خیانه زوجی واهله 1 من حکایات نور محمد

 

​٣٠ يوم… شهر بحاله مرمية على سرير في العناية المركزة في مستشفى حكومي ريحتها بتنضح بالموت واليأس. بين أجهزة التنفس وصوت المونيتور اللي بيعد دقات قلبي البطيئة، كنت بـ”أصارع الموت” حرفياً بعد حادثة تسريب غاز مريبة في شقتي.

​طول الشهر ده، جوزي “عادل” وحماتي “نعمات” مزارونيش ولا مرة. حجة عادل كانت إن “مصاريف المستشفى الخاص هتقطم وسطه”، فنقلوني لمستشفى حكومي مجاني، ورموني هناك زي كيس زبالة ملوش لازمة، مستنيين مكالمة من المستشفى تبلغهم بخبر موتي عشان يورثوا المصنع والفيلا اللي بنيتهم بفلوس أبويا وتعب عمري.

​الزوجة المغفلة، والكنة الطيبة اللي كانت بتخدمهم بعينيها… ماتت إكلينيكياً في اللحظة اللي سمعت فيها الممرضة بتقول لزميلتها بالصدفة: “أهلها مبيردوش على التليفون بقالهم أسبوع، شكلهم بايعين.”

​مضيت على خروجي على مسؤوليتي الشخصية. سحبت الكانيولا من إيدي، وطلعت أجرّجر خيبتي وضعفي في تاكسي لحد باب فيلتي في الشيخ زايد. كنت واخدة قراري؛ أنا راجعة ألم هدومي، أطرد ولاد الإيه دول بره حياتي، وأبدأ من جديد.

​فتحت الباب بالنسخة الاحتياطية بتاعتي. ريحة البخور الغالي مالية المكان، وصوت ضحكات عالية ومزيكا هادية طالعة من الريسبشن. الفوضى اللي كنت متخيلاها مكنتش موجودة، بالعكس… البيت كان متزين!

​دخلت بخطوات بطيئة، ووشي شاحب زي الأموات، وهدومي متعلقة على جسمي اللي خسر نص وزنه. وقفت مسمرة مكاني لما عيني وقعت على المشهد:

عادل لابس بدلة عريس أنيقة، وحماتي “نعمات” واقفة بتلبّس “رانيا” (بنت أختها) طقم الألماظ بتاعي! كانوا بيحتفلوا بخطوبتهم في بيتي، على جثتي اللي لسه مبردتش.

​أول ما حماتي لمحتني، الطقم وقع من إيدها، ووشها جاب ألوان. لكن الصدمة اتحولت لغضب أعمى وشرار بيطق من عينيها.

— “إيه اللي جابك يا عفريتة إنتي؟!” صرخت بصوت رجّ البيت. “مش الدكاترة قالوا إنك في غيبوبة وبتودعي؟ إيه، جيتي تنكدي علينا فرحتنا زي عادتك؟”

​عادل وقف وراها، ملامحه اللي كانت بتمثل الحنية زمان اتبدلت ببرود مرعب، وقال:

— “طالما جيتي على رجلك، يبقى نختصر. إنتي طالق يا ياسمين. لمي هدومك واطلعي بره، الفيلا دي والمصنع بقوا بتوعي بتوكيل رسمي إنتي مضيتي عليه قبل الحادثة… مكانك مبقاش هنا.”

​بصيتلهم ببرود وابتسامة مكسورة، وصوتي طالع بالعافية من التعب:

— “التوكيل اللي بصمتوني عليه وأنا متخدرة يوم الحادثة صح؟ أنا مش جاية أعيط على فيلا ولا على راجل خاين. أنا طالعة أخد دهبي وورق المصنع الأصلي، وبعدها المحاكم بيننا.”

​كلمة “المحاكم” جننت نعمات. فكرة إن فريستهم لسه فيها الروح وهتقاوم حطمت غرورهم تماماً. صرخت نعمات بهيستيريا، ومدت إيدها سحبت ڤازة نحاس تقيلة جداً من على الترابيزة.

— “لو مموتيش بالغاز يومها يا بنت الـ(…)، هتموتي دلوقتي ونخلص من قرفك للأبد!”

​رفعت الڤازة بكل قوتها ونزلت بيها ناحية راسي عشان تخلص عليا بضربة واحدة…

​غمضت عيني مستنية الضربة، لكن فجأة… الڤازة متكسرتش على راسي.

​صوت ارتطام مكتوم حصل، ولما فتحت عيني، لقيت إيد ضخمة، قوية زي الحديد، مسكت معصم حماتي من وراها ولويته ببطء لحد ما الڤازة وقعت على الأرض بصوت رعب كل اللي في المكان.

​صوت رجولي أجش، طالع من عتمة الممر اللي ورايا… صوت عادل وحماتي مسمعوهوش من ٨ سنين… صوت خلى عادل يرجع خطوتين لورا وركبه تخبط في بعض من الرعب المطلق.

​”إيدك لو اتمدت عليها هقطعها من لغاليغها يا أمي…”

​من بين الظلال، ظهر “زياد”.

أخو عادل الكبير. اللي عادل وحماتي لفقوا له تهمة اختلاس وسجنوه ظلم عشان يسرقوا حقه في ميراث أبوه. الشخص اللي استغليت فترة غيابي الطويلة عشان أوكل له أكبر المحامين، وأقدم الأدلة اللي تبرأه وتطلعه من السجن في السر.

​ابتسم زياد ببرود مميت، وبص لعادل اللي كان بيترعش زي الورقة، وطلع من جيبه مس*دس أسود حطه على الترابيزة بهدوء، وقال بصوت واطي لكنه بيهز الجدران:

“أنا رجعت يا عادل… وتصفية الحساب هتبدأ الليلة، بس مش معاها… معايا أنا. اقفلوا باب الفيلا ده، عشان محدش هيخرج من هنا عايش قبل ما…”

 

الصمت اللي نزل على المكان مكنش صمت عادي؛ ده كان صمت القبور. صوت أنفاس عادل المقطوعة، ورعشة إيد حماتي “نعمات” وهي بتبص لزياد كأنه عفريت طالع من الأرض، كانوا بيمثلوا سيمفونية رعب بتعزف في الصالة. رانيا (العروسة) كشت في الركن وهي بتترعش، وبتحاول تداري طقم الألماظ بإيدها وكأنها خايفة زياد يقطعلها رقبتها.

زياد سحب كرسي السفرة الرئيسي وقعد عليه بهدوء مرعب، ورمى المس*دس على الترابيزة قدامهم، وحط رجل على رجل. عينيه كانت بتلف عليهم واحد واحد، نظرة كلها غل وحساب سنين اتدفنت في عتمة الزنازين.

— **”إيه يا نعمات؟”** قالها زياد بصوت خشن، بيقطع سكون المكان. *”مش هتسلمي على ابنك البكري اللي رميتيه في السجن ٨ سنين عشان تلهفي إنتي وابنك المفضل ورث أبوه؟ كبرتي يا أمي… بس الشر اللي في عينيكي لسه زي ما هو.”*

نعمات حاولت ترسم دور الأم المصدومة، بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مهزوز:

— *”ز.. زياد؟ يا حبيبي إنت طلعت إمتى؟ والله يا ابني أنا كنت مغلوبة على أمري، أخوك هو اللي زور الورق، هو اللي قالي…”*

قبل ما تكمل كلمتها، عادل صرخ فيها بصوت كله ذعر وخيانة:

— *”أنا يا كدابة؟! أنا اللي زورت؟! إنتي اللي خططتي لكل حاجة، إنتي اللي دفعتي رشوة للمحاسب عشان يلبس زياد الق//ضية، وإنتي اللي فتحتي أنبوبة الغاز في شقة ياسمين عشان تموتيها ونورثها! أنا ماليش دعوة يا زياد، دي شيطانة!”*

ضحكت بصوت خافت، ضحكة طالعة من قلب الوجع والتعب. سحبت كرسي وقعدت قصادهم، وأنا حاسة إن روحي بترد فيا مع كل لحظة رعب بشوفها في عيونهم.

— *”تصدقوا إنكم لايقين على بعض؟”* قلتها ببرود وأنا بشاورلهم. *”بتاكلوا في لحم بعض في أول مطب. إنتوا مفكرين إني كنت في غيبوبة ٣٠ يوم؟ تؤ تؤ… أنا فقت من الغيبوبة بعد أسبوع واحد بس من الحادثة.”*

عادل فتح عينيه على الآخر، ونعمات حطت إيدها على قلبها. كملت كلامي:

— *”طول التلات أسابيع اللي فاتوا، أنا كنت فايقة، بس رشيت ممرضة العناية عشان تبلغكم إني بموت، عشان أشتري وقت. الوقت ده اللي استغليته عشان أوكل أكبر فريق محامين يفتحوا ق/ضية زياد من تاني، ويقدموا التسجيلات اللي لقيتها في خزنك يا عادل… التسجيلات اللي بتثبت براءته وإدانتكم.”*

زياد قام من مكانه ببطء، ومسك ملف جلد أسود رماه في حجر عادل بقوة.

— *”الملف ده فيه تنازل رسمي عن كل مليم خدتوه من ياسمين، وتنازل عن نصيبكم في الفيلا والمصنع، واعتراف بخط إيدك يا عادل بتفاصيل ق/ضية الاختلاس ومحاولة قت*ل ياسمين. امضوا دلوقتي… وإلا المس*دس ده هيتكلم.”*

عادل بص للمس*دس اللي على الترابيزة، وبص لزياد، وبعدين بص لياسمين اللي كانت باين عليها الإعياء الجسدي. في لحظة يأس وغباء، عادل قرر يلعب آخر كارت. عينه لمعت بجنون، وبحركة سريعة جداً متتوقعش من جبان زيه، انقض على الترابيزة وسحب المس*دس!

رانيا صرخت بأعلى صوتها، ونعمات ضحكت بهيستيريا وهي بتقول: *”خلص عليهم يا عادل! اضرب!”*

عادل وجه المس*دس ناحية راس زياد وإيده بتترعش، وصرخ:

— *”محدش هيتحرك من هنا! أنا مش هضيع مستقبلي ولا هرد السجن مكانك. إنت اللي هتموت هنا إنت والمسلوعة دي، وهقول إنكم ق*تلتوا بعض!”*

ضغط عادل على الزناد…

**”كليك!”**

صوت إبرة المس*دس الفاضية رن في المكان. عادل اتجمد. ضغط تاني وتالت… **”كليك.. كليك!”**

زياد ابتسم ابتسامة شيطانية، وطلع من ورا ضهره مس*دس تاني، لونه فضي وبيلمع، وسحب الأجزاء بصوت خلى قلب عادل يقف.

— *”مفكرني غبي زيك عشان أسيبلك س*لاح متعمر على الترابيزة؟”*

لكن قبل ما زياد يرفع س*لاحه، حصلت حاجة قلبت الموازين تماماً. نعمات فجأة مسكت بطنها، ووقعت على ركبها في الأرض، ووشها اتحول للون الأزرق، وبدأت تكح دم وتتلوى من الألم بطريقة مرعبة!

عادل رمى المس*دس الفاضي ورجع لورا مصدوم، ورانيا حاولت تجري بس الباب كان مقفول بالمفتاح.

وقفت من مكاني ببطء، ومشيت ناحية نعمات اللي كانت بتطلع في الروح على السجادة الفخمة، وميلت عليها همست في ودنها:

— *”عجبك طعم عصير المانجة اللي شربتيه نخب خطوبة ابنك من شوية يا نعمات؟”*

عادل بصلي برعب وصرخ: *”إنتي عملتي إيه في أمي؟!”*

رفعت عيني لعادل ببرود قاتل، وشاورت لـ”سعاد”، الشغالة اللي ظهرت فجأة من باب المطبخ، ملامحها باردة وماسكة صينية العصير الفاضية.

— *”سعاد طول عمرها بتكرهكم، وولاءها ليا أنا… حطتلكم في العصير سم بطيء المفعول. قدامكم بالظبط ٢٠ دقيقة قبل ما عضلة القلب تقف تماماً… المصل المضاد معايا أنا وزياد بس.”*

رميت القلم قدام عادل اللي بدأ يحس بضيق تنفس هو كمان، وقولتله وأنا ببتسم:

— **”دلوقتي يا عادل… قدامك خيارين: تمضي وتعترف وتعيش باقي عمرك في السجن… أو تموتوا إنتوا التلاتة هنا والسم ياكل في كبدكم، وأنا هبلغ البوليس إنكم انتحرتوا من تأنيب الضمير… العداد بدأ، هتختار إيه؟”**

وهنا، عادل عمل حركة محدش فينا، ولا حتى زياد، كان متخيل إنه ممكن يعملها أبداً…

*(لمعرفة رد فعل عادل الصادم وتكملة الأحداث شوف الجزء الثانی ،

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *