فخ اختی وزوجها الاخیر من حکایات نور محمد
الصمت اللي سيطر على الأوضة كان أثقل من الجبال. عاصم، الراجل اللي كان من دقايق بس بيمارس أبشع أنواع السادية والغرور، واقف دلوقتي قدامي عامل زي الفار المبلول. إيده كانت بتترعش وهو بيبص لشاشة التليفون اللي عليها توقيت التسجيل.
حاول يبلع ريقه اللي نشف، وقال بصوت متقطع: “سارة.. إحنا ممكن نتفاهم.. العمارة تفضل باسمك عادي، وأنا مش هأذيكي، بس بلاش النيابة، بلاش تضيعي مستقبلي.”
بصيتله باشمئزاز وقولتله بحسم:
**”مستقبلك؟ إنت مستقبلك انتهى في اللحظة اللي فكرت فيها تستغفلني. الورق قدامك، امضي!”**
في اللحظة دي، جرس الباب رن. كان المحامي بتاعه والمأذون. عاصم فتحلهم وهو بيجر رجليه كأنه رايح لحبل المشنقة. المحامي دخل وطلع ورق التوكيل بابتسامة سمجة، لكن عاصم شاورله بإيده يوقف، وبصوت مخنوق قال: “هات دفتر الطلاق.. وتنازل عن المؤخر.”
المحامي تنح ومكنش فاهم حاجة، بس نظرة الرعب اللي في عين عاصم خليته ينفذ من غير ولا كلمة.
دقايق معدودة، وكانت الكلمات بتنكتب، والتوقيعات بتتحط. رمى عاصم الكارت الميموري على الترابيزة قدامي، وخدت أنا قسيمة الطلاق الغيابي والتنازل، وحطيتهم في شنطتي. وأنا بفتح باب الشقة عشان أخرج، لفيت وشي وبصيتله للمرة الأخيرة:
**”التسجيل هيفضل معايا.. لو فكرت بس تنطق اسمي أو تقرب من أي حاجة تخصني، اعتبر نفسك في السجن. سلام يا.. يا طليق أختي.”**
نزلت الشارع، الهوا خبط في وشي كأنه بيغسلني من كل القذارة اللي عشتها الساعات اللي فاتت. بصيت في ساعتي، كانت 8 الصبح. عاصم قال إن منة طيارتها النهاردة.
قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة. كان ممكن أروح، أعيش حياتي، وأحمد ربنا إني نجيت، بس كان في نار جوايا مش هتبرد إلا لما أبص في عينين منة للمرة الأخيرة. مش عشان أعاتبها، العتاب للناس اللي باقيين عليهم، لكن أنا رايحة أدفن أختي بإيدي.
وقفت تاكسي وقولتله بأعلى صوت: **”مطار القاهرة.. وبسرعة أرجوك!”**
طول الطريق، شريط ذكرياتي مع منة بيتعاد قدامي. منة وهي صغيرة بتستخبى في حضني لما بابا يزعقلها. منة وهي بتعيط يوم فرحها وبتقولي “هتوحشيني يا سارة”. إزاي البراءة دي كلها اتحولت لوحش كاسر ينهش في لحم أخته؟ الدموع نزلت من عيني، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف، دي كانت دموع “الحداد” على أختي اللي ماتت جوايا.
وصلت المطار، وبدأت أجري زي المجنونة بين صالات السفر. رحلات أوروبا.. باريس.. لندن.. دورت في كل الشاشات لحد ما لمحت رحلة متجهة لـ “دبي” في مرحلة النداء الأخير. إحساسي قالي إنها هناك.
جريت ناحية بوابات الجوازات، ومن بعيد.. لمحتها.
واقفة لابسة نظارة شمس كبيرة، معاها شنطة هاند باج ماركة غالية، وبتبص في ساعتها بتوتر.
قربت منها بخطوات بطيئة، وكل خطوة كانت بتدوس على حتة من قلبي. وقفت وراها وقولت بصوت هادي بس مليان قسوة:
**”رحلة سعيدة يا منة.”**
اتنفضت وبصت وراها. النظارة وقعت من على عينيها، ووشها بهت كأنها شافت عفريت. رجعت خطوة لورا وهي بتتلعثم: “سارة؟! إنتي.. إنتي بتعملي إيه هنا؟ وعرفتِ مكاني إزاي؟”
ابتسمت بوجع وقولتلها:
“جاية أودع الميت. جاية أرمي التراب على أختي اللي بعتني بـ 5 مليون جنيه وعمارة.”
حاولت تتصنع القوة وتتلفت حواليها بخوف: “أنا مش فاهمة إنتي بتقولي إيه.. عاصم هو اللي ضحك عليكي، أنا ماليش دعوة!”
طلعت الكارت الميموري من شنطتي وحطيته في إيدها، وقولتلها:
“عاصم سلمك تسليم أهالي. الكارت ده عليه كل تخطيطك القذر ليا ولشرفي. عاصم اعترف بكل حاجة، ومضى على طلاقي، وتنازل عن كل حاجة عشان ينفد بجلده من التسجيل اللي سجلتهوله وهو بيعترف بغسيل الأموال اللي عملتوه سوا.”
منة بصت للكارت بصدمة، شفايفها كانت بتترعش، وقالتلي بدموع التماسيح إياها: “سارة.. سامحيني.. أنا كنت خايفة من عاصم، هو اللي أجبرني! أنا أختك يا سارة.. لحمك ودمك!”
قاطعتها بصوت صارم هزها:
**”إنتي مش أختي! أختي ماتت. أنا مش زعلانة على الورث ولا على المؤامرة الرخيصة بتاعتكم.. أنا زعلانة على البنت اللي كنت بضفرلها شعرها وأغطيها في ليالي الشتا. إنتي بعتيني عشان ورق بيلونوه، واشتريتي عداوتي طول العمر. سافري يا منة.. خدي الفلوس واهربي، بس صدقيني، الفلوس دي عمرها ما هتشتريلك لا أمان ولا راحة بال.”*
لفت منة وشها ناحية البوابة عشان تهرب من عيني، وهي بتحاول تستجمع غرورها المكسور وقالتلي بتحدي: “هسافر.. وهعيش أحسن عيشة، والـ 5 مليون هيعملولي حياة إنتي عمرك ما تحلمي بيها.”
لسه بتدي ضهرها وبتمشي، ظهر فجأة راجلين لابسين بدل مدنية، وقفوا قدامها وطلعوا كارنيهات.
“مدام منة؟ معاكي مباحث الأموال العامة. مطلوب القبض عليكي فوراً للتحقيق في بلاغ تضخم ثروة، وتهريب أموال خارج البلاد، وتزوير أوراق عقارية.”
منة صرخت برعب والشنطة وقعت من إيدها: “بلاغ إيه؟! أنا مسافرة دلوقتي! دي فلوسي!”
الضابط رد ببرود: “البلاغ متقدم من امبارح بالليل من الأستاذ عاصم جوزك السابق، ومرفق بيه كل المستندات اللي بتثبت تورطك، وتم تجميد أرصدتك في البنوك من ساعة واحدة.”
بصتلي منة وعينيها مليانة رعب وتوسل، صرخت وهي بتمسك في دراعي: “سارة! الحقيني يا سارة! ماليش غيرك! ده فخ من عاصم عشان ياخد الفلوس لوحده.. سارة متسبينيش!”
رجعت خطوة لورا، وسحبت دراعي من إيدها بهدوء شديد. بصيت في عينيها اللي مليانة ذل وانكسار، وقولتلها الكلمة اللي هتفضل ترن في ودنها طول ما هي عايشة:
> *”إنتي اللي اخترتي تلعبي مع التعابين يا منة.. ومكانك الطبيعي دلوقتي هو السم اللي هتشربيه منهم.”*
>
لفيت ضهري، وخطيت أول خطوة برة صالة السفر. صوت صريخها وهي بتترجاني وبتتشد في إيد الضباط كان بيخفت مع كل خطوة ببعدها.
طلعت من باب المطار الرئيسي، رفعت راسي للسما، وخدت نفس عميق جداً. شمس الصبح كانت دافية، بتنور طريق جديد، طريق مفيهوش مثالية ساذجة، ولا تضحيات في غير محلها. لأول مرة في حياتي، كنت حاسة إني حرة، وإن سارة الجديدة اتولدت من رحم الوجع، قوية، صلبة، ومحدش يقدر يكسرها.
تمت لو عجبتك القصه ادعمها بلایك وکومنت للاسمرار مع تحیاتی الکاتبه نور محمد