خطه زوجی المحامی الجزء الاول من حکایات نور محمد

روحت لدكتور نفسي للأطفال عشان أطمن على حالة بنتي، لكن أول ما شاف رسمتها وبص في ملف التبني بتاعها، ملامحه اتغيرت فجأة.

وشّه شحب…

وإيده وقفت عن تقليب الورق…

وبعدين رفع عينه ليا بهدوء غريب وسأل:

— “مين المحامي اللي خلّص إجراءات التبني دي يا مدام؟”

ردّيت من غير ما أفكر:

— “جوزي يا دكتور… أصل هو محامي أحوال شخصية معروف جداً.”

سكت ثواني.

وبعدين قفل الملف اللي كان مفتوح قدامه، وبصلي بنظرة خلت قلبي ينقبض.

قال بهدوء محسوب:

— “أنا محتاج أراجع الملف ده مع جهة مختصة… في حاجة مش مظبوطة في الأختام.”

ما قالش حاجة صريحة…

لكن تعبير وشّه كان كفاية يزرع الخوف جوايا.

لحد اللحظة دي، كنت فاكرة إن قلقي على “سلمى” طبيعي.

بنت متبناة…

عمرها ٥ سنين…

وبتعاني من كوابيس صعبة كل ليلة.

من برّه، حياتي كانت شكلها مثالي.

بعد سنين من الحرمان من الخلفة، وانهيارات نفسية دمرتني…

جوزي فاجئني بيها.

قالي إنها بنت يتيمة، أهلها ماتوا في حادثة، ومالهاش حد، وهو بصفته محامي قدر يخلّص ورق كفالتها عشان ينقذني من العتمة اللي كنت عايشة فيها.

أي حد يشوفنا يقول:

“يا بختها… جوزها عمل المستحيل عشان يعوضها ويفرح قلبها.”

وأنا فعلًا كنت بقول كده لنفسي.

لكن مع الوقت…

تصرفاته بدأت تحسسني بحاجة غريبة.

كان بيخاف عليها بشكل مرضي.

مانع خروجها للحضانة…

مانع إنها تتصور أي صورة وتنزل على السوشيال ميديا…

حتى الدادة طردها في يوم عشان بس أخدت سلمى تلعب في الجنينة اللي تحت البيت من غير إذنه.

ولما كنت أقوله:

— “حاساك مكبّر الموضوع أوي، البنت محتاجة تعيش طبيعي.”

كان يبتسم ويضمني ويقولي:

— “إنتوا الاتنين أغلى حاجة عندي… ما صدقت لقيتكم، مش هسمح للهوا يمسكم.”

الجملة كانت المفروض تطمني.

لكن بطريقة ما…

كانت بتخوفني.

والأغرب…

كانت كوابيس سلمى.

كانت بتصحى تصرخ وتقول:

— “ماما بتعيط ورا الإزاز… طلعوها!”

ولما أسألها فين الإزاز ده؟

ترسم ست ورا خطوط سودا، بتمد إيدها.

جوزي كان دايمًا يقاطعنا ويقولي ده مجرد صدمة من حادثة موت أهلها، ولازم نتجاهل الموضوع عشان تنسى.

لكن إحساس الأمومة اللي اتولد جوايا، خلاني ما أرتاحش.

وعشان كده…

قررت أروح لدكتور نفسي من غير ما أقوله.

كنت عايزة بس حد يساعد البنت تتجاوز صدمتها.

في الأول، كل حاجة كانت طبيعية.

الدكتور كان بيكلمها بهدوء، وبيخليها تلعب.

لكن فجأة…

لما شاف شهادة الميلاد المرفقة في الملف.

تركيزه اتغيّر.

قرّب من الورقة أكتر…

ورجع يبص لاسم الأم البيولوجية… واسم المستشفى.

الهدوء اللي على وشه بدأ يختفي.

قلبي بدأ يدق بعنف.

قلت بقلق:

— “في مشكلة في الورق؟”

ردّ بسرعة:

— “لا… بس محتاج أتأكد من تفصيلة صغيرة.”

لكنه ما كانش مطمن.

واضح جدًا.

فضّل يبص لشهادة الميلاد وقت طويل…

وقبل ما أمشي، وقّفني وقال بنبرة تحذير:

— “لو سمحتي… ما تجيبيش سيرة لجوزك عن زيارتكم ليا النهاردة، لحد ما أكلمك.”

خرجت من العيادة وأنا حاسة إن فيه جبل فوق صدري.

ركبت العربية…

وبصيت لسلمى اللي نايمة في الكرسي اللي جنبي.

بحاول أقنع نفسي إن كله وهم.

لكن إحساسي كان بيقولي إن فيه كارثة.

**في الليلة دي…**

رجع جوزي، زي كل يوم.

هادي.

مرتب.

بيبتسم.

باسني على راسي وسألني:

— “يومكم كان عامل إيه؟”

ردّيت عادي…

لكن جوايا ما بقاش عادي.

أول مرة أحس بالرعب وأنا معاه.

فضّل يحكي عن قضاياه…

ويضحك…

ويحضن سلمى.

لكن كل لمسة منه ليها كانت بتخليني أتوتر أكتر.

في نص الليل…

تظاهرت إني نمت.

لكن الحقيقة…

إني كنت مفتحة عيني ومستنية.

وفعلًا…

بعد حوالي ساعة، حسيت بيه بيقوم من جنبي بهدوء.

استنيت شوية…

وبعدين قمت وراه من غير صوت.

باب مكتبه كان موارب.

وصوته واطي.

كان بيتكلم في التليفون.

وقفت ورا الباب أسمع…

سمعته بيقول بعصبية مكتومة:

— “إزاي يعني جالها إخطار بزيارة؟ أنا مش دافع عشان تتمنع من الزيارة والاتصال نهائي؟”

قلبي وقف.

سكت لحظة…

وبعدين قال:

— “دي لو المحامي بتاعها عرف يفتح الق*ضية تاني، كلنا هنروح في داهية. البنت دي بنتي أنا ومراتي خلاص، وأمها دي هتفضل في السجن لحد ما تموت.”

إيدي بدأت تبرد.

وهو كمل بنبرة أخطر، نبرة ما أعرفهاش:

— “اسمعني كويس… تقرير المستشفى اللي لبّسناها بيه قض*ية المخدرات يفضل مخفي. مراتي لو عرفت إني دمرت حياة ست تانية وسجنتها ظلم عشان أسرق بنتها وأعالجها من الاكتئاب… هتموت فيها.”

حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.

كل حاجة انهارت.

الطفلة اللي نايمة في الأوضة اللي جنبي… مش يتيمة.

أمها لسه عايشة…

وهي الست اللي بتصرخ ورا الإزاز اللي البنت بترسمه في كوابيسها.

وزوجي المثالي الحنون اللي أنقذني…

طلع وحش كاسر، بنى سعادتي على أنقاض وحسرة أم تانية.

 

رجعت على أطراف صوابعي للأوضة.

كنت حاسة إن رجليا مش شيلاني، وكأن في جبل من الرصاص نزل على صدري.

دخلت السرير، واتغطيت لحد وشي.

جسمي كله كان بينتفض من البرد، رغم إننا في عز الصيف.

دموعي كانت بتنزل بصمت بيحرق… كتمت صوت شهقتي في المخدة عشان ما يسمعنيش.

بعد دقايق، سمعت صوت باب المكتب بيتقفل.

خطواته بتقرب.

غمضت عيني بقوة وعملت نفسي نايمة.

فتح باب الأوضة بهدوء…

حسيت بخياله بيقرب من السرير.

وقف جنبي ثواني، كانت أطول ثواني في عمري.

مد إيده ولمس شعري بحنية.

نفس اللمسة اللي كانت بتحسسني بالأمان زمان، دلوقتي حسستني بقشعريرة رعب.

ميل عليا، وباس راسي، وهمس بصوت واطي جداً:

— “تصبحي على خير يا حبيبتي.”

خرج وقفل الباب.

وأنا فضلت مفتحة عيني في الضلمة لحد ما النهار طلع.

طول الليل، عقلي كان بيعيد كل شريط ذكرياتنا.

حنيته المبالغ فيها…

خوفه المرضي على سلمى…

رفضه إننا نعملها أي أوراق رسمية تانية بحجة إن “إجراءات التبني لسه فيها قواضي مفتوحة”.

كل حاجة بقت واضحة.

أنا كنت عايشة مع وحش، لابس قناع ملاك.

والأسوأ… إن سعادتي، وضحكتي، والأمومة اللي عشتها، كانت كلها مسروقة من قلب أم تانية بتتعذب ورا القبان.

الصبح…

كان لازم أمثل أصعب دور في حياتي.

قمت، غسلت وشي، وحاولت أداري الهالات السودا تحت عيني.

حضرتله الفطار زي كل يوم.

خرج من الأوضة وهو شايل سلمى وبيضحك معاها.

أول ما شفتها، قلبي اتعصر.

دي مش بنتي… دي بنت الست اللي بتترجاه في الكوابيس يطلعها من ورا الإزاز.

قعد على السفرة، وبصلي بابتسامته الهادية:

— “مالك يا حبيبتي؟ وشك دبلان ليه؟”

بلعت ريقي بصعوبة، وابتسمت ابتسامة مزيفة:

— “مفيش، منمتش كويس بس… شوية صداع.”

قام وقف، وباس إيدي وقال:

— “ريحي نفسك النهاردة خالص. أنا هتأخر في المحكمة شوية، عندي مرافعة مهمة.”

أول ما باب الشقة اتقفل وراه…

حسيت إن الأكسجين رجع للبيت.

مسكت تليفوني وإيدي بتترعش، ورنيت على الدكتور النفسي.

رد عليا بسرعة كأنه كان مستني مكالمتي.

قلتله بصوت مخنوق:

— “أنا عرفت كل حاجة يا دكتور… جوزي هو اللي سجن أمها.”

سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة جدية جداً:

— “اسمعيني كويس، أنا بحثت برقم الق*ضية اللي كان مكتوب بخط صغير في طرف شهادة الميلاد… الأم اسمها ‘رحمة’، محكوم عليها بـ ١٥ سنة في ق/ضية تجارة مخدرات، الق*ضية اتلفقتلها بعد وفاة جوزها في الحادثة بأسبوعين… والمحامي اللي كان ماسك ق*ضية الميراث بتاعتها، هو جوزك.”

قفلت التليفون وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا.

رحمة…

اسمها رحمة.

كان لازم ألاقي دليل.

أي حاجة أقدر أواجهه بيها، أو أثبت بيها براءة الست دي.

نيمت سلمى في أوضتها، ودخلت مكتبه.

المكتب اللي كان دايماً مقفول وممنوع حد ينضفه غيره.

بدأت أدور زي المجنونة.

في الأدراج… بين الكتب… في الملفات القديمة.

مفيش حاجة.

لحد ما عيني لمحت برواز صورة كبير لينا إحنا التلاتة متعلق ورا مكتبه.

البرواز كان مايل شوية.

قربت منه، وحركته بالراحة.

كان وراه خزنة صغيرة مدفونة في الحيطة.

قلبي دق بسرعة.

الباسورد… إيه هو الباسورد؟

جربت تاريخ جوازنا… غلط.

تاريخ ميلادي… غلط.

تاريخ اليوم اللي جابلي فيه سلمى… الخزنة عملت صوت “كليك” واتفتحت.

إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها جوه الخزنة.

طلعت ملف أسود تقيل.

فتحته، وأول حاجة وقعت عيني عليها… صورة.

صورة ست شابة، ملامحها هي هي ملامح سلمى بالظبط.

نفس العينين الواسعة… نفس التدويرة.

تحت الصورة، كان في ورق تحقيقات.

وتقرير طبي مزور، ومحاضر شرطة.

وجواب…

جواب مكتوب بخط إيد مهزوز، الورقة كانت مكرمشة وعليها بقع زي ما تكون دموع.

مكتوب فيه:

*”أبوس إيدك يا أستاذ عادل، أنا ماليش غيرك في الدنيا بعد ربنا وموت جوزي. البضاعة دي مش بتاعتي والله ما أعرف عنها حاجة. بنتي سلمى أمانة في رقبتك لحد ما أخرج، دي حتة مني، لو جرالها حاجة أنا هموت. أرجوك طمني عليها وخليني أشوفها.”*

دموعي نزلت على الورقة.

جوزي قرأ الجواب ده، وبدل ما ينقذها… خد بنتها وكتبها باسمنا، وسابها تتعفن في السجن.

طلعت تليفوني بسرعة وبدأت أصور كل ورقة في الملف.

لازم أخد الورق ده، لازم أروح لرحمة في السجن، لازم أرجع البنت لأمها حتى لو ده هيدمر حياتي.

وبينما أنا بصور آخر ورقة…

سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة الخارجي.

اتنفضت مكاني.

الساعة لسه ١١ الصبح، هو مستحيل يرجع دلوقتي!

صوت الباب اتفتح، واتقفل.

وبعدها… صوت خطواته البطيئة، الثقيلة، على خشب الصالة.

حاولت ألم الورق بسرعة وأرجعه الخزنة، بس من رعبتي الملف وقع مني على الأرض والورق انتشر في كل حتة.

سمعت صوته بينادي من بره، بنبرة هادية بشكل مرعب، نبرة خالية من أي مشاعر:

— “أنا نسيت ملف مهم أوي يا حبيبتي… إنتِ فين؟”

خطواته بدأت تقرب من طرقة المكتب.

الورق مالي الأرض…

والخزنة مفتوحة…

وقف قدام باب المكتب الموارب…

وبعدين…

#الکاتبه_نور_محمد

 

الجزء الثانی

وقف قدام باب المكتب الموارب…

وإيده اتمدت عشان يفتحه على آخره.

في كسر من الثانية، غريزة البقاء اشتغلت جوايا.

زقيت الورق كله برجلي تحت الكرسي الجلد الكبير اللي ورا الباب، وشديت البرواز رجعته مكانه بأقصى سرعة، وخرجتله في الطرقة، وقفت سادة بجسمي فتحة الباب.

بصلي باستغراب، وعينه نزلت على صدري اللي كان بيطلع وينزل من كتر النهجان.

عقده حواجبه اتكونت، وقال بصوت مليان شك:

— “إنتي بتعملي إيه هنا؟… وبتنهجي كده ليه؟”

حاولت أبلع ريقي اللي نشف، وابتسمت ابتسامة مهزوزة:

— “مفيش… سمعت صوت هبدة قوية، افتكرت شباك المكتب اتفتح من الهوا، دخلت أقفله عشان الورق بتاعك.”

فضل باصص في عيني ثواني… ثواني حسيتها سنين.

نظرة فاحصة، بتخترقني، كأنه بيقرأ أفكاري.

وبعدين عينه راحت ورايا للباب الموارب، وقال بهدوء بارد:

— “طيب وسعي… أدخل أجيب الملف.”

قلبي كان هيقف.

الورق لسه على الأرض تحت الكرسي، لو دخل خطوتين بس ورا الباب هيشوفه!

مفيش قدامي حل تاني.

أول ما حط إيده على مقبض الباب عشان يفتحه، صرخت صرخة مكتومة ومسكت في دراعه بقوة، وعملت نفسي دايخة ومش قادرة أقف.

— “عادل… الحقني… قلبي واجعني أوي… مش قادرة أتنفس.”

سندني بسرعة قبل ما أقع، ملامحه اتغيرت للقلق، شالني بين إيديه ودخلني أوضة النوم.

حطني على السرير، وجابلي مية، وفضل ماسك إيدي وهو بيقيس نبضي.

— “أنا هطلب الإسعاف فوراً، أو أكلم دكتور يجي يطمن عليكي.”

مسكت إيده بقوة ودموعي نزلت—دموع رعب حقيقية مش تمثيل—وقلتله:

— “لا لا، أنا أحسن… ده أكيد إرهاق. روح إنت عشان مرافعتك متتأخرش، أنا هنام شوية وهبقى كويسة.”

فضل متردد شوية، بس تليفونه رن، كان المساعد بتاعه بيستعجله.

باس راسي، وقال بنبرة مليانة حنية مرعبة:

— “هخلص وأجيلك على طول… خلي بالك من نفسك ومن سلمى.”

أول ما سمعت باب الشقة بيتقفل، وتأكدت إنه نزل من العمارة…

قمت من على السرير زي الملسوعة.

جريت على المكتب، قفلت الباب عليا بالمفتاح، وطلعت الورق من تحت الكرسي.

مسكت التليفون، وبدأت أصور كل ورقة، كل تقرير، كل محضر.

بس وأنا بقلب في الورق عشان أصوره… عيني وقعت على ملف صغير تاني جوه الخزنة، لونه أبيض، ومكتوب عليه اسمي أنا!

اسمي أنا؟!

إيه اللي جاب ملف باسمي جوه خزنة أسراره ومصايبه؟

مديت إيدي المرتعشة، وفتحته.

كان جواه تقارير طبية من المستشفى اللي كنت بتعالج فيها من العقم من ٦ سنين.

أول ورقة كانت تقرير من دكتور النسا بتاعي، مكتوب فيه بوضوح:

**”الرحم سليم تماماً… لا يوجد أي مانع طبي للحمل.”**

إزاي؟! الدكتور كان دايماً بيقولي إن عندي مشكلة مستعصية!

قلبت الورقة بسرعة، لقيت إيصالات تحويل مبالغ ضخمة جداً من حساب جوزي… لحساب الدكتور بتاعي!

وفي ورقة تانية، روشتة متدبسة، مكتوب فيها اسم دواء معين.

عملت سيرش سريع على الدواء ده في تليفوني.

النتيجة خلتني أقع على ركبي في الأرض وأنا حاطة إيدي على بوقي عشان ما أصرخش.

الدواء ده… بيتحط في المشروبات من غير طعم… وبيسبب **تدمير لجدار الرحم، إجهاض مبكر، وعقم مؤقت!**

جوزي… حبيبي… السند اللي أنقذني من الحرمان…

هو اللي كان بيحرمني من الأمومة!

كان بيحطلي السم في العصير اللي كان بيعملهولي بإيده كل ليلة بحجة إنه بيهتم بصحتي!

عمل فيا كده عشان يكسرني، عشان أفضل محتاجاله، وعشان لما يجيبلي “سلمى” أعبده وأعتبره إلهي اللي أنقذني!

دمر ست بريئة وسجنها… ودمرني أنا شخصياً وحرمني من حقي أكون أم… عشان يرضي جنون السيطرة اللي جواه.

الدموع نشفت في عيني.

الرعب اتحول لنار… غضب أعمى.

لميت الورق، رجعته الخزنة وقافلتها عشان ما يحسش بحاجة.

طلعت جري على أوضة سلمى.

كانت لسه نايمة، ملاك بريء ملوش ذنب في القذارة دي كلها.

شلتها بالراحة من غير ما أصحيها، لبستها جاكيت خفيف، ورميت هدوم ليا وليها في شنطة صغيرة، وخدت فلوسي ودهبي.

لازم أهرب.

لازم أروح للدكتور النفسي أوريه الورق، وبعدها نطلع على النيابة.

نزلت من العمارة وأنا بتلفت حواليا زي الحرامية.

وقفت تاكسي وطلبت منه يطير على عيادة الدكتور النفسي.

دخلت العيادة منهارة، سلمى كانت بدأت تصحى وتفرك في عينيها.

أول ما الدكتور شافني، قام من مكانه بخضة:

— “مدام! في إيه؟ إيه اللي حصل؟”

دخلت مكتبه وقفلت الباب، وطلعت التليفون، ورميته على المكتب.

— “بص يا دكتور… بص المريض النفسي اللي أنا متجوزاه عمل إيه! سجن أم البنت، وكان بيديني أدوية تمنع حملي عشان يسرق بنتها ويدهالي!”

الدكتور فضل يقلب في الصور على تليفوني، ووشه بيجيب ألوان.

رفع عينه ليا، وملامحه كلها رعب، وقال بصوت واطي:

— “ده مش مريض جنون سيطرة عادي… ده سيكوباتي خطير، معندوش أي ذرة تعاطف، والنوع ده مستعد يق*تل بدم بارد لو حس إن مملكته بتتهدد.”

مسح وشه بإيده وكمل:

— “إحنا لازم نكلم البوليس فوراً… إنتي وسلمى مش أمان ثانية واحدة بره القسم.”

ولسه الدكتور بيمد إيده عشان يرفع سماعة التليفون الأرضي ويطلب الشرطة…

تليفوني اللي على المكتب… نور، ورن.

رسالة واتساب.

من جوزي.

الدكتور بص للرسالة، وبصلي.

مديت إيدي وأنا بترعش، وفتحت الرسالة.

كانت **صورة**.

صورة ليا أنا والدكتور… متصورة من شباك العمارة اللي في وش العيادة!

يعني في حد بيراقبنا، أو هو شخصياً واقف تحت!

وبعد الصورة بثانيتين، اتبعتت رسالة صوتية (Voice note).

شغلتها، وإيدي بتترعش لدرجة إن التليفون كان هيقع مني.

صوته كان هادي جداً… هادي لدرجة تخلي الدم يتجمد في العروق، وقال:

— “تؤ تؤ تؤ… زعلتيني منك يا حبيبتي. أنا سيبتك تفتحي الخزنة، وسيبتك تاخدي الصور، وسيبتك تنزلي من البيت… عشان كنت عايز أشوف هتروحي لمين. الدواء أثر على عقلك وبقيتي بتتصرفي بتهور.”

سكت ثانية… وسمعت صوت ولّاعة بيشغل سجارته في الريكورد، وبعدين كمل:

— “انزلي بهدوء إنتي وبنتي دلوقتي حالا… واركبي العربية السودة اللي واقفة تحت العيادة… أصل لو منزلتوش في خلال دقيقتين بالظبط… أنا هبلغ الشرطة إن الدكتور النفسي ده… خطف مراتي وبنتي… وطبعاً… بعد ما أق*تله وأحط المس*دس في إيده عشان تبان دفاع عن الشرف.”

الريكورد خلص.

رفعت عيني للدكتور اللي كان سامع كل كلمة ووشه زي الميتين.

وفجأة…

النور بتاع العيادة كله قطع، والمكان ضلم تماماً… وسمعنا صوت خطوات تقيلة طالعة على السلم بره العيادة… خطوات بتعلا، وتقرب من باب المكتب.

 

الضلمة كانت كحل.

صوت الخطوات بره بيقرب…

أتقل…

وأبطأ…

كأنه بيستمتع برعبنا.

سلمى مسكت في رقبتي ودفنت وشها في كتافي، كانت بتترعش زي **زهرة صغيرة في جوف العتمة**، بتستخبى من عاصفة هتقلعها من جذورها.

الدكتور شدني من دراعي بقوة، وهمس في ودني بصوت مقطوع:

— “عندي باب خلفي في الأوضة دي بيطلع على سلم هروب للطوارئ… اطلعي منه فوراً.”

الباب الخارجي للعيادة اتخبط خبطة قوية رجت الحيطان…

سمعت صوت الكالون بيطقطق… ده معاه مفتاح ماستر أو بيكسر الباب!

صوته رن في المكان، هادي، لزج، وبيرعش كل خلية في جسمي:

— “إنتي فين يا روحي؟ اللعب في الضلمة خطر عليكي… وعلى بنتنا.”

الدكتور زقني ناحية الباب الخلفي في الضلمة، وحط في إيدي مفتاح معدني بارد:

— “عربيتي الرصاصي راكنة في الشارع الجانبي اللي ورا… خديها واهربي. تليفونك ده فيه جهاز تتبع، هو جايلك عليه!”

قلتله ودموعي بتنزل وأنا ماسكة في الباب:

— “ومش هسيبك معاه! ده ممكن يق*تلك!”

رد بحسم وهو بيبعدني:

— “أنا دكتور، وفي عيادتي، ومفيش بيني وبينه عداوة شخصية يقدر يثبتها… لكن إنتي لو فضلتي هيمحيكي من الوجود… اهربي بالبنت!”

طلعت من الباب الخلفي، وقفلته ورايا بالراحة.

سلم ضلمة، مليان تراب وريحة رطوبة مقبضة.

قلعت حذائي ونزلت حافية على السلم الخرسانة عشان خطواتي ما تعملش أي صوت.

وأنا في نص السلم، سمعت باب المكتب جوه بيتكسر.

صوت عادل الهادي اتحول لزئير مرعب:

— “فين مراتي يا دكتور؟!!”

وبعدها… صوت ضربة قوية… تكسير إزاز… وهبدة تقيلة على الأرض.

حطيت إيدي على بوقي عشان أكتم صرختي، ونزلت أجري زي المجنونة للشارع.

وصلت للعربية.

إيدي كانت بتترعش لدرجة إني مش عارفة أدخل المفتاح في الباب.

ركبت أنا وسلمى، وقفلت الأبواب كلها (Lock).

أول حاجة عملتها، فتحت تليفوني، وبعتت كل الصور اللي صورتها لملفات الخزنة على إيميل قديم بتاعي محدش في العالم يعرفه غيري.

وبعدين فتحت شباك العربية، ورميت التليفون بكل قوتي تحت كاوتش عربية نقل كبيرة كانت معدية في الشارع… التليفون اتدشمل ميت حتة.

دلوقتي… أنا مقطوعة عن العالم.

ببص لسلمى اللي نامت على الكرسي اللي جنبي من كتر البكا والهلع.

هروح فين؟

ماليش أهل أثق فيهم يقفوا قصاد نفوذه، والبوليس لو رحتله دلوقتي هيطلعني مجنونة أو مريضة نفسياً وهياخد البنت يديها لأبوها القانوني!

افتكرت العنوان.

العنوان اللي كان مكتوب بخط صغير في محضر الشرطة بتاع رحمة (أم سلمى الحقيقية).

عنوان والدتها… جدة سلمى… في منطقة شعبية متطرفة في أطراف المدينة.

دورت العربية، وسقت بأقصى سرعة، كأن شياطين الأرض كلها بتطاردني.

وصلت الحتة بعد ساعتين، الدنيا كانت ليلت تماماً والجو مقبض، شوارع ضيقة، وكلاب ضالة بتنبح.

وقفت بالعربية في شارع ضلمة، ونزلت شلت سلمى النايمة، ومشيت لحد ما لقيت العمارة المكتوبة في الورق.

عمارة متهالكة، ريحتها كمكمة.

طلعت للدور الأرضي، وخبطت على باب خشب نصه متآكل.

ثواني وسمعت صوت خطوات تقيلة بتجر في الأرض.

الباب اتفتح ببطء…

ظهرتلي ست عجوزة… وشها مليان تجاعيد محفورة من الهم، ولبسها أسود في أسود بهتان.

نظرتها كانت مكسورة، زي اللي بتبكي بقالها سنين طويلة ومابقاش في عينيها دموع.

قلتلها بصوت بيترعش من الخوف والبرد:

— “إنتي والدة رحمة؟”

ملامحها اتشدت فجأة، وقالت بخوف ممزوج بغضب:

— “إنتي مين؟ مباحث؟ إحنا مالناش دعوة بيها! قطعنا علاقتنا بيها من يوم ما اتسجنت في ق*ضية الم*خدرات اللي جابتلنا العار وخزت عينينا في الحتة!”

قلتلها بسرعة وأنا بمد إيدي أمسك الباب قبل ما تقفله:

— “أبوس إيدك اسمعيني… أنا جايبة معايا دليل براءتها من الق*ضية المتلفقة دي… وجايبالها أغلى حاجة عندها عشان تعيش عشانها.”

شديت سلمى النايمة من ورا ظهري، ورفعت وشها في نور اللمبة الصفرا الضعيفة اللي في بير السلم عشان تشوفها.

الست العجوزة بصت لسلمى…

الدم هرب من وشها بالكامل، وشفايفها بدأت ترتعش بشكل هستيري.

عينيها وسعت برعب كأنها شافت عفريت طالع من القبر.

رجعت خطوتين لورا جوه الشقة وهي بتلطم على صدرها بإيديها الاتنين، وصرخت بصوت مبحوح شق سكون الليل:

— “بسم الله الرحمن الرحيم!! إنتي جايبة البنت دي منين؟! إنتي مجنونة؟! البنت دي ميتة ومندفنة بإيدينا من خمس سنين مع أبوها في نفس الكفن يوم الحادثة!! إنتي مين وعايزة مننا إيه؟!”

الكلمة نزلت على راسي زي ضربة فأس.

ميتة ومندفنة؟!!

بصيت لسلمى اللي اتفزعت من الصرخة ومسكت في هدومي…

وبصيت للست العجوزة اللي منهارة في الأرض…

لو دي مش سلمى بنت رحمة… أومال دي تبقى بنت مين؟!!

وعادل جوزي… حابس رحمة ليه ومكتفها بالقض*ية دي؟ ومين الطفلة اللي مندفنة في القبر؟!!

إيه المستنقع الأسود اللي أنا غرزت فيه ده؟!

ولسه بحاول أستوعب الصدمة اللي شلت تفكيري…

نور كشاف عربية عالي وقوي جداً ضرب في وشنا من أول الشارع الضلمة…

عربية دفع رباعي سودة كبيرة… وقفت بفرملة عنيفة قدام باب العمارة بالظبط.

الموتور اتطفى…

وباب السواق اتفتح ببطء… وسمعت صوت خطوات كعب حذاء رجالي غالي بيخبط على الأسفلت المكسر… جاي علينا.

لتکمله باقی الاحداث شوف الجزء الاخیر

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *