت: “المجنون هو اللي صدّق إن أخوه مات بسهولة… والمجنون أكتر هو اللي سلّمني كل حاجة بعده.”

سيف حاول يقوم وهو بيصرخ: “اهرب يا كريم! معاها—”

لكن نادين طلعت مس*دس صغير من جيب الروب.

وفي اللحظة دي… كل حاجة وقفت.

حتى النفس.

وجهت الس*لاح ناحية سيف مباشرة.

وقالتلي وهي مبتسمة: “دلوقتي عندك اختيار واحد بس… يا أخوك… يا ولادك.”

حسيت إن الدنيا بتلف حواليا.

المس*دس في إيد نادين كان ثابت… بشكل مرعب. مافيش رعشة، مافيش توتر، كأنها واقفة تختار فستان مش بتحدد مين هيموت.

سيف كان مربوط وضعيف، لكن عينه كانت عليّا.

عين واحد مستني أخوه ينقذه… بعد ما افتكر سنتين إني تخليت عنه.

ونفس الوقت… تحت، ولادي التلاتة مرعوبين.

أي أب مكانش هيحتاج يفكر.

قلت فورًا: “ولادي.”

ابتسمت نادين ببطء، كأنها كانت مستنية الإجابة.

وقالت: “كنت عارفة.”

وبعدين وجهت المس*دس ناحيتي أنا.

في اللحظة دي فهمت.

ماكانش عندي اختيار أصلًا.

هي ماكنتش ناوية تسيب حد يخرج حي.

قالت وهي بتقرب خطوة: “إنت غني زيادة يا كريم… وطيب زيادة… ودي تركيبة سهلة جدًا.”

قلبي كان بيدق بعنف، لكن عقلي أخيرًا بدأ يشتغل.

بصيت لسيف بسرعة.

ولأول مرة أخدت بالي إن إيده اليمين بتتحرك سنة صغيرة… الحبل كان مفكوك جزئيًا.

نادين ماخدتش بالها.

كانت مركزة معايا أنا.

“عارف أصعب حاجة؟” قالت وهي تضحك بخفة، “إن الولاد حبّوك فعلًا… كنت فاكرة هيبقوا زي أي عيال ويتعودوا عليّا.”

قلت وأنا بأحاول أكسب وقت: “إنتِ عايزة إيه؟”

“كل حاجة.”

ردتها فورًا.

“الشركات… الحسابات… التأمين… وبعدها كنت هختفي. زي ما اختفى سيف.”

سيف فجأة صرخ: “كريم! دلوقتي!”

وفي نفس الثانية رمى نفسه بالكرسي عليها.

الطلقة خرجت.

صوتها دوّى في الأوضة بشكل صمّ وداني.

الزجاج اتكسر.

ونادين وقعت على الأرض وهي بتصرخ.

المس*دس اتزحلق بعيد.

جريت عليه بسرعة، لكنها كانت أسرع منّي بشكل مخيف. مسكت رجلي بعنف ووقعتني، وبعدين طلعت سك*ينة صغيرة من تحت الروب.

كانت مخبياها طول الوقت.

هجمت ناحيتي بعينين مليانين جنون.

لكن قبل ما توصل—

أمينة ظهرت عند الباب.

ومعاها ماسورة حديد كانت من الجنينة.

وضربت نادين بكل قوتها على كتفها.

الس*كينة طارت.

وسيف، رغم قيوده، زقّ نفسه فوقها وثبتها في الأرض وهو بيصرخ: “اتصلي بالشرطة يا كريم!”

خدت الموبايل بإيد بترتعش، وطلبت النجدة.

نادين كانت لسه بتحاول تفلت، بتشتم وتصرخ بشكل هستيري: “كلكم ضيعتوا حياتي! كلكم!”

لكن لأول مرة…

الخوف كان في عينيها هي.

بعد عشر دقايق، البيت كله اتملّى بصوت الشرطة والإسعاف.

ولادي كانوا متحاوطين ببطاطين، وأمينة قاعدة تبكي من الانهيار، وأنا واقف قدام عربية الإسعاف ببص لسيف.

أخويا.

حي.

سنتين كاملين وهو محبوس فوق بيتي… وأنا تحت عايش مع الست اللي خطفته.

سألته بصوت مبحوح: “ليه ماقت*لتكش؟”

سيف سكت شوية.

وبعدين قال: “لأنها كانت عايزة توقيع واحد كل فترة… وتحافظ عليّا حي لحد ما تنقل كل أملاكي ليها… وبعدها جه دورك.”

بعدها اكتشفنا الحقيقة كاملة.

نادين كانت نصّابة محترفة، داخلة حياتنا من زمان. قربت من سيف الأول علشان فلوسه، ولما شك فيها وحاول يفضحها، خدّرته وخبّته في أوضة السطح القديمة اللي محدش بيطلعها.

ولما اختفى… نقلت خطتها عليّا أنا.

أما الولاد؟

كانت بتستخدمهم للسيطرة عليّا.

تخوفهم… تعزلهم… وتخليهم متعلقين بيها أو خائفين منها حسب احتياجها.

الكاميرا اللي ركبتها وأنا شاكك في نفسي…

هي اللي أنقذت حياتنا كلنا.

بعد ست شهور، رجعت لأول مرة أضحك بصدق وأنا قاعد على البحر في العين السخنة.

بس مش في شهر عسل.

أنا وسيف والولاد وأمينة.

آدم كان بيجري على الرمل، وياسين بيزعق لأنه خايف من الموج، وعمر نايم في حضني.

وسيف بصلي وقال: “عارف الحاجة الوحيدة الحلوة اللي عملتها نادين؟”

بصيتله باستغراب.

ابتسم لأول مرة من سنين وقال: “إنها خلتنا نرجع إخوات بجد.”

وفي اللحظة دي… فهمت إن بعض الناس بيدخلوا حياتك علشان يدمروها.

لكن أحيانًا… الخراب بيكشفلك مين اللي يستحق يفضل فيها فعلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *