سر زوجی واخته الکبیر الجزء الاول من حکایات نور محمد
جوزي كل ما يرجع من بره، يقلع قميصه الأبيض بسرعة غريبة ويدخل الحمام يغسله بنفسه.. في الأول افتكرتها مجرد نظافة زيادة أو إنه مش عايز يتعبني، لكن لما لقيت كذا قميص متخبيين في شنطة السفر القديمة فوق الدولاب وفيهم بقع لونها غريب في ضهره، اتأكدت إن جوزي مخبي عني سر كبير بقاله أسابيع، وإن حياتنا الهادية بتتهد من غير ما أحس.
أنا ماليش في الدنيا دي بعد ربنا غير جوزي “طارق”. متجوزين من خمس سنين، قصة حب مفيش زيها، وهو طيب وحنين ومبيخبّي أسرار عني أبداً. حافظة ملامحه لما بيفرح، وعارفة نبرة صوته لما بيتوتر، وبعرف كويس أوي إمتى بيكون بيمثل عليا إنه طبيعي.
وعشان كده بدأت أقلق لما لاحظت إنه بقى بيتفادى يلمسني أو يقرب مني ساعات، وبقى ينام على بطنه دايماً وهو شادد اللحاف لرقبته. في الأول مهتمتش أوي، كنت أسأله وهو راجع من الشغل مجهد:
“مالك يا حبيبي؟ في حاجة تعباك؟”
يبتسم بضعف ويقولي:
“مفيش يا نور… شوية ضغط في المكتب والمشاوير.”
فكنت بصدقه، وبقنع نفسي إن الشغل هاده. لكن بعد كام يوم بدأت ألاحظ حاجة غريبة؛ الوجع والتوتر ده كان بيظهر في أوقات معينة.. تحديداً بعد ما يرجع من زيارة بيت والدته وأخته. وكل ما أحاول أتجاهل الشك، يرجع الخوف في قلبي بشكل أوضح.
لحد ما أخدت بالي من تفصيلة قلقّتني جداً.. تقريباً في كل مرة يشتكي من الإجهاد ده، أو يدخل يغسل قميصه فوراً، بيكون بعد ما يروح هناك.
“حنان” أخته الصغيرة متعلقة بطارق جداً، وهو اللي متكفل بكل طلباتها من بعد وفاة والدهم. بتكلمه في التليفون بالساعات، ولما بنزورهم بتدخل معاه المطبخ أو الأوضة يتكلموا في حاجات لوحدهم. عشان كده عمري ما فكرت أربط بينها وبين أي حاجة وحشة.
لكن تكرار تصرفات طارق خلاني أفكر. وفي مرة، وهو قاعد سرحان والموبايل في إيده، سألته فجأة: “هو في حاجة مضايقاك في بيت مامتك يا طارق؟ حنان فيها حاجة؟”
فتح بقه عشان يرد، بس سكت فجأة لما تليفونه رن ولقى اسمها على الشاشة.. بص للشاشة كام ثانية بملامح مخطوفة، وبصلي.. كأنه مستنيها تقوله يرد يقول إيه! أو خايف أتكلم وهي على الخط.
ساعتها بس حسيت برعشة برد في صدري، لأني مفهمتش من إمتى وطارق بيخاف من مكالمة أخته، وليه نظراته ليا بقت مليانة ذنب وعلامات استفهام؟
وفي ليلة، صحيت على صوت أنين مكتوم جاي من الصالة. سحبت رجلي بالراحة وخرجت، لقيته قاعد في الضلمة، ساند ضهره على الكنبة وبيتأوه بوجع حقيقي، والدموع نازلة من عينيه.
جريت عليه بخوف:
“إيه اللي تعبك يا طارق؟ قولي أرجوك!”
قالي وهو بيحاول يتعدل بسرعة ويخبي ملامحه:
“مفيش.. مغص خفيف في معدتي، ادخلي نامي أنتِ.”
جيت ألمس ضهره عشان أساعده يقوم، لقيت جسمه اتنفض فجأة، وسحب نفسه بعيد عني بعنف، وقالي بصوت بيترعش ويصرخ بحدة لأول مرة:
“قلتلك مفيش! سيبيني براحتي يا نور.. مش عايز حد يلمسني!”
استغربت قسوته وخوفه الزايد ده. تاني يوم الوجع والغموض زادوا، واليوم اللي بعده رجع البيت وقميصه فيه نفس البقعة. وفي كل مرة كنت بجيب سيرة إنه يكشف أو نروح لدكتور، كان بيتوتر ويزعق.
ومكانتش دي المرة الوحيدة.. في الكام يوم اللي فاتوا بدأت ألاحظ حاجات مرعبة:
كل ما أفتح موضوع أخته حنان، يسكت فجأة أو يغير السيرة.
كل ما أسأله عن البقع اللي في قمصانه، يقولي ده حبر أو عصير من المكتب، رغم إن شكلها مش كده خالص!
أما حنان بقى… فكانت بتتصل بيا أنا مخصوص تسألني: “طارق بياكل كويس؟ بيشتكي من حاجة؟ أرجوكِ خدي بالك منه ومتحمليهوش فوق طاقته!” كأنها عارفة حاجة ومخبيعا عني، وبتجس نبضي إذا كنت عرفت ولا لأ.
وفي يوم سألتها في التليفون بوضوح: “حنان، أخوكي ماله؟ في إيه بينك وبينه مخبينه عليا؟”
سكتت كام ثانية كده وبعدين صوتها اترعش وقالت: “مفيش.. هيكون في إيه يعني؟” وقفلت السكة. طريقا في الرد أكدتلي إن الكارثة بتطبخ برعاية أخته.
وفي يوم وطارق في الشغل، كنت بنضف الأوضة وبقلب فوق الدولاب.. لقيت شنطة السفر القديمة. فتحتها ولما طلعت القمصان القديمة اللي متدارية جوه… تلجت في مكاني!
تقريباً تلات قمصان بيض، فيهم نفس البقعة في نفس المكان في الظهر
فضلت مبلمة ودموعي بتنزل. مش فاهمة إيه اللي أنا شايفاه ده،
وفي الليلة دي، استنيته لحد ما نام وتأكدت إنه غرق في النوم من كتر المهدئات اللي بقى بياخدها. دخلت الأوضة بالراحة، وقعدت جنبه على السرير، وبشويش خالص… بدأت أرفع طرف التيشيرت اللي لابسه عن ضهره.
وفي اللحظة اللي شفت فيها اللي كان مخبيه تحت هدومه بقاله أسابيع… حسيت إن الدم نشف في عروقي، وقلبي هيقف من الصدمة والرعب. لأن اللي شفته مكنش شبه أي حاجة توقعتها في حياتي!
بس سؤال واحد فضل يطاردني ويحرق عقلي:
إزاي قدروا يعملوا فيا كده؟
#الكاتبه_نور_محمد
تاني يوم الصبح، الشمس كانت لسه بتشقشق، النور اللي داخل من الشباك كان باهت وكئيب، ماليش أي شبه بنور الصباح اللي بيبعث الأمل.. ده كان أشبه بنور بيكشف عورة حقيقة كنت غفلانة عنها.
طارق كان نايم على بطنه، نفسه ثقيل، والمُهدئ اللي خده بالليل كان لسه مخليه شبه غايب عن الوعي. قمت من جنبه بجسم مرتعش، رحت على الدولاب، طلعت الشنطة القديمة، ورميت القمصان البيبضا الملطخة بالوردي، والشاش اللي عليه أثار الدم، في نص الأوضة.. رمتهم فوق السجادة بالظبط قدام عنيه عشان أول ما يفتح عينه، يلاقي السر اللي هرب منه مستنيه.
قعدت على الكرسي اللي في مواجهة السرير، وضامّة رجلي لصدري، وباصة له بنظرات مفيهاش دموع.. الدموع كانت نشفت من كتر الرعب والتفكير طول الليل. المشهد اللي شفته على ضهره بالليل مكنش بيفارق خيالي.. الجرح الطولي المفتوح اللي متخيط بغرز عشوائية، والجلد المحمر اللي حواليه، والمادة الوردية الغريبة اللي كانت بتتسرب من بين الغرز عشان تطهر وتخفي ريحة العفن الطبي!
الساعة جت تمانية.. طارق بدأ يتحرك، أنين مكتوم طلع منه وهو بيتقلب، وفتح عينه ببطء. أول ما عينه جت في عيني، حاول يبتسم ويقولي: “صباح الخير يا نور..” بس مكملش الكلمة.. عينه نزلت على الأرض.
شافت القمصان والشاش.
في ثانية واحدة، وش طارق اتقلب وبقى لونه أصفر زي الليمونة.. ملامحه اكمشت، وحاول يقوم بسرعة، بس الوجع اللي في ضهره لجمه، صرخ صرخة مكتومة وهو ماسك جنبه وضهره، وبصلي بعيون مليانة رعب وعجز.
“إيه ده يا طارق؟” صوتي طلع هادي.. هادي لدرجة تخوف، لدرجة إني نفسي استغربت إزاي قادرة أتكلم بالنبرة دي.
بلع ريقه بصعوبة، وحاول يداري: “ده.. دي حاجات قديمة يا نور.. قمصان كنت هرميها.. وشاش بتاع جرح قديم في المكتب..”
قمت من على الكرسي بخطوات بطيئة، وقفت فوق رأسه، ونزلت لمستواه.. وبقيت باصة في عينه مباشرة، وقلتله بصرامة وهسس: “أنا شفت ضهرك بالليل يا طارق.. شفت الغرز، وشفت الجرح اللي واخد ضهرك كله.. وشفت المادة الوردية اللي أختك حنان بتديهالك عشان تطهر الجرح من غير ما تروح لدكتور.. متكذبش عليا.. أنت عامل عملية إيه؟ ومخبي عليا ليه؟”
طارق حط إيده على وشه وبدأ يعيط.. يعيط بنشيج يقطع القلب، جسمه كله كان بيتهز من الوجع والذنب. قال وهو بيموت من الكسوف والخوف: “سامحيني يا نور.. والله العظيم ما كان بإيدي.. أنا عملت كده عشاننا.. عشان نعيش!”
“تعيش بإيه؟ بإنك تبيع كليتك؟” صرخت فيه والدموع أخيراً نزلت من عيني: “أنت رحت لتجار الأعضاء يا طارق؟ بعت حتة من جسمك عشان الفلوس؟ حنان أختك هي اللي دبرتلك المصيبة دي عشان تسدوا ديونكم؟!”
طارق رفع رأسه بسرعة، وعيونه كانت مبرقة، وهز رأسه بالنفي بعنف وجنون: “لا! لا يا نور.. كليتي سليمة! أنا مبعتش حاجة من جسمي.. أنا مبعتش!”
مسكته من كتفه وضغطت عليه: “أمال الجرح ده إيه؟ والشاش ده إيه؟ والمكالمات السرية مع حنان ليه؟ انطق قسماً بالله هلم هدومي وأمشي وأسيبلك البيت حالا!”
طارق مسك إيدي بلهفة، ودموعه مغرقة وشه، وبصلي بنظرة انكسار عمري ما هنسى كسرتها، وقال بصوت حشرج ميت: “حنان ملهاش ذنب.. حنان كانت بتساعدني أداري الج*ريمة اللي أنا وأمي عملناها في حقك!”
برقت عيني، وحسيت إن الهوا اكنس من الأوضة: “حقنا أنا؟ ج*ريمة إيه؟”
طارق نزّل رأسه في الأرض وصوته بقى همس مرعب: “من سنتين.. لما عملتي حادثة العربية الكبيرة، ودخلتي العناية المركزة.. الدكاترة قالوا إن الكبد عندك اتبهدل، وإنك بتموتي ومحتاجة نقل فص كبد فوراً وإلا مش هتعيشي أكام يوم.. فصيلة دمك كانت نادرة، ووالدتك متوفية وملكيش قرايب.. أنا اللي اتبرعتلك يا نور.. أنا اللي أديتك فص من كبدي عشان تعيشي!”
أنا تنحت.. عقلي مكنش مستوعب: “طب.. طب وليه تخبي؟ دي حاجة تخليني أشيلك فوق راسي طول عمري! وليه الجرح لسه مفتوح وبيتخيط دلوقتي بعد سنتين؟! أنت بتخرف بتقول إيه؟!”
طارق مسك دماغه بإيديه الاتنين وبدأ يصرخ بهستيرية: “لأن الجرح اللي في ضهري ده مش مكان تبرع الكبد يا نور!.. الجرح ده لسه معمول من أسبوعين بالظبط!”
سكت.. الأوضة بقت حتة من القبر.. سألته بصوت بيموت: “يعني إيه؟”
بصلي وعيونه مليانة جنون ورعب خالص، وقال الصدمة اللي هدت حياتي كلها:
“من أسبوعين، حنان أختي تعبت فجأة.. وجالها تليف كبدي حاد، والدكاترة قالوا لازم نقل فص كبد فوراً وإلا هتموت في خلال أيام.. أمي وأختي جم ركعوا تحت رجلي، بس أنا كبدي خلاص مكنش ينفع يتشال منه حاجة تاني بعد ما اتبرعتلك.. أمي قالتلي أختك هتموت يا طارق والحل عندك أنت ومرتك.. أنا رفضت.. والله العظيم رفضت أئذيكي يا نور! بس أمي حطتلي منوم في العصير هنا في البيت، وأختي جابت دكتور ملوش ضمير تحت السلم.. ونقلوكي وأنتِ غايبة عن الوعي تماماً للمستشفى بتاعة الدكتور ده.. وقالولي إنهم هياخدوا فص كبد منك لحنان وأنتِ مش هتحسي بحاجة، وهيفهموكي بعدين إنها مرارة أو أي حاجة!”
طارق بدأ يشهق بالبكاء وهو بيكمل الكارثة: “لكن وأنا واقف برا الأوضة ومغمى عليا من الخوف.. الدكتور خرج يجرى وهو مرعوب.. قالي أنا فتحت بطن مرتك عشان أخد الفص، بس لقيت كبدها أصلاً مشوه ومنتهي ومينفعش يتاخد منه سنتي واحد.. ولو لمسته هتموت في إيدي! الدكتور خاف يكمل وقفل بطنك فوراً.. وأمي لما لقت أختي بتموت قدامها والدكتور رافض يكمل.. مسكت الس*كينة وهددتني بدمها.. وفي لحظة جنون.. الدكتور قالي في حل تاني ينقذ أختك.. قالي إنك يا طارق فصيلة دمك مطابقة، وجسمك قوي، صحيح الكبد عندك ميساعفش.. بس رئة أختك بدأت تقف كمان.. وممكن ناخد “فص من الرئة بتاعتك” عن طريق الظهر.. ده الحل الوحيد اللي هيعيشها.. أنا وافقت يا نور.. وافقت عشان أنقذ أختي وعشان أمي متموتش نفسها.. وخلوا الدكتور يخيط ضهري في بيت أمي بالسر عشان متكتشفيش الكارثة اللي كنا هنعملها فيكي.. وعشان متعرفيش إن أمي وأختي كانوا مستعدين يقت*لوكي وياخدوا حتة منك وأنا واقف عاجز!”
أنا كنت بسمع الكلام.. وجسمي كله بيترعش.. حطيت إيدي تلقائياً على بطني.. وبدأت أرفع بيجامتي ببطء شديد.. وبصيت في المراية اللي جمب السرير..
ولقيت الصدمة اللي طيرت نفوخي..
تحت بطني.. كان فيه خط خياطة طويل.. أحمر.. ولسه جديد!
الدموع جفت في عيني.. وبصيت لطارق اللي كان بيبص لبطني برعب.. وفهمت الحقيقة المرعبة.. هما فعلاً فتحوا بطني.. هما فعلاً نهشوا لحمي وأنا نايمة وغيبت عن الوعي.. هما خانوني.. وأقرب الناس ليا كان هيقضي عليا!
لو عايزة تعرفي إيه اللي حصل لنور بعد ما شافت الجرح؟ وإزاي واجهت طارق وأهله بالخيانة البشعة دي؟
شوف الجزء الثانی من القصه